باب الإخلاص
12 أحاديثنتائج البحث
لا توجد نتائج مطابقة
1
باب الإخلاص
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرىءٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»
رواه البخاري ومسلم
فوائد الحديث
- (إنما الأعمال بالنيات) أي: إنما صحةُ الأعمال بالنيات.
- والمراد بالأعمال هنا، أعمال الجوارح كلها، حتى تدخل في ذلك الأقوال؛ فإنها عمل اللسان، وهو من الجوارح.
- والمسلم يضاعف له الثواب على أكله وشربه، وقيامه وقعوده، ونومه ويقظته، على حسَب نيته.
- والنية بالمعنى الذي ذكره الفقهاء، وهو تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض.
- النيّة محلها القلب.
- الإنسان يعطى على نيّته، ما لا يُعطى على عمله.
2
باب الإخلاص
عن عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ». قَالَتْ: قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ»
متفق عليه
فوائد الحديث
- (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ) أي: بأرضٍ واسعة مُتَّسعة،
- أسواقهم: الذين جاؤوا للبيع والشراء، ليس لهم قصدٌ سيئ في غزو الكعبة، وفيهم أُنَاس ليسوا منهم؛ تبعوهم من غير أن يعلموا بِخُطَّتِهِم،
- المقصود: أنَّ مَن شارك أهلَ الباطل، فإنه يكون معهم في العقوبة، إذا وقعت، تَعُمُّ المؤمن والكافر، ولا تترك أحدًا. ثم يوم القيامة يُبْعَثون على نيَّاتهم.
3
باب الإخلاص
عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال النبي، صلى الله عليه وسلم «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»
متفق عليه
فوائد الحديث
- المراد بهذا الحديث نفي الهجرة من مكة الى المدينة؛ لأن مكة بعد الفتح صارت بلاد إسلام،
- أما الهجرة على عمومها، لم تبطل بالفتح؛ بل إنها، لا تَنْقَطِعُ الهجرة من بلاد الكفر حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ. وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا.
- فمن كان في بلاد الشرك، وهو لا يستطيع إظهار دينه، فإنه يلزمه أن يهاجر إلى بلاد إسلامية، أو إلى بلاد يستطيع فيها إظهار دينه، إلا من عجز
- والجهاد، هو بذْل الجُهد في قتال الكفار
- ويُطلَق على مجاهدة: النفس، والشيطان، والفساق
- وأما النيّة، فهي للأعمال بمنزلة الرُّوح من الجسد
4
باب الإخلاص
عن جابر بن عبد الله الأنصاري، رضي الله عنهما، قال: كنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم في غزاة، فقال «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ؛ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ» وفي رواية «إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْر» رواه مسلم ورواه البخاري عن أنس، رضي الله عنه، قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال «إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا، وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا؛ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ»
فوائد الحديث
- قوله: «فِي غَزَاةٍ»، أي: في غزوة.
- فمعنى الحديث: أن الإنسان، إذا نوى العملَ الصالحَ، ولكنه حبسه عنه حابس؛ فإنه يُكْتَب له أجرُ ما نوى.
- وأيضًا، إذا كان يعمله لَمَّا كان قادرًا، ثم عجز عنه فيما بعد؛ فإنه يُكْتَب له أجرُ العمل كاملًا.
5
باب الإخلاص
عن معن بن يزيد، بن الأخنس، رضي الله عنهم، قال: كان أبي - يزيد - أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد. فجئت، فأخذتها، فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردتُّ. فخاصمته إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ»
رواه البخاري
فوائد الحديث
- جواز التوكيل بدفع الصدقة
- الإنسان يُكْتَب له أجرُ ما نوى؛ وإنْ وقع الأمر على خلاف ما أراد.
- أنه يجوز للإنسان أن يَتَصَدَّق على ابنه؛ بشرط ألا يكون في ذلك إسقاط لواجب عليه... كالنفقة؛ ولكن، لقضاء دينه جاز، ان كان من الغارمين.
6
باب الإخلاص
عن سعد بن أبى وقاص، رضي الله عنه، قال: جاءني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعودني عام حجة الوداع، من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي. أفأتصدَّق بثُلُثَيْ مالي؟ قال «لا». قلت: فالشَّطْرُ، يا رسول الله؟ قال «لا». قلت: فالثُّلُثُ يا رسول الله؟ قال «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثير -أو كبير. إنك، أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة، يتكففون الناس. وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها؛ حتى ما تجعل فِي فِيْ امرأتك» قال: فقلت، يا رسول الله، أُخلَّف بعد أصحابي؟ قال «إنك لن تخلف، فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله، إلا أزدت به درجة ورفعة. ولعلك، أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس، سعد بن خولة»
يرثي له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن مات بمكة. متفق عليه
مفردات الحديث
- يعودني: يزورني للسؤال والمواساة.
- تذر: تترك.
- عالة: فقراء.
- يتكففون الناس: يسألونهم ما في أكفّهم.
- أُخلّف بعد أصحابي؟: أُترك في مكّة بعد انصرافهم عنها؟
- ينتفع بك: هذا من إخباره صلى اللّه عليه وسلم بالغيب، وقد فتح سعد العراق فاهتدى على يديه أقوام فانتفعوا، وقتل على يديه كفّار فخسروا.
- البائس: من اشتدّت حاجته واشتدّ حزنه.
- يرثي له: يحزن له ويتوجع من أجله.
فوائد الحديث
- * يجوز ذكر المرض لغرض صحيح من نحو مداواة أو دعاء رجل صالح.
- * إباحة جمع المال من وجه حلال ولا يعدّ ذلك من الكنز إذا كان صاحبه يؤدّي حقّه.
- * الصدقة أو الوصية في مرض موت لا تجوز بأكثر من الثلث إلا بإجازة الورثة.
- * من كان صحيحًا ليس فيه مرض، أو فيه مرض يسير لا يُخشى منه الموت، فله أن يتصدّق بما شاء من ماله.
- * ينبغي للإنسان أن يستشير من هو أكمل منه رأيًا، وأكثر منه علمًا.
- * الإنفاق على العيال فيه أجر إذا قصد الإنسان به وجه الله تعالى.
7
باب الإخلاص
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكُم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من تعظيم الله تعالى، وخشيته ومراقبته.
- ضرورة الاهتمام بالقلب
- أول ما ينظر الله إليه من العبد قلبه، وهو محل التقوى، وموضع النيّة
- معنى النظر من الله هو الاحسان والرحمة والعطف
8
باب الإخلاص
عَنْ أبي مُوسَى الأَشعرِيِّ، رضي الله عنه، قالَ: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقاتِلُ شَجَاعَةً، ويُقاتِلُ حَمِيَّةً ويقاتِلُ رِياءً، أَيُّ ذلِك في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ «مَنْ قاتَلَ لِتَكُون كلِمةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيهِ - الحمية: أي الأنفة والعصبية - رياء: أي ليراه الناس
فوائد الحديث
- من كانت نيته نصرة الدين وإعزازه، فهو في سبيل الله
- أنَّ النِّيةَ الصَّالحةَ شرطٌ لقَبولِ العمَلِ عند اللهِ عزَّ وجلَّ
- أنَّ الفَضلَ الَّذي وَرَدَ في المُجاهدينَ يَختَصُّ بمَن قاتَلَ لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ تعالى
9
باب الإخلاص
عن أبي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بن الحارثِ الثَّقَفِيِّ، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال «إذا التقى المسلمانِ بسيفَيْهما فالقاتل والمقتول في النار» قلت: يا رسول الله، هذا القاتِل؛ فما بالُ المقتول؟ قال «إنّه كان حريصًا على قتل صاحبه»
متفق عليه
فوائد الحديث
- أن قصد الجريمة، والعزم عليه، والتصميم يعاقب به المرء، وإن لم تقع منه الجريمة
- سبب دخول المقتول النار هو عزمه وإصراره على قتل صاحبه، ولكنه عجز عنه
- قرر الفقهاء أن المقاتلة، المقصود بها هنا، هي ما كانت بدون تأويل سائغ، كمن يقاتل عصبية أو حمية، دون تبصر بالحق
- أنَّ قتالَ المسلِمِ لأخيه، بغيرِ وجهٍ شرعيٍّ، كبيرةٌ مِن الكبائرِ.
10
باب الإخلاص
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. وَذَلِكَ، أَنَّ أَحَدَهُمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ. فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ. وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللهُمَّ ارْحَمْهُ، اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ؛ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- لا يَنْهَزُهُ: أي، لا يخرجه؛ لا ينهضه؛ لا يدفعه.
فوائد الحديث
- خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ؛ يدل على اعتبار النيّة في حصول هذا الأجر العظيم.
- فضيلة من انتظر الصلاة مطلقاً، فلنغتنمها بملازمة مصلّانا بعد الصلاة
- الحدث والإيذاء في المسجد خطيئةٌ، يُحرم بهما المُحدث استغفار الملائكة
11
باب الإخلاص
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى، قال «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك. فمن همَّ بحسنةٍ، فلم يعملها، كتبها الله تبارك وتعالى عنده حسنةً كاملةً. وإن همَّ بها، فعملها، كتبها الله عشر حسناتٍ، إلى سبعمائة ضِعفٍ... إلى أضعافٍ كثيرةٍ. وإن همَّ بسيئةٍ، فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنةً كاملةً. وإن همَّ بها، فعملها، كتبها الله سيئةً واحدة»
متفق عليه
فوائد الحديث
- أن النبي، صلى الله عليه وسلم، يروي عن ربه، وهذا يسمى عند أهل العلم: حديثًا قدسيًّا.
- الهمُّ، يعني الإرادة، والنيّة بأن عقد عزمه عليها
- الحفظة من الملائكة يكتبون أعمال القلوب والجوارح معًا
- هذا الحديث بيَّن مقدار تفضُّل الله عز وجل على خلقه، ورأفته بهم
- قوله أضعاف كثيرة، وذلك بحسَب ما يحتفُّ بهذه الحسنة من قوة الإخلاص، وحُسن المتابعة للسُنّة، وتعدي النفع إلى الآخرين، وغير ذلك من أسباب المضاعَفة
- مضاعفة الحسنات فضلٌ، ومكافأة السيئات عدْلٌ
- من همّ بالسيئة، وسعى لفعلها، ثم عرض له عارض منعه من التمكن منها، فهذا، وإن لم يعمل السيئة، إلا أنه آثم بها
12
باب الإخلاص
عَن عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ. فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ. فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. قَالَ رجلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ، كَانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا. فَنَأَى بِي/ طَلَبُ الشَّجَرِ يَوْمًا، فَلَم أُرِحْ عَلَيْهمَا حَتَّى نَامَا. فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُما نَائِمَينِ، كَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَأَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبَثْتُ، والْقَدَحُ عَلَى يَدِي، أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرِقَ الفَجْرُ، والصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ. فاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ، إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابِتِغَاء وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ. فانْفَرَجَتْ شَيْئًا، لَا يَسْتَطيعُونَ الْخُروجَ مِنْهُ. قَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ، إِنَّهُ كانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمَّ، كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِليَّ - وفي رواية: كُنْتُ أُحِبُّهَا كأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ - فأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسِهَا. فامْتَنَعَتْ منِّي، حَتَّى أَلَمَّتْ بها سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءتْنِي.، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ ومائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْني وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفعَلَتْ. حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا - وفي رواية: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَينَ رِجْلَيْهَا - قالتْ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَانصَرَفْتُ عَنْهَا، وَهيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أعْطَيتُها. اللَّهُمَّ، إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ، فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمّ،َ اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، وأَعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ، غيرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهبَ. فَثمَّرْتُ أجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنهُ الْأَمْوَالُ. فَجَاءنِي بَعدَ حِينٍ، فَقالَ: يَا عبدَاللهِ، أَدِّ إِلَيَّ أجري. فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أجْرِكَ: مِنَ الْإِبِلِ، وَالبَقَرِ، والْغَنَمِ، والرَّقيقِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَاللهِ، لَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: لَا أسْتَهْزِئُ بِكَ. فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا. الَّلهُمَّ، إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابِتِغَاءَ وَجْهِكَ، فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- نأى بي طلب الشجر: أي، أبعد بي طلب الشجر، الذي يرعاه القطيع.
- لا أغبق: لا أشرب اللبن، وهو شرب آخر النهار بالعشيّ.
- الأهل: مثل الزوجة والأولاد. والمال: مثل الأرقاء.
- لم أرح: لم أرُدّ الإبل والغنم عند العشي إلى مأواها.
- يتضاغون: يصيحون من الجوع.
- ألمّت بها سنة: نزلت بها شدّة من شدائد ونوازل الدنيا.
- فثمّرت أجره: كثرته باستثماره
فوائد الحديث
- التوسل إلى الله سبحانه وتعالى يكون بصالح الأعمال؛ بالإخلاص والعفة، والأمانة والإصلاح.
- فضل برّ الوالدين وخدمتهما، وإيثارهما عمّن سواهما. وأنه من الأعمال الصالحة، التي تُفرَّج بها الكربات، وتزال بها الظلمات.
- فضل العفاف عن المحرمات، فهي من أفضل الأعمال.
- فضل أداء الأمانة، وإصلاح العمل للغير.
13
باب التوبة
عن أَبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «وَاللَّهِ إِنِّي لاَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- التَّوْبة: الرُّجُوعُ من الذَّنْبِ، والعودة من الخطأ، عن كل ما يبعد عن الله تعالى
- الاستغفار: طلب المغفرة
فوائد الحديث
- الاستغفار من النبي، صلى الله عليه وسلم، هو لإظهار العبودية لله تعالى، والشكر له على ما أولاه من النعم.
- توبته، صلى الله عليه وسلم، من انشغاله بالأمور المباحة، من أكل أو شرب، أو جماع أو نوم أو راحة، أو ذلك تَشريعًا وتعليمًا لأُمَّتِه.
- لم يقيد، صلى الله عليه وسلم الاستغفار، لا بـ (العدد) فمرة قال: مئة، ومرة قال: سبعين. ولم يقيده بـ (وقت) فيستغرق سائر اليوم.
14
باب التوبة
عَنْ الْأَغَرِّ بن يَسَار الْمُزَنِيِّ، رضي الله عنه، قال: قال رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يا أيها الناسُ، توبُوا إلى الله واستغفروهُ، فإنِّي أتوبُ في اليومِ إليه مِئةَ مرَّةٍ»
رواه مسلم
15
باب التوبة
عن أنس بن مالك، رضي الله عنه - خادم رسول الله، صلّى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلم «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم: سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة» متفق عليه وفي رواية لمسلم «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، وقَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ. فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي... وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»
مفردات الحديث
- سقط على بعيره: عثر على موضعه
- بخطامها: حبل يربط به البعير
فوائد الحديث
- أصل التوبة في اللغة: الرجوع، ولها ثلاثة أركان: الإقلاع ، والندم على فعل تلك المعصية، والعزم على ألا يعود إليها أبدا. فإن كانت المعصية لحق آدمي... فلها ركن رابع، وهو التحلل من صاحب ذلك الحق. وأصلها الندم، وهو ركنها الأعظم. واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة. وأنها واجبة على الفور، لا يجوز تأخيرها؛ سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة .
- تحقق صاحب الراحلة أنه سيموت في مكان، لا يدري به أحد. سيكون قبره في بطون السباع، وحواصل الطير. وعندما يجد راحلته في هذه الحالة يفرح. فهذه فرحة لا تعادلها فرحة. فالله أشد فرحاً بتوبة العبد، وهو أغنى الأغنياء، تبارك وتعالى؛ غني عنا وعن توبتنا.
- الفرح من المخلوق: قد يكون مع العلم بالشيء، وقد يكون مع الجهل به.
- الفرح من الله جل وعلا، مثل سائر الصفات، كالرضا والغضب، والرحمة والمحبة، وغير ذلك، كلها صفات تليق بالله، يجب إثابتها لله، على الوجه اللائق به، سبحانه وتعالى. وليست من جنس صفات المخلوقين.
- في هذا الحديث دليل على فرح الله - عز وجل- بالتوبة من عبده، إذا تاب إليه، وأنه يحب ذلك- سبحانه وتعالى- محبة عظيمة، ولكن، لا لأجل حاجته إلى أعمالنا وتوبتنا؛ فالله غني عنا. ولكن لمحبته سبحانه للكرم.
- وفيه دليل على أن الإنسان، إذا أخطأ في قول من الأقوال، ولو كان كفرًا سبق لسانه إليه؛ فإنه لا يؤاخذ عليه.
- وبركة الاستسلام لأمر الله، والخروج عن الحول والقوة.
16
باب التوبة
عن أبي مُوسى، عَبْدِاللَّهِ بنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ، رضِي الله عنه، عن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إِن الله تَعَالَى يبْسُطُ يدهُ بِاللَّيْلِ ليتُوب مُسيءُ النَّهَار، وَيبْسُطُ يَدهُ بالنَّهَارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مغْرِبِها»
رواه مسلم
17
باب التوبة
وعَنْ أبي هُريْرةَ، رضي الله عنه، قَالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تطلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغْرِبِهَا تَابَ الله علَيْه»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- سعة رحمة الله وإحسانه لعباده أن شرع لهم التوبة، وفتح لهم أبوابها.
- إن الله تعالى يبسط يد الفضل والإنعام والرضى، للعفو عن المذنبين النادمين... حتى تقوم الساعة.
- ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻳﻘﺒﻞ ﺗﻮﺑﺔ ﺍﻟﻌﺒﺪ، ﻭﺇﻥ ﺗﺄﺧﺮﺕ. ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺭﺓ ﺑﺎﻟﺘﻮﺑﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ؛ لأﻥ الإﻧﺴﺎﻥ لا ﻳﺪﺭﻱ، ﻓﻘﺪ يفاجئهُ ﺍﻟﻤﻮﺕ.
18
باب التوبة
وعَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمن، عَبْدِاللَّهِ بنِ عُمرَ بن الخطَّاب، رضيَ اللهُ عنهما، عن النَّبيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الله عزّ وجل يقْبَلُ توْبة العبْدِ مَا لَم يُغرْغرِ»
رواه الترمذي، وقال حديث حسنٌ
فوائد الحديث
- المقصود بالغرغرة بلوغ الروح الحلقوم.
- من تاب إلى الله، وهو يرجو الحياة، فإن توبته مقبولة.
19
باب التوبة
عن زر بن حبيش قال: أتيتُ صفوانَ بنَ عسَّالٍ، رضي الله عنه، أسألُه عن المسحِ على الخُفَّينِ؟ فقال: ما جاء بك يا زرُّ؟ فقلتُ: ابتغاءَ العلمِ. فقال: إنَّ الملائكةَ تضعُ أجنحَتَها لطالبِ العلمِ، رضًا بما يطلبُ. فقلتُ: إنه حكَّ في صدري المسحُ على الخُفَّينِ، بعد الغائطِ والبولِ. وكنتَ امرأً من أصحابِ النبيِّ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فجئتُ أسألُك: هل سمعتَه يذكرُ في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، كان يأمرُنا، إذا كنا سفرًا -أو مسافرين- أن لا ننزعَ خفافَنا ثلاثةَ أيامٍ ولياليهنَّ، إلا من جنابةٍ. لكن، من غائطٍ وبولٍ ونومٍ. فقلتُ: هل سمعتَه يذكرُ في الهوى شيئًا؟ قال: نعم، كنا مع رسولِ اللهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، في سفرٍ. فبينما نحن عنده، إذ ناداه أعرابيٌّ بصوتٍ له جَهْوَرِيٍّ: يا محمدُ؟ فأجابَه رسولُ اللهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، نحوًا من صوتِه «هاؤُم» فقلت له: ويحكَ، اغضضْ من صوتِك، فإنك عند النبيِّ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وقد نهيتَ عن هذا. فقال: واللهِ، لا أغضضُ. قال الأعرابيُّ: المرءُ يحبُّ القومَ، ولمَّا يلحقْ بهم؟ قال النبيُّ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ «المرءُ مع من أحبَّ يومَ القيامة». فما زال يحدثُنا حتى ذكر بابًا من المغربِ، مسيرةُ عرضِه، أو يسيرُ الراكبُ في عرضِه أربعين أو سبعين عامًا؛ قال سفيانُ، أحد الرواة: قِبل الشامِ، خلقَه اللهُ تعالى يومَ خلق السمواتِ والأرضَ، مفتوحًا للتوبةِ؛ لا يغلقُ حتى تطلعَ الشمسُ منه .
رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- حكَّ في صدري: وقع فيه شك.
- إلا من جنابة: أي مما يوجب الغسل.
- جهوريّ: شديد، عالّ.
فوائد الحديث
- حِرصِ التابعينَ على طَلبِ العِلمِ مِن الصَّحابةِ، رضِيَ اللهُ عنهم.
- فَضلُ طلبِ العِلمِ، وعِظَمُ منزلةِ طالبِ العِلمِ، واحتفاءُ الملائكةِ بطالبِ العلمِ.
- احتفاءُ الملائكةِ بطالبِ العلمِ، وتواضعها له.
- لا تقبل التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها.
- ظهور الساعة، يعني انقضاء التكليف.
20
باب التوبة
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ، قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لَا. فَقَتَلهُ، فَكَمَّلَ بهِ مئَةً. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ! ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وكَذَا، فإِنَّ بِهَا أُناسًا يَعْبُدُونَ اللهَ تَعَالَى، فاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، ولَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ. فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ، أَتَاهُ الْمَوْتُ. فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلَائِكَةُ الْعَذَابِ. فَقَالتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا، مُقْبِلًا بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى. وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَمًا - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أيَّتِهِمَا كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا، فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلَى الْأرْضِ الَّتِي أرَادَ؛ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» متفق عليه وفي رواية في الصحيح: «فَكَانَ إِلَى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا» وفي رواية في الصحيح أيضًا: «فَأَوحَى الله تَعَالَى إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَإِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بيْنَهُما، فَوَجَدُوهُ إِلَى هذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ» وفي رواية: «فَنَأى بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا»
فوائد الحديث
- سعة رحمة الله، وقبوله لتوبة التائبين، مهما عظمت ذنوبهم، وكبرت خطاياهم.
- لا بد من صدق النية... في طلب التوبة، وسلوك الطرق والوسائل المؤدية إليها، والمعينة عليها.
- استعظام الذنب هو أول طريق التوبة. وكلما صَغُرَ الذنب في عين العبد كلما عَظُمَ عند الله.
- منهجاً للدعاة، بألا ييأسوا من إنسان، مهما بلغت ذنوبه وخطاياه. فقد تكون هناك بذرة خير في نفسه، تحتاج إلى من ينميها، ويسقيها بماء الرجاء في عفو الله.
- أثر البيئة التي يعيش فيها الإنسان، والأصحاب الذين يخالطهم، على سلوكه وأخلاقه.
- هجر كل ما يذكر بالمعصية، ويغري بالعودة إليها.
- أهمية العلم وشرف أهله، وفضل العالِم على العابِد؛ فالعلماء هم ورثة الأنبياء.
21
باب التوبة
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يُحَدِّثُ بحَديثهِ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ، إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ؛ إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ الله، صلى الله عليه وسلم، والْمُسْلِمُونَ يُريدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهمْ، عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، لَيلَةَ الْعَقَبَةِ، حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ. وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا. وَكَانَ مِنْ خَبَري، حينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ، مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ. وَاللهِ، مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ. وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاستَقْبَلَ عَدَدًا كَثِيرًا. فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ، لِيتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُريدُ، وَالْمُسلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ - يُرِيدُ بِذَلِكَ: الدِّيوَانَ – قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى بِهِ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللهِ. وَغَزَا رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهُ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئًا، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ. فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِيَ حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازِي شَيْئًا. ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ، وَلَمْ أقْضِ شَيْئًا. فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِيَ حَتَّى أَسْرَعُوا، وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَني فَعَلْتُ. ثُمَّ لم يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ، إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ، بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يَحْزُنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِيَ أُسْوَةً، إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ في النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الضُّعَفَاءِ. وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: بِئْسَ مَا قُلْتَ! وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم. فَبَيْنَا هُوَ عَلى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ»، فَإذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي. فَلَمَّا قِيْلَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَدًا، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ. وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ؛ وَكَانُوا بِضْعًا وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، حَتَّى جِئْتُ. فَلَمَّا سَلَّمْتُ، تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ «تَعَالَ»، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي «مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ»؟ قَالَ: قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي وَاللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأيتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ؛ لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ. وَإِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَاللهِ، مَا كَانَ لِيَ مِنْ عُذْرٍ. وَاللهِ، مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ». وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللهِ، مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هذَا. لَقَدْ عَجَزْتَ فِي أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، لَكَ. قَالَ: فَوَاللهِ، مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُّ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي. ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ، قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ. قَالَ: قُلْتُ، مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذَكَرُوا لِيَ رَجُلَينِ صَالِحَينِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا؛ فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي. ونَهَى رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، عَنْ كَلَامِنَا، أيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ - أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا - حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِي الْأَرْضَ، فَمَا هِيَ بِالْأرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا، وقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ. وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَومِ، وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ، فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ. وَآتِي رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْه برَدِّ السَّلَامِ، أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي. حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وأَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ. فَوَاللهِ، مَا رَدَّ عَليَّ السَّلَامَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ باللهِ، هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَسَكَتَ. فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ. فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ أهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءنِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتبًا، فَقَرَأْتُهُ، فإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بدَارِ هَوانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بنَا نُوَاسِكَ. فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيضًا مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا. حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسينَ، وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، إِذَا رسولُ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ فَقالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ، فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الْأَمْرِ. فَجَاءَتِ امْرَأةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ «لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ». فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللهِ، مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَاللهِ، مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ، إِلَى يَومِهِ هَذَا. فَقَالَ لي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أَذِن لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم. وَمَا يُدْرِيني مَاذَا يقُولُ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ؟ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ! فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنا خَمْسُونَ لَيْلَةً، مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحالِ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، فَآذَنَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبشَارَتِهِ، وَاللهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهنِّئونَنِي بِالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهُ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيرُهُ، فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ». فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ، يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْ مِنْ عِندِ الله؟ قَالَ «لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ». وَكَانَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِذَا سُرَّ، اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم «أَمْسِكَ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا أنْجَانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا... مَا بَقِيتُ. فَوَاللهِ، مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَبْلَاهُ اللهُ تَعَالَى فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ، مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللهُ تَعَالَى. وَاللهِ، مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى يَومِيَ هَذَا. وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ تَعَالَى فِيمَا بَقِيَ. قَالَ: فأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ حَتَّى بَلَغَ ... إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ حَتَّى بَلَغَ اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ التوبة: 117 – 119 قَالَ كَعْبٌ: وَاللهِ، مَا أَنْعَمَ اللهُ عَليَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ، بَعْدَ إِذْ هَدَانِي اللهُ لِلْإِسْلَامِ، أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدقِي رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ، كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ، شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ؛ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ التوبة: 95 – 96 قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا، أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ، عَنْ أمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ. وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللهُ تَعَالَى فِيهِ بِذَلِكَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا؛ وَليْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخلُّفُنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ. متفق عليه وفي رواية: أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، خَرَجَ فِي غَزْوَةِ تَبْوكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. وفي رواية: وَكَانَ لَا يَقْدُمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا، فِي الضُّحَى. فَإِذَا قَدِمَ، بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.
مفردات الحديث
- عير قريش: الإبل
- ورّى بغيرها: سترها
- مفاز: البرِّيَّة القفر
- أصعر: أعرض
- لمزه المنافقون: عابوه واحتقروه
- نَبَطيّ: الماء من قاع البئر
فوائد الحديث
- أن الإنسان لا ينبغي له أن يتأخر عن فعل الخير، بل لا بد أن يتقدم، ولا يتهاون أو يتكاسل.
- أن الله سبحانه وتعالى قد يَمُنُّ على العبد، فيعصمه من المعصية... إذا علم من قلبه حسن النية.
- يقيِّض الله للإنسان ما يجعله يدع الشر، اقتداء بغيره، وتأسيًا به.
- شدة امتثال الصحابة لأمر النبي، صلى الله عليه وسلم.
- أنه يجب التحرز من أصحاب الشر، وأهل السوء الذين ينتهزون الضعف في الإنسان، والفرص في إضاعته وهلاكه.
- أن المنافقين يلمزون المؤمنين.
- أنه ينبغي مكافأة من بشرك بهدية، تكون مناسبة للحال.
- كمال يقين، وقوة إيمان كعب بن مالك، رضي الله عنه، في دين الله، وأنه من المؤمنين الخلص.
- حرص الصحابة، رضي الله عنهم، على التسابق إلى البشرى؛ لأن البشرى فيها إدخال السرور على المسلم.
- إن مَن أنعم الله عليه بنعمة، فإن من السنة ان يتصدق بشيء من ماله، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، أقر كعب بن مالك على أن يتصدق بشيء من ماله، توبة إلى الله عز وجل.
- الفسق من أسباب انتفاء رضا الله عن العبد، والطاعة من أسباب الرضا.
22
باب التوبة
عَنْ عِمْرانَ بْنِ الحُصيْنِ الخُزاعيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرأَةً مِنْ جُهينةَ أَتَت رَسُولَ الله ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فقَالَتْ: يَا رسول الله، أَصَبْتُ حَدّاً فأَقِمْهُ عَلَيَّ. فَدَعَا نَبِيُّ الله ﷺ وَليَّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِليْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي» فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُها، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فرُجِمتْ، ثُمَّ صلَّى عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ؟! قَالَ «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْن سبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المدِينَةِ لوسعتهُمْ. وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنفْسهَا للَّهِ عزّ وجلّ»
؟ رواه مسلم
مفردات الحديث
- لوسعتهم: لكفتهم.
- جادت بنفسها: بذلتها لنيل مغفرة الله.
فوائد الحديث
- الجلد ثابت في كتاب الله تعالى على البكر، والرجم ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الثيب، وكان ممّا أُنزل من القرآن ثم نُسخ تلاوة لا حكما.
- حرص المؤمن على تطهير نفسه ليلقى الله عز وجل وهو راضٍ عنه.
- جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنى من أجل تطهيره بالحد لا من أجل فضحه نفسه.
- المؤمن يحرص ويحذر شر الذنوب ويبادر إلى التوبة منها.
- من تاب من الذنب وجاء يطلب إقامة الحد يقام عليه الحد، ومن تاب بينه وبين الله وستره الله فلا حاجة يكفيه التوبة والحمد لله،
23
باب التوبة
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ ذَهبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ»
مُتَّفَقٌ عَليْهِ
فوائد الحديث
- عبر بالوادي من ذهب للمبالغة في الكثرة.
- حرص الإنسان على جمع المال وحب الاستكثار منه.
- لا حرج في طلب التوسعة في الدنيا ولكن المذموم الانشغال بها عن الطاعات.
- التوبة من أهم الواجبات، والله يقبل توبة التائبين.
24
باب التوبة
وَعَنْ أبي هريرة، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَضْحكُ اللَّهُ سبحانه وتعالى إِلَى رَجُلَيْنِ يقْتُلُ أحدُهُمَا الآخَرَ يدْخُلاَنِ الجَنَّة، يُقَاتِلُ هَذَا في سبيلِ اللَّهِ فيُقْتل، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيسْلِمُ فيستشهدُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- الأول قُتل في سبيل الله، والثاني أسلم وقتل في سبيل الله أيضاً.
- كل من قتل في سبيل الله فهو في الجنّة.
- لا يلزم من تساوي الرجلين في دخول الجنّة تساويهما في المنزلة.
- التوبة من أفضل نعم الله على العباد.
25
باب الصبر
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الحارث بن عاصم الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- شطر: نصف.
- برهان: دليل على صدق الإيمان.
- الصبر: حبس النفس.
- ضياء: هو شدة النور.
- حجة: برهان ودليل.
- يغدو: يذهب باكرًا.
- معتقها: مخلصها.
- موبقها: مهلكها.
فوائد الحديث
- الحث على الطهور، وبيان منزلته من الدين، وأنه شطر الإيمان، وعظيم فضل الطهارة من الأحداث والأخباث.
- بيان فضل التسبيح والتحميد، فكلمة الحمد لله تملأ الميزان، لعظم فضلها ودلالتها على ثناء العبد على الله.
- أن أفعال بني آدم وأقوالهم يكون لها جرم يوم القيامة وتوزن بالميزان.
- الحث على الصلاة لأنها، فريضة كانت أو نافلة، هي نور لما فيها من إضاءة قلب المؤمن وانشراح صدره وكفه ومنعه من المعاصي وحمايته من المنكرات والفواحش.
- الصدقة دليل وبرهان على صدق إيمان المنفق ومحبته لله لأن المال محبب للنفوس والنفوس مجبولة على إمساكه ومنعه.
- الصبر بأنواعه خير والصبر من أجلّ أعمال القلوب.
- من عمل بالقرآن فهو حجة له، ومن لم يعمل بالقرآن فهو حجة عليه.
- أن كل إنسان لا بد أن يعمل؛ فإما أن يعتق نفسه، أو يوبقها.
26
باب الصبر
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِندَهُ، فَقَالَ لَهُمْ، حِينَ أَنْفْقَ كُلَّ شَيءٍ بِيَدِهِ «مَا يَكُنْ عِنْدي مِنْ خَيْر فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْر»
متفق عليه
مفردات الحديث
- نفد: فني وانتهى.
- يستعفف: يطلب العفاف، والكفّ عن الحرام.
فوائد الحديث
- حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاستعفاف والاستغناء والصبر.
- الغني غني القلب، فإذا استغنى الإنسان أغناه الله عن الناس، وجعله عزيز النفس بعيدًا عن السؤال.
- الصبر له منزلة عظيمة، والصبر يأتي بالتصبر.
- والصبر ثلاثة أقسام: الصبر عن المعاصي والصبر على الطاعات والصبر عند الشدائد المصيبات وأفضلها الصبر عن المعاصي.
27
باب الصبر
عن صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤمنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- عجباً: تعجب إنكار.
- سراء: الرخاء والسعة.
- ضراء: الشدة والحزن.
فوائد الحديث
- المؤمن دائماً في نعمةٍ وخيرٍ من الله، وفي ذلك حثٌ على الإيمان.
- الشكر على الخير والسراء سببٌ من أسباب زيادة النعم.
- يعتبر الصبر على البلاء خصلةً من خصال الإيمان.
- غير المؤمن يفرح إن أصابه خير، ويسخط على الله إن إصابه ضراء ، ويتذمّر والعياذ بالله.
28
باب الصبر
عَنْ أنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ، صلى الله عليه وسلم، جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: وَاكَربَ أَبَتَاهُ، فَقَالَ «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ». فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، إِلَى جبْرِيلَ نَنْعَاهُ! فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، التُّرَابَ؟!
رواه البخاري
مفردات الحديث
- كرب: الحزن والغم.
- مأواه: المأوى: المنزل.
- ننعاه: إذاعة موته، وندبه.
- تحثوا: ترموا.
فوائد الحديث
- للصبر منزلة عالية، تُنال بامتحان واختبار من الله عز وجل، لأنه لا صبر إلا على مكروه.
- رسول الله صلى الله عليه وسلم كغيرة من البشر، يمرض ويجوع، ويعطش، ويبرد ويتألم ويموت.
- يجوز الحزن التوجع عند فراق الميت من غير اعتراض على قدر الله عز وجل.
29
باب الصبر
عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم وَحِبِّه، وَابْنِ حِبِّهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبيِّ، صلى الله عليه وسلم: إِنَّ ابْنِي قَدِ احْتُضِرَ، فَاشْهَدنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ «إِنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». فَأَرسَلَتْ إِلَيْهِ، تُقْسِمُ عَلَيهِ لَيَأْتِينَّهَا، فَقَامَ، وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَرجَالٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، الصَّبِيُّ، فَأَقْعَدَهُ فِي حِجْرِهِ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟ فَقالَ «هذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ» وفي رواية «فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَمَاءَ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- احتُضِر: حضر، ودنا موته.
- فَلْتَصْبِرْ: تحتسب الأجر على الله بصبرها.
- ولتحتسب: تطلب الأجر والثواب من الله.
- حجره: حضنه.
- تقعقع: تتحرك وتضطرب.
- فَإِنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى. هذه الجملة عظيمة؛ إذا كان الشيء كله لله، إن أخذ منك شيئًا... فهو ملكه. وإن اعطاك شيئًا، فهو ملكه. فكيف تسخط؟
- وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى: كل شيء عنده بمقدار.
- الحث على الصبر والرحمة والشفقة والتسليم لقضاء الله.
- التعزية هي التصبير والحمل على الصبر بذكر ما يسلي المصاب، ويخفف حزنه ويهون عليه.
30
باب الصبر
وَعَنْ صُهَيْبٍ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كَانَ مَلِكٌ فيِمَنْ كَانَ قبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِك: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ، فَابعَثْ إِلَيَّ غُلاَماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاَماً يعَلِّمُهُ. وَكَانَ في طَريقِهِ، إِذَا سَلَكَ، رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ كَلاَمهُ فأَعْجَبهُ. وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بالرَّاهِب، وَقَعَدَ إِلَيْه. فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ، ضَرَبَهُ. فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، قالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِر، فَقُلْ: حبَسَنِي أَهْلي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحرُ. فَبيْنَمَا هُو عَلَى ذَلِكَ، إذْ أتَى عَلَى دابَّةٍ عظِيمَة قدْ حَبَسَت النَّاس، فَقَالَ: اليوْمَ أعْلَمُ؛ السَّاحِرُ أفْضَل، أم الرَّاهبُ أفْضلَ؟ فأخَذَ حجَراً، فقالَ: اللهُمَّ، إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهب أحَبَّ إلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فاقتُلْ هَذِهِ الدَّابَّة، حتَّى يمْضِيَ النَّاسُ. فرَماها، فقتَلَها ومَضى النَّاسُ. فأتَى الرَّاهب فأخبَرهُ. فَقَالَ لهُ الرَّاهبُ: أىْ بُنيَّ، أَنْتَ اليوْمَ أفْضلُ منِّي. قدْ بلَغَ مِنْ أمْركَ مَا أَرَى، وإِنَّكَ ستُبْتَلَى. فإنِ ابْتُليتَ فَلاَ تدُلَّ عليَّ. وكانَ الغُلامُ يبْرئُ الأكْمةَ والأبرصَ، ويدَاوي النَّاس مِنْ سائِرِ الأدوَاءِ. فَسَمعَ جلِيسٌ للملِكِ كانَ قدْ عمِىَ، فأتَاهُ بهداياَ كثيرَةٍ فقال: ما هاهُنَا لَكَ أجْمَعُ إنْ أنْتَ شفَيْتني. فَقَالَ إنِّي لا أشفِي أحَداً، إِنَّمَا يشْفِي اللهُ تعَالى. فإنْ آمنْتَ بِاللَّهِ تعَالَى دعوْتُ اللهَ، فشَفاكَ. فآمَنَ باللَّه تعَالى، فشفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى. فأتَى المَلِكَ، فجَلَس إليْهِ كَما كانَ يجْلِسُ، فقالَ لَهُ المَلكُ: منْ ردَّ علَيْك بصَرك؟ قَالَ: ربِّي. قَالَ: ولكَ ربٌّ غيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وربُّكَ اللهُ. فأَخَذَهُ، فلَمْ يزلْ يُعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الغُلاَمِ. فجئَ بِالغُلاَمِ، فَقَالَ لهُ المَلكُ: أيْ بُنَيَّ، قدْ بَلَغَ منْ سِحْرِك مَا تبْرئُ الأكمَهَ والأبرَصَ، وتَفْعلُ وَتفْعَلُ. فقالَ: إِنَّي لا أشْفي أَحَداً، إنَّما يشْفي الله تَعَالَى. فأخَذَهُ، فَلَمْ يزَلْ يعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الرَّاهبِ. فجِئ بالرَّاهِبِ، فَقيلَ لَهُ: ارجَعْ عنْ دِينكَ، فأبَى. فدَعا بالمنْشَار، فوُضِع المنْشَارُ في مفْرقِ رأْسِهِ، فشقَّهُ حتى وقَعَ شقَّاهُ، ثُمَّ جيء بجَلِيسِ المَلكِ، فقِيلَ لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ، فأبَى، فوُضِعَ المنْشَارُ في مفْرِقِ رَأسِهِ، فشقَّهُ به حتَّى وقَع شقَّاهُ. ثُمَّ جيء بالغُلامِ، فقِيل لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ. فأبَى، فدَفعَهُ إِلَى نَفَرٍ منْ أصْحابِهِ فَقَالَ: اذهبُوا بِهِ إِلَى جبَلِ كَذَا وكذَا، فاصعدُوا بِهِ الجبلَ، فإذَا بلغتُمْ ذروتهُ، فإنْ رجعَ عنْ دينِهِ وإِلاَّ فاطرَحوهُ. فذهبُوا بِهِ، فصعدُوا بهِ الجَبَل، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شئْت، فرجَف بِهمُ الجَبَلُ، فسَقطُوا. وجَاءَ يمْشي إِلَى المَلِكِ، فقالَ لَهُ المَلكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فقالَ: كفانيهِمُ الله تعالَى. فدفعَهُ إِلَى نَفَرَ منْ أصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذهبُوا بِهِ فاحملُوه في قُرقُور، وَتَوسَّطُوا بِهِ البحْرَ، فإنْ رَجَعَ عنْ دينِهِ، وإلاَّ فَاقْذفُوهُ. فذَهبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شِئْت، فانكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفينةُ فغرِقوا. وجَاءَ يمْشِي إِلَى المَلِك. فقالَ لَهُ الملِكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فَقَالَ: كفانِيهمُ الله تعالَى. فقالَ للمَلِكِ، إنَّك لسْتَ بقَاتِلِي، حتَّى تفْعلَ مَا آمُركَ بِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تجْمَعُ النَّاس في صَعيدٍ واحدٍ، وتصلُبُني عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ خُذ سهْماً مِنْ كنَانتِي، ثُمَّ ضعِ السَّهْمِ في كَبدِ القَوْسِ، ثُمَّ قُل: بسْمِ اللَّهِ، ربِّ الغُلاَمِ... ثُمَّ ارمِنِي، فإنَّكَ، إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ... قَتَلْتنِي. فجَمَع النَّاس في صَعيدٍ واحِدٍ، وصلَبَهُ عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سهْماً منْ كنَانَتِهِ، ثُمَّ وضَعَ السَّهمَ في كبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِسْم الله رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ رمَاهُ فَوقَعَ السَّهمُ في صُدْغِهِ، فَوضَعَ يدَهُ في صُدْغِهِ فمَاتَ. فقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلاَمِ، فَأُتِىَ المَلكُ، فَقِيلُ لَهُ: أَرَأَيْت مَا كُنْت تحْذَر؛ قَدْ وَاللَّه، نَزَلَ بِك حَذرُكَ. قدْ آمنَ النَّاسُ. فأَمَرَ بِالأخدُودِ بأفْوَاهِ السِّكك، فخُدَّتَ وَأضْرِمَ فِيها النيرانُ، وقالَ: مَنْ لَمْ يرْجَعْ عنْ دينِهِ فأقْحمُوهُ فِيهَا، أوْ قيلَ لَهُ: اقْتَحمْ، ففعَلُوا. حتَّى جَاءتِ امرَأَةٌ ومعَهَا صَبِيٌّ لهَا، فَتقَاعَسَت أنْ تَقعَ فِيهَا. فَقَالَ لَهَا الغُلاَمُ: يَا أمَّاهْ، اصبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَي الحَقِّ»
روَاهُ مُسْلَمٌ
مفردات الحديث
- الأكمه: يولد أعمى
- كنانتي: الجعبة التي فيها السهام
- كبد القوس: مجرى السهم من القوس
- صدغه: بين العينين والأذنين
- بأفواه السّكك: الزقاق والطريق
فوائد الحديث
- جواز الكذب لإنقاذ النفس أو الغير من الهلاك، أو للإصلاح
- اعتراف العالم بالفضل، لمن هو أفضل منه، كاعتراف الراهب للغلام بالفضل.
- الله جل وعلا، قد نفع به، يبرئ الأكمة والأبرص، ويشفي المريض من أمراض كثيرة، بسبب ما تعلم من الراهب. ويقول للناس: إني لا أشفي، إنما يشفي الله؛ إنما أنا أتسبب، والشافي هو الله سبحانه وتعالى.
- التضحية في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، وإظهار الحقّ.
- المؤمن لا بدّ أن يُبتلى بهذه الدار، فالواجب عليه الصبر.
- شرعنا جاء بالرخصة في الإكراه، وجواز الأخذ بالعزيمة.
- الملك الجائر الخبيث، فيمن قبلنا، كان عنده ساحر يخبره ببعض المغيبات، التي يسترقها من الشياطين، التي تسترق السمع من السماء... فمنعت عند ولادة النبي، صلى الله عليه وسلم.
- هذه القصة ذكرت في سورة البروج قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُود
31
باب الصبر
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَال: «اتَّقِي الله وَاصْبِرِي» فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنِّكَ لَمْ تُصَبْ بمُصِيبتي، وَلَمْ تعْرفْهُ، فَقيلَ لَها: إِنَّه النَّبِيُّ ﷺ، فَأَتتْ بَابَ النَّبِّي ﷺ، فلَمْ تَجِد عِنْدَهُ بَوَّابينَ، فَقالتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فقالَ: «إِنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولَى»
متفقٌ عَلَيهِ. وفي رواية لمُسْلمٍ: تَبْكِي عَلَى صَبيٍّ لَهَا
مفردات الحديث
- اتقي الله: خافي غضبه، كأنّه كان في بكائها قدر زائد من نوحٍ.
- الصّدمة: المكروه يحصل بغتة.
فوائد الحديث
- أساءت المرأة الأدب مع النبي من شدة وقع المصيبة عليها.
- حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، ودعوته إلى الحق وإلى الخير.
- الإنسان يُعذر بالجهل، سواء أكان جهلًا بالحكم الشرعي أم جهلًا بالحال.
- جواز زيارة النساء للقبور لأنه لو كان منكراً لنهاها النبيّ صلى الله عليه وسلم.
- ملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع احتمال الأذى عند بذل النصيحة.
- الصبر الذي يحمد هو ما كان عند مفاجأة المصيبة.
- المصائب مقدرة، وقد مضى بها علم الله وتقديره، فعليك بالصبر والاحتساب وعدم الجزع وسؤال الله تعالى أن يمنحك الصبر وأن يعوضك خيرًا مما أخذ منك وأن يضاعف لك الأجر.
32
باب الصبر
عَنْ أَبي هَرَيرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قالَ «يَقولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبهُ إِلاَّ الجَنَّة»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- صفيّه: محبوبه، كالولد والأخ و...
- احتسبه: طلب الأجر من الله تعالى.
فوائد الحديث
- إذا احتسب فالله يجازيه على ذلك بالجنة والكرامة، وإن جزع فليس له إلا الجزع ليس له إلا الغضب.
- يخفف من وقع المصيبة أن يتأمل العبد الأجر اذا احتسبه.
- المؤمن ينبغي أن يكون صبورًا عند البلاء، شكورًا عند الرخاء.
- الجزع لا يرد الفائت، ولا يرد المصيبة... ولكن يأتي بالوزر والإثم.
- المبادرة إلى طلب الأجر عند المصيبة.
- الإيمان أساس العمل الصالح، المعين على الصبر.
33
باب الصبر
عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ «كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ فِي الطَّاعُونِ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيد»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- الطاعون: وباء معين، وقيل: إنه كل وباء عام يحل بالأرض، فيصيب أهلها ويموت الناس منه.
فوائد الحديث
- قال فيه رسول الله ﷺ «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقَدُمُوا عَلَيْهِ. وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» - لأنك مهما فررت من قدر الله، إذا نزل، لن يغني عنك من الله شيئًا.
- إذا صبر وبقي، واحتسب الأجر، وعَلِم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ثم مات به، فإنه يُكتب له مثل أجر الشهيد. وهذا من نعمة الله عز وجل.
- المقصود بالشهادة هنا، هي أنه يحصل له أجر الشهيد... بأحكام الآخرة، وليس ذلك بحسب الدنيا.
- في الحديث دلالة نصية صريحة على أن الله تعالى يعذب بالأمراض التي تنتشر في الناس.
- ويدل على ذلك الحديث «وما انتشرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا عمتهم الأوجاع والطواعين التي لم تكن في أسلافهم»
- نسوا أن الله تعالى يمهل ولا يهمل.
34
باب الصبر
وعَنْ أَنسٍ، رضي الله عنه، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ «إنَّ اللَّه عز وجل قال: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبدِي بـ (حبيبتَيْهِ) فَصبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجنَّة»
يُريدُ عينيْه رواه البخاريُّ
فوائد الحديث
- هذا الحديث من جملة الأحاديث القدسية.
- بحبيبتيه: يريد عينيه.
- ابتلاء الله عبده في الدنيا، ليس من سخطه عليه، بل، إما لدفْع مكروه، أو لكفَّارة ذنوبٍ، أو لرفع منزلةٍ. فإذا تلقَّى ذلك بالرضا، تَمَّ له المراد (الجنة).
- المؤمن يَصبر، مستحضرًا ما وعد الله به الصابر من الثواب.
35
باب الصبر
عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَباحٍ، قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَلَا أُرِيَكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّودَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِني أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ تَعَالَى لِي. قَالَ «إِنْ شِئْتِ، صَبَرتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ. وَإِنْ شِئْتِ، دَعَوتُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُعَافِيَكِ»
فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفُ، فَدَعَا لَهَا. متفق عليه
فوائد الحديث
- المرأة السائلة: هي أُمُّ زُفر الحبشِية الأسدية، السوْداء، الطّويْلة، الصحابيّة الصّابرة. قيل إنها ماشطة خديجة، رضي الله عنها، التي كانت تغشى النبي ﷺ، بعد وفاة خديجة، رضي الله عنها، فيكرمها.
- "أُصْرَعُ": والصَّرْعُ؛ مرض يطرحُ المريض بالأرض.
- الصرع، نعوذ بالله منه، نوعان: قسم صرع، بسبب تشنج الأعصاب. وهذا مرض عضوي، يمكن أن يعالج من قِبَل الأطباء. وقسم آخر بسبب الشياطين والجن.
- في الحديث بشارة عظيمة، وفضيلة ظاهرة للصّابر على الصّرع وبلواه، بتكفير الخطايا، وزيادة الحسنات، ودخول الجنة.
- وفيه التخيير النبوي الحكيم؛ يؤكد العناية برأي المرأة! في تقرير مصيرها.
- وفيه أن الأخذ بالشدة أفضل، لمن علم من نفسه أنه يطيق الصبر عليها، ولا يضعف عن التزامها.
- وفيه تميّزُ تلك المرأة بخلق الحياء، وتمسكها به، واعتزازُها المتين يأبى أن تتخلى عنه في أصعب المواقف، حيث تصرع، وتسقط على الأرض، فتنكشف ويبدو شيء من جسدها!
- هذا الحياء، ثمرة من ثمرات إيمانها. يلحُّ عليها أن تسأل رسول الله ﷺ الدعاء لها بالستر والحشمة! وإن كانت معذورة بالصرع، مضمونةً لها الجنة. - فأين بنات المسلمين من هذه؟!
36
باب الصبر
عن عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَهُوَ يَقُولُ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»
متفق عليه
فوائد الحديث
- هذا الحديث، يحكي النبي ﷺ فيه شيئًا مما جرى لنبي من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام
- ضربوه ضرباً سال منه الدم، وهذا يدل على أنه مبرح، ضرب شديد مدمٍ.
- الله، تبارك وتعالى، يبتلي الرّسل، ويصيبهم من العناء والأذى من الناس ما يكون رفعة لدرجاتهم، وذلك أعظم في أجورهم.
- فهم أهل لها في التحمل، والتبليغ والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ذلك. وكان الرسل، عليهم الصلاة والسلام، يُؤْذَون بالقول وبالفعل.
- دعا لهم الرسول بالمغفرة، التي تتضمن الستر، والتجاوز عن الإساءة، واعتذر لهم أيضاً على هذه الإساءة، فإنهم لا يعلمون. فالفاء للتعليل... أنهم فعلوا ذلك لجهلهم، لعدم علمهم.
- يقول «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» وهذا غاية ما يكون من الصبر؛ لأن الإنسان لو ضُرِب على شيء من الدنيا لاستشاط غضبًا، وانتَقم ممن ضربه.
- والعبرة من هذا أن نصبر على ما نُؤذَى به، من قول أو فعل، في سبيل الدعوة إلى الله. فالعفو من صفات الجمال والكمال الخُلقي، ولنبينا، صلى الله عليه وسلم، النصيب الأوفى منه.
37
باب الصبر
عنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة، رضيَ اللَّه عَنْهُمَا، عن النَّبيِّ ﷺ، قَالَ «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن، وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ؛ حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه»
متفقٌ عَلَيهِ
مفردات الحديث
- النصب: التعب.
- الوصب: المرض
- الأذى: هو كل ما لا يلائم النفس.
- الغم: هو أبلغ من الحزن يشتد بمن قام به.
- يشاكها: تشكه، وتدخل في جسده.
- خطاياه: ذنوبه.
فوائد الحديث
- الإنسان، بما يصيبه من الهمّ والنّصب، والغم وغير هذا، تكون تكفيرًا لسيئاته، وحطًا لذنوبه.
- الإنسان، إذا أصيب، ولو بشوكة، فليتذكر الاحتساب من الله على هذه المصيبة.
- من نعم الله سبحانه وتعالى، وجوده وكرمه، حيث يبتلي المؤمن، ثم يثيبه على هذه البلوى، أو يكفر عنه سيئاته.
38
باب الصبر
عن ابْن مسْعُود، رضي الله عنه، قَالَ: دَخلْتُ عَلى النَبيِّ ﷺ، وَهُو يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رسُولَ اللَّه، إِنَّكَ تُوعكُ وَعْكاً شَدِيداً. قَالَ «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُم». قُلْتُ: ذلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْريْن؟ قَالَ «أَجَلْ، ذَلك كَذَلك. مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شوْكَةٌ فَمَا فوْقَهَا، إلاَّ كَفَّر اللَّه بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحطَّتْ عنْهُ ذُنُوبُهُ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجرةُ وَرقَهَا»
متفقٌ عَلَيهِ
مفردات الحديث
- الوعك: مَغْثُ الحمى أي ألمها.
فوائد الحديث
- النبي ﷺ، وهو أفضل من وطئ على الأرض ﷺ، كان يصيبه من ألم الحمى ما يقع على رجُلين اثنين.
- المُسلِم يُصِيبُه أذًى، من مَرَض فما سواه، ويصبر عليه، إلَّا كفَّر اللهُ سيِّئاتِه كما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ اوراقها.
39
باب الصبر
عنْ أَبي هُرَيرة، رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ»
رواه البخاري
فوائد الحديث
- من أراد الله تعالى به خيراً في الدنيا وفي الآخرة، برفع الدرجات، وحطِّ الخطايا والسيئات، وتعظيم الأجور، فإنه يرسل إليه ألوان المكاره، فيصب منه في نفسه، بالأوجاع والأمراض، والهموم والأمور المؤلمة المتنوعة، التي يسوقها إليه، مما يكدر خاطره.
40
باب الصبر
عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوتَ لِضُرٍّ أَصَابَهُ. فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيرًا لِي، وَتَوفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي»
متفق عليه
فوائد الحديث
- لضُرّ أَصَابَهُ: يعني بذلك الضرر الدنيوي، كالمرض والابتلاء في المال والأولاد، وما أشبه ذلك.
- نهى النبي ﷺ، إذا نزل الضر بإنسان، يعجز عن التحمل، ويتعب، أن يتمنى الموت؛ سواء قال ذلك بلسانه أو بقلبه.
- أما إذا خاف ضرراً في دينه، كالفتنة، فإنه لا حرج من تمني الموت، وهو جائز.
- يُكره للمسلم أن يتمنى الموت. بل عليه أن يصبر ويستعين بالله تعالى، ويسأل الله تعالى أن يفرج عنه ما هو فيه من الهم، ويكون ذلك خيرًا له.
- أما أن تمنى الموت، فلا يدري، ربما يكون الموت شرًّا عليه... لا يحصل به راحة.
- الإنسان، ربما يموت إلى عقوبة -والعياذ بالله- وإلى عذاب قبر. وإذا بقي في الدنيا، فربما يستعتب ويتوب، ويرجع إلى الله، فيكون خيرًا له.
41
باب الصبر
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ متَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَينِ. وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَاللهِ، لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»
رواه البخاري
فوائد الحديث
- في هذا الحديث آية من آيات الله؛ حيث وقع الأمر مطابقًا لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام.
- ليس في الحديث تصريحٌ بأنه ﷺ، لم يدعُ لهم، بل يُحتمل أنه دعا، وإنما قال «قد كان مَن قبلكم يؤخذ... إلخ،» تسليةً لهم، وإشارةً إلى الصبر المطلوب.
- تحمُّلَ أصحاب النبي الأذى والاضطهادَ، في البدايات الأُولى للدعوة الإسلامية؛ ليعلمَ الخلَفُ أن هذا الدينَ إنما جاء إلينا بجهدٍ واجتهادٍ، وصبر ومثابرة من السلف.
- الواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل، من أذية الكفار، بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج، ولا يظن أن الأمر ينتهي بسرعة، وينتهي بسهولة. قد يبتلي الله عز وجل المؤمنين بالكفار يؤذونهم، وربما يقتلونهم.
42
باب الصبر
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ حُنَينٍ، آثَرَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِثْلَ ذَلِكَ. وَأَعْطَى نَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ، وَآثَرَهُمْ، يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ، إِنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ. فَقُلْتُ: وَاللهِ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟» ثُمَّ قَالَ «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى؛ قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَصَبَرَ»
فَقُلْتُ: لَا جَرَمَ؛ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا. متفق عليه
فوائد الحديث
- في الحديث دليل على أن للإمام أن يعطي من يرى في عطيته المصلحة، لأن النبي ﷺ أراد أن يؤلف كبار القبائل والعشائر، من أجل أن يتقوى الإسلام؛ ولأن أسياد القوم، إذا ألفوا، حصل منهم خير كثير، وتبعهم على ذلك قبائل وعشائر، واعتز الإسلام بهذا.
- من الناس من لا تحتاج الى أن تراعيه في كثير من الأمور، فهو لا يحتاج أن يُتألف لكمال يقينه وثباته.
- الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، يُؤذَون ويصبرون، فينبغي على الإنسان أن يوطّن نفسه على احتمال الأذى والصبر والاحتساب، اقتداءً بهم؛ ويؤجر على ذلك.
- تغيّر وجه النبي ﷺ حتى كان كالصِّرف: هو صبغ أحمر، لاشتداد غضبه، ومع ذلك حلم وصفح.
- قال ابن مسعود: لا جرم؛ لا أرفع الى النبي ﷺ بعدها حديثا: أي، حقاً لا أنقل له موقفاً سيئاً، أو مقالة سيئة، لمّا رأى ما حل به ﷺ من ضيق.
- في الحديث بيان أن غِيبة العلماء أشد من غيبة غيرهم، لأن العلماء حملة لواء الإسلام. فإذا سقطت الثقة بأقوالهم؛ سقط لواء الإسلام.
43
باب الصبر
عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ خَيراً عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بذَنْبِهِ، حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقالَ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى، إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ. فَمَنْ رَضِيَ، فَلَهُ الرِّضَى، وَمَنْ سَخِطَ، فَلَهُ السُّخْطُ»
رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن
فوائد الحديث
- قول الرسول ﷺ «حتى يُوافِيَ به يوم القيامة»: يعني، حتى يجيء إلى الله، ويقدم على الله يوم القيامة بذنوبه، لم تكفّر.
- من علامات حب الله عزّ وجل، لعباده الأخيار، أنه يبتليهم بأنواع المصائب في الدنيا، ليطهرهم من المعايب.
- الإنسانُ لا يَخلو مِن خَطأٍ ومعصيةٍ، وتقصيرٍ في الواجبِ. ومَن لَطَف اللهُ به عَجَّلَ له عُقوبةَ ذنبِه في الدُّنيا؛ لأنَّ عذابَها أهونُ عليه مِن عذابِ الآخِرَة.
- كلما عظم البلاء عظم الجزاء، والأجر والتكفير. وهذه بشرى للمؤمن.
- المؤمن، إذا ابتُلي بالمصيبة، فلا يظن أن الله سبحانه وتعالى يبغضه. بل، قد يكون هذا من علامة محبة الله، فإن رضي الإنسان واحتسب، فله الرضى، وتطيب نفسه، ويطمئن قلبه. وإن سخط، اي كره ولم يرضَ، فله السخط من الله تعالى.
44
باب الصبر
وعنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأبي طلْحةَ، رضي الله عنه، يَشْتَكي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحة، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحةَ، قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيْم، وَهِيَ أُمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ، فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا. فَلَمَّا فرغَ، قَالَتْ: وارُوا الصَّبيَّ. فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَة أَتَى رسولَ اللَّه ﷺ، فَأَخْبرهُ، فَقَالَ «أَعرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ «اللَّهمَّ باركْ لَهُما». فَولَدتْ غُلاماً، فقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حتَّى تَأَتِيَ بِهِ النبيَّ ﷺ. وبَعثَ مَعهُ بِتمْرَات، فَقَالَ: «أَمعهُ شْيء؟» قَالَ: نعمْ، تَمراتٌ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَمضَغَهَا، ثُمَّ أَخذَهَا مِنْ فِيهِ، فَجَعَلَهَا في فِيِّ الصَّبيِّ... ثُمَّ حَنَّكَه وسمَّاهُ عبدَاللَّه. متفقٌ عَلَيهِ وفي روايةٍ للْبُخَاريِّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَة: فَقَالَ رجُلٌ منَ الأَنْصارِ: فَرَأَيْتُ تَسعة أَوْلادٍ؛ كلُّهُمْ قدْ قَرؤُوا الْقُرْآنَ، يعْنِي مِنْ أَوْلادِ عَبْدِ اللَّه الْموْلُود. وَفي روايةٍ لمسلِم: ماتَ ابْنٌ لأبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لأهْلِهَا: لاَ تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بابنِهِ حتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ. فَجَاءَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ وشَرِبَ، ثُمَّ تَصنَّعتْ لهُ أَحْسنَ مَا كانتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلكَ، فَوقَعَ بِهَا. فَلَمَّا أَنْ رأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعِ، وأَصَابَ مِنْها، قَالتْ: يَا أَبَا طلْحةَ، أَرَأيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْماً أَعارُوا عارِيتهُمْ أَهْل بيْتٍ، فَطَلبوا عاريَتَهُم؟ ألَهُمْ أَنْ يمْنَعُوهم؟ قَالَ: لا. فَقَالَتْ: فاحتسِبْ ابْنَكَ. قَالَ: فغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تركتنِي، حتَّى إِذَا تَلطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبرتِني بِابْني؟ فَانْطَلَقَ حتَّى أَتَى رسولَ اللَّه ﷺ فأخْبَرهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رسولُ اللَّه ﷺ «بَاركَ اللَّه لكُما في ليْلتِكُما» قَالَ: فحملَتْ. قَالَ: وكَانَ رسولُ اللَّه ﷺ في سفَرٍ، وهِي مَعَهُ. وكَانَ رسولُ اللَّه ﷺ، إِذَا أَتَى الْمَدِينَةِ مِنْ سَفَرٍ لاَ يَطْرُقُها طُرُوقاً. فَدنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا الْمَخاضُ، فَاحْتَبَس عَلَيْهَا أَبُو طلْحَةَ، وانْطلَقَ رسولُ اللَّه ﷺ. قَالَ: يقُولُ أَبُو طَلْحةَ: إِنَّكَ لتعلمُ يَا ربِّ أَنَّهُ يعْجبُنِي أَنْ أَخْرُجَ معَ رسولِ اللَّه ﷺ إِذَا خَرَجَ، وأَدْخُلَ مَعهُ إِذَا دَخَلَ. وقَدِ احْتَبَسْتُ بِما تَرى. تقولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طلْحةَ، مَا أَجِد الَّذي كنْتُ أَجِدُ. انْطَلِقْ! فانْطَلقْنَا، وضَربهَا المَخاضُ حينَ قَدِمَا، فَولَدتْ غُلاماً. فقالَتْ لِي أُمِّي: يا أَنَسُ، لا يُرْضِعُهُ أَحدٌ؛ تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رسُول اللَّه ﷺ. فلمَّا أَصْبحَ، احتملْتُهُ، فانطَلقْتُ بِهِ إِلَى رسولِ اللَّه ﷺ... وذَكَرَ تمامَ الْحَدِيثِ.
فوائد الحديث
- مثال رائع، وقصة مؤثرة لمن ابتلي بفقد الولد، فاستقبل البلاء، بالصبر واليقين، والرضا بقضاء رب العالمين.
- قوة صبر أم سليم، رضي الله عنها.
- *قوله [وأصابَ منها] كناية عن الجماع، وكنَّى به، لأنه أمر يُستحيا منه. ولأنَّ في الكناية أدب إسلامي رفيع.
- التحنيك: مضغ الشيء، ووضعه في فم الصبي، ثم يُدلك حنكه، وأفضله التمر. فإن لم يتيسَّر تمرٌ، فرطب، وإلا فشيء حلوٌ.
- بركة ريق الرسول ﷺ، والتمر الذي يحنَّك به الصِّبيان، لما فيه من خير وفائدة للمعدة.
- جواز التورية؛ يعني، أن يتكلم الإنسان بكلام يُخالف نيَّته، ولكنه، لا ينبغي إلا للحاجة والمصلحَة، أو دفع مضرَّة، وإلا نسب هذا المواري إلى الكذب.
- الأولاد عندنا عارية، وهم ملك لله عز وجل؛ متى شاء أخذهم. فعلى المؤمن أن يقتنع، ويحتسب الأجر على الله سبحانه وتعالى.
- فضيلة الصبر والاحتساب، حال وقوع المصائب.
- بركة دعاء النبي ﷺ، حيث إنه كان لعبد الله تسعة من الولد؛ كلهم يَقرؤون القرآن.
- بيان حال أم سليم من التجلُّد، وجَودة الرأي، وقوة العزم. وكانت، رضي الله عنها، تشهد القتال، وتقوم بخدمة المُجاهِدين، إلى غير ذلك مما انفردَت به عن معظم النِّسوة.
- المخاض هو: وجع الولادة نتيجة تحرُّك الجنين في بطن أمِّه للخروج.
- يبيِّن لنا أنس، رضي الله عنه، أنَّ الذي مات هو ابن لزوجِ أمِّه، مِن والدته أمِّ سُليم، وليس من امرأة أخرى لأبي طلحة. فالذي مات ليس شقيقًا له؛ وإنَّما أخ له من أُمِّه.
45
باب الصبر
وعنْ أَبِي هُريرةَ، رضي الله عنه، أَن رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ «لَيْسَ الشديدُ بالصُّرَعةِ، إِنمَّا الشديدُ الَّذي يمْلِكُ نَفسَهُ عِنْد الْغَضَبِ»
متفقٌ عَلَيهِ
فوائد الحديث
- ليس الشديد بالصُّرَعة؛ أي ليس القوي الشديد حقيقةً، الذي يصرع الناس... إذا صارعهم. ولكن الشديد القوي، الذي يصرع غضبه.
- في الحديث، الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، وألا يسترسل فيه؛ لأنه يندم بعده، كثيرًا.
- المشروع للإنسان، إذا غضب أن يصبر، وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتوضأ. فإن الوضوء يطفئ الغضب. وإن كان قائمًا، فليقعد. وإن كان قاعدًا، فليضطجع.
46
باب الصبر
وعنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدٍ، رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ جالِساً مَعَ النَّبِي ﷺ، ورجُلان يستَبَّانِ، وأَحدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتفَخَتْ أودَاجهُ. فَقَالَ رسولُ اللَّه ﷺ «إِنِّي لأعلَمُ كَلِمةً، لَوْ قَالَهَا، لَذَهَبَ عنْهُ مَا يجِدُ. لوْ قَالَ: أَعْوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ذَهَبَ منْهُ مَا يجد ُ»
فقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ [تعوَّذْ بِاللِّهِ مِن الشَّيَطان الرَّجِيم] متفقٌ عَلَيهِ
فوائد الحديث
- الأوداج: هي العروق الغليظة المحيطة بالعنق.
- الإنسان عرضة لأسباب الغضب، فينبغي له أن يتوقاها ويحذرها. فإذا وُجدت، وحصل معه الغضب، فليتعوذ بالله من الشيطان، وليكظم وليصبر، ولا ينفذ مقتضى غضبه.
- لمّا كان الغضب من الشيطان، كان الشيطان، إنما ينطفئ ويندحر... بالاستعاذة.
47
باب الصبر
وعنْ مُعاذ بْنِ أَنَسٍ، رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ كظَمَ غَيظاً، وهُو قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالَى عَلَى رُؤُوسِ الْخلائقِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاء»
رواه أَبُو داوُدَ، والتِّرْمِذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ
فوائد الحديث
- كظم غيظاً: تجرّع غضبًا، واحتمله وصبر عليه.
- التحذير من الغضب وأسبابه.
- المؤمن، يجب عليه أن يتحرى الخير. وإذا عرض له عارض يوجب الغضب، فليحرص على أسباب التقوى.
- كظم الغيظ من خصال أهل التقوى، ومن الصفات الحميدة، فينبغي للمؤمن أن يجاهد نفسه في ذلك، عند وجود الغضب. أن يكظم الغيظ ويعفو ويصفح، ولا ينتقم، ويرجو ما عند الله من المثوبة.
48
باب الصبر
وعنْ أَبِي هُريْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلاً قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ: أوْصِني. قَالَ «لا تَغضَبْ» فَردَّدَ مِراراً. قَالَ «لا تَغْضَبْ»
رواه البخاريُّ
فوائد الحديث
- التحذير من الغضب وأسبابه، وذلك، لعظم ما يترتب عليه من الخطر. فكم من غاضب ندم غاية الندامة على فعل جريمة قتل، أو ضرب، أو طلاق، أو غير ذلك. لذا، أوصاه النبي، صلى الله عليه وسلم، بترك الغضب تكرارًا.
- الحث على الصبر، وكظم الغيظ، وعدم المسارعة في الانتقام؛ فإن الإنسان قد يغضبه غيره. فالواجب، النظر في العواقب، والصبر، حتى لا يقع فيما حرم الله عليه.
- الحذر من أسباب الغضب. فإذا وقع، فعلينا التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكظم الغيظ، وحفظ اللسان، وتغيير الحال.
- التمييز بين الغضب المذموم، ما كان لأمور الدنيا، والغضب المحمود... ما كان لله، ولنصرة دينه.
49
باب الصبر
وَعَنْ أَبي هُرَيْرةَ، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ «مَا يَزَال الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمؤمِنَةِ في نَفْسِهِ وَولَدِهِ ومَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه تَعَالَى، وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»
رواه التِّرْمِذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ
فوائد الحديث
- الصبر يكون على طاعة الله عز وجل، بفعل أوامره وترك نواهيه. ويكون بحبس النفس، والصبر على المصائب، عند وقوع الأقدار المؤلمة.
- المؤمن، قد يحصل له هذا الإيلام في النفس والولد والمال. حتى لو حصل له فيما دون ذلك، يؤجر، ويكفر عنه من الخطايا والسيئات،
- وإذا تأمل هذا المعنى يهون عليه ما يلقاه من الآلام، مرة بعد مرة.
- للبلاء فوائدَ عظيمة، لو علِمها المبتلى، لهانت عليه المصائب، ورضي ولم يسخط، فأن البلاء يغفر الخطايا، ويغسل الذنوب، ويرفع درجات في الجنة، لأنه يعجل العقوبة في الدنيا؛ حتى يموت الإنسان وليس عليه ذنب يحاسب عليه، فيلقى الله عز وجل، وهو راض عنه.
50
باب الصبر
عَنْ ابْن عَبَاسٍ، رضي اللَّه عنهما، قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَة بْنُ حِصْنٍ فَنَزلَ عَلَى ابْنِ أَخيِهِ، الْحُر بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِن النَّفَرِ الَّذِين يُدْنِيهِمْ عُمرُ، رضي الله عنه. وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحابَ مَجْلِسِ عُمَرَ، رضي الله عنه، وَمُشاوَرَتِهِ، كُهولاً كَانُوا أَوْ شُبَّاناً. فَقَالَ عُييْنَةُ لابْنِ أَخيِهِ: يَا ابْنَ أخي، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِير،ِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ. فاستَأذنَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمرُ. فَلَمَّا دخَلَ، قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّاب، فَوَاللَّه، مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالْعَدْل. فَغَضِبَ عُمَرُ، رضي الله عنه، حتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّه تعَالى قَال لِنبِيِّهِ ﷺ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ الأعراف: 198، وإنَّ هَذَا مِنَ الجاهلي. وَاللَّه، مَا جاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا، وكَانَ وَقَّافاً عِنْد كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
رواه البخاري
فوائد الحديث
- لك وجه عند هذا الأمير، أي: لك منزلة عنده.
- في هذا الحديث منقبة لعمر، رضي الله عنه، وحث على التأسي به عندما يتكلم الجهال، بما يغضب المسؤول من الأمراء أو القضاة؛ لا بدّ من الصبر والتحمل، واحتساب الأجر.
- لم يكن إعراض عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهو من هو، لا ذُلًّا ولا خُنُوعًا، فهو قادرٌ على أن يبطش بالرجل الذي تكلم، لكنه امتثل لأمر الله، وأعرض عن الجاهلين.
- ينبغي على كل مسلم التحمل والصبر، وعدم العجلة في الانتقام.
51
باب الصبر
عَن ابْنِ مسْعُودٍ، رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ «إِنَّهَا سَتكُونُ بَعْدِى أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرونَها». قَالُوا: يَا رسُولَ اللَّهِ، فَما تَأمرُنا؟ قالَ «تُؤَدُّونَ الْحقَّ الَّذي عَلَيْكُمْ، وتَسْألونَ اللَّه الَّذِي لكُم»
متفقٌ عَلَيهِ
فوائد الحديث
- الأثرة: أي الاستئثار والانفراد بالشيء عمن له فيه حق.
- قوله ﷺ «إنها ستكون بعدي أثَرة». هذا من الإخبار عن الغيب المستقبل، ويريد بها إخبارهم أنه سيستولي على المسلمين ولاة، يستأثرون بأموالهم؛ يصرفونها كما يشاؤون، ويمنعون المسلمين حقَّهم فيها.
- الحثِّ على طاعة ولاة الأمور، وعدم الخروج عليهم.
- المؤمن يُؤدي ما عليه من الحقوق، ويسأل الله الذي له، ولا يفتح بابَ الفتنة؛ فإن عليه السمع والطاعة في المعروف.
52
باب الصبر
عَنْ أَبِي يَحْيَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيَرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ «إِنكُمْ سَتَلْقَونَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ»
متفق عليه
فوائد الحديث
- قوله، ألا تستعملني: أي تجعلني عاملاً؟ بمعنى، أن يوليه ولاية، أو يستعمله على الصدقة مثلاً، كجبايتها.
- أرشد النبي، عليه الصلاة والسلام، أصحابه إلى أن يصبروا، ولو وجدوا الأثرة؛ فإنَّ صبرهم على ظلم الولاة المسلمين من أسباب الورود على الحوض، والشرب منه.
- علاقة هذا الحديث بباب الصبر هي أن النبي ﷺ ذكر أمراً يتطلب الصبر؛ لأن الإنسان، إذا رأى حقه يضيع، ورأى غيره يسطو عليه، فإن ذلك قد يَنْفَرِط معه الصبر. فمن صبر جزاؤه أن يلقاه على الحوض. اللهم اجعلنا جميعًا ممن يَرِدُه، ويشرب منه.
53
باب الصبر
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوفَى، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي بعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، انْتَظَرَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ «يَا أيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ. وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ. فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيوفِ». ثُمَّ قَالَ النَّبيُّ ﷺ «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانصُرْنَا عَلَيْهمْ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- اللهمّ مُنْزِل الكتاب: وهو القرآن الكريم.
- وَمُجْرِيَ السَّحَابِ: المسخر بين السماء والأرض، لأنه لا يُجريه إلا الله عز وجل
- وَهَازِمَ الْأَحْزَاب: فإن الله عز وجل وحده، هو الذي يهزم الأحزاب؛ أعداء المسلمين وأعداء الله.
فوائد الحديث
- انتظر حتى مالت الشمس: أي زالت الى جهة المغرب، من أجل أَنْ تُقْبِل البرودة، ويَكثُر الظل، وينشط الناس.
- النّهي عن تمنّي لقاء العدوّ، خشية عدم الصبر على مقاتلته. ولا ينافي هذا تمنّي الشهادة، لأن تمنّيها جائز.
- الجنة تحت ظلال السيوف، أي التي يحملها المجاهد في سبيل الله؛ لأنه، إذا قُتِل، صار من أهل الجنة.
- توسَّل النبي، عليه الصلاة والسلام، بالآيات الشرعية والآيات الكونية.
54
باب الصدق
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ «إنَّ الصِّدقَ يَهْدِي إِلَى البرِّ. وَإِنَّ البر يَهدِي إِلَى الجَنَّةِ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصدُقُ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ. وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»
متفق عليه
مفردات الحديث
- الصدق: مطابقة القول للفعل وللواقع. ومتى طابقت أعمال الجوارح ما في القلب فهي صِدْق الأفعال.
- يهدي: يرشد ويوصل.
- البرّ: العمل الصالح وكثرة الخير.
- الكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل.
- الفجور: الخروج عن طاعة الله؛ إلى معصيته، وأعظم الفجور الكفر، والعياذ بالله.
فوائد الحديث
- البرّ من نتائج الصدق، وسبب دخول الجنة.
- الذي يتحرى الصدق يُكتب عند الله صديقًا. ومعلوم أن الصِّدِّيقية درجة عظيمة، لا ينالها إلا أفذاذ من الناس، وتكون في الرجال... وتكون في النساء.
- الكذب لا يجوز مطلقًا؛ لا مزحًا، ولا جِدًّا.
- الكذب من الأمور المحرمة؛ بل إنه من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول، صلّى الله عليه وسلم، توعده... بأنه يُكتب عند الله كذابًا.
- يستثنى من الكذب ثلاثة أشياء: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث المرأة زوجها، وحديثه إياها.
55
باب الصدق
عن الحسن بن علي، رضي الله عنهما، قال: حفظت من رسول الله، صلّى الله عليه وسلم «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ»
رواه الترمذي
مفردات الحديث
- دَعْ: اترك.
- يريبك: ما فيه شك
فوائد الحديث
- أن ما اشتبه حاله على الإنسان فتردَّد بين كونه حلالًا أو حرامًا، فاللائق بحاله تركُه، والذهابُ إلى ما يعلم حاله ويعرف أنه حلال، سواء أكان في أمور الدنيا أم في أمور الآخرة.
- الحديث أصل عظيم في الورع والحث عليه، ويُرشد فيه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى اجتناب كل ما فيه شبهة ، والتزام الحلال الواضح المتيقن منه.
- هذا الحديث من جوامع الكلم، ومن الحِكم النبوية البليغة؛ فهو بكلماته القليلة قعَّد قاعدة عظيمة فقهية مهمة تدخل في أبواب كثيرة من الأحكام ، ونصّ القاعدة : " اليقين لا يزول بالشك " ، فنطرح الشك ونأخذ باليقين.
56
باب الصدق
عَنْ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي حديثه الطويل في قصةِ هِرَقْلَ - قَالَ هِرقْلُ: فَمَاذَا يَأَمُرُكُمْ؟ – يعني، النبي، صلّى الله عليه وسلم - قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ، يَقُولُ «اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لَا تُشْرِكوُا بِهِ شَيئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ»
وَيَأْمُرُنَا بالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، والْعَفَافِ، وَالصِّلَةِ. متفق عليه
فوائد الحديث
- التوحيد هو الأصل المشترك، بين الشرائع السماويّة كلها
- خصِّصت هذه الأمور الأربعة (الصَّلاة والصِّدق والعفاف والصِّلة) بالذكر، إشارة إلى تمام مكارم الأخلاق، التي يدعو إليها الإسلام.
- النبي، عليه الصلاة والسلام، يأمرنا بالصدق. والصدق قسمان: صدقٌ مع الله، وصدقٌ مع عباد الله؛ وكلاهما من الأخلاق الفاضلة.
- الصدق، للدين الإسلامي، عنواناً. لذلك، كان أول ما أمر به، صلّى الله عليه وسلم، من الأخلاق الحسنة .
57
باب الصدق
عَنْ أَبِي ثَابِتٍ، وَقِيلَ: أَبِي سَعِيدٍ، وَقِيلَ: أَبِي الْوَلِيدِ، سَهْلِ بْن حُنَيْفٍ، وَهُوَ بدريٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال «مَنْ سَأَلَ اللهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِه»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- بصدق: يتمنّاها من قلبه، وعلم ربّه منه صدق قوله ونيته، أنزله الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه.
- الشهادة: الموت في سبيل الله.
فوائد الحديث
- اختلف في لقب سهل بن حنيف، رضي الله عنه.
- استحباب سؤال الشهادة في سبيل الله.
58
باب الصدق
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «غَزَا نبيٌّ مِنَ الْأنْبِياءِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهمْ، فَقَالَ لِقَومهِ: لَا يَتْبَعَنِّي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُريدُ أَنْ يَبْنِي بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا. وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا لَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا. وَلَا أحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ. وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَوْلَادَهَا. فَغَزا، فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، أَوْ قَريبًا مِنْ ذلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ، وَأَنَا مَأْمُورٌ. اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ. فَجَاءَتْ -يَعْنِي النَّارَ- لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطعَمْهَا. فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فَلْيُبَايعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ. فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَلتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ. فَلَزقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ. فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولَ. فَجَاؤُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَضَعَهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا. فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ قَبْلَنَا. ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، لَمَّا رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا، فَأَحَلَّهَا لَنَا»
متفق عليه
مفردات الحديث
- مَلك بُضع امرأة: عقد عليها.
- يَبنيَ بها: كناية عن الجماع.
- الخَلِفات: النوق الحوامل.
- الغُلول: السرقة من الغنيمة قبل القِسمة.
فوائد الحديث
- ينبغي للإنسان، إذا أراد طاعة، أن يُفرِّغ قلبه وبدنه لها، حتى يأتيها وهو مشتاق إليها، وحتى يؤديها على مهل وطمأنينة، وانشراح صدر.
- معجزات الأنبياء فيها تأييد لهم، بأي وجه كانت؛ وذلك، لأن الشمس حسب طبيعتها التي خلقها الله عليها، تجري دائمًا ولا تقف، ولا تتقدم ولا تتأخر... إلا بأمر الله عز وجل. لكن الله هنا، أمرها أن تنحبس، فطال الوقت ما بين صلاة العصر إلى الغروب.
- الغنائم، في الأمم السابقة، كانت لا تحل للغزاة. فكانوا يجمعون الغنائم، فتنزل عليها نار من السماء، فتحرقها. فجمعت الغنائم، فلم تنزل النار ولم تأكلها.
- وقوع معاقبة الجماعة بفعل سفهائها،
- إذ هُمْ قد أخفَوا مثل رأس بقرة من ذهب. فلما جيء به، ووضع مع الغنائم، أكلتها النار. وهذه من آيات الله عز وجل.
- قدرة الله عز وجل تتجلى في هذه النار تنزل من السماء، لا يُدرى من أين؛ لا هي من أشجار الأرض، ولا من حطب الأرض، بل من السماء، يأمرها الله، فتنزل فتأكل هذه الغنيمة التي جُمِعت.
- اختصاص الأمّة الإسلاميّة بأن أحلّ الله تعالى لها الغنائم، وكانت حرامًا على الأمم السابقة.
59
باب الصدق
عَنْ أَبِي خَالِدٍ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. فَإِنْ صَدَقا وَبيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا. وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا، مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»
متفق عليه
مفردات الحديث
- البيِّعان: هما البائع والمشتري.
- بالخيار: كل منهما يختار إمضاء البيع أو فسخه.
- ما لم يتفرّقا: أي ما داما في مكان العقد، ولم يتفرّقا بالأبدان؛ هذا ما ذهب اليه الجمهور.
- وقال مالك: المقصود التفرُّق بالأقوال، اي ينتهيا من ألفاظ الإيجاب والقبول.
- فإن صدقا وبيَّنا: إن صدقا فيما يصفان السلعة به من الصفات المرغوبة، وبيَّنا ما في السلعة من عيب.
- بورك لهما: كثر النفع بحصول البركة.
- كتما: أخفيا العيوب.
- محقت: ذهبت البركة.
60
باب المراقبة
عَنْ عُمَر بن الخطاب، رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ذَاتَ يَوْمٍ، إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ. حَتَّى جَلَسَ إلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا». قَالَ: صَدَقْت. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ. قَالَ ﷺ «أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه» قَالَ: صَدَقْت. فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ. قَالَ ﷺ «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ. قَالَ ﷺ «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِل» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ ﷺ «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ» ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْنَا مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟» قَلَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- طلع علينا رجل: جبريل عليه السلام تمثل بهيئة رجل.
- أماراتها: علاماتها.
- الأمة: المملوكة.
- ربتها: سيدتها.
- حفاة: جمع حافي، وهو من لا نعال معه.
- العراة: من لا لباس عليهم.
- العالة: المقصود الفقراء.
- رعاء الشاة: جمع راعي.
- فلبثت مليا: أي مكثت مدة طويلة.
فوائد الحديث
- تأويل أن تلد الأمة ربتها كثرة العقوق حتى تعامل البنت أمها وكأنها خادمة عندها، وقيل تكون المرأة أمة فتلد بنتا لسيدها، وهذه البنت تصبح سيدة.
- ومن علامات الساعة أيضا أن ترى الفقراء الذين ليسوا بأهل للغنى ولا للتطاول ، قد فتح الله عليهم فيبنون البيوت الفارهة ، والقصور الباهرة.
- والله أعلم.
61
باب المراقبة
عن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبْدِالرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبلٍ، رضيَ اللَّه عنهما، عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ، تَمْحُهَا. وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَن»
رواهُ التِّرْمذيُّ
مفردات الحديث
- اتق الله: اتخذ وقاية وحاجزًا، يمنعك ويحفظك من سخط الله وعقابه.
- حيثما كنت: أي، في أي زمان ومكان.
- وأتبع: ألحق.
- السيئة: الذنب الذي يصدر منك.
- تَمْحُها: تُزِلْها.
- خالِق: أي تخلَّق وجاهد نفسك، بلزوم أحسن الأخلاق في معاملة الناس.
فوائد الحديث
- التقوى ليست كلمة تقال، أو شعاراً يرفع، بل هي منهج حياة؛ يترفّع فيه المؤمن عن لذائذ الدنيا الفانية، ويجتهد فيه، بالمسابقة في ميادين الطاعة.
- يجب أن نتّقيَ الله في الخلوة، كما نتّقيه بحضرة الناس.
- مما يعين على التقوى استحضار أن الله تعالى مطلع على العبد في سائر أحواله.
- الترغيب في حسن الخلق، وبيان أنه، أثقل ما يوضع في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة.
62
باب المراقبة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ «يَا غُلَامِ! إنِّي أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك. وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك. رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُف» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ «احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامك. تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفُك فِي الشِّدَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك، وَمَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»
مفردات الحديث
- خلف النبي، صلى الله عليه وسلم: أي راكبًا خلفه على دابته.
- غلام: هو الصبي، من حين يفطم إلى تسع سنين.
- كلمات: أي، جُمَلًا تحتوي على نصائح.
- احفظ الله: اعرِفْ حدوده، وقف عندها.
- يحفظك: يصونك.
- تجاهك: أمامك.
- سألت: أردت أن تطلب.
- رفعت الأقلام: فرغت من الكتابة.
- وجفت الصحف: أي، ما كتب في اللوح المحفوظ من مقادير المخلوقات، قد انتهى، ولا تبديل لكلمات الله.
- الرخاء: سَعَة العيش، والأمن، والراحة.
فوائد الحديث
- احفظ الله: اي، احفظ حدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه؛ احفظ صلاتك، احفظ طهارتك، احفظ أيمانك، احفظ رأسك وما وعى. ويدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات.
- بقدر حفظ العبد لحدود الله تعالى ينال حفظ الله ومعيته.
- إن من تمام العبادة ترك سؤال الناس. فإنّ في سؤالهم تذلل لهم، ومهانة للنفس. ولا يسلم سؤالهم من منّة أو جرح للمشاعر، أو نيل من الكرامة،
- من أراد أن يسأل فليسأل الله، فسؤال الخلق أبيح للضرورة.
- وجوب الرضا بالقضاء والقدر، والإيمان بهما.
63
باب المراقبة
عنْ أَنَس، رضي الله عنه، قالَ «إِنَّكُمْ لَتَعْملُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدقُّ في أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، كُنَّا نَعْدُّهَا عَلَى عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُوِبقاتِ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- لتعملون أعمالاً: ذنوبا ومخالفات.
- أدق في أعينكم: في نظركم واعتقادكم.
- من الشّعر: لشدة تحقيرها.
- الْمُوبِقَاتُ: الْمُهْلِكَاتُ والكبائر.
فوائد الحديث
- أنس رضي الله عنه، يحاسب بعض التابعين لأنهم يتساهلون في أشياء، يعدونها خفيفة بنظرهم.
- المحقرات، إذا كثرت صارت كبارا، مع الإصرار.
- إذا كان هذا في عهد التابعين فكيف تكون حالنا مع ذنوبنا؟
- من غلبت عليه الغفلة فإنه لم يعد يبالي، بل لربما أبغض من نصحه ونفر منه، ويرى أن ناصحه عدو له.
64
باب المراقبة
عَنْ أبي هريْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبيِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى، أنْ يَأْتِيَ الْمَرْءُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْه»
متفقٌ عَلَيهِ
مفردات الحديث
- يغار: أي يغضب على من أقدم على محارمه.
- غَيْرةُ الله: أي الأَنَفَة، والحميَّة، والأسباب المستوجبة لغضبه.
فوائد الحديث
- الواجب على المؤمن الحذر من المحرمات، والتوبة إلى الله مما سلف، لأنه ربما أقدم على معصية فيغضب الله عليه، ويهلك بسببها.
65
باب المراقبة
عَنْ أبي هُريْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّهُ سمِع النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ ثَلاَثَةً مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ: أَبْرَصَ، وأَقْرَعَ، وأَعْمَى، أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَليَهُمْ، فَبَعث إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حسنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، ويُذْهَبُ عنِّي الَّذي قَدْ قَذَرنِي النَّاسُ. فَمَسَحهُ، فذَهَب عنهُ قذرهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسنًا. قَالَ: فَأَيُّ الْمالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبلُ -أَوْ قَالَ الْبَقَرُ، شَكَّ الرَّاوِي- فأُعْطِيَ نَاقَةً عُشرَاءَ، فَقَالَ: بارَك اللَّهُ لَكَ فِيها فأَتَى الأَقْرعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحب إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حسنٌ، ويذْهبُ عنِّي هَذَا الَّذي قَذِرَني النَّاسُ. فَمسحهُ عنْهُ، وأُعْطِيَ شَعرًا حَسَنًا. قالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقرُ، فأُعِطيَ بَقَرَةً حامِلًا، وقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. فَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَري، فَأُبْصِرَ النَّاسَ. فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بصَرَهُ. قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِليْكَ؟ قَالَ: الْغنمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً والِدًا، فَأَنْتجَ هذَانِ وَولَّدَ هَذا، فكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، ولَهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلَهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَم. ثُمَّ إِنَّهُ أتَى الأْبرص في صورَتِهِ وَهَيْئتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكينٌ قدِ انقَطعتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلاَّ باللَّهِ ثُمَّ بِكَ. أَسْأَلُكَ، بِالَّذي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، والْجِلْدَ الْحَسَنَ، والْمَالَ، بَعيِرًا، أَتبلَّغُ بِهِ في سفَرِي، فقالَ: الحقُوقُ كَثِيرةٌ. فَقَالَ: كَأَنِّي أَعْرفُكُ. أَلَمْ تَكُنْ أَبْرصَ يَقْذُرُكَ النَّاسُ، فَقيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فقالَ: إِنَّما وَرثْتُ هَذا المالَ كَابرًا عَنْ كابِر. فقالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّركَ اللَّهُ إِلى مَا كُنْتَ. وأَتَى الأَقْرَع في صورتهِ وهيئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لهذَا، وَرَدَّ عَلَيْه مِثْلَ مَاردَّ هَذَّا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيّرَكَ اللهُ إِليَ مَا كُنْتَ وأَتَى الأَعْمَى في صُورتِهِ وهَيْئَتِهِ، فقالَ: رَجُلٌ مِسْكينٌ وابْنُ سَبِيلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِيَ اليَوْمَ، إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ. أَسْأَلُكَ بالَّذي رَدَّ عَلَيْكَ بصرَكَ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا في سَفَرِي؟ فقالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي. فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ. فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- ناقة عشراء: هي التي مضى لها من حملها عشرة أشهر، وجمعها عشار، وكانت أنفس أموال العرب، لقرب ولادتها، ورجاء لبنها.
- أَنْتجَ: تَوَلَّى نِتَاجَهَا، والنَّاتجُ للنَّاقةِ كالْقَابِلَةِ لَلْمَرْأَةِ.
- تقطعت بي الحبال: أي الأسباب التي يتوصل بها البلاغ.
- يقذرك: أي يشمئز الناس من رؤيته.
- ورثت كابرًا عن كابر: أي ورثته عن آبائي، الذين ورثوه عن آبائهم؛ كبيرًا عن كبير، في العز والشرف والثروة.
- لا أجهدك: أي، لا أشق عليك في رد شيء تأخذه من مالي.
فوائد الحديث
- قص الرسول ﷺ قصتهم علينا لنعتبر، ونأخذ العظة، ولا نتشبه بالمخالفين.
- هذه القصة تبين بجلاء أن الابتلاء سنّة جارية، وقدرٌ نافذ؛ يبتلي الله عباده بالسرّاء والضراء، والخير والشر، فتنة.
- الابتلاء بالسراء والرخاء قد يكون أصعب من الابتلاء بالشدة والضراء، ليتميز المؤمن من غيره، والصادق من الكاذب.
- فضل الصدقة، والحث على الرفق بالضعفاء، وإكرامهم وتبليغهم مآربهم.
- الزجر عن البخل، لأنه يحمل صاحبه على الكذب، وعلى جحد نعمة الله تعالى.
66
باب المراقبة
عَنْ أبي يَعْلَى شَدَّادِ بْن أَوْسٍ رضي الله عنه، عن النَّبيّ ﷺ قَالَ «الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْموْتِ. وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا، وتمَنَّى عَلَى اللَّه»
رواه التِّرْمِذيُّ
مفردات الحديث
- الكيّس: أي العاقل الحازم، الذي يحسن تدبير الأمور.
- من دان نفسه: أي حاسبها، ومنعها مستلذاتها وشهواتها، التي فيها هلاك دينه.
- وعمل لما بعد الموت: من القبر وما بعده؛ العمل المؤنس له في الوحدة والوحشة.
- والعاجز: أي التارك لما وجب عمله، بالتسويف.
- من أتبع نفسه هواها: أي جعلها تابعة لما تهواه.
- تمنّى على الله: الفوز في الآخرة.
فوائد الحديث
- الحثُّ على انتهاز الفرص، وعلى أن لا يضيع الإنسان من وقته فرصة إلا فيما يرضي الله عزَّ وجلَّ.
- الإنسان الحازم هو الذي يغتنم الفرصَ، ويتَّخذُ لنفسِه الحيطةَ، حتى لا تفوتَ عليه الأيام والليالي، فيضيع.
- الإنسان المتساهل هو الذي تغلبه نفسه، ويغلبه هواه؛ وهو المفرط وهو المخاطر.
- والإنسان الذي يتمنى على الله الأماني هو مع تفريطه في طاعة ربّه واتباع شهواته؛ لا يعتذر، بل يتمنى على الله أن يعفو عنه.
67
باب المراقبة
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ «مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَالاَ يَعْنِيهِ»
رواهُ التِّرْمذيُّ وغيرُهُ
مفردات الحديث
- من حسن إسلام المرء: من كمال إسلامه وكمال إيمانه.
- تركه ما لا يعنيه: ما لا يهِمُّه من شؤون الدنيا، سواء من قول أو فعل.
فوائد الحديث
- في الحديث إرشاداً لما فيه حفظ وقت الإنسان ودينه من الصوارف التي تصرفه عن المسارعة في الخيرات، والتزود من الصالحات.
- هذا الحديث هو أصل كبير في تأديب النفس وتهذيبها، وصيانتها عن الرذائل والنقائص، وترك ما لا جدوى فيه ولا نفع.
- ينبغي للإنسان أن يدع ما لا يعنيه؛ لأن ذلك أحفظ لوقته، وأسلم لدينه.
- ترك اللغو والفضول دليل على كمال إسلام المرء.
68
باب المراقبة
عَنْ عُمَرَ، رَضْيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال «لا يُسْألُ الرَّجلُ فيما ضرَب امرأتَه»
رواه أبو داود وغيرُه
فوائد الحديث
- الرجل المتَّقي لله عزَّ وجلَّ قد يضرب زوجته على أمر يُستحيا من ذكره، فإذا عُلِمَ تقوى الرجل لله عزَّ وجلَّ... وضرب امرأته، فإنَّه لا يُسأل.
- من كان سيِّء العِشرة، فهذا يُسأل فيمَ ضرب امرأته؛ لأنه ليس عنده من تقوى الله تعالى ما يردعُه عن ظلمها وضربها، حيث لا تستحقُّ أن تُضرب.
69
باب التقوى
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله، مَنْ أكرمُ النَّاس؟ قَالَ ﷺ «أَتْقَاهُمْ» فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نسألُكَ. قَالَ «فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ، ابنُ نَبِيِّ اللهِ، ابنِ نَبيِّ اللهِ، ابنِ خليلِ اللهِ» قالوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نسألُكَ، قَالَ «فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلوني؟ خِيَارُهُمْ في الْجَاهِليَّةِ خِيَارُهُمْ في الْإِسْلَامِ.. إِذَا فقُهُوا»
متفق عليه
مفردات الحديث
- من أكرم الناس؟: يحتمل أن يكون السؤال يراد به الكرم، الذي بمعنى البذل، والجود والسخاء، وما أشبه ذلك. ويحتمل أن يكون المراد به شرف النسب. ويحتمل أن يكون المراد به أن يكون الإنسان ماجداً نبيلاً؛ تقول: فلان من كرام الناس، يعني: من خيارهم معدناً.
- أتقاهم: أي، إن أكرم الناس أتقاهم لله عزَّ وجلَّ. وهذا الجواب مطابق تمامًا لقوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ الحجرات 13
- معادن العرب: أي أصولهم وأنسابهم.
- خيارهم: أي أصحاب المروءات، ومكارم الأخلاق في الجاهلية، إذا أسلمُوا أو فُقّهوا، فهُمْ خيارُ الناس.
- فَقُهوا: أي عَلِموا أحكام الشرع.
70
باب التقوى
عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، رضي الله عنه، عن النَّبيِّ، صلّى اللهُ عليه وسلَّم، قال «إنَّ الدُّنيا حُلوةٌ خَضِرةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتخلِفَكم فيها، فَيَنْظر كيف تَعمَلون. فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقوا النِّساءَ؛ فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسْرائيلَ كانتْ في النِّساءِ» رواه مُسْلم - إنَّ الدُّنيا حُلْوةٌ خَضِرَةٌ: أي حلوة في المذاقِ، خَضِرَةٌ في المرْأَى، وهما معنيان تتعلق بهما النفوس، فيغْترُّ الإنسانُ بها، وينهمك فيها، ويجعلها أكبرَ همِّهِ. - فاتَّقوا الدُّنيا، ليس معنى ذلك أن يتخلى الإنسان عنها، ولا يعمرها، وإنما المعنى: احذروا من أن تُغرّكم الدنيا. - واتَّقوا النِّساءَ أي: احْذَروهنَّ، فإذا فسدت المرأة فسد المجتمع، وإذا تبرجت المرأة، واستعرضت بزينتها، فعلى المجتمع السلام. - مستخلفكم فيها، أي: جاعلكم خلفاء للذين كانوا قبلكم. فالإنسان يجب عليه ان يقوم بما أمره الله، ويترك ما نهى عنه، ولا يغتر بالحياة الدنيا.
71
باب التقوى
عَنْ أبي مَسْعودٍ، رَضْيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كان يقولُ «اللهمَّ إنِّي أسأُلك الهُدَى والتُّقَى والعفَافَ والغِنَى»
رَواهُ مُسْلمٌ
مفردات الحديث
- الهدى: هو طلب الهداية، وهنا بمعنى العلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله العلم.
- التقى: اسم جامع لفعل ما أمر اللَّه به، وترك ما نهى عنه. والمراد هنا: تقوى الله عزَّ وجلَّ.
- العفاف: هو التنزُّه عما لا يُباح, والصيانة عن كل ما حرم الله. ويشمل العفاف بكل أنواعه: عن الزنا، وعن الكسب الحرام...
- الغنى: وهو غنى النفس عمّا في أيدي الناس، بما أعطاه اللَّه.
72
باب التقوى
عَنْ أَبي طَريفٍ عَديِّ بنِ حاتمٍ الطَّائِيِّ، رَضْيَ اللهُ عنه، قالَ: سمْعتُ رسولَ اللهِ، صلَّى الله عليه وسلَّم، يقولُ «مَنْ حلَفَ علَى يمينٍ ثمَّ رأَى اتقَى للهِ منْهَا فليَأْتِ التَّقوَى»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- حَلَف: أي أقسم.
- رأى أتقى: رأى غيرها خيرًا منها.
- التقوى: فعل مأمور به، أو ترك المنهيّ عنه.
فوائد الحديث
- اليمين على المستقبل هي التي فيها الكفارة، فإذا حلَف الإنسانُ على شيءٍ مستقبلٍ وخالف ما حلف عليه، وجبت عليه الكفارة، إلا أن يُقْرن يمينه بمشيئة الله، فيقول: إن شاء الله، فهذا لا كفارة عليه ولو خالَف.
- الإنسان يستطيع أن يُكفّر عن يمينه قبل الحنث. ويستطيع أن يكفر بعد ذلك. فالإنسان في اليمين مخير بين الأمرين، وهذا كله من تقوى الله تبارك وتعالى أن يفعل الأفضل، والأنفع، والأحسن، ولا تمنعه اليمين من فعل الخير، والبر، والمعروف، والصلة.
- الكفارة إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. ومن لم يجد شيئاً من ذلك صام ثلاثة أيام.
73
باب التقوى
عَنْ أبي أُمامةَ صُدَيِّ بنِ عَجْلان الباهِيِّ، رضْيَ اللهُ عنه، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يخطبُ في حَجَّةِ الوداعِ، فقال «اتَّقوا اللهَ، وصلُّوا خمْسَكُم، وصُوموا شَهركم، وأدُّوا زكاةَ أموالِكم، وأطيعوا أمراءكم، تدْخلوا جنَّةَ ربِّكم»
رواه الترمذي
مفردات الحديث
- اتّقوا الله: خافوا عقابه، واصبروا.
- وأدّوا: أعطوا.
- أطيعوا أمراءكم: الخليفة، أو كل من تولّى أمراً من أموركم. وطاعتُهم تكونُ في المعروفِ. وأمَّا إذا أَمَروا بشيءٍ فيه معصيةٌ للهِ تعالى؛ فلا طاعةَ لمخلوقٍ في مَعصيةِ الخالِقِ.
- تَدْخُلوا جَنَّةَ ربِّكم: أي يكونُ جَزاؤُكم، إذا فعَلتُم ذلك، أن يُدخِلَكم اللهُ الجَنَّةَ.
74
باب التقوى
عن ابنُ عبَّاسٍ، قال: قال رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ومعهُ الرُّهَيْطُ، والنبيَّ، ومعهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ؛ والنبيَّ ليسَ معهُ أحَدٌ، إذْ رُفِعَ لي سَوادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أنَّهُمْ أُمَّتِي. فقِيلَ لِي: هذا مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وقَوْمُهُ، ولَكِنِ انْظُرْ إلى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ، فإذا سَوادٌ عَظِيمٌ. فقِيلَ لِي: انْظُرْ إلى الأُفُقِ الآخَرِ، فإذا سَوادٌ عَظِيمٌ. فقِيلَ لِي: هذِه أُمَّتُكَ، ومعهُمْ سَبْعُونَ ألْفًا، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بغيرِ حِسابٍ ولا عَذاب» ٍ ثُمَّ نَهَضَ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخاضَ النَّاسُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بغيرِ حِسابٍ، ولا عَذابٍ. فقالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسولَ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا في الإسْلامِ، ولَمْ يُشْرِكُوا باللَّهِ. وذَكَرُوا أشْياءَ، فَخَرَجَ عليهم رَسولُ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ «ما الذي تَخُوضُونَ فِيهِ»؟ فأخْبَرُوهُ، فقالَ «هُمُ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ، ولا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُونَ، وعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون» فَقامَ عُكّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ، فقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي منهمْ. فقالَ «أنْتَ منهم»، ثُمَّ قامَ رَجُلٌ آخَرُ، فقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي منهمْ، فقالَ «سَبَقَكَ بها عُكّاشَة».
مفردات الحديث
- عُرضت عليَّ الأمم: أي، أُريَ الأمم، عليه الصلاة والسلام... وأنبياءَهم.
- الرُّهيطُ: تصغيرُ رَهطٍ، وهم دون عشَرَةِ أنْفسٍ.
- رُفِع لي سواد: أي بشرٌ كثيرٌ.
- الأفق: الناحية والجانب.
- فخاض الناسُ في أولئك...: كلٌّ أتى بما يظنُّ.
- لا يسْترْقون: أي لا يطلبون من أحدٍ أن يقرأ عليهم إذا أصابهم شيءٌ، من شدة توكلهم على الله.
- لا يكْتَوون: أي لا يطلبون من أحدٍ أن يكويهم إذا مرِضوا.
- ولا يتطيَّرون: أي لا يتشاءمون؛ لا بمرْئيٍّ، ولا بمسموعٍ، ولا بغير ذلك.
- يتوكلون: يفوضون الأمر إلى الله تعالى، مع الثقة به، والأخذ بالأسباب.
- سبَقكَ بها عُكَّاشة: ردَّ النبيُّ صلى الله عليه والسلام، على الرجل الآخر، بلطف، ولم يقل له لست منهم، قيل: لأنَّه كان يعلمُ، صلى الله عليه وسلم، بأنَّه منافقٌ. والمنافقُ لا يدخل الجنَّةَ.
- وقال بعض العلماء: بل قال ذلك من أجل أن لا ينفتح الباب، فيقوم من لا يستحق أن يدخل الجنَّة بغير حساب ولا عذاب، فيقول: ادعُ الله أن يجعلني منهم.
فوائد الحديث
- هل إذا اضطرَّ الإنسان إلى الرقية، أي إلى أن يطلبَ من أحدٍ أن يقرأ عليه، يخرج من استحقاق دخول الجنة بغير حساب ولا عذاب؟
- قال بعضُ العلماء: نعم، هذا ظاهر الحديث، وليعتمد علي الله، وليتصبر، ويسأل الله العافية.
- وقال البعض الآخر: إنَّ هذا فيمن استَرَقي قبل إن يُصاب. فيكون هذا من باب طلب الرُّقية، لأمرٍ متوقَّع لا واقع، وكذلك بالنسبة للكيُّ.
- للرقية المشروعة شروط ثلاثة:
- الأول: أن تكون الرقية بكلام الله تعالى، أو بأسمائه، أو بصفاته، أو بما أُثر عن النبي، صلى الله عليه وسلم.
- الثاني: أن تكون باللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره.
- الثالث: الاعتقاد بأن الرقى لا تؤثر بذاتها، بل التأثير من الله تعالى.
- بهذه الشروط تكون الرقية صحيحة،
- وفي تأثيرها، شرطين... إضافة لما سبق:
- الأول: يتعلق بالراقي، بأن يكون صاحب إيمان وصلاح، وحضور قلب لما يقرأ.
- الثاني: يتعلق بالمرقي، بأن يكون معتمداً على الله تعالى، موقناً بشفائه ونفع آياته. لا يأتي للرقية للتجربة، أو لمجرد طرق هذا الباب... فإن مثله لا ينتفع.
- الطِّيرة محرَّمة، لا يجوز لأحدٍ أن يتطيَّر؛ لا بطيورٍ، ولا بأيَّام، ولا بشهور، ولا بغيرها، لأنها تنافي التوحيد:
- ذلك لأن المتطير قطع توكله على الله، واعتمد على غيره، وتعلق بأمر لا حقيقة له، ألا وهو التَّشاؤمُ. كما أنَّه شِرك أصغر، فهو حسْرةٌ علي الإنسان، فيتألم من كلِّ شيءٍ يراه.
- التوكل، لا بد له من أمرين: تفويض الأمر لله عز جل، واعتماد القلب عليه، مع صحة الإيمان والمعتقد، وفعل الأسباب التي أمر الله بها.
75
باب التقوى
عَنْ ابْن عبَّاس، رضي اللَّه عنهما، أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كانَ يقُولُ «اللَّهُم لَكَ أسْلَمْتُ، وبِكَ آمنْتُ، وعليكَ توَكَّلْتُ، وإلَيكَ أنَبْتُ، وبِكَ خاصَمْتُ. اللَّهمَّ أعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لا إلَه إلاَّ أنْتَ، أنْ تُضِلَّنِي؛ أنْت الْحيُّ الَّذي لا يمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يمُوتُونَ»
متفقٌ عَلَيهِ وَهَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ
مفردات الحديث
- اللهمَّ لكَ أسلمْتُ: أي لك انقدت، واستسلمت، لحكمك وأمرك.
- وبكَ آمنتُ: التَّصديقُ والإقرارُ باللهِ تعالى، وبكلِّ ما أمَرَ بهِ، وما نَهى عنه.
- وعليكَ توكَّلتُ: أي فوّضت أموري كلّها إليك.
- وإليك أنبت: أقبلت بعباداتي وطاعتي لك، وأعرضت عما سواك.
- وبك خاصمت: أي بك أحاج وأدافع، وأقاتل أعداءك.
- اللهمَّ إنِّي أَعوذُ بعزَّتِكَ، لا إلهَ إلَّا أَنتَ أنْ تُضلَّني: أي أعوذُ بارتِفاع قَدرِكَ على سائرِ المَخلوقاتِ، وتفرُّدِكَ بالأُلوهيَّةِ، ألَّا تَجعَلَ لأحدٍ عليَّ سَبيلاً، فيكونَ سببًا في ضَلالِي، وابتِعادِي عن الطَّريقِ المُستَقيمِ.
- أنتَ الحيُّ الذي لا يَموتُ: هذا تَنزيهٌ للهِ عزَّ وجلَّ عن المَوتِ؛ لأنَّ الموتَ صِفَةُ نقْص.
- والجنُّ والإِنسُ يَموتونَ: تأكيدٌ منهُ، صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ، على أنَّ صفَةَ الحياةِ للهِ عزَّ وجلَّ وحدَه، حتَّى إنَّ أرْقَى المَخلوقاتِ لازِمٌ في حقِّها الموتُ.
فوائد الحديث
- المؤمن يأخذ بالأسباب، ويتوكل على الله، ويعتمد عليه، سبحانه وتعالى.
- يجب على الإنسان أن يستسلم لأقدار الله المؤلمة، ويرضى بما قسمه الله عز وجل، فالله، لا راد لقضائه، فإن صبر واستسلم فإنه يؤجر على هذا، وترفع درجاته.
- المناسب، أن تكون الاستعاذة، والدعاء والتوكل على من لا يموت؛ لأن من يفوت، ويموت، ويغيب لا يصلح التوسل به.
76
باب التقوى
عن ابْنِ عَبَّاس رضي اللَّه عنهما، قَالَ: حسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الْوكِيلُ، قَالَهَا إبْراهِيمُ ﷺ حينَ أُلْقِى في النَّارِ، وَقالهَا مُحمَّدٌ ﷺ حيِنَ قَالُوا إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوكِيلُ ]آل عمران، 173[. رواه البخاري وفي رواية لَهُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنهما، قَالَ (كَانَ آخِرَ قَوْل إبْراهِيمَ ﷺ حِينَ ألْقِي في النَّارِ حسْبي اللَّهُ وَنِعمَ الْوَكِيلُ)
مفردات الحديث
- حسبنا الله: أي الله كافينا.
- نعم الوكيل: أي أمدح من هو قيِّم على أمورنا، وقائم على مصالحنا.
فوائد الحديث
- قالها إبراهيم، عليه السلام، في أعظم محنة ابتلي بها، حين ألقي في النار .
- قالها سيد البشر محمد، صلى الله عليه وسلم، في مواجهة المشركين في "حمراء الأسد".
- وردت مشروعية حسبنا الله ونعم الوكيل في القرآن الكريم.
- الظالم الذي قيل في حقه هذا الدعاء ليس له إلا التوبة الصادقة، وطلب العفو ممن ظلمهم.
77
باب التقوى
عَن أبي هُرَيْرةَ، رضي الله عنه، عن النَّبيّ ﷺ قَالَ «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أقْوَامٌ أفْئِدتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْرِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أفئدتهم مثل أفئدة الطير: أي من رقتها، وخشوعها وخضوعها لله، وخوفها منه؛ ضعيفة قد أنهكها الخوف والحذر، هكذا المؤمن، يخاف ويحذر، ويعتمد على الله.
فوائد الحديث
- بيان أن هناك علاقة بين الرقة والإيمان، ولهذه الرقة النابعة من الإيمان سمات كثيرة،
- سَرعان ما تذرف العين.
- سرعة الاستجابة للحق.
- سرعة الاتعاظ والتذكير، وكُره الظلم بشدة.
- التفاعل مع مَن حوله، والاهتمام بمشاعرهم فرحًا وحزنًا.
- التفكير في الآخرين، فإذا عجز عن مدِّ يد العون، فلا أقل من أن يحمل همَّهم في قلبه وعقله. وهي تشمل كل المؤمنين: رجالاً، نساءً، شبابًا، وأطفالاً
78
باب التقوى
عنْ جَابِرٍ، رضي الله عنه أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ. فَلَمَّا قَفَل رَسُول اللَّه ﷺ قَفَل مَعهُمْ، فأدْركتْهُمُ الْقائِلَةُ في وادٍ كَثِيرِ الْعضَاهِ، فَنَزَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، وتَفَرَّقَ النَّاسُ يسْتظلُّونَ بالشَّجَر، ونَزَلَ رسولُ اللَّه ﷺ تَحْتَ سمُرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سيْفَه. ونِمْنَا نوْمةً، فَإِذَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يدْعونَا، وإِذَا عِنْدَهُ أعْرابِيُّ فقَالَ «إنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سيْفي وأَنَا نَائِمٌ، فاسْتيقَظتُ وَهُو في يدِهِ صَلْتاً، قالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ منِّي؟ قُلْتُ: اللَّه -ثَلاثاً» وَلَمْ يُعاقِبْهُ وَجَلَسَ. متفقٌ عليه وفي رواية: قَالَ جابِرٌ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللِّهِ ﷺ بذاتِ الرِّقاعِ، فإذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجرةٍ ظَلِيلَةٍ تركْنَاهَا لرسول اللَّه ﷺ، فَجاء رجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِين، وَسَيفُ رَسُول اللَّه ﷺ مُعَلَّقٌ بالشَّجرةِ، فاخْترطهُ، فَقَالَ: تَخَافُنِي؟ قَالَ «لا» قَالَ: فمَنْ يمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ «اللَّه» وفي رواية أبي بكرٍ الإِسماعيلي في صحيحِهِ: قَالَ منْ يمْنعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللَّهُ» قَالَ: فسقَطَ السَّيْفُ مِنْ يدِه. فَأخَذَ رسَول اللَّه ﷺ السَّيْفَ، فَقال «منْ يمنعُكَ مِنِّي؟» فَقال: كُن خَيْرَ آخِذٍ، فَقَالَ «تَشهدُ أنْ لا إلَه إلاَّ اللَّهُ، وأنِّي رسولُ اللَّه؟» قَالَ: لاَ، ولكِنِّي أعاهِدُك أنْ لا أقَاتِلَكَ، وَلاَ أكُونَ مَعَ قَومٍ يُقَاتِلُونَكَ. فَخلَّى سبِيلهُ، فَأتى أصحابَه، فقَالَ: جِئتكُمْ مِنْ عِندِ خيرِ النَّاسِ.
مفردات الحديث
- قِبَل نجد: أي جهتها.
- فلما قَفل: أي رجع.
- القائلة: منتصف النهار، وقت القيلولة.
- العضاه: كل شجرة ذات شوك، وقيل الشجرة الكثيرة الورق.
- سَمُرة: هي شجرة كبيرة وافرة الظل.
- اخْتَرَطَ عليّ سيفي: أخذ السيف فاستله.
- صَلْتاً: أي أخرجه من غمده.
فوائد الحديث
- يدل الحديث على كمال يقين رسول الله ﷺ، وثقته بكفاية ربه تبارك وتعالى له، مع شدة تفويضه وتوكله على الله عز وجل.
- الأعرابي كان يقدر المعروف، فقال: جئتكم من عند خير الناس.
- ذُكر أنه أسلم، وأنه رجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير.
- إذا رأى ولي الأمر العفو عن بعض الجناة، لمصلحة إسلامية، فلا بأس. العفو في محله مطلوب. وإذا رأى ولي الأمر عدم العفو؛ لأن هناك أسباب توجب العقاب، لم يعف. لأن الرسول ﷺ عفا عن قوم وعاقب آخرين.
79
باب التقوى
عَنْ عُمَرَ، رضْي اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يقولُ «لو أنَّكُمْ تَتَوكَّلُونَ علَى اللهِ حقَّ توكُّله لرزقَكم كما يرْزقُ الطَّيرَ، تغدوا خِماصًا وتَرُوحُ بِطانًا»
رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسَنٌ
مفردات الحديث
- التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل، في استجلاب المصالح، ودفع المضار.
- تغدو: تخرج في أول النهار.
- خماصاً: ضامرة البطون، من الجوع.
- تروح: ترجع في آخر النهار.
- بطاناً: ممتلئة البطون.
فوائد الحديث
- المَحْظُوْرُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الأَسْبَابِ، أَمَّا الأَخْذُ بِهَا، مَعَ الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِيَدِهِ الرِّزْقُ، فَهَذَا هُوَ المَطْلُوْبُ. وَهُوَ الَّذِيْ حَثَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ. أَمَّا مُجَرَّدُ اللَّفْظِ بِالتَوَّكُّلِ، دُوْنَ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ، فَمَمْنُوْعٌ، وَهُوَ التَّوَاكُلُ.
- قال بعض السلف: بحسبك من التوسل إليه أن يعلم مِن قلبك حسن توكلك عليه؛ فكم من عبد من عباده قد فوض إليه أمره، فكفاه منه ما أهمه.
80
باب التقوى
عَنْ أبي عِمارةَ البراءِ بنِ عازبٍ، رضْيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ «يا فُلان، إذا أَوَيْتَ إلى فِراشَك فقلْ: اللَّهمَّ أسْلمتُ نفسْي إليك، ووَجَّهتُ وجْهي إليك، وفَوَّضتُ أمري إليك، وأَلْجاتُ ظهري إِليك، رغْبةً ورَهْبةً إليك، لا مَلجَأ ولا مَنْجَى منك إلَّا إليك. آمنْتُ بكتابِك الذي أنْزلتَ، وبنبِيِّك الذي أَرْسلْتَ، فإنَّك إِنْ متَّ مِن ليلتِك متَّ على الفِطرةِ، وإنْ أصْبَحتَ أصَبْتَ خَيرًا» مُتَّفقٌ عليه وفي روايةٍ في الصَّحيحينِ عَنِ البراءِ، قالَ: قالَ لي رَسُولُ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم «إذا أتَيْتَ مَضْجعَك فتوَضَّأ وُضُوءَك للصَّلاةِ، ثمَّ اضطَجِعْ علَى شقِّكَ الأَيمنِ وقُل... (وذَكِر نَحوَه، ثمَّ قالَ) واجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَقُولُ (الدعاء أعلاه)»
مفردات الحديث
- أسلمت نفسي إليك: حقيقة الاستسلام لله، تبارك وتعالى، بالطاعة والانقياد.
- ووجهت وجهي إليك: الوجه هو أشرف ما في الإنسان، متوجهًا لربه ومقبلاً بكُلِّيَّته.
- وفوضت أمري إليك: هذا حقيقة التوكل.
- وألجأت ظهري إليك: اعتمدت عليك واستعنت بك.
- رغبة: طمعاً في ثوابك.
- ورهبة: خوفاً من عقابك.
- لا ملجأ: لا مستند .
- ولا منجى: لا مخلِّص ولا مفر.
- بكتابك: القرآن خصوصاً، وبكل كتاب عموماً.
- على الفطرة: الدين القويم الإسلام الصحيح.
- أصبت خيراً: أجراً عظيماً.
فوائد الحديث
- قوله، اضطجع على شقِّك الأيمن: لأن القلب في الشق الأيسر، فإذا نام الإنسان على شقه الأيسر فإن ذلك يكون أثقل لنومه. وأما إذا كان نائمًا على شقه الأيمن فإن قلبه يكون معلقًا، فيكون ذلك أدعى إلى يقظته، وخفة نومه.
- ذكر الأطباءُ أنَّ النوم على الجنبِ الأيمن أفضل للبدن، وأصحُّ من النومِ على الجنبِ الأيسر.
- استحباب الوضوء قبل النوم.
- التوكُّلَ: تفويضُ الإنسان أمرَه إلى ربِّه، وأنه لا يلجأ ولا يطلب منجا من الله إلا إلى الله عزَّ وجلَّ.
- إذا وجد الخوف مع المحبة فهذا هو الكمال، وإذا توجه العبد بالخوف وحده، دون رغبة، فإن هذا قد يورثه اليأس والقنوط. ولكنه يجمع بين هذا وهذا؛ بين رغبة ورهبة، رغبة بما عند الله، ورهبة من عذابه.
- من خاف من الله فإنه يلجأ إليه، ويفر إليه. إذا عمل العبد الذنوب، وأساء، وغلبته المخاوف، فإن الطريق هو أن ينيب إلى ربه، وأن يقبل عليه، وأن يفر إليه.
81
باب التقوى
عَنْ أبي بكرٍ الصدِّيقِ، رضي الله عنه، قال: نظرتُ إلى أقدامِ المشركين ونحن في الغارِ، وهُمْ على رؤوسِنا، فقُلتُ: يا رسولَ الله، لو أنَّ أحدَهم نظر تحت قدَميْه لأبْصَرَنا. فقال «ما ظَنُّكَ يا أبا بكرٍ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما»
متَّفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ما ظَنُّك يا أبا بكرٍ باثْنينِ اللهُ ثالثُهُما: أي، هل أحدٌ يقدر عليهما أو ينالُهما بسوٍء أو بأذيَّةٍ؟
- الجواب: لا أحد يقدر.
فوائد الحديث
- * مَنِ اعتَصمَ بِاللهِ تعالى كفاه عمَّن سواه؛ فهو نِعم النَّاصرُ ونِعم المعينُ، ومَعيَّتُه تعالى هي المعيَّةُ الحقيقيَّة، وما سواها معيَّةٌ كاذبةٌ زائفةٌ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إمامَ المتوكِّلينَ على الله تعالى، يَعلمُ أنَّه ناصِرَه، وأنَّه معه
82
باب التقوى
عَنْ أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ سلَمَةَ، رضي اللَّهُ عنها، أن النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، كانَ إذَا خَرجَ مِنْ بيْتِهِ قالَ «بسم اللَّهِ، توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ أنْ أَضِلَّ أو أُضَلَّ ، أَوْ أَزِلَّ أوْ أُزلَّ ، أوْ أظلِمَ أوْ أُظلَم ، أوْ أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عَلَيَّ»
رواه أبو داود والتِّرمذيُّ
مفردات الحديث
- توكلت على الله: اعتمدت عليه.
- أعوذ بك: ألجأ وأعتصم بحولك.
- أن أضل: انحرف عن طريق الهداية والسداد.
- أزل: أقع في الذنب.
- أجهل: في أمور ديني.
فوائد الحديث
- بيان الطريقة في كيفية استعاذته عند خروجه من منازله صلى الله عليه وسلم .
- الالتجاء الى الله تعالى والاعتصام به من الانحراف أو الخروج عن جادة الحق.
83
باب التقوى
عنْ أنسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قَالَ (يعنِي إِذَا خَرَج مِنْ بيْتِهِ) بِسْم اللَّهِ توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلا حوْلَ وَلا قُوةَ إلاَّ بِاللَّهِ، يقالُ لهُ هُديتَ وَكُفِيت ووُقِيتَ، وتنحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ» (يعْنِي، أن الشَّيْطَانَ يقول لِشَيْطانٍ آخر): كيْفَ لَكَ بِرجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفيَ وَوُقِيَ؟
رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وَقالَ الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ، زاد أبو داود
مفردات الحديث
- كفيت أي: صُرف عنك الشر.
- ووقيت أي: حُفظت عن الأشياء الخفية عنك من الأذى والسوء.
- وهديت أي: إلى طريق الحق والصواب.
- وتنحى أي: بَعُد عنه الشيطان.
- فيقول لشيطان آخر أي: يَقْصِدُ أذاه.
- كيف لك برجل أي: ما بقي لك يد في رجل قد هُدي بذكر الله، وكُفي شرك، وَوقي من مكرك وكيدك.
فوائد الحديث
- شأن أهل الإيمان التوكل على الله، والثقة به، والاعتماد عليه، مع الأخذ بالأسباب.
- بالدعاء نحفظ أنفسَنا من شرور الإنس والجن، ونحفظ غيرَنا من شرورنا.
- فلنحرص على إحياء هذه السُّنَّة المباركة، بتطبيقها، وحث الناس عليها، حتى ننال ما يترتب عليها من فضائل، وننال أجر إحياء سنة من سنن المصطفى، صلى الله عليه وسلم.
84
باب التقوى
عنْ أنَسٍ، رضي الله عنه، قَالَ: كَان أخوانِ عَلَى عهْدِ النبيِّ ﷺ، وكَانَ أَحدُهُما يأْتِي النبيَّ ﷺ، والآخَرُ يحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أخَاهُ للنبيِّ ﷺ فَقَال «لَعلَّكَ تُرْزَقُ بِه»
رواه التِّرْمذيُّ
مفردات الحديث
- يحْتَرِف: يكتسب أسباب المعيشة.
- فشكا أخاه: عدم مساعدته للكسب.
- لعلّك تُرزق به: أي ببركته، بسبب قيامك بأمره، يتيسر رزقك.
فوائد الحديث
- الترغيب في مساعدة أهل العلم.
- يرزق الإنسان بسبب من يُعيلهم.
85
باب الاستقامة
عن سفيان بن عبدالله الثقفي، رضي الله عنه، قال: قلت، يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال «قُل: آمنتُ بالله! ثمَّ استقم»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك: أي، قولًا لا أحتاج إلى أحد بعدك يفسره لي، فأعمل بما تقول، وأكتفي به.
- قل آمنت بالله: فهذا هو العنصر الذي يغير من سلوك الشخص وأهدافه وتطلعاته، وبه يحيا القلب ويولد ولادة جديدة، تهيئه لتقبل أحكام الله وتشريعاته. ويقذف الله في روحه من أنوار هدايته، فيعيش آمنا مطمئنا، ناعما بالراحة والسعادة.
- ثم استقم: رتّب الاستقامة على الإيمان. فالاستقامة ثمرة ضرورية للإيمان الصادق.
فوائد الحديث
- إذا ذاق الإنسان حلاوة الإيمان، وتمكنت جذوره في قلبه، استطاع أن يثبت على الحق، ويواصل المسير، حتى يلقى ربّه وهو راض عنه. ثم، إن ذلك الإيمان يثمر له العمل الصالح؛ فلا إيمان بلا عمل، كما أنه لا ثمرة بلا شجر.
- الحديث شمل عمل القلب، وهو الإيمان؛ وعمل الجوارح، وهو الاستقامة؛ فهو شامل للظاهر والباطن.
- حقيقة الاستقامة، أن يحافظ العبد على الفطرة التي فطره الله عليها، فلا يحجب نورها بالمعاصي والشهوات.
- الاستقامة تستدعي من العبد اجتهاداً في الطاعة، فلا يعني ذلك أنه لا يقع منه تقصير أو خلل أو زلل، بل لا بد أن يحصل التقصير في الاستقامة المأمور بها. وذلك، يستدعي من العبد أن يجبر نقصه وخلله بالتوبة إلى الله عزوجل، والاستغفار من هذا التقصير.
- الحديث دليلٌ على حرص الصحابة، رضوان الله عليهم، على العلم، وسؤال النبي، صلى الله عليه وسلم، عن أهم الأعمال وأحكَمها، وعلى تعلم الدين.
86
باب الاستقامة
عنْ أبي هُريْرة، رضي اللَّه عنه، قال: قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «قَارِبُوا وسدِّدُوا، واعْلَمُوا أَنَّه لَنْ ينْجُوَ أحدٌ منْكُمْ بعملهِ» قَالوا: ولا أنْت يَا رسُولَ اللَّه؟ قال «ولا أَنَا؛ إلا أنْ يتَغَمَّدَنِيَ اللَّه برَحْمةٍ منْه وَفضْلٍ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- المقاربة: القصْدُ الذي لا غُلوَّ فيه ولا تقصير.
- السَّداد: الاستقامةُ والإصابة.
- يَتغَمَّدني: يُلبِسَني ويَسترَني.
فوائد الحديث
- قال العلماءُ: معنَي الاستقامة، لزوم طاعةِ الله، في النيّات والأقوال والأعمال. ولكن، بحسب طاقة كل إنسان. لذا، قال قاربوا وسدّدوا.
- على الإنسان أن لا يعجب بعمله، مهما عمل من الأعمال الصالحة.
- فضل الله ثمنه العمل الصالح، ومعنى ذلك أن، هذا العمل وحده ليس كاف لدخول الجنة.
- لا ينبغي أن نتّكل على العمل... ولا أن نفقد الأمل.
- لا ينبغي أن نعتقد أن الجنة بالعمل فقط، ولا ينبغي أن نعتقد أن الجنة يحصل عليها الإنسان بلا عمل، لأن العمل جعله الله سبباً لفضل الله، عز وجل.
87
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً، وَيُصْبِحُ كَافِراً؛ يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ: أي سابقوا وسارعوا بأعمالكم الصالحة.
- الفتن: هي الابتلاء، والاختبار بالمحن والمنكرات والشدائد، التي تحول بين العبد وبين العمل الصالح.
- كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ: تشبيه للفتن بأجزاء الليل المظلمة، الشديدة في سوادها وظلمتها.
- وَيُمْسِي كَافِرا: يُحتمل كفرُ النعمة، ويُحتمل الكفرُ الحقيقي.
- يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا: ما يُعرض ويزول، من مال ومتاع الدنيا؛ إما أن تزول أنت قبله... أو هو يزول قبلك.
فوائد الحديث
- الحث على المبادرة، والمسارعة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها، والاشتغال عنها، بما يحدث من الفتن، الشاغلة المتكاثرة، المتراكمة كتراكم ظلام الليل.
- الأعمال الصالحة سبب للنجاة من الفتن.
- شدة الفتن وعظمها، وهي قسمين: فتن شبهات، وعلاجها العلم. وفتن شهوات، وعلاجها الإيمان والصبر.
- ذم الحياة الدنيا الفانية، بما فيها من عرض (مال أو منصب، أو جاه أو شهرة ونحوها)، والحذر من تقديمها على الآخرة الباقية.
- أن يعرف الإنسان حقائق ما أنزله الله عز وجل، وبعث به رسوله ﷺ، فيتمسك بها، وما كان عليه أصحاب النبي ﷺ. فإن لم يكن من أهل العلم فإنه يسأل من يثق بدينه وعلمه، للسلامة من الفتن.
88
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عنْ أبي سِرْوَعَةَ عُقبةَ بنِ الْحارِثِ، رضي اللَّه عنه، قال: صليت وراءَ النَبيِّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، بالمدِينةِ الْعصْرَ، فسلَّم، ثُمَّ قَامَ مُسْرعاً، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، إلى بعض حُجَرِ نسائِهِ. فَفَزعَ النَّاس من سرعَتهِ، فخرج عَليهمْ، فرأى أنَّهُمْ قدْ عَجِبوا منْ سُرْعتِه، قالَ «ذكرت شيئاً من تبْرٍ عندَنا، فكرِهْتُ أن يحبسَنِي، فأمرْتُ بقسْمتِه»
رواه البخاري وفي رواية له «كنْتُ خلَّفْتُ في الْبيتِ تِبراً من الصَّدقةِ، فكرِهْتُ أنْ أُبَيِّتَه»
مفردات الحديث
- فتخطى: تجاوز وقَطَع الصفوف حال جلوس الناس.
- حُجَر: جمع حجرة، اسم للمنزل.
- ففزع الناس: خاف الناس، لأنه، صلى الله عليه وسلم، خالف عادته في المشي.
- التِّبْر: قطع ذهبٍ أوْ فضَّةٍ.
- فكَرِهتُ أن يَحبِسَني: أي، يشغلني التفكير فيه، عن التوجه والإقبال على الله.
- فأمَرْت بِقِسمتِه: أي أحْضَرتُه، لآمُرَ بقِسمتِه.
فوائد الحديث
- جواز تخطي الرقاب في المسجد... لعذر شرعي.
- مراعاة الإنسان مشاعر مَن حوله، وإخبارهم بما رأوه منه من أمرٍ غريبٍ عليهم.
- جواز الاستنابة والتوكيل في صرف الصدقات، مع القدرة على المباشرة.
- التجرد من مشاغل الدنيا حال العبادة، لتصفو نفسه فيها.
- الإنسان يطول حسابه بقدر ما عنده من الأموال والأملاك، وما أشبه ذلك، بخلاف الذي يأتي، وليس عنده شيء؛ فحسابه ينتهي سريعًا.
- الزكاة، لا يجوز تأخيرها بحال من الأحوال! ينبغي أن توصل إلى المحتاجين. وإنما، يجوز التأخير في حالة، وهي، ما إذا كان الذي ستعطى له الزكاة غائبًا، ونحو ذلك.
89
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عَنْ جابرٍ، رضِي اللهُ عنْه، قَالَ: قَالَ رَجلٌ للنَّبيِّ، صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، يومَ أُحُدٍ: أرأيْتَ إِنْ قُتِلتُ، فأينَ أنا؟ قَالَ «في الجَنَّةِ»
فألْقَى تمراتٍ كُنَّ في يدِهِ، ثمَّ قاتلَ حتَّى قُتِلَ. مُتَّفقٌ عَليه
فوائد الحديث
- الرجل، ألقى هذه التمرات التي كن في يده؛ استطال الزمان الذي يقضيه في أكلها. لا يريد أن يفرط بلحظة، حتى تلك اللحظة التي يأكل فيها، من حرصه على الشهادة، ومجابهة المشركين بالقتال.
- أن جزاء من قُتل في سبيل الله مخلصاً، أن يدخله الله الجنة.
- استحباب السؤال عن مصير العمل.
- استحباب التبشير بالخير على العمل. وقد أخبر الرسول ﷺ الرجل أنه في الجنة، لما علم منه الإخلاص في الجهاد.
- الحث على المسارعة في أعمال الخير والبر، والمسابقة إلى رضوان الله تعالى.
- من صدق الله في طلب الشهادة، صدق الله معه، وأناله إياها.
- الله أعلمُ بمَنْ يستشهد في سَبيلِهِ. وأنَّ الأمر يتعلَّقُ بالنِيَّة، المجهولةِ لنا، المعلومة عند الله.
- الصحابة كانوا يسألون النبي ﷺ عن الحكم الشرعي من أجل أن يعملوا به؛ بخلاف ما عليه كثيرٌ من الناس اليوم. فإنهم يسألون عن الأحكام الشرعية؛ حتى، إذا علموا بها تركوها... ونبذوها وراء ظهورهم، وكأنهم يريدون من العلم مجرد المعرفة النظرية. وهذا، في الحقيقة، خسران مبين؛ لأن من ترك العمل بعد علمه به... فإن الجاهل خير منه.
90
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدَقة أعظم أجرًا؟ قال «أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تَخشى الفقر، وتأمُل الغِنى، ولا تُمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم – قلتَ، لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان»
متفق عليه
مفردات الحديث
- ﻭﺃﻧﺖ ﺻﺤﻴﺢ: أي، ﺻﺤﻴﺢ ﺍﻟﺒﺪﻥ.
- شحيح: بخيل النفس، والشحّ أعم من البخل.
- ﺗﺨﺸﻰ ﺍﻟﻔﻘﺮ: تخاف الفقر.
- وتأمل الغنى: أي، تطمع به.
- ولا تمهل: ﺃﻱ، لا ﺗﺘﺮﻙ ﺍﻟﺼﺪﻗﺔ.
- بلغت الحلقوم: أي، ﺟﺎﺀﻙ ﺍﻟﻤﻮﺕ، ﻭقاربت ﺭﻭﺣﻚ ﺣﻠﻘﻮﻣﻚ، ﻭﻋﺮﻓﺖ ﺃﻧﻚ ﺧﺎﺭﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ.
- ﻗﻠﺖ ﻟﻔﻼﻥ ﻛﺬﺍ، ﻭﻟﻔﻼﻥ ﻛﺬﺍ: أي ﺻﺪﻗﺔ.
فوائد الحديث
- ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ الإﻧﺴﺎﻥ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﺒﺎﺩﺭ ﺑﺎﻟﺼﺪﻗﺔ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺄﺗﻴﻪ ﺍﻟﻤﻮﺕ. ﻭﺃﻧﻪ، ﺇﺫﺍ ﺗﺼﺪﻕ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺣﻀﻮﺭ الأﺟﻞ، ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺃﻗﻞ فضلاً ﻣﻤﺎ ﻟﻮ ﺗﺼﺪﻕ، ﻭﻫﻮ ﺻﺤﻴﺢ ﺷﺤﻴﺢ.
- أﻭﻝ ﻣﺎ ﻳﻤﻮﺕ ﻣﻦ الإﻧﺴﺎﻥ، ﺃﺳﻔﻠﻪ؛ ﺗﺨﺮﺝ ﺍﻟﺮﻭﺡ، ﺑﺄﻥ ﺗﺼﻌﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﻥ، ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻠﻘﻮﻡ، ﺛﻢ ﻳﻘﺒﻀﻬﺎ ﻣﻠﻚ ﺍﻟﻤﻮﺕ. ﻧﺴﺄﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﺨﺘﻢ، ﻟﻨﺎ ﻭﻟﻜﻢ، ﺑﺎﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ.
91
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عن أنس، رضي اللَّه عنه، أَنَّ رسول اللَّه، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أَخذَ سيْفاً يوم أُحدٍ، فقَالَ «مَنْ يأْخُذُ منِّي هَذا؟» فبسطُوا أَيدِيهُم، كُلُّ إنْسانٍ منهمْ يقُول: أَنا، أَنا. قَالَ «فمنْ يأَخُذُهُ بحقِه؟» فَأَحْجمِ الْقومُ، فقال أَبُو دجانة، رضي اللَّه عنه: أَنا آخُذه بحقِّهِ، فأَخَذهُ، ففَلق بِهِ هَام الْمُشْرِكينَ.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- بحقه: أي، أن يقاتل بذلك السيف، إلى أن يفتح الله على المسلمين... أو يموت.
- اسمُ أبي دُجَانَةَ: سِماُك بنُ خَرَشَةَ.
- أَحْجَمَ القومُ: تَوَقَّفوا.
- فَلَقَ بِهِ: شَقَّ به.
- هَامَ المشركينَ: رؤوسَهم.
فوائد الحديث
- * ينبغي للإنسان أن يبادرَ بالخير، وألَّا يتأخَّرَ، وأن يستعين بالله عزَّ وجلَّ. فإذا استعان بالله، وأحسن به الظنَّ، أعانه الله.
- * بيان شجاعة وفضلُ أبي دُجَانَةَ وتميزه، رضِي اللهُ عنه.
92
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عن الزُّبيْرِ بنِ عديِّ، قال: أَتَيْنَا أَنسَ بن مالكٍ، رضي اللَّه عنه، فشَكَوْنا إليهِ ما نَلْقى من الْحَجَّاجِ. فقال: اصْبِروا، فإِنَّه لا يَأْتي عليكم زمانٌ إلاَّ، والَّذي بَعْدَه شَرٌّ منه، حتَّى تَلقَوا ربَّكُمْ. سمعتُه منْ نبيِّكُمْ ﷺ
رواه البخاري
مفردات الحديث
- تلقوا ربكم: يدرككم الموت، والخطاب لعامة الناس، وقد يكون المراد قيام الساعة.
فوائد الحديث
- استحباب الصبر على المحن، والمبادرة بالأعمال الصالحة.
- الإخبار بأن ما يأتي على الناس من الزمان القادم أشق عليهم مما يمضي. وهذا في غالب الحال، وليس دائما، ولا مع كل شخص.
- الإشارة إلى انتشار الفساد آخر الزمان.
93
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عن أبي هريرة، رضي اللَّه عنه، أَن رسول اللَّه، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال «بادروا بالأَعْمال سبعاً؛ هل تَنتَظرونَ إلاَّ فقراً مُنسياً، أَوْ غنًى مُطْغياً، أَوْ مرضاً مُفسداً، أَو هرماً مُفْنداً، أَو موتاً مُجِهزاً، أَوِ الدَّجَّال، فشرُّ غَائب يُنتَظر، أَوِ السَّاعة، فالسَّاعةُ أَدْهى وأَمر»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن
مفردات الحديث
- مطغياً: يحمل صاحبه على مجاوزة الحد في المعاصي.
- مفنداً: الفند في الأصل، الكذب. وأفند، تكلم بالفند، ومعناه تكلم بالكلام الباطل.
- مجهزاً: مميتاً بسرعة، وذلك كموت الفجأة.
- الدجال: إنسان كافر فاجر، يظهر قرب القيامة؛ يدعو إلى الكفر. كان النبي ﷺ يستعيذُ منه. ورد في الحديث أنه يقتله عيسى بن مريم، عليه السلام، بعد نزوله.
- الساعة: يوم القيامة.
- أدهى: أعظم بلية.
- أَمَر: أشد مرارة من عذاب الدنيا.
فوائد الحديث
- الإخبار عن الدجال، وهو من أمارات الساعة.
- أن عذاب الدنيا أخف من عذاب الآخرة.
- على الإنسان أن يبادر إلى الأعمال الصالحة قبل دنو الموانع منها.
- أن من أهم الشواغل للإنسان عن الخير، الفقر الشديد، والغنى، والمرض، والهَرَم.
- على المؤمن أن يستفيد من المناسبات التي تتهيأ له فيها أفعال الخير، لأنها لا تكون دائمة؛ كالتاجر الذي يتحين المواسم، للحصول على الربح الكبير.
94
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أَن رسولَ اللَّه، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال يوم خيْبر: «لأعطِينَّ هذِهِ الراية رجُلا يُحبُّ اللَّه ورسُوله، يفتَح اللَّه عَلَى يديهِ». قال عمر، رضي اللَّهُ عنه: ما أَحببْت الإِمارة إلاَّ يومئذٍ، فتساورْتُ لهَا، رجَاءَ أَنْ أُدْعى لهَا. فدعا رسول اللَّه ﷺ عليَ بن أبي طالب، رضي اللَّه عنه، فأَعْطَاه إِيَّاها، وقالَ «امش، ولا تلْتَفتْ، حتَّى يَفتح اللَّه عليكَ». فَسار عليٌّ شيئاً، ثُمَّ وقف، ولم يلْتفتْ. فصرخ: يا رسول اللَّه، على ماذَا أُقاتل النَّاس؟ قال «قاتلْهُمْ حتَّى يشْهدوا أَنْ لا إله إلاَّ اللَّه، وأَنَّ مُحمَّداً رسول اللَّه. فَإِذا فعلوا ذلك فقدْ منعوا منْك دماءَهُمْ وأَموالهُمْ، إلاَّ بحَقِّها. وحِسابُهُمْ على اللَّهِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- خَيبَر: مدينة ذات حصون ومزارع، تقع على بعد مئة ميل شمال المدينة.
- فَتَساورْت: أَيْ وثبتُ مُتطلِّعاً، متطاولاً لها.
- فما أحببت الإمارة إلا يومئذ: إنما كانت محبته لها، لما دلت عليه من محبته لله ورسوله ﷺ، ومحبتهما له، والفتح على يديه.
- امش ولا تلتفت، حتى يفتح الله عليك: هذا الالتفات، يحتمل وجهين: أحدهما، أنه على ظاهره؛ أي، لا تلتفت بعينيك، لا يمينا ولا شمالا، بل امض على جهة قصدك. والثاني، أن المراد، الحث على الإقدام والمبادرة إلى ذلك، وحمله علي، رضي الله عنه، على ظاهره، ولم يلتفت بعينه حين احتاج.
- إلا بحقها: فلا يؤخذ شيء منها إلا بالحق؛ كالنفس بالنفس، وأداء الزكاة في الأموال.
فوائد الحديث
- محبة الله ورسوله إنما تكون بالإيمان بهما، واتباع ما أمرا به،
- معجزة الرسول ﷺ، حيث أخبر عن أمر غيبي... فكان كما أخبر، وهو فتح خيبر.
- الحث على الإقدام والمبادرة، إلى ما أمر به الرسول، صلى الله عليه وسلم.
- لا يجوز قتل من نطق بالشهادتين، إلا إذا ظهر منه ما يستوجب القتل؛ كالقتل عمداً، أو إنكار شيء من الدين، يقتضي الكفر والردة.
- تجري أحكام الإسلام على ما يظهر من الناس، والله يتولى سرائرهم.
- الزكاة تؤخذ قَسراً، إن لم يؤدها صاحبها عن طواعية.
95
باب في المجاهدة
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وسَلَّم «إِنَّ الله تعالى قال: منْ عادى لي وليًّاً فقدْ آذنتُهُ بالْحرْب، وما تقرَّبَ إِلَيَّ عبْدِي بشَيءٍ أَحبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْت عليْهِ. وما يَزالُ عبدي يتقرَّبُ إِليَّ بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه. فَإِذا أَحبَبْتُه، كُنْتُ سمعَهُ الَّذي يسْمعُ به، وبَصرَهُ الذي يُبصِرُ بِهِ، ويدَهُ التي يَبْطِشُ بِهَا، ورِجلَهُ التي يمْشِي بها. وَإِنْ سأَلنِي، أَعْطَيْتُه، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعيذَنَّه»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- عادى: آذى وأبغض، وأغضب بالقول والفعل.
- وليًّا: الولي هو العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلِص في عبادته.
- آذنتُهُ: أَعلَمْتُه بِأَنِّي محارب لَهُ.
- النوافل: ما زاد على الفرائض من العبادات.
- كنت سمعه: أي، أن الله يوفقه في سمعه وبصره، ومشيه وبطشه.
- يبطش بها: يضرب بها. والبطش الأخذ بشدة.
- استعاذني: طلب مني الإعاذة، ولجأ إلى حمايتي ونصرتي.
- لأعيذنه: لأحفظنه مما يخاف.
فوائد الحديث
- إثبات الولاية لله عز وجل؛ أي، إن لله تعالى أولياءَ.
- معاداة أولياء الله من كبائر الذنوب، لأن الله جعل ذلك إيذانًا بالحرب.
- خصومة أولياء الله أمام القضاء، لاستخراج حق، أو كشف غامض، فلا يدخل في هذا الوعيد. فقد ترافع الصحابة أمام القضاء، وهم أخص أولياء الله تعالى.
- أداء الفرائض مقدم على النوافل، لأنها أحب إلى الله، ولأن الأمر بها جازم؛ لا خيار للإنسان فيه.
- ملازمة النوافل... كالسنن
96
باب في المجاهدة
عن أَنسٍ رضي اللّهُ عنه عن النبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فيمَا يرْوِيِهِ عنْ ربِهِ عزَّ وجَلَّ قالَ: »إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِراعًا، وإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ منهُ بَاعًا، وإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَة»
رواه البخاري رواه البخاري
مفردات الحديث
- فيما يرويه عن ربه: هذا حديث قدسي.
- إذا تقرب: بالذكر والعمل الصالح.
- تقربت اليه: أوصلت رحمتي إليه.
- باعاً: الباع هو قدر مدِّ اليدين وما بينهما من البدن.
- هرولة: نوع من المشي فيه مسارعة الخطأ.
فوائد الحديث
- التقرب أو القرب والدُّنو من صفات الله، ثابتة لـه بالكتاب والسنة، و(القريب) اسم من أسمائه تعالى.
- الهرولة هنا، كناية عن سرعة الإجابة، وقبول التوبة.
- الدلالة على كرم أكرم الأكرمين، حيث يعطي الجزيل في مقابل القليل.
98
باب في المجاهدة
عن عائشة، رضي اللَّه عنها، أَنَّ النَّبِيَّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، كَان يقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تتَفطَّرَ قَدمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ، لمَ تصنعُ هذا يا رسولَ اللَّهِ، وقدْ غفَرَ اللَّه لَكَ مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وما تأخَّرَ؟! قال «َأفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أكُونَ عبْداً شكُورًا؟»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- تتفطر: تتشقق.
- شكورًا: كثير الشكر، معترفا بالنعم قولًا وعملًا.
فوائد الحديث
- يجب أن تكون النعمة سبباً لزيادة الشكر، وفعل ما يجب من الطاعات، وترك المعصية.
- الأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، ومن الصغائر، التي فيها رذائل.
- على المسلم أن يأتي بالنوافل قدر ما يستطيع؛ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها
- بيان فضل قيام الليل، وما له من القدر العظيم في نفس النبي، صلى الله عليه وسلم. بل، كان يحرص عليه في آخر حياته، مع تعبه.
- لا يكون الشكر باللسان فقط، بل يكون بالجوارح والأركان، وهو من أسباب كسب المؤمن رضا الله، تبارك وتعالى.
- بيان فضل زوجات النبي، صلى الله عليه وسلم، إذ نقلن لنا ما كان يخفى علينا من حاله، صلى الله عليه وسلم.
99
باب في المجاهدة
عن عائشة رضي اللَّه عنها أنها قالت: كان رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، إذَا دَخَلَ الْعشْرُ أحيا اللَّيْلَ، وأيقظ أَهْلهُ، وجدَّ وشَدَّ المِئْزَر. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الْعشْرُ: أي، الأواخِرُ من شهر رمضان.
- أحيا الليل: استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها.
- جدَّ: أي، اجتهد في العبادة.
- المِئْزَر: الإِزارُ، هو ما يأتزر به الرجل من أسفل.
فوائد الحديث
- شدَّ المِئْزَر: كِنايَةٌ عن اعتِزَال النِّساءِ. وقِيلَ: المُرادُ تشْمِيرهُ للعِبادَةِ. يُقالُ: شَددْتُ لِهذا الأمرِ مِئْزَرِي، أيْ، تشمرتُ، وَتَفَرَّغتُ لَهُ.
- الترغيب في اغتنام الأوقات الفاضلة بالأعمال الصالحة.
- استحباب إحياء الليل في رمضان، ولا سيما العشر الأواخر منه.
- الرسول ﷺ، كان يحيي العشر الأواخر من رمضان كلها، وذلك تحريًا لليلة القدر، وهي ليلة تكون في العشر الأواخر من رمضان.
- كان، صلى الله عليه وسلم، يشد المئزر، ويجتهد، ويشمر، وهذا من أنواع المجاهدة.، فالإنسان يجب أن يجاهد نفسه في الأوقات الفاضلة، حتى يستوعبها في طاعة الله تعالى.
100
باب في المجاهدة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «المُؤمِنُ الْقَوِيُّ خيرٌ وَأَحبُّ إِلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا ينْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجَزْ. وإنْ أصابَكَ شيءٌ فلا تقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعلْتُ، كانَ كَذَا وَكذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قدَّرَ اللهُ، ومَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَان»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- المؤمن القوي: قوي في البدن، وعزيمة النفس، وقوة الإيمان.
- المؤمن الضعيف هو الذي عنده فتور، وتقصير.
- وفي كلٍّ خير: لاشتراكهما بأصل الإيمان.
- احرصْ على ما ينفعُكَ: أي اجتهد في تحصيله ومباشرته سواء ينفعك في الدين أو الدنيا.
- لا تعجز: لا تفرِّط في طلب ما ينفعك، ولا تترك العمل، ولا تكسل في طلب الطاعة.
- لو تفتح عمل الشيطان: أي وساوسه التي تقود إلى الخسران.
فوائد الحديث
- أن القوة والضعف إنما هو بالنسبة لمجاهدة النفس، والمحافظة على الطاعة، وفعل ما ينفع الناس، ويدفع الشر عنهم.
- لا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، فهو خير من الكافر. والمسلم لا يخلو من معروف وطاعة وصلاح، وإن حصل منه شيء من التقصير.
- ينبغي على المؤمن أن يكون قويًّا في كل شيء؛ ذا همة عالية في أمر دينه ودنياه، وأن يتوكل على الله تعالى في أموره كلها.
- يجب على الإنسان أن يحرص على ما فيه نفعه من أمر الدين والدنيا، وأن يستعين على ذلك بالله تعالى.
- في الحديث إرشاد إلى الدواء عند وقوع المقدور، وذلك بالتسليم لأمر الله، والرضا بقضائه وقدره، لأن الالتفات لما مضى، يؤول إلى الخسران.
101
باب في المجاهدة
عن ابي هريرة، رضي الله عنه، أَنَّ رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَواتِ، وحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بَالمكَارِهِ» متفقٌ عليه وفي رواية لمسلم: «حُفَّت» بَدلَ «حُجِبَتْ»
وهو بمعناهُ
مفردات الحديث
- حُفَّت أو حُجِبَت: أيْ، بينهُ وبيْنَهَا هَذا الحجابُ، فإذا فعلَهُ... دخَلها.
- حُجِبَت النّار بالشهوات: أي أُحيطت بالشهوات.
- الشهوات: هي ما تميل إليه النفس.
- حُجبت الجنة بالمكاره: أي أُحيطت بما تكرهه النفوس وتشقّ عليها.
فوائد الحديث
- قال القرطبي: هذا من الكلام البليغ الذي انتهى في البلاغة نهايته، وذلك أنه مثّل المكاره بالحجاب، وهو الدائر بالشيء، والمحيط به، الذي لا يتوصل إلى ذلك الشيء إلا بعد أن يتخطى. وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره، وبالصبر عليها. وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات، وفِطام النفس عنها.
- الشهوات هي مطلوبات النفس، وحظوظها الحسية والمعنوية. فالحسية، مثل الأكل والشرب، والمقصود بها الشهوات المحرمة. وأما المباحة، فإنها لا تُوصل إلى النار. لكن، لا يحسن الإكثار منها، لأنها تشغله عن الآخرة، ومطلوبات النفس المعنوية، كالتعالي على الناس، والترفع، والعُجب، والرياء والسمعة، وما أشبه ذلك.
- من سلك طريق الشهوات فهذا طريق يوصل إلى النار. ومن سلك طريق الصبر فإن ذلك يوصله إلى الجنة.
- بدوام المجاهدة يصير المكروه للشخص من الطاعة، محبوبًا، فيؤدي الحق، سماحةً لا كظمًا، وطواعيةً لا كرهًا. ولكن هذه المنزلة لا يصل إليها إلا بمصابرة النفس ومجاهدتها.
- الواجب على المؤمن أن يجاهد نفسه حتى تستقيم على الحق، وإن كرهت. وإن ضعفت يجاهدها حتى تدع ما حرم الله.
102
باب في المجاهدة
عن أبي عبد الله حُذَيْفةَ بن اليمانِ، رضي الله عنهما، قال: صَلَّيْتُ مع النَّبِيِّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ذَاتَ ليلَةٍ، فَافتَتَحَ الْبقرة، فقُلْت يرْكَعُ عِندَ المِائة، ثُمَّ مضى، فَقُلْت يُصلِّي بِهَا في رَكْعةٍ، فَمَضَى. فَقُلْت يَرْكَع بهَا. ثمَّ افْتتَح النِّسَاءَ، فَقَرأَهَا، ثمَّ افْتتح آلَ عِمْرانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرأ مُتَرَسِّلًا. إذَا مرَّ بِآيَةٍ فِيها تَسْبِيحٌ، سَبَّحَ. وإِذَا مَرَّ بِسُؤالٍ، سَأل. وإذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ، تَعَوَّذَ. ثمّ ركع، فَجعل يقُول «سُبحانَ رَبِّيَ الْعظِيمِ»، فَكَانَ ركُوعُه نحوًا مِنْ قِيامِهِ، ثُمَّ قَالَ «سمِع اللهُ لِمن حمِدَه، ربَّنا لك الْحمدُ» ثُمّ قَام قِيامًا طوِيلًا، قَريبًا مِمَّا ركَع، ثُمَّ سَجَدَ فَقالَ «سبحان رَبِّيَ الأعلَى»
فَكَانَ سُجُوده قَرِيبًا مِنْ قِيامِهِ. رواه مسلم
مفردات الحديث
- صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة: أي في الليل، صلاة التهجد، وليس الفريضة.
- مترسِّلًا: مرتِّلًا مبيّنًا الحروف مع إعطاء كل حرف حقه.
فوائد الحديث
- يجوز الاقتداء في صلاة النافلة.
- جواز إقامة الجماعة في صلاة الليل، لكن هذا ليس دائمًا، إنما يفعل أحيانًا في غير رمضان، أما في رمضان فإنَّ من السُّنَّةِ أن يقوم الناس في جماعة.
- استحباب تطويل قيام الليل.
- "فقلت يصلي بها في ركعة" معناه: ظننت أنه يسلِّم بها، فيقسمها على ركعتين. وأراد بالركعة، الصلاة بكمالها... وهي ركعتان.
- جواز تقديم السور بعضها على بعض، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، قدَّم سورة النساء على سورة آل عمران، والترتيب أن سورة آل عمران مقدمة على سورة النساء.
- يستحب للإنسان، في صلاة الليل، إذا مرَّ بآية رحمةٍ أن يقف، ويسأل. مثل: لو مرَّ بذكر الجنة، يقف، ويقول: اللهم اجعلني من أهلها، اللهم، إني أسألك الجنة. وإذا مر بآية وعيد، يقف، يقول: أعوذ بالله من ذلك، أعوذ بالله من النار. وإذا مر بآية تسبيح؛ يعني تعظيمَ الله، سبحانه وتعالى، يقف، ويسبح الله ويعظمه.
- أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يسبّح، ويكرر التسبيح؛ لأن حذيفة قال: كان يقول: (سبحان ربي العظيم)، وكان يطيل. ويقول (سبحان ربي الأعلى)، وذكر أنه يطيل. ولم يذكر شيئًا آخر، فدل هذا على أنك، مهما كررت من التسبيح، في الركوع والسجود، فإنه سنة.
- خص الركوع بالتعظيم، والسجود بالأعلى. لأن الأعلى أبلغ في التعظيم؛ لأنه اسم تفضيل. والسجود أبلغ في التواضع، لوضع الوجه على الأرض، فجعل الأبلغ... للأبلغ .
- قوله "ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد"؛ هذا فيه دليل لجواز تطويل الاعتدال من الركوع.
103
باب في المجاهدة
عن ابن مسعودٍ، رضي اللهُ عنه قالَ: صَلَّيتُ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليلةً فأطالَ القيامَ حتَّى همَمْتُ بأَمرِ سوءٍ! قِيلَ: وما همَمتَ بِهِ؟ قالَ: همَمْتُ أنْ أجْلِسَ وَأَدَعَهُ.
متفق عليه
مفردات الحديث
- صليت: أي صلاة التهجد.
- هممت: الهم العزم على الشيء.
- وما هممتَ به؟: استحسان السؤال عما غمض من الكلام.
فوائد الحديث
- في هذا الحديث دليل على أنه من السنة أن يقوم الإنسان في الليل، ويطيل القيام.
- اعلم أنك إذا أطلت القيام؛ فإن السنة أن تطيل الركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والقيام بعد الركوع، فإن من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يجعل صلاته متناسبة؛ إذا أطال القيام أطال بقية الأركان، وإذا خفف القيام خفف بقية الأركان.
- سمَّى ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه همَّه بالجلوسِ خلفَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في صلاةِ اللَّيلِ بأمرِ سوءٍ؛ هذا مِن التأدُّبِ مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
- ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار، وألا يُخالَفُوا بفعل ولا قول ما لم يكن حرامًا، واتفق العلماء على أنه إذا شقّ على المقتدي في فريضة أو نافلة القيام وعجز عنه جاز له القعود، وإنّما لم يقعد ابن مسعود للتأدب.
104
باب في المجاهدة
عن أنس رضي اللَّه عنه، عن رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «يتْبعُ الميْتَ ثلاثَةٌ: أهلُهُ ومالُه وعمَلُه، فيرْجِع اثنانِ ويبْقَى واحِدٌ: يرجعُ أهلُهُ ومالُهُ، ويبقَى عملُهُ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- الحث على الإعداد للآخرة، بأن يجاهد المؤمن نفسه حتى تكون أعماله صالحة لتنفعه في قبره وفي الآخرة، والعمل الصالح هو الخالص لله الموافق للشريعة.
- في الغالب الميْت يتبعه أهله: أبوه وإخوانه وغيرهم، وماله: الذي يستعان به على دفنه، وقيل المراد بالمال العبيد الأرقاء والخدم، فيرجع الأهل والمال، ويبقى عمله معه.
- سنة اتباع الجنائز وتشييع الميت.
- تُدفَع نفقة تجهيز الميت ودفنه من ثروته قبل توزيعها.
- حرمة دفن المال مع الميت.
105
باب في المجاهدة
عن ابن مسعودٍ رضيَ الله عنه قال: قال النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الجنَّةُ أقَربُ إلى أَحدِكُم مِنْ شِراكِ نَعْلِهِ والنَّارُ مِثْلُ ذلِكَ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- الشِراك: أحد سيور النعل التي تكون على ظهر القدم، ويختل المشي بفقده.
فوائد الحديث
- ليس بين الإنسان والجنة والنار إلا أن يموت على فعلِ ما يستوجب أحدهما.
- الحديث يتضمن ترغيباً وترهيباً.
- ينبغي للمرء ألا يزهد في قليلٍ من الخيرِ أن يأتيه ولا في قليلٍ من الشر أن يجتنبه٬ فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها.
- الأصل فيما أراد الله من الكرامةِ للإنسان أن يسكن الجنة، ولكن بالعصيان يَخرج منها، فمن أطاع الله في الدنيا عاد إلى منزله الأصيل وهو الجنة، ومن عصى الله رُدَّ إلى النار.
- طريق الجنـة يســير، توبة مما مضــى، وعمــل صالح، وترك للمعاصي فيما بقي.
- مخالفة الهوى طريق إلى الجنة، وموافقة الهوى في المعاصي يفضي إلى النار.
106
باب في المجاهدة
عن أبي فِراس رَبِيعةَ بنِ كَعْبٍ الأسْلَمِيِّ خادِم رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ومِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ رضي الله عنه قال: كُنْتُ أَبِيتُ مع رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فآتِيهِ بِوَضوئِهِ، وحاجتِهِ فقال: «سلْني» فقُلْت: أسْألُكَ مُرافَقَتَكَ في الجنَّةِ. فقالَ: «أوَ غَيْرَ ذلِك؟» قُلْت: هو ذَاك. قال: «فأَعِنِّي على نَفْسِكَ بِكَثْرةِ السجُودِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الصُّفَّة: مكان في مؤخرة المسجد النبوي الشريف.
- أهْلُ الصُّفَّة: هم فقراء المسلمين من المهاجرين وغيرهم.
- أَبِيتُ مع رسولِ الله: على باب بيته لخدمته.
- بوَضوئه: الماء الذي يتوضأ به.
- سَلْني: اطلُبْ منِّي حاجتَك.
فوائد الحديث
- الحث على كثرة السجود والترغيب فيه، والمراد به السجود في الصلاة.
- إن ترتيب الأجور بحسب الأعمال، فمن زاد، زاد الله في حسناته، ومن أنقص نال من الأجر بقدر ما عمل، ومن يستكثر فالله عز وجل يعطيه أكثر وأكثر.
- كلما أكثرت من المحافظة على الصلوات الفرائض، وأكثرت من النوافل في الليل والنهار، كانت فرصتك في مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم أكبر.
- كلما كانت السجدة ذات خشوع وخضوع وانكسار بين يدي الله، كانت أعظم أجرا، وأكثر قربا من الله عز وجل، ومن تحقيق مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
107
باب في المجاهدة
عن ثَوْبانَ موْلى رسولِ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، يقول «عليكَ بِكَثْرةِ السُّجُودِ، فإِنَّك لَنْ تَسْجُد لله سجْدةً إلَّا رفَعكَ الله بِهَا درجةً، وحطَّ عنْكَ بِهَا خَطِيئَةً»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- الحث على كثرة السجود، والترغيب فيه، والمراد به السجود في الصلاة، وفيه دليل لمن يقول تكثير السجود أفضل من إطالة القيام.
- على المسلم أن يحرص على الصلاة فرضًا وتطوعًا.
- تخصيص السجود برفع الدرجات وحطّ السيئات، دليل على أهميته في الصلاة، وعلى فضله، وشرفه، وعظيم ثوابه، وهو من أحبِّ الأعمال إلى الله.
108
باب في المجاهدة
عن أبي صَفْوانَ عبدِ الله بن بُسْرٍ الأسلَمِيِّ، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «خَيْرُ النَّاسِ مَن طالَ عُمُره وَحَسُنَ عملُه»
رواه الترمذي
مفردات الحديث
- حَسُن عمله: بأن يأتي به مستوفيًا للشروط والأركان والآداب قاصدًا به وجه الله تعالى.
فوائد الحديث
- فضل طول العمر إذا اقترن بحسن العمل.
- مجرد طول العمر ليس خيرًا للإنسان إلا إذا أحسن عمله.
- شر الناس من إذا طال عمره وساء عمله.
- العمر فرصة للمسلم يجب أن يستفيد منها بالمزيد من الطاعات وأعمال البر التي تقربه إلى الله تعالى.
109
باب في المجاهدة
عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: غَاب عمِّي أَنَسُ بنُ النَّضْرِ رضي الله عنه، عن قِتالِ بدرٍ، فقال: يا رسولَ الله غِبْتُ عن أوَّلِ قِتالٍ قَاتلْتَ المُشرِكِينَ، لَئِنِ الله أشْهَدَنِي قتالَ المشركين لَيُرِيَنَّ اللهُ ما أصنعُ، فلمَّا كانَ يومُ أُحدٍ انْكشَفَ المُسْلِمُون فقال: اللَّهُمَّ أعْتَذِرُ إليْكَ مِمَّا صنَع هَؤُلاءِ -يَعْني أصْحَابَه- وأَبرأُ إلَيْكَ مِمَّا صنعَ هَؤُلاَءِ -يعني المُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سعْدُ بْنُ مُعاذٍ، فَقالَ: يا سعْدُ بْنَ معُاذٍ الْجنَّةُ ورَبِّ النَّضْرِ، إِنِّي أجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قال سعْدٌ: فَمَا اسْتَطعْتُ يا رسول الله ما صنع! قَالَ أنسٌ: فَوجدْنَا بِهِ بِضْعاً وثمانِينَ ضَرْبةً بِالسَّيفِ، أوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أو رمْيةً بِسهْمٍ، ووجدْناهُ قَد قُتِلَ وَمَثَّلَ بِهِ المُشرِكُونَ فَما عرفَهُ أَحدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبنَانِهِ. قال أنسٌ: كُنَّا نَرى أوْ نَظُنُّ أنَّ هَذِهِ الآيَة نزلَتْ فيهِ وَفِي أشْباهِهِ: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صدقُوا ما عَاهَدُوا الله علَيهِ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخرها. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لَيُريَنَّ اللَّهُ: أي لَيُظْهِرنَّ اللَّهُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ.
- انكشف المسلمون: تركوا أماكنهم وانهزموا.
- أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه: أي إني لم أرضَ بما فعلوه من الفرار.
- أبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين: من قتال الرسول صلى الله عليه وسلم.
- الجنة ورب النَّضر إني أجد ريحها دون أحد: يحتمل أن يكون على الحقيقة، وأنه وجد ريحها، ويجوز أن يكون أراد أنه استحضر الجنة التي أعدت للشهيد.
- من دون أُحد: أي من مكان أقرب جبل قُرب المدينة.
- وَمَثَّلَ بِهِ: شَوَّهوا وجهه، بقطع الأعضاء من أنف وأذن.
- بِبَنانه: الأصابع وأطرافها.
فوائد الحديث
- فيه ما يدل على إيمان أنس بن النضر رضي الله عنه أنه قال: (ليرين الله) ولم يقل ليرين غيره، فدل قوله هذا على إخلاصه، وأنه لم يرد أن يرى ما فعله غير الله عز وجل، ولا جرم أن الله سبحانه وتعالى أظهر بركة إخلاصه عليه.
- جواز الوعد الحسن، وإلزام النفس بفعل ما هو خير.
- قوله: (انكشف)؛ أي: انهزم، وفيه حسن العبارة حيث لم يعبّر في المسلمين بالانهزام.
- صدق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب الشهادة وتشوقهم إلى الجنة.
- من صدَق الله في طلب الشهادة صدَقه الله في نيلها، وأرشده إلى سبيلها، وشرح صدره لها حتى يجد نتائجها بروحه وحواسه.
- استحضار الجنة والشعور بقُربها من الشهيد.
110
باب في المجاهدة
عن أبي مسعود عُقْبَةَ بن عمرٍو الأنصاريِّ البدريِّ رضي اللَّهُ عنه قال: لمَّا نَزَلَتْ آيةُ الصَّدقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنا. فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا: مُراءٍ، وجاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فقالُوا: إنَّ اللَّه لَغَنِيٌّ عَنْ صاعِ هَذَا، فَنَزَلَتْ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ [التوبة 79] الآية. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لما نزلت آية الصدقة: أي قوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، فهي آية الصدقة.
- كنَّا نُحَامِلُ: أي يَحْمِلُ أَحَدُنَا على ظَهْرِهِ بِالأجْرَةِ، وَيَتَصَدَّقُ بها.
- فجاء رجل فتصدق بشيء كثير: يقال هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، كان من أغنياء الصحابة.
- فقالوا مُراءٍ: أي قال المنافقون إنه يقصد بذلك الرياء والسُّمعة.
- وجاء رجل آخر فتصدق بصاع: يقال هو أبو عقيل، وإنه قد أَجَر نفسه في استخراج الدلاء من البئر على صاعين من تمر، فذهب بصاع إلى أهله، وتصدق بصاع.
- يلمزون: يعيبون.
- المطَّوِّعين: المُتَنَفِّلين.
- جُهدَهُم: طاقَتهُم.
فوائد الحديث
- على المؤمن دائمًا أن يجاهد نفسه في أعمال الخير وأن يتحمّل في ذلك ما لا مشقة فيه لينافس في الخيرات ويسارع إلى الطّاعات من غير رِياء ولا سُمعة بل عن إخلاص وصدق ورغبة فيما عند الله.
- الحث على الصدقة ولو بالشيء اليسير، وعدم احتقار المعروف.
- سُمِّيت صدقة لأنَّ بذل المال لله عزَّ وجلَّ دليلٌ على صدقِ الإيمان بالله.
- على الإنسان أن يطيع ربه قدر استطاعته ويتصدق بما يقدر عليه وإن قل.
- على الإنسان ألَّا يلتفت إلى قول المنافقين وأصحاب الدعايات السيئة.
- حرص الصحابة على استباق الخير، ومجاهدتهم أنفسهم على ذلك.
111
باب في المجاهدة
عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن رَبيعةَ بنِ يزيدَ، عن أَبِي إدريس الخَوْلاَنيِّ، عن أَبِي ذَرٍّ جُنْدُبِ بنِ جُنَادَةَ، رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فيما يَرْوِي عَنِ الله تباركَ وتعالى أنه قال: «يا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظالمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُم ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُوني أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادي كُلُّكُمْ جائعٌ إلَّا منْ أطعمتُه، فاسْتَطْعِموني أُطْعِمْكُم، يا عبادي كلُّكُم عَارٍ إلَّا مِنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُوني أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُوني أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُوني، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلبِ رجلٍ واحدٍ منكُم ما زادَ ذلكَ فِي مُلكي شَيئًا، يا عِبَادِي لو أَنَّ أوَّلَكُم وآخرَكُم وإنسَكُم وجنكُمْ كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعيدٍ وَاحدٍ، فَسألُوني فَأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يَا عِبَادِي إنَّما هِيَ أعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ»
قَالَ سعيدٌ: كان أبو إدريس إذا حدَّثَ بهذا الحديث جَثَا عَلَى رُكبتيه. رواه مسلم
مفردات الحديث
- حرَّمتُ الظُّلم على نفسي: أي لا يقع مني، فهو منافٍ لكمال الله وعدله.
- الظلم: وضع الشيء في غير محله، وهو التصرف بغير حق.
- ضال: غافل عن الشرائع.
- هَدَيتُهُ: أَرشَدتُه إلى ما جاء به الرسل ووفقته إليه.
- فاستَهدوني: اطلبوا مني الهداية.
- صعيد واحد: أرض واحدة، وأصل الصعيد وجه الأرض.
- المِخْيَط: الإبرة.
- أحصيها لكم: أضبطها لكم بعلمي وملائكتي الحفَظة.
- أوفيكم إياها: أوفيكم جزاءها في الآخرة.
فوائد الحديث
- تحريم الظلم، وأن الله حرم الظلم على نفسه؛ لكمال عدله.
- تحريم ظلم الإنسان لأخيه بالاعتداء على ماله أو عِرضه أو نفسه.
- مشروعية الدعاء بطلب الهداية، فإن الهداية بيد الله تعالى.
- مشروعية طلب الرزق، فالخلق كلهم عباد الله لا يملكون لأنفسهم شيئاً، وأرزاقهم بيد الله يرزق من يشاء منهم، وهذا لا ينافي الأخذ بالأسباب الظاهرة.
- مشروعية الاستغفار والإكثار منه والصدق في التوبة، فالله يغفر الذنوب جميعاً إذا صحت النية واستقامت الطويَّة.
- وجوب إفراد الله بأنواع العبادة، من السؤال والتضرع والاستعانة وغيرها.
- أن الله سبحانه وتعالى غني عن عباده لا تنفعه الطاعة كما لا تضره المعصية.
- لا يستطيع الخلق قاطبة أن يضروا الله أو ينفعوه، بل هو النافع الضار سبحانه.
- أن الطاعة لا تزيد في ملك الله شيئًا.
- أن بني آدم خطاؤون، يخطئون بالليل والنهار.
112
باب الحثّ على الازدياد من الخير في أواخر العمر
عن أَبِي هريرة، رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال «أعْذَرَ اللهُ إلى امْرِئٍ أخَّرَ أجلَه حتى بلَغَ سِتِّينَ سنةً»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أَعذَرَ الله إلى امرِئٍ: لَمْ يتْرُكْ لَه عُذْرًا؛ إذ أمْهَلَهُ هذِهِ المُدَّةَ، وأَعْذَرَ الرَّجُلُ إذا بلغَ الغاية في الْعُذْرِ. والمعنى أنه لم يبق له اعتذار أن يقول: لو مُدَّ لي في الأجل: لفعلت ما أُمرتُ به. وأن الله تعالى لم يترك للعبد سببًا للاعتذار، يتمسك به.
فوائد الحديث
- من أُعطيَ عمرًا مديدًا وكان يعيش في مجتمع يستطيع فيه أن يُؤَدي العبادات والطاعات ولم يفعل ذلك، فليس له عُذر في تقصيره.
- إذا عمَّر الإنسان حتى بلغ ستين سنة، فقد أَقام الله عز وجل عليه الحجة، ونفى عنه العذر؛ لأن ستّين سنة يعيش الإنسان فيها، يعرف من آيات الله ما يعرف، ولا سيّما إذا كان ناشئًا في بلد إسلامي.
- عدم التسويف في الأعمال إذا قارب الإنسان سنّ الستين.
- أن الله تعالى لا يُعاقِب إلّا بعد إقامة الحجّة.
- الإشارة إلى أنّ استكمال الستين مظنّة لدُنو الأجل.
113
باب الحثّ على الازدياد من الخير في أواخر العمر
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر رضي الله عنه يُدْخِلُني مَع أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكأنَّ بعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نفسه فقال: لِمَ يَدْخُلُ هذا معنا ولنَا أبْنَاءٌ مِثْلُه؟ فقال عمرُ: إِنَّهُ من حيْثُ علِمْتُمْ، فدَعَاني ذاتَ يَوْمٍ فَأدْخلَني معهُمْ، فما رأَيْتُ أنَّه دعاني يوْمئِذٍ إِلّا لِيُرِيَهُمْ قال: ما تقولون في قول الله تعالى إذا جاءَ نَصْرُ الله والْفَتْحُ ]النصر:1[. فقال بَعضُهُمْ: أُمِرْنَا نَحْمَدُ الله ونَسْتَغْفِره إذَا نَصرنَا، وفَتَحَ علَيْنَا. وسكَتَ بعضُهُمْ، فلم يَقُلْ شيئًا. فقال لي: أَكَذلك تقول يا ابنَ عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هُو أجلُ رسولِ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أَعْلمَه له قال إذا جَاءَ نَصْرُ الله والْفتحُ. وذلك علامة أجلِك فَسَبِّحْ بِحمْدِ رَبِّكَ واسْتغْفِرْهُ إِنَّه كانَ تَوَّابًا ]النصر: 3[. فقال عمر، رضي الله عنه: ما أعْلَم منها إلَّا ما تَقُول.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أشياخ بدر: أي ذوو الأعمار الكبيرة ممّن شهد بدرًا من المهاجرين والأنصار.
- بعضهم وجد: أي غضب.
- إلا ليريهم: أي مثل ما رآه هو مني من العلم.
- علامة أجلك: فهو آيَتُك في الموت، أي قرب انتهاء أجلك.
فوائد الحديث
- أنَّ الرَّأي والفَهمَ والعِلمَ غيرُ مرتبطٍ بالسِّنِّ، وقيمة الإنسان بعلمه وعمله لا بحَسَبه وكبر سنه.
- أنَّه على أولياءِ أُمورِ المسلِمينَ تَقديمُ النابِهين مِن الشَّبابِ، والأخذُ بآرائهم وأفكارِهم.
- في هذا الحديث إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يفطن لمغزى الآيات الكريمة.
- في الحديث فضيلةٌ ظاهرةٌ لابنِ عبَّاس رضِي الله عنهما، وأثرٌ واضحٌ لإجابةِ دعوةِ النَّبيِّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، أنْ يُعلِّمَه اللهُ التأويلَ، ويفقِّهَه في الدِّين.
- ينبغي للإنسان أن يكثر من قول «سُبحانَكَ اللَّهم ربَّنا وبحمْدِك، اللَّهم اغْفر لي» في الركوع والسجود: فإنه جامعٌ بين الذكر والدعاء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقولَه في ركوعِه وسجودِه بعد نزولِ هذه السُّورة.
- الأمر بالاستغفار تنبيه على دنو الأجل، لأنه يكون في خواتم الأمور.
114
باب الحثّ على الازدياد من الخير في أواخر العمر
عن عائشةَ، رضي الله عنها، قالت: ما صَلَّى رسولُ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم صلاةً، بعْد أَنْ نزَلَتْ علَيْهِ إذَا جَاءَ نصْرُ الله والْفَتْحُ إلّا يقول فيها «سُبْحانك ربَّنَا وبِحمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- سُبحانَك اللّهمّ: تنزيهًا لك عما لا يليق بك من كل نقص، يا الله.
- وبحمدك: أي بتوفيقك لي، وهدايتك وفضلك عليَّ، سبحتُك... لا بحولي وقوتي.
- يتأوَّل الْقُرآن: أيْ يعْمل مَا أُمِرَ بِهِ في الْقُــرآنِ، في قولِهِ تعالى: فَسبِّحْ بِحمْدِ ربِّكَ واستَغْفِرْهُ.
- وفي رواية في الصحيحين عنها: كان رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُكْثِر أنْ يَقُول فِي ركُوعِه وسُجُودِهِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ربَّنَا وَبحمْدِكَ، اللَّهمَّ اغْفِرْ لي» يتأوَّل الْقُرْآن.
- وفي رواية لمسلم: كان رسولُ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُكْثِرُ أنْ يَقولَ قبْلَ أَنْ يَمُوتَ «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحْمدِكَ، أسْتَغْفِركَ وأتُوبُ إلَيْكَ». قالت عائشةُ: قلت: يا رسولَ الله، ما هذِهِ الكلِمَاتُ الَّتي أرَاكَ أحْدثْتَها، تَقولها؟ قــال «جُعِلَتْ لِي علامةٌ في أمَّتي؛ إذا رَأيتُها قُلتُها إذَا جَاءَ نَصْرُ الله والْفَتْحُ إلى آخر السورة».
- وفي رواية له: كان رسولُ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ سُبْحانَ الله وبحَمْدِهِ، أسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إلَيْه. قالت: قلت: يا رسولَ الله، أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْل: سُبْحَانَ الله وبحمْدِهِ، أسْتغْفِر الله وأتُوبُ إليْهِ؟ فقال: «أخْبرني ربِّي أنِّي سَأرَى علاَمَةً فِي أُمَّتي. فَإِذَا رأيْتُها أكْثَرْتُ مِن قَوْلِ: سُبْحانَ الله وبحَمْدِهِ، أسْتَغْفِرُ الله وَأتُوبُ إلَيْهِ. فَقَدْ رَأَيْتُها إذَا جَاءَ نَصْرُ الله والْفَتْحُ ورأيْتَ النَّاس يدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أفْوَاجًا، فَسبحْ بحمْدِ ربِّكَ واسْتَغفِرْهُ إنَّهُ كانَ توَّابًا».
فوائد الحديث
- مسارعةُ النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى امتثال ما أمره الله تعالى به؛ قيامًا بحق العبودية، وتعظيمًا لشأن الربوبية، وقد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر.
- استحباب إكثار الاستغفار والدعوات، اقتداءً بالرسول، صلى الله عليه وسلم.
115
باب الحثّ على الازدياد من الخير في أواخر العمر
عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: (إنَّ الله عزَّ وجلَّ تَابعَ الوَحْيَ على رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قَبْلَ وَفَاتِهِ، حتَّى تُوُفِّيَ... أكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْي). متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- إِنَّ الله تَابَعَ عَلَى رَسُوله الْوَحْي قَبْل وَفَاته: أَيْ أَكْثَرَ إِنْزَاله قُرْب وَفَاته صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وذلك لتكتمل الشريعة.
- حَتَّى تُوُفِّيَ أَكْثَر مَا كَانَ الْوَحْيُ: أي توفي النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقت نزول الوحي بكثرة.
فوائد الحديث
- ليس المراد بالوحي هنا: خصوص القرآن، بل المراد به كل ما أوحى الله به إلى نبيه من أمر الدين، ولو كان قد أخبرنا بذلك في سنته.
- السِّرّ فِي تتابع الوحي أَنَّ الْوُفُود بَعْد فَتْح مَكَّة كَثُرُوا وَكَثُرَ سُؤَالهمْ عَنْ الْأَحْكَام فَكَثُرَ النُّزُول بِسَبَبِ ذَلِكَ.
- كثرة نزول الوحي في آخر حياته صلى الله عليه وسلم علامة دنو الأجل والقرب من الله تعالى.
- اكتمل نزول الوحي قبل وفاته صلى الله عليه وسلم.
116
باب الحثّ على الازدياد من الخير في أواخر العمر
عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «يُبْعثُ كُلُّ عبْدٍ على ما مَاتَ علَيْهِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ: أي كل مُكلف، حرًا كان أو عبدًا، رجلًا أو امرأَةً.
- على ما مات عليه: أي على الحالة التي مات عليها من خير وشر.
فوائد الحديث
- العبرة بخواتيم الأعمال، فمن حسن عمله في آخر حياته كان له بشارة خير، ومن ساء عمله في آخر عمره كان غير ذلك.
- أن ما يفعله العبد من خير وشر في هذه الدار له نتائج تظهر في دار البقاء لأنها محل الجزاء وجزاء كل إنسان بحسب عمله.
- الازدياد من الطاعات في سائر الأوقات، لاحتمال قرب الموت، وعلى الخصوص في حالة الكبر والمرض.
- ملازمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم في عباداته وأخلاقه وسائر أحواله.
- حث الإنسان على حسن العمل، ليكون أنيسه يوم المحشر.
117
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أَبِي ذرٍّ جُنْدَبِ بنِ جُنَادَةَ رضي الله عنه قال: قلت يا رسولَ الله، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قال «الإِيمانُ بالله، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ» قُلْتُ: أيُّ الرِّقَابِ أفْضَلُ؟ قال «أنْفَسُهَا عِنْد أهْلِهَا، وأكثَرُهَا ثَمَنًا» قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أفْعلْ؟ قال «تُعينُ صَانِعًا أوْ تَصْنَعُ لأخْرَقَ» قُلْتُ: يا رسول الله أرَأَيْتَ إنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعملِ؟ قال «تَكُفُّ شَرَّكَ عَن النَّاسِ فَإِنَّها صدقةٌ مِنْكَ على نَفسِكَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أفضل: أكثر ثواباً عند الله تعالى.
- الجهاد: بذل الجُهد في القتال وغيره من وسائل إعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه.
- الرقاب: جمع رقبة، وهي الشخص المملوك.
- أنفسها: أجودها وأحسنها.
- صَانِعًا: بالصَّاد المهملة هذا هو المشهور، ورُوِى ضَائعًا بالمعجمة: أيْ ذَا ضَيَاعٍ مِنْ فقْرٍ أوْ عِيالٍ، ونْحو ذلكَ.
- والأخْرَقُ: الَّذي لا يُتقنُ ما يُحاوِلُ فِعْلهُ.
- فإن لم أفعل: أي فإن لم أستطع.
- تكفُّ: تمنع.
- صدقة منك: أي له مثل أجر الصدقة.
فوائد الحديث
- ﻳﺸﺘﺮﻁ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻖ ﻓﻀل العمل ﻭﺛﻮﺍﺑﻪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ موافقًا ﻟﻠﺸﺮﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺎﻃﻦ ﻭﺍﻟﻈﺎﻫﺮ،
- ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ خالصًا ﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎلى لا ﻟﻐﺮﺽ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ.
- أنّ الأعمال الصالحة تتفاوت في رتبتها ودرجتها.
- العاجز عن عملٍ صالح يؤمر بما هو دونه ممّا يستطيعه.
- الذي تدعوه نفسه لأذى النّاس بفعلٍ أو قَولٍ؛ فَيَكُفُّ شرّه عنهم فهو على خَير.
118
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أَبِي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّ رسُولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «يُصْبِحُ على كلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صدقَةٌ، فَكُلُّ تَسبِيْحةٍ صَدقةٌ، وكُلُّ تحْمِيدَةٍ صدقَةٌ، وكُلُّ تهْلِيلَةٍ صَدَقةٌ، وكلُّ تَكْبِيرةٍ صَدَقَةٌ، وأمْرٌ بالمعْرُوفِ صدقَةٌ، ونَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صدقَةٌ. ويُجْزِئُ مِنْ ذَلكَ رَكعَتَانِ يرْكَعُهُما مِنَ الضُّحى»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- على كلِّ سُلَامَى: السُّلَامَى هي كل مَفْصِل بين عظمين.
- تسبيحة: قول: سبحان الله.
- تحميدة: قول: الحمد لله.
- تهليلة: قول: لا إله إلا الله.
- تكبيرة: قول: الله أكبر.
- أمر بالمعروف: الحث على فعل ما أمر به الشرع.
- ونهي عن المنكر: الحث على ترك ما حرّم الشرع وكرِهه.
- يجزئ: يكفي في الثواب عما سبق.
- يركعهما: يصليهما.
- الضحى: هي من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى قبيل الظهر.
فوائد الحديث
- * من عجز عن الشكر بالأفعال، شكر الله تعالى بالأقوال بإدامة ذكره، وإعلان تنزيهه وتعظيمه وتوحيده وإسداء النصح في دينه.
- * الحث على الإكثار من الصدقات، شكرًا لله تعالى على العافية ودفعًا للبلاء.
- * سَعة مفهوم الصدقة في الإسلام، وأنها لا تقتصر على مجرد دفع المال للمحتاجين، بل إن كل كلمة طيبة، وكل معروف تعمله لنفسك، أو تقدمُه للناس، صدقة.
- *صلاة الضحى أَقَلُها ركعتَان، وهي سنَّة مؤكدة، ثَبتَت الأحاديث بمشروعيتها وفضلها.
119
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أعْمالُ أُمَّتي حسَنُهَا وسيِّئُهَا فوجَدْتُ في مَحاسِنِ أعْمالِهَا الأذَى يُماطُ عن الطَّرِيقِ، وَوجَدْتُ في مَساوَىءِ أعْمالِها النُّخَاعَةُ تَكُونُ فِي المَسْجِدِ لاَ تُدْفَنُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- عُرِضَت عليَّ يعني: بُلِّغت عنها، وبُيِّنَت لي، والذي بَيَّنها له هو الله عز وجل.
- الأذى: كل ما يَضُرّ بالمَارّة من حجر أو شوك أو غيره.
- يُماطُ: يُنحَّى ويُبعد ويُزال.
- النُّخَاعَة: أو النُّخامَة، أي البَزقَة.
- لا تُدفَن: لا تُزال بالدَّفْن.
فوائد الحديث
- كثرة وجوه أعمال الخير، إذ من جُملتها ما يظنه الناس لا شأن ولا أهمية له؛ كإماطة الأذى عن الطريق، وإزالة النخاعة من المسجد.
- الحث على فِعل ما يَنفع الناس ويَجلب لهم المصلحة والبُعد عن كل ما يَضُرّ بهم ويُسبب لهم مَفسدة.
- أنَّ إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فهو من مَحاسِن الأعمال، وفيه ثواب الصدقة.
- وجوب احترام المساجد والمحافظة على آدابها، وعدم فعل ما لا يليق بها فيها.
- أن المسجد في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مفروش بالحصَى الصغار، فالنخامة تدفن في التراب، أما عندنا الآن فليس هناك تراب، ولكن إذا وجدت فإنها تحك بالمنديل حتى تذهب.
- أنّ النخامة في المسجد حرام، فمن تنخع في المسجد فقد أثم، وكفارتها دفنها، يعني إذا فعلها الإنسان وأراد أن يتوب فليدفنها، لكن في عهدنا فليحكها بمنديل حتى تزول.
120
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه: أنَّ ناسًا قالوا: يا رسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بالأجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوَالهِمْ قال صلى الله عليه وسلم: «أوَلَيْس قَدْ جَعَلَ الله لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ: إنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدقَةً، وكُلِّ تَكبِيرةٍ صدقة، وكلِّ تَحْمِيدةٍ صدقةً، وكلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدقَةً، وأمرٌ بالمعْرُوفِ صدقةٌ، ونَهْيٌ عنِ المُنْكرِ صدقةٌ وفي بُضْعِ أحدِكُمْ صدقةٌ» قالوا: يا رسولَ اللَّهِ أَيَأتي أحدُنَا شَهْوَتَهُ، ويكُونُ لَه فيها أَجْرٌ؟! قال: «أَرَأَيْتُمْ لو وضَعهَا في حرامٍ أَكَانَ عليهِ وِزْرٌ؟ فكذلكَ إذا وضَعهَا في الحلاَلِ كانَ لَهُ أجْرٌ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- ناسًا: رجالًا من فقراء المهاجرين، قيل: منهم أبو ذر الغِفَاريّ وعمّار بن ياسر رضي الله عنهما.
- ذهب أهل الدثور بالأجور: حاز الأغنياء الثواب كله واختصوا به.
- الدُّثُور: الأموال.
- بِفُضُول: الزائد على الحاجة والكفاية.
- بُضْعِ: كِنَاية عن الجِماع، وهو معاشرة الرجل زوجته.
- شَهوَتَه: لَذَّتَه وما تشتاق إليه نفسه.
- وزر: إثم وعقاب.
فوائد الحديث
- كثرة وجوه أعمال الخير.
- تنافس الصحابة على فعل الخيرات، وحرصهم على نيل عظيم الأجر والفضل عند الله عز وجل، وأسفهم على النقص أو التقصير في ذلك.
- سعة مفهوم العبادة في الإسلام وأنها تشمل كل عمل يقوم به المسلم بنيّة صالحة وقصد حسن، ولو كان من الأعمال العادية الفطرية المباحة.
- أن المسلم يُؤجر على ترك المعصية كما يُؤجر على فِعل الطاعة إذا كان بقصد الطاعة والامتثال.
121
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَحْقِرنَّ مِن المَعْرُوفِ شَيْئًا ولَوْ أَنْ تَلْقَى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- لا تَحقِرنَّ: لا تُهِنْ قَدرَه عندك، أو لا تَستقلَّه.
- طليق: وفي رواية طلق، أي مبتسمًا مستبشرًا منبسطًا.
فوائد الحديث
- يدخل في عموم هذا الحديث ما لا يُحصى من الأعمال الصالحة التي ينبغي على المسلم أن يحرص على فعلها بنفسه، أو الإعانة على فعلها.
- ينهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التقليل من شأن المعروف، أيًّا كان مقداره.
- استحباب إيناس الآخرين وإدخال السرور عليهم، لِمَا في ذلك من تحقيق الألفة بين المسلمين.
- عدم الاستهانة بأي عمل ما دام من وجوه الخير.
- العمل اليسير من المعروف قد يكون كبيرًا عند الله عز وجل، وذلك بحسب النية فلربما عظُم العمل بسبب النية الصالحة؛ ورُبَّ عمل كبير تصغِّره نيةٌ غيرُ خالصة.
122
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أَبِي هريرةَ رضي اللّه عنه قال: قال رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ علَيْهِ صدَقةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ: تعدِلُ بيْن الاثْنَيْنِ صدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ، فَتحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أوْ ترْفَعُ لَهُ علَيْهَا متَاعَهُ صدقةٌ، والكلمةُ الطَّيِّبةُ صدَقةٌ، وبِكُلِّ خَطْوَةٍ تمْشِيها إلى الصَّلاةِ صدقَةٌ، وَتُميطُ الأذَى عَن الطرِيق صَدَقةٌ» متفق عليه. ورواه مسلم أيضاً من روايةِ عائشةَ رضيَ اللّه عنها قالت: قال رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسانٍ مِنْ بني آدم علَى سِتِّينَ وثَلاثمِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمنْ كَبَّر اللّه، وحَمِدَ اللّه، وَهَلَّلَ اللّه، وسبَّحَ اللّه واستَغْفَر اللّه، وعَزلَ حَجرًا عنْ طَرِيقِ النَّاسِ أوْ شَوْكَةً أوْ عظْمًا عن طَرِيقِ النَّاسِ، أوْ أَمر بمعرُوفٍ أوْ نهى عنْ مُنْكَرٍ، عَددَ السِّتِّينَ والثَّلاثِمِائة، فَإِنَّهُ يُمْسي يَوْمئِذٍ وَقَد زَحزَحَ نفْسَهُ عنِ النَّارِ».
مفردات الحديث
- كلُّ سُلامَى: كل مَفصِل.
- تعدِل: تفصِل بين متخاصمَين وتحكم بينهما بالعدل.
- متاعَه: ما ينتفع به من طعام ولباس... .
- الكلمة الطيِّبة: التي تَسُرُّ السامع وتُؤَلِّف القلوب.
- تُميط الأذى: تُزيل كل ما يُؤذي المارَّة.
- يومئذٍ: أي يومَه الذي فعل فيه من هذه الطاعات.
- زَحزحَ نفسه: أي نحَّاها وباعدها.
فوائد الحديث
- * هذا الحديث قاعدة من قواعد الدين الحنيف؛ إذ يبيـن أنّ الأعمال الصالحة لا تقتصر على الإنسان نفسه، بل كل عمل فيه نصح للناس فيه أجر.
- * الحثّ على الإصلاح بين الناس بالعدل ومعاملتهم بالأخلاق الكريمة.
- * فضل المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد.
- * أن هذه الأعمال لها من الأجر والثواب ما يساوي أجر الصدقة لمن عجز عنها ومثلها لمن جمع بينها وهو قادر عليها.
- * التقرب إلى اللّه تعالى بأنواع الطاعات ومختلف المبرّات مع الشكر على نِعمه.
- * للبدن زكاة، كما أنّ للمال زكاة.
123
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «منْ غَدَا إلى المَسْجِدِ أو رَاحَ، أعدَّ اللهُ لَهُ في الجنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أوْ رَاحَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- نُزُلًا: القُوتُ والرِّزْقُ ومَا يُهَيَّأ للضَّيفِ على وجه الإكرام.
- غَدا: من الغدو، وهو السير أول النهار، والمراد هنا الذهاب مطلقاً.
- راح: من الرواح وهو السير آخر النهار، والمراد هنا الإياب مطلقاً.
فوائد الحديث
- فضل الذهاب إلى المسجد.
- الحث على المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد.
- بيان فضل الله عز وجل على العبد؛ حيث يُعطيه على أعمالٍ يسيرة الثواب الجزيل.
124
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يا نِسَاء المُسْلِماتِ لاَ تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارتِهَا ولَوْ فِرْسِنَ شاةٍ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- فِرسِن: هو من البَعير كالحافر في الفَرس، عَظم قليل اللَّحم.
- لا تَحقِرنَّ: اي لا تَمتنِع من الصدقة وإن كان شيئًا يسيرًا، فهو خير من لا شيء.
فوائد الحديث
- الحثّ على الإهداء والصدقة بما تيسّر مهما كان قليلًا، فإنه خير، ينبغي أن يُحمد فاعله ويُشكر.
- الهدية وإن كانت قليلة في نظر صاحبها لكنها كبيرة الأجر عند الله تعالى وكبيرة النفع عند آخذها.
- النهي عن الاحتِقار؛ فلا تحتقر المُعطِية هديتها لجارتها، ولا تحتقر المُهدَى إليها الهدية حتى وإن كانت بسيطة.
125
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسبْعُونَ، أوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً: فَأفْضلُهَا: قوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأدْنَاهَا: إمَاطَةُ الأذَى عنِ الطَّرِيقِ، وَالحيَاءُ شُعْبةٌ مِنَ الإِيمانِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- البِضْعُ: من ثلاثة إلى تسعةٍ.
- بضع وسبعون أو بضع وستون: هذا شك من الراوي، والمراد بالعدد التكثير والمبالغة.
- الحياء: الحشمة، صفة تقوم في النفس، فتكفها عن فعل ما يُعاب ويُندم عليه لدى العقلاء.
- الشعبة: القطعة والغصن من الشجرة، والفرع من كل أصل.
فوائد الحديث
- بيان كثرة أبواب الخير وتفاوت درجاتها وأجورها.
- أن الإيمان مراتب حسب أهمية العمل الذي يُثمره وينشأ عنه.
- أن الإيمان والعمل متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر ولا يغني عنه.
- لا إله إلا الله أفضل كلمة، مع اعتقاد مضمونها والعمل بمقتضاها، وهي مفتاح الجنة، وما يُدخَل به إلى الإسلام.
- فضيلة الحياء والحث على التخلق به، لأنه يحجز صاحبه عن كل معصية ويحمله على امتثال كل طاعة، وحياء المسلم دليل على صدق إيمانه.
- النوافل تتفاوت، فالأعمال الصالحة منها ما هو عظيم جليل كبير، ومنها ما هو دون ذلك.
126
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنّ رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال «بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشْتَدَّ علَيْهِ الْعَطشُ، فَوجد بِئرًا، فَنزَلَ فيها فَشَرِبَ، ثُمَّ خرج. فإِذا كلْبٌ يَلهثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فقال الرَّجُلُ: لَقَدْ بلَغَ هَذَا الْكَلْب مِنَ العطشِ مِثْل الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي. فَنَزَلَ الْبِئْرَ، فَملأَ خُفَّه مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَه بِفيهِ، حتَّى رقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ. فَشَكَرَ اللَّهُ لَه، فَغَفَرَ لَه» قَالُوا: يا رسولَ الله، إِنَّ لَنَا في الْبَهَائِم أَجْراً؟ فَقَالَ «في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ» متفقٌ عليه وفي رواية للبخاري «فَشَكَر الله لهُ، فَغَفَرَ لَه، فَأدْخَلَه الْجنَّةَ» في رواية لَهُما: «بَيْنَما كَلْبٌ يُطيف بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يقْتُلُه الْعطَشُ إِذْ رأتْه بَغِيٌّ مِنْ بَغَايا بَنِي إِسْرَائيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فاسْتَقت لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ فَغُفِر لَهَا بِهِ».
مفردات الحديث
- يلهث: يخرج لسانه من فمه.
- الثَّرى: التّراب الرطب.
- فشكر الله له: أي قبل عمله ذلك.
- إن لنا في البهائم أجرًا: أيكون لنا في الإحسان للبهائم ثواب.
- رطبة: أي حية، سميت بذلك لرطوبة الحياة فيها.
- وَيُطِيف: يَدُورُ حَوْلَ
- برَكِيَّةٍ: وهي الْبِئْرُ.
- بغيّ: زانية.
- مُوقَها: خُفَّها.
- فاسْتَقت له به: أي جعلته إناءً لسقي الكلب به.
فوائد الحديث
- فضل الإحسان إلى كل مخلوق حي، وأنّ ذلك من أعمال الخير التي يكافئ الله عز وجل عليها بالثواب العظيم، وتكون سببًا للمغفرة.
- فضل سقي الماء، وهو من أفضل القربات إلى الله عز وجل.
- عموم رحمة الله تعالى حتى شملت الحيوان لأنه من مخلوقاته.
- سعة فضله سبحانه فقد يغفر الذنوب الكبيرة بعمل الخير اليسير.
- عظيم فضل الإخلاص لله في الأعمال التي يفعلها الإنسان وهو يعلم أنه لا مادح له ولا مثيب إلا الله.
- الحرص على الطاعات الخفية مهما بلغ التقصير والعصيان بالإنسان، فقد تكون سببًا في رحمة اللّه بالعبد وإخراجه ممّا هو فيه من عصيان.
- للمؤمن أن ينتهز الفرصة مدة حياته، وأن يجتهد في القيام بما يسر اللّه له من أنواع الخير بحسب الطاقة، والخير كثير.
127
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النّبيّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال «لَقَد رأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجنَّةِ، فِي شَجرةٍ قطَعها مِنْ ظَهْرِ الطَّريقِ، كَانَتْ تُؤْذِي الْمُسلِمِينَ» رواه مسلم وفي رواية «مرَّ رجُلٌ بِغُصْنِ شَجرةٍ عَلَى ظَهْرِ طرِيقٍ، فَقَالَ: واللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هذا عنِ الْمسلِمِينَ؛ لا يُؤْذِيهُمْ، فأُدْخِلَ الْجَنَّة» وفي رواية لهما «بيْنَما رجُلٌ يمْشِي بِطريقٍ، وجدَ غُصْنَ شَوْكٍ علَى الطَّرِيقِ، فأخَّرَه، فشَكَر اللهُ لَهُ، فغَفر لَه»
مفردات الحديث
- يَتقلَّب: يتحوّل في الجنَّة من مكان لآخر يتنعّم بملاذِّها.
- في شجرة: بسبب شجرة.
- من ظَهر الطريق: أي عن الطريق.
- لَأنحِّيَنَّ: لَأزيلنَّ.
فوائد الحديث
- فضل إزالة ما يؤذي الناس في طُرقاتهم، وأنّه سبب لدخول الجنّة.
- الحثّ على فعل كل ما ينفع المسلمين ويُبعد عنهم الضرر، ورُبّ عمل صغير عظَّمته النيّة.
- حرص الإسلام على المرافق العامّة ونظافتها والعناية بها كالطرقات والحدائق العامّة.
- دليل على أنّ الجنَّة موجودة الآن؛ لأنَّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى هذا الرجل يتقلّب فيها.
- أنّ إزالة الأذى عن الطريق الحسِّيّ: طريق الأقدام، والطريق المعنَوِيّ: طريق القلوب، تُقرِّب إلى الله؛ لكن إزالة الأذى عن طريق القلوب، أعظم أجرًا، وأشدّ إلحاحًا من إزالة الأذى عن طريق الأقدام.
128
باب بيان كثرة طرق الخير.
عنْ أبي هريرة، رضي الله عنه، قالَ: قَال رسولُ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «منْ توضَّأ فأَحسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمعةَ، فَاستَمَعَ وأَنْصتَ، غُفِر لَهُ ما بيْنَهُ وبيْنَ الْجُمعةِ، وزِيادةُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ. ومَنْ مسَّ الحَصا فَقد لَغَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أحسَن الوُضوء: أتى به تامًّا بأركانِه وسُننِه وآدابِه.
- أتى الجُمُعة: أي، أتى المسجد لصلاتها.
- فَاستَمَع: أي ألقى سمعه، يعني الإصغاء،
- وأنصَتَ: أي السكوت، وبمعنى أنه لم ينصرف بذهنه، فيكون عنده شرود عما يقوله الخطيب.
- لَغا: هو الكلام الباطل، وما لا فائدة فيه
- (والحصا هنا، المسبحة أو أي شيء يقلّبه بيديه)
فوائد الحديث
- الحث على تحسين الوضوء وإتمامه، والمحافظة على صلاة الجمعة.
- فضل صلاة الجمعة، فهي تكفر ذنوب عشرة أيام.
- وجوب الاستماع والإنصات لخطبة الجمعة، وعدم التشاغل عنها.
- على الخطباء أن يُحسنوا عرض خُطبهم وموضوعاتها، وألّا تكون مجرّد كلمات عابرة، لا تترك أثرًا في نفوس الناس، أو لا علاقة لها بواقع حياتهم.
129
باب بيان كثرة طرق الخير.
عنْ أبي هريرة، رضي الله عنه، أنّ رسولَ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال «إذَا تَوضَّأَ الْعبْدُ الْمُسْلِم، أو الْمُؤْمِنُ، فغَسلَ وجْههُ، خَرجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خطِيئةٍ نَظرَ إِلَيْهَا بِعَينِهِ، مَعَ الْماءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْماءِ. فَإِذَا غَسَل يَدَيْهِ، خَرجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيْئَةٍ كانَ بَطشتْهَا يَداهُ، مع الْمَاءِ، أَو مع آخِرِ قَطْرِ الْماءِ. فَإِذَا غسلَ رِجلَيْهِ، خَرجَتْ كُلُّ خَطِيْئَةٍ مشَتْها رِجْلاهُ، مع الْماءِ، أَوْ مع آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ... حَتَّى يخْرُجَ نقِيًّا من الذُّنُوبِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- خرج من....: أي تساقطت ذنوبه بسبب الوضوء، يعني غُفرت.
- خطيئة: ذنب صغير متعلق بحق الله تعالى.
- بطشتها يداه: البطش؛ الأخذُ القويُّ الشديد، أي اكتسبتها يداه
- مع الماء: اي مع انفصال الماء.
فوائد الحديث
- فضل الوضوء، وأن المواظبة عليه وسيلة للنقاء من الذنوب، وهذا فضل من الله عز وجل.
- حصول فائدتين من الوضوء: طهارة الجسم من الأدران، وطهارة النفس من الآثام.
- أنّ المسلم، إذا استشعر، أثناء وضوئه، كيف أن سيئاته تخرج مع الماء، لكان ذلك مدعاة لحضور قلبه، وزيادة إيمانه.
130
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، والْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، ورمضانُ إِلَى رمضانَ مُكفِّرَاتٌ لِمَا بَينَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبائِرُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الجمعة: أي صلاة الجمعة.
- رمضان: أي صوم رمضان.
- مُكفِّرات...: أي تمحوها وتسترها.
- اجتُنِبَتِ الْكَبَائر: أي ابتعد الإنسان عنها، فلم يعملها.
- الكبائر: هي الذنوب العظيمة، التي جاء فيها الوعيد بالنار، أو بعذاب القبر، أو بغضب الله...؛ كالزنى، وشرب الخمر، وشهادة الزور...
فوائد الحديث
- دليل فضل الصلوات، وما فيها من الخير العظيم، وأنها من أسباب تكفير الذنوب، وحَطِّ الخطايا.
- أن القيام بهذه الواجبات على خير وجه يكون سببًا لأن يغفر الله عز وجل، بفضله ورحمته، ما وقع بينها من الذنوب الصغيرة.
- لا بد في تكفير الذنوب الكبيرة من التوبة الصادقة.
- من فضل الله تعالى على عباده، ورحمته، أن جعل لهم مواسم خير للتزوُّد من الطاعات، ومحو الخطايا.
131
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «ألا أدلُّكُم على ما يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطايا، ويرْفَعُ بِهِ الدَّرجاتِ؟» قالوا: بلى، يا رسُولَ اللهِ. قال «إسباغُ الْوُضوءِ على الْمَكَارِهِ، وكَثْرةُ الْخُطَا إِلَى الْمسَاجِدِ، وانْتِظَارُ الصَّلاةِ بعْدِ الصَّلاةِ. فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يمحو: يغفر.
- الدرجات: المنازل في الجنّة.
- إسباغ الوضوء: إعطاء كل عضوٍ حقه من الطهارة، والإتيان بالوضوء كاملًا تامًّا.
- المكاره: هي ما يكرهه الإنسان ويشقّ عليه.
- الرِّباط: حبس النفس على الطاعة، وسمي انتظار الصلاة رباطًا، لأن فيه جهاد النفس وحبسها عن الشهوات.
فوائد الحديث
- الحثّ على إسباغ الوضوء وتحسينه ولو كان في البرد الشديد.
- أهمية المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد.
- الاهتمام بالصلوات وعدم التشاغل عنها.
- بيان فضل كثرة الخُطا إلى المساجد ولو بَعُد بيته.
- العبادات المذكورة في الحديث وسيلة للمغفرة والتقرب إلى الله عز وجل.
- ما ورد في الأحاديث من تكفير الذنوب إنما هو في شأن ما يتعلق بحقوق الله تعالى، وأما ما يتعلق بحقوق العباد فلا بد من أدائها لأصحابها، أو التحلل والاستبراء منها.
132
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أَبِي موسى الأشعريِّ، رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «منْ صلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجنَّةَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- صلَّى البَردَين: أي، صلاتي الصبح والعصر، وسُمِّيَتا بذلك لأنهما تُصليان في بَردَي النهار؛ وهما طرفاه، حين يطيب الهواء، وتذهب شدة الحر.
فوائد الحديث
- فضل المحافظة على صلاة الفجر، لأنها تكون عند لذة النوم.
- فضل المحافظة على صلاة العصر، لأنها تكون عند الاشتغال بتتمة أعمال النهار.
- مراد الحديث الاهتمام بهاتين الفريضتين وليس جعل دخول الجنة حاصلًا بأدائهما فقط دون غيرهما.
133
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أبي موسى الأشعرِيِّ، رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «إِذَا مرِضَ الْعبْدُ أَوْ سافَرَ، كُتِب لَه مثلُ ما كانَ يعْملُ، مُقِيمًا صحيِحًا»
رواه البخاري -قوله أو سافر: إذا كان سفرُه في غير معصية
فوائد الحديث
- ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﻋﺎﺩة الإنسان ﺃﻥ ﻳﻌﻤﻞ عملًا ﺻﺎﻟﺤًﺎ، ﺛﻢ ﻣﺮﺽ ﻓﻠﻢ ﻳﻘﺪﺭ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻜﺘﺐ له الأجر كاملًا.
- هذه الفضيلة خاصة إذا كان العمل غير واجب، فإن كان واجبًا فإنه لا يُسقطه العذر فلا بد من القيام به أو ببدله على قدر استطاعته ويأثم إن تركه.
- الحث والتحريض على الاستكثار من الخير.
134
باب بيان كثرة طرق الخير.
عنْ جابرٍ، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «كُلُّ مَعرُوفٍ صدقَةٌ»
رواه البخاري، ورواه مسلم، مِن رواية حذَيفَةَ، رضي الله عنه
مفردات الحديث
- كُلُّ معروف: كلُّ فعلٍ أو قولٍ يُعرَف حُسنُه بالشرع والعقل، ويتعارف الناس على حسنِه.
- صدقَةٌ: المراد ثواب الصدقة.
فوائد الحديث
- أن كل ما يفعله المؤمن من أعمال البر والخير له ثواب وأجر كثواب الصدقة وأجرها.
- الحث على فعل الخير على قدر المستطاع، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يحتقر شيئًا من المعروف.
- يسر الشريعة واستيعابها للناس كافة؛ ففعل المعروف وتحصيل الثواب لا يختص بالأغنياء.
135
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «ما مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرسًا إلّا كانَ ما أُكِلَ مِنْهُ لهُ صدقةً. وما سُرِقَ مِنْه لَه صدقَةً. ولا يرْزَؤُه أَحَدٌ إلّا كَانَ له صدقةً» رواه مسلم وفي رواية له «فَلا يغْرِسُ الْمُسْلِمُ غرسًا، فَيَأكُلَ مِنْهُ إِنسانٌ ولا دابّةٌ ولا طَيرٌ، إلّا كانَ له صدقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامة». وفي رواية له «لا يغْرِسُ مُسلِمٌ غَرْسًا، ولا يَزْرعُ زَرْعاً، فيأْكُلَ مِنْه إِنْسانٌ وَلا دابَّةٌ ولا شَيْءٌ إلّا كَانَتْ لَهُ صدقةً»
ورويَاه جميعًا مِنْ رواية أَنَسٍ رضي اللَّه عنه
مفردات الحديث
- يغرس: الغرس للأشجار، والزرع لغيرها من النبات.
- يرْزَؤُهُ: أي يَنْقُصه ويأخذ منهُ.
فوائد الحديث
- فضيلة الغرس، وفضيلة الزرع، وأن أجر فاعلي ذلك مستمر ما دام الغراس والزرع، وما توَلَّد منه إلى يوم القيامة.
- الحث على الغرس والزراعة، وأنهما من الأعمال التي لا ينقطع فيها الثواب بموت فاعلها.
- السعي في تحصيل النفع لمخلوقات الله تعالى وتيسير أمورهم وقضاء حوائجهم.
- يثاب المسلم على ما سُرق من ماله، أو ما غُصب منه، أو أُتلف منه، إذا صَبر واحتسب ذلك عند الله تعالى.
136
باب بيان كثرة طرق الخير.
عنْ جابر، رضي الله عنه، قالَ: أَراد بنُو سَلِمَة أَن ينْتَقِلوا قُرْبَ المَسْجِدِ، فبلَغَ ذلك رسولَ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَقَالَ لَهُمْ «إِنَّه قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُربَ الْمَسْجِدِ» فَقَالُوا: نَعَمْ، يا رسولَ الله، قَدْ أَرَدْنَا ذلكَ، فَقالَ «بَنِي سَلِمةَ ديارَكُمْ؛ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ.، دِيارَكُم، تُكْتَبْ آثارُكُمْ» رواه مسلم وفي روايةٍ «إِنَّ بِكُلِّ خَطْوَةٍ درجةً»
رواه مسلم. ورواه البخاري أيضاً بِمعنَاهُ مِنْ روايةِ أَنَسٍ رضي الله عنه
مفردات الحديث
- بنُو سَلِمَةَ: قبيلة معروفة من الأَنصار، رضي اللَّه عنهم.
- ديارَكم: أي الزموا دياركم، وابقوا فيها.
- آثارُكم: خطاكُم إلى المسجد، لحضور الجمعة والجماعات.
- الخطوة: بضم الخاء: ما بين القدمين أثناء المشي، وبفتحها: واحدة الخطوات.
فوائد الحديث
- أن الأجر على قدر ما يبذله المُكلّف من جُهد يحتاج إليه العمل دون أن يتكلّف زيادة هذا الجهد.
- الحثّ على صلاة الجماعة في المسجد، لكسب أجورٍ تُضاف إلى أجرِ الصلاة.
- *فضل المشي إلى المساجد، وأن الخطى إليها فيها خير عظيم.
- عدم التضييق على الناس في مرافقهم العامة كالمساجد ونحوها، لأنّه صلى الله عليه وسلم لم يأذن لبني سَلِمة في الانتقال إلى قرب المسجد النبويّ حتى لا يَقتدي بهم الناس ويضيّقوا على المسلمين القريبين منه.
- دليل على أنّه إذا نُقل للإنسان شيءٌ عن أحد، فعليه أن يتثبّت قبل أن يحكم بمقتضى الشيء الذي نقل له.
137
باب بيان كثرة طرق الخير.
عنْ أَبِي الْمُنْذِر أُبيِّ بنِ كَعبٍ، رضي الله عنه، قال: كَان رجُلٌ لا أَعْلمُ رجُلًا أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وكَانَ لا تُخْطِئُهُ صلاةٌ، فَقِيل لَه، أَوْ فقُلْتُ لهُ: لَوْ اشْتَريْتَ حِمارًا ترْكَبُهُ في الظَّلْماءِ، وفي الرَّمْضَاءِ فَقَالَ: ما يسُرُّنِي أَنَّ منْزِلِي إِلَى جَنْب الْمسْجِدِ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَب لِي ممْشَايَ إِلَى الْمَسْجد، ورُجُوعِي، إِذَا رجعْتُ إِلَى أَهْلِي. فقالَ رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «قَدْ جَمَعَ اللهُ لكَ ذلِكَ كُلَّهُ»
رواه مسلم وفي روايةٍ «إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْت»
مفردات الحديث
- لا تُخطِئُه صلاة: لا تفوته صلاة مع الجماعة في المسجد.
- الظلماء: أي الليلة الشديدة الظلمة وقت صلاة الفجر والعشاء.
- الرمْضَاء: الأَرْضُ الَّتِي أَصَابَهَا الْحرُّ الشَّديدُ.
- احتسبت: عملتُه لوجه الله تعالى.
فوائد الحديث
- كلّما كان الإنسان أصدق إخلاصًا لله عز وجل، وأقوى اتباعًا لرسوله صلى الله عليه وسلم كان أكثر أجرًا وأعظم مثوبةً.
- أن للنية أثرًا كبيرًا في صحة الأعمال، وأثرًا كبيرًا في ثوابها، وأن الإنسان يؤجر على فعله بحسب قصده ونيته.
- أن المؤمن الصادق يتلذذ بالأعمال والعبادات التي يقوم بها.
- اهتمام الصحابة بصلاة الجماعة وتَحمّلهم المتاعب في سبيل الأجر والثواب في ذهابهم وإيابهم.
- أقرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم الرجل على ترك شراء الدابّة طلبًا لزيادة الثواب .
- البعد ليس مقصودًا، لكن من كان بعيدًا كتب له أجر ممشاه، فإذا كان قصد المكلّف إيقاع المشقّة على نفسه، فيكون قد خالف مقاصد الشريعة.
138
باب بيان كثرة طرق الخير.
عنْ أَبِي محمدٍ عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «أَرْبعُونَ خَصْلةً، أَعلاها منِيحَةُ الْعَنْزِ؛ ما مِنْ عامِلٍ يعمَل بِخَصْلَةٍ مِنْها، رجاءَ ثَوَابِهَا، وتَصْدِيقَ موْعُودِهَا، إِلّا أَدْخلَهُ اللهُ بِهَا الْجنَّةَ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- خَصلة: نوع من أنواع البِرِّ.
- الْمَنِيحة: هي ما يَمنح المسلم أخاه من عنزٍ أو شاةٍ أو ناقةٍ... على سبيل العارية لينتفع بلبنها زمانًا ثم يُعيدها.
- العنز: الأنثى من المعز.
- من عاملٍ: المقصود من مسلمٍ.
- مَوعُودِها: ما وعَد الله من الثواب.
فوائد الحديث
- فضل الله تعالى ورحمتُه بتكثيره أعمال الخير وتنويعها، وقبوله ما قلَّ منها وما صغرَ، كمنيحة العنز مع صدق النية والقصد.
- أنَّ هذا الأجرَ إن كان مترتِّبًا على منيحة العنزِ فما دونَها، فما الظَّنُّ بما هو أعظَمُ منها.
- ينبغي للمؤمن أن يجتهد في أنواع الخير وألّا يُحقّر شيئًا من المعروف ولو قليلًا.
139
باب بيان كثرة طرق الخير.
عَنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ، رضي الله عنه، قال: سمِعْتُ النَّبِيَّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول «اتَّقُوا النار وَلوْ بِشقِّ تَمْرةٍ» متفقٌ عليه وفي رواية لهما عنه قال: قال رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سيُكَلِّمُه ربُّه؛ لَيْس بَيْنَهُ وبَينَهُ تَرْجُمَان، فَينْظُرُ أَيْمنَ مِنْهُ، فَلا يَرى إِلَّا مَا قَدَّم. وينْظُر أشأمَ مِنْهُ، فلا يَرَى إلَّا ما قَدَّمَ. وَينْظُر بَيْنَ يدَيْهِ، فَلا يَرى إلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ. فاتَّقُوا النَّارَ، ولوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ،.فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلِمَة طيِّبَةٍ»
مفردات الحديث
- اتّقوا النار: اجعلوا بينكم وبينها من العمل الصالح ما يحفظكم من دخولها.
- ولو بشقّ تمرة: ولو أن تتصدّقوا بنصف تمرة.
- تَرجُمان: هو الذي ينقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى.
- أشأم: في الجانب الأيسر، والأشأم: الشمال.
- تلقاء: أي أمام وجهه.
فوائد الحديث
- الحثّ على الصدقات بقدر الإمكان والتخلّق بالخصال الحميدة.
- المعاملة باللّطف ولين الكلام.
- التحلي بفعل الطاعات والتخلي عن المنكرات حتى لا يخجل المؤمن من أعماله بين يدي الله عز وجل.
- قرب العبد من الله تعالى يوم القيامة إذ ليس بينهما حجاب ولا واسطة ولا ترجمان.
- أن يحذر المؤمن من مخالفة أمر ربه.
- مسؤولية الإنسان عن عمله، فليحرص على العمل الصالح الذي ينفعه يوم القيامة ويستره من النار.
140
باب بيان كثرة طرق الخير.
عنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «إِنَّ الله لَيرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ، فيحْمدَهُ عليْهَا، أَوْ يشْربَ الشَّرْبَةَ، فيحْمدَهُ عليْهَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يرضى: الرضى صفة كمال ثابتة لله تعالى. ومن آثارها أن الله تعالى يقبل طاعة العبد، ويثيبه عليها.
- الأكلة والشربة: اسم مرة من الأكل والشرب.
- الغدوة: اسم لِمَا يُؤكَل أول النهار.
- العشوة: اسم لما يؤكل آخر النهار.
فوائد الحديث
- الحثّ على شكر الله عز وجل على سعة فضله وكثير نعمه.
- الحمد لله، لأنه سبحانه وحده الذي يستحق الحمد على النعمة.
- أن رضا الله عز وجل يُنال بأدنى سبب.
- المباحات إذا اقترنت بالنيّات الصالحة كانت لصاحبها طاعات ينال لذّتها في الدنيا وثوابها في الآخرة.
141
باب بيان كثرة طرق الخير.
عن أَبِي موسى رضي الله عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صدقةٌ» قال: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجدْ؟ قالَ: «يعْمَل بِيَدَيْهِ فَينْفَعُ نَفْسَه وَيَتَصدَّقُ»: قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يسْتطِعْ؟ قال: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْملْهوفَ» قال: أَرأَيْت إِنْ لَمْ يسْتَطِعْ قالَ: «يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ أَوِ الْخَيْرِ» قال: أَرأَيْتَ إِنْ لَمْ يفْعلْ؟ قال: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صدَقةٌ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يعمل بيَدَيه: أي ما يأخذ عليه أجرًا ويُحصّل منه ثمرةً.
- الملهوف: المستغيث والمضطر.
- يُمسك: يمتنع ويحبس نفسه.
فوائد الحديث
- الحثّ على العمل ليَتَكَسَّب المسلم ويسدّ حاجته من كَسبِه ويتصدَّق، فيصون وجهه عن السؤال، وينفع غيره بثمرة عمله وصدقته.
- أن أعمال الخير تنزل منزلة الصدقات في الأجر ولا سيما في حق من لا يقدر عليها.
- شمول معنى الصدقة أنواعًا عديدةً من البرِّ وعمل الخير حتى الامتناع عن الشرِّ يُعتبر من الصدقة.
- *ينبغي للإنسان العاقل الحازم المؤمن أن ينتهز سبل الخير، وأن يحرص غاية الحرص على أن يأخذ من كل باب منها بنصيب، حتى يكون ممن سارع في الخيرات.
142
باب الاقتصاد في الطاعة
عن عائشةَ، رضي اللهُ عنها أَن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم دخَلَ عليْها وعِنْدها امْرأَةٌ قال: «منْ هَذِهِ؟» قالت: هَذِهِ فُلانَة تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا قالَ: «مَهْ، عليكُمْ بِما تُطِيقُون، فَوَالله لا يَمَلُّ اللهُ حتَّى تَمَلُّوا»
وكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ ما داوَمَ صَاحِبُهُ علَيْهِ. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- تَذكُر من صلاتِها: أي تَذكُر كثرة عبادتها وصلاتها.
- مَهْ: كَلِمة نَهْي وزَجر.
- عليكُم ما تُطِيقُون: أي اشتغِلوا بما تَستطيعون المُداومة علَيه من الأعمال لَيَدُوم ثَوَابه لَكُم وفَضْلُه.
- لا يملُّ الله: نفي الملل عن الله تعالى أي لا يَقْطَع فَضله وثَوابَه عنكم.
- حَتَّى تَملُّوا: حتى تَتركوا وتَزهدوا.
- وكان أحب الدِّين إليه: أي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: "وكان أحب الدين إلى الله" ولا منافاة بين الروايتين فإن ما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسوله.
فوائد الحديث
- كراهة كثرة العبادة خشية الملل والفتور.
- أن الإنسان ينبغي له أن يعمل العبادة على وجه الاعتدال، لا غلوَّ ولا تفريط، حتى يتمكن من الاستمرار عليها.
- أكثر الأعمال ثواباً أدومها وإن قلت.
- الحثّ على المداومة والاستمرار في الطاعة.
- القليل الدائم يزيد على الكثير المنقطع.
- تَوْفِيَة النفس حقّها من المباحات فيه أجر وثواب إذا كان القصد التَّقَوِّي على العمل الصالح وعبادة الله.
143
باب الاقتصاد في الطاعة
عن أَنسٍ رضي الله عنه قال: جاءَ ثَلاثة رهطٍ إِلى بُيُوتِ أَزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يسأَلُونَ عن عِبادة النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَلَمَّا أُخبِروا كأَنَّهُم تَقَالُّوها وقالُوا: أَين نَحْنُ مِن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَد غُفِر لَهُ ما تَقَدَّم مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ. قالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فأُصلِّي الليل أَبدًا، وقال الآخَرُ: وَأَنا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِر ، وقالَ الآخرُ: وأَنا أعْتَزِلُ النِّساءَ فلا أَتَزوَّج أَبدًا، فَجاءَ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إلَيْهم فقال: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كذا وكذَا؟! أَمَا واللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُم للهِ وَأَتْقَاكُم له لكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصلِّي وَأَرْقُد، وَأَتَزَوّجُ النِّسَاءَ، فمَن رغِب عن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ثلاثة رهط: أي ثلاثة رجال، والرهط في اللغة من ثلاثة إلى عشرة.
- تقالّوها: أي عدّوها قليلة.
- أُصَلِّي اللّيل أبدًا: أي أُحيِيه بالصلاة ولا أنام شيئًا منه.
- أصوم الدهر: أي أصوم جميع الأيّام ما عدا يومي العيد وأيام التشريق، لحرمة صومها.
- أرقد: أي أنام أداء لحقّ نفسي.
- فمن رغب: أي فمن أعرض وترك.
- سنّتي: طريقتي، والمراد هدي النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به.
- فليس منّي: أي ليس ممّن اهتدى بِهَديي، ولم يَسِرْ على نَهجي، ولا ممّن اقتدى بي.
فوائد الحديث
- دلالة قاطعة على حجّية السنّة النبوية، فلو لم تكن حجة، لَما شدَّد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في نكيره على هؤلاء الرهط.
- من رغب عن طريقة النّبيّ ﷺ واتهمها بأنها معوجة، أو بأنها لا تصلح لهذا الزمان فهو زائغ ضال، يجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى.
- فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحرصهم على الازدياد من العبادات والطاعات.
- الترغيب في النكاح.
- كراهية صيام الدهر وقيام ليله كلّه.
- وجوب التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في التوسط والاعتدال وحقيقة التقرب إلى الله تعالى.
- ليس من البرّ الابتداع في الدين بما لم يَرِدْ فيه نص من كتاب أو سنة.
144
باب الاقتصاد في الطاعة
عن ابن مسعودٍ، رضي الله عنه، أن النبيَّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»
قالَهَا ثلاثًا رواه مسلم
مفردات الحديث
- المُتَنطِّعُونَ: الْمُتَعمِّقونَ الْمُتشَدِّدُون فِي غَيْرِ موْضَعِ التَّشْدِيدِ.
- للعلماء في تفسير التنطُّع أقوال منها:
- ~ الغلوّ في العبادة والمعاملة ، بحيث يؤدّي إلى المشقّة الزائدة.
- ~ الابتداع في الدين، بتحريم ما لم يحرّمه الله تعالى ورسوله، واستحداث صور من العبادات.
- ~ التقعُّر في الكلام ، والتشدُّق باللسان ، بتكلُّف الكلمات.
- ~ الخوض فيما لا يعني، والسؤال عمّا لا ينبغي، وتكلُّف البحث فيما لا يُغني.
- ~ البحث في تفاصيل أمور الغيب المجهولة التي أمر الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيّتها.
فوائد الحديث
- أَكَّد النّبيّ صلى الله عليه وسلم هلاك المُغالين في أقوالهم وأفعالهم.
- ذمّ التكلّف والتشدّق في الكلام.
- الشدّة لا تأتي بخير بل بهلاك صاحبها.
145
باب الاقتصاد في الطاعة
عن أبي هريرة، رَضِي اللهُ عَنْهُ، عن النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال «إنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولن يُشَادَّ الدِّينُ إلَّا غَلَبَه، فسَدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا، واستَعينوا بالغَدْوَة والرَّوْحَة، وشيءٍ من الدُّلْجَة» رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وفي رواية له «سَدِّدوا، وقارِبوا، واغْدُوا ورُوحُوا، وشَيءٌ من الدُّلْجَة. القَصدَ القَصدَ... تَبْلُغُوا»
مفردات الحديث
- يُشادَّ: يقاومه، ويكلِّف نفسه من العبادة فوق طاقته.
- الدِّينُ: هو مرفوع على ما لم يُسمَّ فاعلُه. ورُوي منصوبًا "لن يُشادَّ الدِّينَ أَحدٌ".
- سدّدوا: أي التزموا الاستقامة والسّداد، وهو التوسط في غير إفراط.
- قاربوا: إذا لم تستطيعوا العمل بالأكمل فاعمَلوا ما يَقرُب منه.
- الغدوة: أوّل النّهار.
- الرّوحة: آخر النّهار.
- الدّلجة: آخر اللّيل.
- القصد: منصوب على الإغراء، أي الزموا التوسط في الأمر من غير إفراط ولا تفريط.
فوائد الحديث
- الترغيب في اختيار أوقات النشاط للعبادة.
- القَصد في العبادة، يُوصِل إلى مرضاة الربّ، ودَوام القِيام بعُبودِيَّته.
- النهي عن التشديد في الدّين، بأن يحمِّل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يطيق.
- الفرائض، يجتهد فيها ويؤديها كما أمر الله، والنوافل، حسب التيسير. لا يُشدّد على نفسه ولا يكلّفها ما لا تطيق.
146
باب الاقتصاد في الطاعة
عن أَنسٍ رضي الله عنه قال: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم المَسْجِدَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فقال: «ما هَذَا الحبْلُ؟» قالُوا، هَذا حبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَترَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، فقال النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذا فَترَ فَلْيَرْقُدْ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- بين السَّارِيَتَين: السَّارية: الأسطوانة وهي الدعامة التي يعتمد عليها السقف.
- لزينب: أي زينب بنت جحش، أم المؤمنين رضي الله عنها.
- فَتَرَت: كَسلَت عن القيام في الصلاة، أو عن العبادة.
- نشاطه: أي وقت نشاطه.
- فليقعد: يُحتمَل أن يكون أمرًا بالقعود عن القيام، فيُستدَل به على جواز افتتاح الصلاة قائمًا والقعود في أثنائها، ويُحتمَل أن يكون أمرًا بالقعود عن الصلاة، أي بترك ما كان عزم عليه من التنفل، ويُستدَل به على جواز قطع النافلة بعد الدخول فيها.
فوائد الحديث
- التنفل جائز في المسجد للرجال والنساء.
- إزالة المنكر باليد لمن يتمكن من ذلك.
- كراهة أن يعتمد المصلي في أثناء صلاته على شيء.
- الحثّ على الاقتصاد في العبادة، فلا ينبغي للمسلم أن يتكلَّفَ ما لا يُطِيق؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يُكلِّفْه ذلك.
- من الأفضل أن يُقبِل الإنسان على العبادة بنَفسٍ مُنشرِحَة، وباشتِياق إليها، فيكون ذلك أدعَى إلى مَحبَّتِها والمُداومة عليها.
147
باب الاقتصاد في الطاعة
عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ رسولَ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِذَا نَعَسَ أَحدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فإِنَّ أَحدَكُم إِذَا صلَّى وهُو نَاعِسٌ لا يَدْرِي لعلَّهُ يذهَبُ يسْتَغْفِرُ فيَسُبُّ نَفْسَهُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- النعاس: مقدمة النوم.
- وهو يصلي: المراد صلاة النافلة، إذ الفريضة قليلة المقدار.
- فليرقد: فلينصرف عن الصلاة بعد تمامها بالتسليم.
- فيسبّ نفسه: أي يتلفظ بما لا يقصده، لغلبة النعاس، مثل أن يقول: اللهم لا تغفر.
فوائد الحديث
- كراهة إجهاد النفس بالعبادة بشرط عدم فوات الفريضة.
- الاقتصاد وترك الغلوّ في العبادة وحُمِل على نفل الليل لأنّه محلّ النوم.
- المُغالَاة في الأمور حتى في الطاعات قد تؤدِّي إلى عكس المُراد منها فيَقع في الإثْم بدلَ حُصولِ الأجر.
- الحثُّ على اليقَظَةِ والتَّنبُّهِ في الصَّلاةِ وعلى الخشوع وحضور القلب في العبادة.
148
باب الاقتصاد في الطاعة
عن أَبِي عبد الله جابر بن سَمُرَةَ رضي الله عنهما قال: «كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صلاتُهُ قَصدًا وخُطْبَتُه قَصْدًا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- قَصْدًا: أَيْ بَيْنَ الطُّولِ وَالْقِصَر.
- خُطبته:أي خطبة الجمعة وغيرها.
فوائد الحديث
- تخفيف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الصلاة والخطبة رحمةً بالمصلّين، ورأفةً بالمريض وصاحب الحاجة.
- رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، وإنه لم يكن يبالغ في الإيجاز.
- الحثّ على التوسّط في الأمور كلها.
- كراهة إطالة الخُطب إذا لم تكن حاجة لذلك خشية أن يملّ الناس وألّا يَعُوا ما يسمعون.
149
باب الاقتصاد في الطاعة
عن أَبِي جُحَيْفَةَ وَهبِ، بنِ عبد الله، رضي اللهُ عنه، قال: آخَى النَّبِيُّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، بَيْن سَلْمَانَ (الفارسي) وأَبِي الدَّرْدَاءِ. فَزَارَ سلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاء مُتَبَذِّلَةً، فقالَ: ما شَأْنُكِ؟ قالَتْ: أَخْوكَ أَبُو الدَّرداءِ، ليْسَ له حَاجةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَه طَعَامًا، فقالَ لَهُ: كُلْ، فَإِنِّي صَائِمٌ. قالَ: ما أَنا بآكلٍ حَتَّى تأْكلَ، فَأَكَلَ. فلمَّا كانَ اللَّيْلُ، ذَهَبَ أَبُو الدَّرْداءِ يقُوم، فقال لَه: نَمْ، فَنَام. ثُمَّ ذَهَبَ يَقُوم، فقالَ لَه: نَمْ. فَلَمَّا كان من آخرِ اللَّيْلِ، قالَ سلْمانُ: قُم الآنَ. فَصَلَّيَا جَمِيعًا. فقالَ له سَلْمَانُ: إِنَّ لرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لنَفْسِكَ عَلَيْكَ حقًّا، ولأهلِك عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّه. فَأَتَى النَّبِيَّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَذَكر ذلكَ لَه، فقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «صَدَقَ سلْمَان»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- مُتَبذِّلة: لابسةً ثيابَ البذلةِ، وهي المِهنة، والمراد غير مُعتَنية بمظهرها، وتاركةً لُبسَ ثياب الزينة.
- ما شأنك: أي، لماذا أنت على هذه الحالة؟
- ليس له حاجة في الدنيا: أي، لا يهتم بمتاع الدنيا وملذّاتها.
- فلمّا كان آخر اللّيل: أي، لمّا حَان وقت السَّحَر.
- لأهلك: لزوجك وأولادك.
فوائد الحديث
- مشروعية الأخوة في الله، وتزاور الإخوان بينهم.
- مشروعية النصح للمسلمين، وتنبيه من غفل منهم.
- فضل صلاة آخر الليل، وأنّ وقت السحر هو وقت أفضلية القيام.
- ثبوت حق المرأة على الزوج في حسن المعاشرة.
- جواز الفطر من صوم التطوُّع.
- جواز النهي عن المستحبّات، إذا ترتب عليها إضاعة الحقوق المطلوبة.
150
باب الاقتصاد في الطاعة
عن أَبِي محمّد عبدِ اللهِ بن عمرو بنِ العاص، رضي الله عنهما، قال: أُخْبرَ النَّبِيُّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أنِّي أَقُول: والله، لأَصومَنَّ النَّهَارَ، ولأَقُومنَّ اللَّيْلَ... ما عشْتُ. فَقَالَ رسُول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «أَنْتَ الَّذِي تَقُول ذلك؟» فَقُلْت له: قَدْ قُلتُه، بأَبِي أَنْتَ وأُمِّي، يا رسولَ الله. قَال «فَإِنّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذلِكَ. فَصُمْ وأَفْطرْ، ونَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الْحسنَةَ بعَشْرِ أَمْثَالهَا. وذلكَ مثْلُ صِيامِ الدَّهْر» قُلْت: فَإِنِّي أُطيق أفْضَلَ منْ ذلكَ. قال «فَصمْ يَوْمًا وَأَفْطرْ يَوْمَيْن» قُلْت: فَإِنِّي أُطُيق أفْضَلَ مِنْ ذلكَ. قَالَ «فَصُم يَوْمًاـ وَأَفْطرْ يوْمًا، فَذلكَ صِيَام دَاوُدـ صلى الله عليه وسلم وَهُو أَعْدَل الصِّيَامِ» وَفي رواية «هوَ أَفْضَلُ الصِّيامِ» (صيام سيدنا داوود، عليه السلام) فَقُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلكَ، فقال رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «لا أَفْضَلَ منْ ذلك» وَلَأَنْ أَكُونَ قَبلْتُ الثَّلاثَةَ الأَيَّامِ، الَّتِي قال رسولُ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أَحَبُّ إِليَّ منْ أَهْلِي وَمَالِي. رواه البخاري ومسلم وفي رواية «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصومُ النَّهَارَ، وتَقُومُ اللَّيْلَ؟» قلت: بلَى يَا رسول اللَّهِ. قال «فَلا تَفْعل: صُمْ وأَفْطرْ، ونَمْ وقُمْ، فَإِنَّ لجَسَدكَ علَيْكَ حقًّا، وإِنَّ لعيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لزَوْجِكَ علَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. وإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصْومَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنةٍ عشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذلك صِيَامُ الدَّهْرِ». فشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يا رسول الله، إِنّي أَجِدُ قُوَّةً. قال «صُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللهِ داوُدَ، وَلا تَزدْ عَلَيْهِ». قلت: وما كَان صِيَامُ داوُدَ؟ قال «نِصْفُ الدهْرِ». فَكَان عَبْدُ اللهِ يقول، بعْدمَا كَبِر: يا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصةَ رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. وفي رواية «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقَرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَة؟» فَقُلْتُ: بَلَى يا رسولَ اللَّهِ، ولَمْ أُرِدْ بذلِكَ إِلاَّ الْخيْرَ. قَالَ «فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ اللَّهِ داودَ، فَإِنَّه كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ. واقْرأِ الْقُرْآنَ في كُلِّ شَهْرٍ» قُلْت: يَا نَبِيَّ الله، إِنِّي أُطِيق أَفْضل مِنْ ذلِكَ؟ قَالَ «فَاقْرَأه فِي كُلِّ عِشرِينَ» قُلْت: يَا نبيَّ الله، إِنِّي أُطِيق أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ. قَال «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْر» قُلْت: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي أُطِيق أَفْضلَ مِنْ ذلِكَ. قَالَ «فَاقْرَأْه في كُلِّ سَبْعٍ... وَلاَ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ، وقَالَ لِي النَّبِيُّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «إِنَّكَ لاَ تَدْرِي، لَعلَّكَ يَطُول بِكَ عُمُرٌ» قالَ، فَصِرْت إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. فَلَمَّا كَبِرْتُ، وَدِدْتُ أَنِّي كُنت قَبِلْت رخْصَةَ نَبِيِّ اللَّهِ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. وفي رواية «... وَإِنَّ لوَلَدِكَ علَيْكَ حَقًّا» وفي رواية «لا صَامَ من صَامَ الأَبَدَ (3مرات)» وفي رواية «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله تَعَالَى صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى الله تَعَالَى صَلاةُ داوُد؛ كان يَنامُ نِصف اللَّيلِ، ويَقومُ ثُلُثَه، ويَنامُ سُدُسَه. وكانَ يَصومُ يومًا، ويُفطرُ يومًا، ولا يَفِرُّ إذا لاقَى» وفي روايةٍ قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حسَبٍ، وكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ (أي، امْرَأَة ولَدِهِ) فَيسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَتَقُولُ لَهُ: نِعْمَ الرَّجْلُ مِنْ رجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لنَا فِرَاشًا، ولَمْ يُفتِّشْ لنَا كَنَفًا... مُنْذُ أَتَيْنَاهُ. فَلَمَّا طالَ ذَلِكَ عليه، ذكَرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقَالَ: «الْقَني به». فلَقيتُهُ بَعْدَ ذلكَ، فَقَالَ «كيفَ تَصُومُ؟» قُلْتُ: كُلَّ يَوْم. قَالَ: «وَكيْفَ تَخْتِم؟» قلتُ: كُلَّ لَيلة. وذَكَر نَحْوَ مَا سَبَق (عن سيدنا داوود). وكَان يقْرَأُ عَلَى بعْض أَهْلِه السُّبُعَ الَّذِي يقْرؤهُ؛، يعْرضُهُ مِن النَّهَارِ، لِيكُون أَخفَّ علَيهِ بِاللَّيْل. وَإِذَا أَراد أَنْ يَتَقَوَّى، أَفْطَر أَيَّامًا، وَأَحصَى وصَام مِثْلَهُنَّ، كَراهِيةَ أَن يتْرُكَ شيئًا، فارقَ علَيهِ النَّبِيّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. ▪ كُلُّ هذِه الرِّوَايات صحِيحةٌ، مُعْظَمُهَا فِي الصَّحيحيْنِ، وقليلٌ منْها في أَحَدِهِما.
مفردات الحديث
- لا تستطيع ذلك: المراد لا تُطيقه، لِمَا فيه من التكلّف والمشقّة.
- لِزَورِك: لضَيفِك الزائر.
- وإنّ بحسبِك: أي كافيك.
- لا صام من صام الأبد: هذا خبر عمّن خالف ولم يَمتثِل أمر الشارع الحكيم.
- لا يفر إذا لاقى: لا يهرب إذا لاقى العدوّ في الحرب، لقوّة نفسه.
- أنكَحَني: زَوَّجَني.
- الكنَّة: هي امرأة ابن الرجل، وامرأة أخيه.
- عن بعلها: عن زوجها.
- لم يطأ لنا فراشاً: كناية عن عدم المضاجعة والنوم معها على الفراش.
- لم يُفتِّش لنا كنفًا: أي لم يكشف لنا سترًا، عبّرت بذلك عن امتناعه عن الفراش.
فوائد الحديث
- الأخذ بالرفق للنّفْس التي يُخشى منها السآمة.
- التزام حدّ الاعتدال في العبادة.
- فضل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ووفاؤه لمّا فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه.
- الترغيب في التهجّد وقيام اللّيل.
- كمال توزيع اللّيل أن ينام الإنسان نصفه الأول ثم يستيقظ جزءًا منه ثم ينام آخره، وهذا ما أثبتته الدراسات الطبّيّة الحديثة، خلافًا لما اعتاده معظم الناس في هذا العصر فخسروا كثيرًا.
- لا رهبانيّة في الإسلام.
- مُضاعَفة الحسنات من خصائص هذه الأمة.
- الإكثار من النوافل يكون ممدوحًا بشرط ألّا يشْغل الإنسان عن وظائفه الشرعيّة والدنيويّة.
- الإسلام يدعو إلى العمل للدنيا والآخرة.
151
باب الاقتصاد في الطاعة
عن أَبِي رِبْعِيٍّ حنْظَلةَ بنِ الرَّبيع الأُسَيِّدِيِّ الْكَاتِب، أَحد كُتَّابِ رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال: لَقِيَنِي أَبُو بَكْر، رضي الله عنه، فقال: كَيْفَ أَنْتَ يا حنْظلَةُ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حنْظَلَةُ! قَالَ: سُبْحانَ الله؛ ما تقُولُ؟! قُلْتُ: نَكُونُ عِنْد رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، يُذكِّرُنَا بالْجنَّةِ والنَّار، كأَنَّا رأْيَ عين، فَإِذَا خَرجنَا مِنْ عِنْدِ رسولِ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، عافَسنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ، وَالضَّيْعاتِ؛ نَسينَا كَثِيرًا. قال أَبُو بكْر، رضي الله عنه: فَواللهِ، إِنَّا لنَلْقَى مِثْلَ هَذَا. فانْطلقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْر حتى دخَلْنَا عَلى رسول الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقُلْت: نافَقَ حنْظَلةُ يا رسول الله! فقالَ رسولُ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «ومَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: يا رسولَ الله، نُكونُ عِنْدكَ، تُذَكِّرُنَا بالنَّارِ والْجنَّةِ، كَأَنَّا رأْيَ العَيْنِ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسنَا الأَزوَاج والأوْلاَدَ والضَّيْعاتِ... نَسِينَا كَثِيرًا. فقال رسولُ الله، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «وَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْر، لصَافَحتْكُمُ الملائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُم، وفي طُرُقِكُم, وَلَكِنْ يا حنْظَلَةُ، ساعةً وساعةً، ساعةً وساعةً، ساعةً وساعةً»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- نافق حنظلة: أي أنه يتَّهم نفسه بالنفاق لِما كان يحصل له؛ أي، خاف على نفسه النفاق.
- أصل النفاق: إظهار الإنسان خلاف ما في نفسه.
- الضَّيعات: جمع ضيعة، وهو ما يكتسب منه الإنسان من بستان أو حرفة، أو مال أو صناعة.
- لكن يا حنظلة، ساعة...: لأداء العبودية.
- وساعة: للقيام بما يحتاج إليه الإنسان.
فوائد الحديث
- ينبغي للإنسان أن يخاف على نفسه النفاق، وأن يتحرّز، وأن يتجنّب كل الأوصاف التي توقعه في جملة المنافقين.
- ينبغي للمسلم أن يكون حريصًا على مجالس الذِّكر؛ فإنها روضة من رياض الجنّة، يحصل فيها الخير والأجر، ويقوم منها وقد غُفر له ذنبه، وأجيبت دعوته، تحفُّه الملائكة، وتغشاه الرحمة، ويَذْكره الله فيمن عنده.
- الدوام على الذكر والمراقبة، وعدم الفتور عن ذلك من خواصّ الملائكة.
- الإسلام دين الفطرة والتوسط والاعتدال، يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، ويجمع بين مطالب الروح والجسد.
152
باب الاقتصاد في الطاعة
عن ابن عبّاس، رضي الله عنهما، قال: بيْنما النَّبِيُّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرجُلٍ قَائِمٍ. فسأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرائيلَ، نَذَر أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْس وَلا يقْعُدَ، ولا يستَظِلَّ ولا يتَكَلَّمَ، ويصومَ. فَقالَ النَّبِيُّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ ولْيَستَظِلَّ، وليَقعُد ولْيُتِمَّ صوْمَهُ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أبو إسرائيل: رجل من الأنصار.
فوائد الحديث
- النذر بالسكوت ليس قربة في شريعة الإسلام.
- لا يقبل الله تعالى عملًا لم يشرعه، ولم يأذن به، ولم يجعله قربة.
- ليس كل ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها.
- لا ينعقد النذر على معصية، أو تعبُّد لم يأذن به الشرع: كالمشي إلى الحج حافيًا، والجلوس تحت الشمس، وغير ذلك.
- النية الصالحة لا تكفي وحدها؛ بل لا بد أيضًا من موافقة العمل للسُّنَّة.
- إذا كان في فعل الإنسان حق وباطل فإنه يُنهى عن الباطل، ويُوافَق على الحق.
- عدم وجوب الكفارة على من نذر معصيةً أو ما لا طاعة فيه، لأنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يأمر أبا إسرائيل بالكفارة.
153
باب المحافظة على الأعمال
عن عمرَ بن الخطّاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «منْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْل، أَو عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرأَه ما بينَ صلاةِ الْفَجرِ وَصـلاةِ الظهرِ، كُتبَ لَهُ كأَنَّمَا قرأَهُ مِن اللَّيْلِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- حزبه: الحزب والوِرد، هو مقدار يُلزِم الإنسان به نفسه، من صلاة أو قراءة أو غيرها.
- قرأه: أي أتى به، سواء كان تلاوة فقط، أو كان صلاة ركعات مُعيَّنة، وعبَّر بالقراءة، تغليبًا لها.
- كُتب له: أُثبت أجرُه في صحيفة عمله.
فوائد الحديث
- المحافظة على الأوراد من دأب الصالحين.
- أن من فاته ورده بعذر، فأسرع لقضائه، كان له ثوابه كاملًا، كما لو أداه في وقته.
- هذه الفضيلة إنَّما تحصل لِمَن غلبه نوم أو عذر، منعه من القيام به، مع أن نيّته القيام به.
- 🕋
154
باب المحافظة على الأعمال
عن عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَا عبْدَ الله لا تَكُنْ مِثلَ فُلانٍ، كَانَ يقُومُ اللَّيْلَ فَتَركَ قِيامَ اللَّيْل»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * استحباب المداومة على فعل الخير دون تفريط أو إفراط.
- * الاتعاظ بمن انقطع عن طاعة، ليحرص الداخل فيها على اتخاذ ما يعينه على الاستمرار.
- * جواز ذكر الشخص بما فيه من عيبٍ إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه.
- * كراهية ترك العبادة وإن لم تكن واجبة.
- * الحضّ على صلاة اللّيل وتشمل الوتر.
- 🕋
155
باب المحافظة على الأعمال
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِنْ اللَّيْلِ مِنْ وجعٍ أَوْ غيْرِهِ، صلَّى مِنَ النَّهَارِ ثنْتَيْ عشْرَةَ ركعة.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الصَّلاة من اللَّيل: أي ورده صلّى الله عليه وسلم من قيام اللّيل، وكان إحدى عشرة ركعة.
- من وجع: أي بسبب مرض أو نحوه.
فوائد الحديث
- * من فاته ورده لعذر يستحب أن يقضيه بعد ذهاب عذره، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
- * جواز قضاء النوافل، إلا ما كان يفوت بفوات وقته.
- * هذا الحديث يشير إلى أن عدد الركعات التي يقضيها بالنهار يستحب أن يكون بالمقدار الذي يواظب عليه بالليل ، ثم يزيد على الوتر ركعة أخرى ليكون شفعًا.
- * النبي صلى الله عليه وسلم كانت عادته صلاة إحدى عشرة ركعة بالليل، فلذا كان يقضي اثنتي عشرة ركعة بالنهار.
156
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «دَعُونِي ما تَرَكتُكُمْ: فإِنَّما أَهْلَكَ من كَانَ قبْلكُم كَثْرةُ سُؤَالِهمْ، وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبيائِهمْ، فَإِذا نَهَيْتُكُمْ عنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وَإِذا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ». متفقٌ عليه - لهذا الحديثِ سببٌ ذكَرَه أبو هريرةَ رضي الله عنه في روايةٍ أُخرى؛ حيث قال: خَطَبَنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: (أيُّها النَّاسُ، إنَّ الله فرَض عليكم الحَجَّ فحُجُّوا)، فقال رجلٌ: أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكَتَ حتى قالها ثلاثًا، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (لو قلتُ: نعم، لَوَجَبَتْ، ولَمَا استطعتُم)، ثمَّ قال: (ذَرُونِي ما ترَكتُكم)، وفي هذه الرِّوايةِ قال: (دَعُوني ما ترَكتُكم).
مفردات الحديث
- دعوني ما تركتكم: أي اتركوا سؤالي عما سكتّ عنه من تفاصيل الأمور التي لا تحتاجونها.
- واختلافهم على أنبيائهم: أي مخالفتهم لما أمروهم به.
فوائد الحديث
- * حرمة السؤال الذي ربما أوصل إلى تعقيد المسائل وفتح باب الشبهات المفضية إلى كثرة الاختلاف.
- * ترك المنهي عنه لا يلزم منه مشقة، لذا كان النهي عنه عامًا.
- * فعل المأمور به يتفاوت الناس في القدرة عليه، ولذا كان الأمر به على قدر الاستطاعة.
- * تحريم الاختلاف وكثرة المسائل من غير ضرورة لأنه سبب لتفريق القلوب ووهن الدِّين .
157
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْعِرْباضِ بْنِ سَارِيَة رضي الله عنه قال: وَعَظَنَا رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مَوْعِظَةً بليغةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُون، فقُلْنَا: يا رَسولَ الله كَأَنَّهَا موْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. قال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوى الله، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وإِنْ تَأَمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيرى اخْتِلافًا كثِيرًا. فَعَلَيْكُمْ بسُنَّتي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وإِيَّاكُمْ ومُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضلالَةٌ»
رواه أبو داود، والترمذِي وقال حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- موعظة: من الوعظ وهو النصح والتذكير بالعواقب.
- بليغة: مؤثرة تبلغ سويداء القلب وتؤثر فيه.
- وجلت: خافت.
- ذرفت: سالت.
- موعظة مودع: إنما فهموا ذلك من مبالغته في تخويفهم وتحذيرهم على خلاف ما كانوا يعهدون منه.
- النَّواجِذ: الأَنْيَاب، وقيلَ: الأَضْرَاس.
- بدعة: ما أُحدِث في الدِّين مما لم يَرِدّ في الشّرع.
- ضلالة: بُعد عن الحقّ.
فوائد الحديث
- * لزوم تقوى الله تعالى، وهي امتثال أوامر الشرع واجتناب نواهيه.
- * لزوم طاعة الأمراء ما داموا يأمرون بطاعة الله ولو كان فيهم نقص اجتماعي في نظر بعض الناس.
- *الطاعة التي تَلزَم للإمام الشرعي مشروطة بأن تكون موافقة لأحكام الشريعة، فإذا تعارض أمره مع شرع الله ورسوله فلا تجب طاعته.
- *إشارة إلى ما سيؤول إليه أمر الأمة من تفرّق يوهن قوتها.
- * ينبغي التمسك بسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنّة خلفائه الراشدين من بعده.
- * الخلفاء الراشدون هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وما عُرف عن هؤلاء الصحابة الكرام من الأحكام أولى بالاتباع من غيرهم، لمزيد علمهم بالسنة وورعهم في الدين.
- * منشأ الذم في البدعة هو ما اقترن بها من زيادة على الدِّين تصادم اكتماله وتمامه.
- * لا سبيل للخلاص مما أصاب المسلمين من انحرافات في فهم دينهم وتفرقهم إلى مذاهب شتى إلا بالرجوع إلى مَعِين الإسلام الأول: الكتاب والسنة، فبهما قام هذا الدِّين وبغيرهما يقع الاختلاف والانحراف.
158
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عَنْ أَبِي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يدْخُلُونَ الْجنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى». قِيل: وَمَنْ يَأْبى يا رسول الله؟ قالَ: «منْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجنَّةَ، ومنْ عصَانِي فَقَدْ أَبَى»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أبى: امتنع، والمقصود ترك طاعة الله ورسوله.
فوائد الحديث
- * أن العبد مخيَّر، لأن دخول الجنَّة رهن اختياره.
- * دخول الجنَّة مشروط بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله.
- * كل تعبُّد لا يُوافِق هَديَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل في طاعته، وبالتالي فهو داخل في معصيته.
159
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عن سلَمةَ بْنِ عَمْرو بن الأَكْوَعِ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِشِمَالِهِ فقالَ: «كُلْ بِيمِينكَ» قَالَ: لا أَسْتَطِيعُ. قالَ: «لا استطعتَ»
ما منعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ فَمَا رَفعَها إِلَى فِيهِ، رواه مسلم
مفردات الحديث
- لا أستطيع: لا أقدر مع أنّه لَم يَكن به بأس ولا عِلَّة، ولو كان به عِلَّة، للاحظ ذلك النّبيّ ﷺ وما أمره بما لا يستطيع، لأنه ﷺ الأرحم بالأمة.
- لا اسْتَطَعت: دعاء عليه، لاستِكباره عن اتباع الحقّ والعمل بالسنة بلا عذر.
فوائد الحديث
- * استحباب الأكل باليمين، وكراهية الأكل بالشمال إلَّا لعذر، كمرض أو قطع.
- * الأكل وكلّ أمر شريف يُستحبّ مباشرته باليمين.
- * الواجب أن الإنسان ينصح وينبّه ولو بطريقة خفية.
- * التكبُّر عن امتثال الشرع يوجب العقوبات العظيمة على صاحبه.
- * وجوب العناية بالسنة والعمل بها والحذر من مخالفتها.
- * جواز الدعاء على من خَالف الحُكم الشرعيّ بلا عذر.
- * استحباب تعليم الآكل آداب الأكل إذا خالفها.
- * لا يتناول النَّهي من كانت في يده جراحةٌ أو إصابةٌ أو نحو ذلك ممّا يمنعه من استخدام يده على الوجه الأكمل،
- فإنّه يُرخّص له الأكل أو الشرب بيده الأخرى عملاً بالقاعدة الشرعيّة المعروفة: الضرورات تبيح المحظورات.
160
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عنْ أَبِي عبدِ الله النُّعْمَانِ بْنِ بَشيرٍ رضي الله عنهما، قال: سمِعْتُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ الله بَيْنَ وُجُوهِكمْ» متفقٌ عليه • وفي روايةٍ لِمُسلمٍ: كان رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كأَنَّمَا يُسَوي بِهَا الْقِداحَ حَتَّى إِذَا رأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَومًا فقامَ حتَّى كَادَ أَنْ يكبِّرَ، فَرأَى رجُلًا بادِيًا صدْرُهُ فقالَ: «عِبادَ الله لَتُسوُّنَّ صُفوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ الله بيْن وُجُوهِكُمْ».
مفردات الحديث
- لتسونّ صفوفكم: تقومون بانتظام وتراصٍّ لا يتقدم بعضكم على بعض.
- ليخالفنّ الله بين وجوهكم: هذا وعيد نبوي للتنفير من المخالفة، قيل: هو على حقيقته التخويف من أن يتحول وجه الإنسان فيكون في قفاه، وقيل: المراد أن تقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب.
- القِداح: خشب السهام واحدها قدح، والمراد المبالغة في تسويتها حتّى تصير كأنّما يقوّم بها السهام لشدّة استوائها واعتدالها.
- عَقَلنا: فَهمنا.
- باديًا: خارجًا عن الصفّ وانتظامه.
فوائد الحديث
- * الحثّ على تسوية الصفوف.
- * جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة، ومنعَه بعض العلماء إلّا إذا كان لمصلحة الصلاة كتعديل الصفوف.
- * اهتمام الإسلام بتسوية الصفوف في الصلاة تعبيرٌ عمليٌّ على وحدة صفوف الأمّة ووحدة كلمتها وأهدافها وغاياتها.
- * إذا كان هذا هو المظهر في العبادة فهو توجيه لأخذ ذلك في كل مجالات الحياة.
161
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عن أَبِي موسى رضي الله عنه قال: احْتَرق بيْتٌ بالْمدِينَةِ عَلَى أَهلِهِ مِنَ اللَّيْل فَلَمَّا حُدِّث رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِشَأْنِهمْ قال: «إِنَّ هَذِهِ النَّار عَدُوٌّ لكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ»
متَّفقٌ عليه
مفردات الحديث
- النّار عدوّ لكم: لإلحاقها الأذى والضّرر بالأبدان والأموال إذا انتشرت.
فوائد الحديث
- * ينبغي إطفاء النار قبل النوم لخطورتها وفي كلّ وقت وجدت فيه الغفلة.
- * فأطفئوها: الأمر للإرشاد لكونه لمصلحة دنيويّة، وقد يكون للنّدب والوجوب لأنّه قد يفضي إلى مصلحة دينيّة وهي حفظ النفس المحرَّم قتلُها وحفظ المال المحرَّم تبذيرُه.
- * من فرَّط في إطفاء النار كان مخالفًا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
- * اهتمام الإسلام بالسلامة العامّة.
- * مراعاة الإنسان للحيطة والحذر تحقيقًا للأمن.
162
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ مَثَل مَا بعَثني الله بِهِ منَ الْهُدَى والْعلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَاب أَرْضًا فكَانَت منها طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قبِلَتِ الْمَاءَ فأَنْبَتتِ الْكلأَ والْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمسكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ الله بها النَّاس فَشَربُوا مِنْهَا وسَقَوْا وَزَرَعُوا، وأَصَابَ طَائِفَةٌ منها أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ الله، وَنَفَعَه بما بعَثَنِي الله به، فَعَلِمَ وعَلَّمَ، وَمثلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدَى الله الذي أُرْسِلْتُ بِهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الهدى: الرشاد.
- العلم: معرفة الأحكام الشرعية.
- غيث: مطر مفيد.
- طائفة: قطعة.
- الكلأ: النبات الذي تأكله البهائم، سواء كان رطبًا أو يابسًا.
- أجادب: صِلابُ الأرض التي تحفظ الماء لكنها لا تُنبت.
- قيعان: ما استوى من الأرض وصلب، فلا يستفاد منها في السقي ولا الزراعة فيها.
- فَقُه: صار فقيهًا.
- من لم يرفع بذلك رأسًا: أي لم ينتفع بما بُعثتُ به وهذا تمثيل للطائفة التي لم تنتفع بالوحي.
فوائد الحديث
- * شبِّه الرسول صلى الله عليه وسلّم العلم الذي بُعث به بالمطر المفيد، لأنه يُحيي القلوب كما يُحيي المطر الأرض بعد موتها، وشبَّه من ينتفع به بالأرض الطيبة، وشبه من يحمل العلم ويُعلِّمه ولم ينتفع به كما ينبغي بالأرض الصلبة الممسكة للماء فينتفع به الناس، وشبَّه من لم يتعلم ولم يعمل بالأرض المستوية التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، وهذا شرّ الناس لا ينفع ولا ينتفع.
- * الحثّ على العلم والتعلّم والتعليم، والعمل بالعلم، والتحذير من الإعراض عن العلم.
- * بيان فضل من جمع بين الاستفادة والإفادة.
- * في هذا الحديث توجيه تربويّ من النّبيّ عليه الصلاة والسلام في ضرب الأمثلة، وخاصّة في ميدان العلم والتعليم، لأن في الأمثلة تقريبًا للمعاني وترغيبّا في التوجيه التربوي.
- * في السنّة النبوية أمثلة كثيرة للأساليب التربويّة، مما يُغني العاملين في حقل التربية عن تقليد ما أنتجَته الأمم الأخرى.
163
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَثَلِي ومثَلُكُمْ كَمَثَل رجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الجَنَادِبُ وَالفَراشُ يَقَعْنَ فيهَا وهُوَ يذُبُّهُنَّ عَنهَا وأَنَا آخذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ منْ يَدَيَّ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الجَنَادب: نَحْوُ الجَراد والفَرَاش.
- يذبّهنّ: يمنعهنّ ويدفعهنّ.
- والحُجَز: جَمْعُ حُجْزَة، وهِي معْقِدُ الإِزَار والسَّراويل.
فوائد الحديث
- * حرصه صلى الله عليه وسلّم على منع أمته من الوقوع بالمعاصي التي تؤدي بهم إلى الدخول في النار.
- * شبَّه صلى الله عليه وسلم إظهار حدود الله ومحارمِه ونواهيه بإضاءة تلك النار.
- * حِرصُ الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمّته حيث لم يترك خيرًا إلّا ودلّهم عليه، ولم يترك شرًّا فيه ضررهم المُؤكَّد إلّا وحذّرهم منه.
- * أن للدّنيا بريقًا يُبهر ضعفاء البصائر، فينخدعون بها وينشغلون بزُخرُفها وشهواتها عمّا خُلقوا له.
- * جهل كثير من الناس يجرّهم إلى العذاب في نار جهنم.
164
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عن جابر رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَمَر بِلَعْقِ الأَصابِعِ وَالصَّحْفةِ وقال: «إِنَّكُــم لا تَدْرُونَ في أَيِّهَا الْبَرَكَةُ». رواه مسلم • وفي رواية لَهُ: «إِذَا وَقَعتْ لُقْمةُ أَحدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطانِ، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمَندِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعهُ، فَإِنَّهُ لا يدْرِي في أَيِّ طَعَامِهِ الْبَركَةُ». • وفي رواية له: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمْ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَان بِهَا منْ أَذًى، فَلْيأْكُلْها، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ».
مفردات الحديث
- لعق: لحس.
- الصَّحْفة: القَصْعة، وهي تشبع خمسة.
- البركة: الخير الكثير.
- فَلْيُمِط: فلْيُنحِّ ولْيُزِل.
- من أذًى: ما استُقذر من غبار أو تراب أو أي وسخ.
فوائد الحديث
- * السُّنّة لعق الأصابع والصحون.
- * في لعق الأصابع والصحون محافظة على النعمة، وفي إلقاء فضلات الطعام إهانة للنعمة.
- * أكل ما وقع على الأرض بعد تخليصه من الوسخ، هذا إذا أمكن تخليصه ولم يقع على مكان نجس.
- * الإيمان بوجود الشياطين وأنّهم يأكلون، ونحن نسلّم بهذا وإن كنّا لا نعرف كيفيّة أكلهم، تصديقًا للخبر الصادق.
- * ما يفعله بعض الناس من طرح الزائد من الطعام في أماكن القمامة ونحوها دليل على الاستهتار ونذير بزوال النعم، إن لم يتوبوا ويحافظوا عليها.
- * من سوء الأدب اللّعق أثناء الأكل، لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه.
- * اللّعق المندوب هو بعد الانتهاء من الطعام والأفضل بعيدًا عن نظر المشاركين له الطعام.
- * يندب غسل اليدين بعد اللّعق لإزالة الرائحة.
165
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عن ابن عبّاس، رضيَ الله عنهما، قال: قَامَ فينَا رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بمَوْعِظَةٍ فقال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ محشورونَ إِلَى الله تَعَالَى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا علَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [ الأنبياء: ١٠٤] أَلا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلائِقِ يُكْسى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبراهيم صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أَلا وإِنَّهُ سَيُجَاء بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمال فأَقُولُ: يا رَبِّ أَصْحَابِي، فيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَما قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهيدًا ما دُمْتُ فِيهمْ إِلَى قولِهِ: العَزِيز الحَكيمُ [ المائدة: ١١٧- ١١٨ ] فَيُقَالُ لِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مرْتَدِّينَ عَلَى أَعقَابِهِمْ مُنذُ فارَقْتَهُمْ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- غرْلًا: يعني غير مختونين.
- ذات الشمال: أي جهة النار.
- العبد الصالح: أي عيسى عليه السلام.
- برجال من أمتي: فيها إشارة إلى من وقعت منهم الردّة بعد وفاة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من بعض قبائل العرب، وقاتلهم الصدّيق والصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
فوائد الحديث
- * أن الخَلق يخرجون من بطون الأرض كما خرجوا من بطون أمهاتهم، حفاةً عراةً غرلًا.
- * الحديث دليل على أن الناس يُكسَوْنَ بعد أن يخرجوا حفاةً عراةً غرلًا، ولكن الله أعلم بكيفية ذلك.
- * فضيلة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
- * تعذيب الذين بدّلوا وغيروا في دين الله تعالى، وهم قسمان: قسم ارتدوا فهم مخلّدون في النّار، وقسم وقعوا في المعصية فهم قد يعذبون وتنالهم بعدئذ شفاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
- * لا ينفع انتساب الإنسان إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا لم يصاحبه العمل بسنَّته والتمسُّك بدينه.
- * دوام تحذير الأمّة المحمّديّة في كل وقت لِئلا يخرجوا عن هديه وسنّته، إذ لا تنفعهم شفاعته مع مخالفتهم له.
166
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عَنْ أَبِي سعيدٍ عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ، رضي الله عنه، قال: نَهَى رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، عَن الخَذْفِ وقالَ: «إِنَّهُ لا يقْتُلُ الصَّيْدَ، ولا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ، ويَكْسِرُ السِّنَّ» متفقٌ عليه • وفي رواية: أَنَّ قريبًا لابْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ، فَنَهَاهُ وقال: إِنَّ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَى عن الخَذْفِ وقَالَ: «إِنَّهَا لا تَصِيدُ صَيْدًا» ثُمَّ عادَ، فقالَ: أُحَدِّثُكَ أَن رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ عُدْتَ تَخْذِفُ؟ لا أُكَلِّمُكَ أَبدًا.
مفردات الحديث
- الخذف: أن ترمي بقوة بحصاة أو نواة تأخذها بين الإبهام والسبّابة، أو بمخذفة من خشب.
- لا ينكأ: من النكاية وهو إلحاق الأذى والجراح بالعدوّ.
- يفقأ: يقلع.
فوائد الحديث
- * أن رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَى عَن الخَذْفِ لأنه لا فائدة منه، وربما يترتّب عليه ضرر بالآخرين.
- * جواز هجران أهل البدع والمعاصي حتى يتركوها.
- * اهتمام الإسلام بالسلامة العامّة ومنعه ما يضر.
- * يجب على كل مؤمنٍ أن يعظّم سُنَّة النّبيّ صلى الله عليه وسلّم.
167
باب الأمر بالمحافظة على السّنّة وآدابها.
عنْ عابسِ بن ربيعةَ قال: رَأَيْتُ عُمَرَ بنَ الخطاب، رضي الله عنه، يُقَبِّلُ الْحَجَرَ -يَعْنِي الأَسْوَدَ- ويَقُولُ: إِني أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ولَوْلا أنِّي رأَيْتُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ. متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف بعد استلامه.
- * الحثّ على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلّم فيما شرّعه لأمّته ولو لم يظهر لهم وجه الحكمة منه.
168
باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى، وما يقوله من دُعي الى ذلك، وأُمر بمعروف أو نُهي عن منكر.
عن أَبِي هريرة رضي الله عنه، قال: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: للهِ ما في السَّمواتِ وَمَا فِي الأرض وإن تبدوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفوهُ يُحاسبْكُمْ بِهِ الله الآية [البقرة 283 ] اشْتَدَّ ذلكَ عَلَى أَصْحابِ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فأَتَوا رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ثُمَّ برَكُوا عَلَى الرُّكَب فَقالُوا: أَي رسولَ الله كُلِّفْنَا مِنَ الأَعمالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاَةَ وَالْجِهادَ وَالصِّيامَ وَالصَّدقةَ، وَقَدْ أُنْزلتْ عليْكَ هَذِهِ الآيَةُ وَلا نُطِيقُهَا. قالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَتُريدُونَ أَنْ تَقُولوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتابَين مِنْ قَبْلكُمْ: سَمِعْنَا وَعصينَا؟ بَلْ قُولوا: سمِعْنا وَأَطَعْنَا غُفْرانَك رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمصِيرُ» فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَومُ، وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنتهُمْ، أَنَزلَ الله تَعَالَى في إِثْرهَا: {آمنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِليْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤمِنونَ كُلٌّ آمنَ بِاللَّه وَملائِكَتِهِ وكُتبِه وَرُسُلهِ لا نُفرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلهِ وَقالوا سمعْنَا وَأَطعْنا غُفْرَانكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ} فَلَمَّا فعَلُوا ذلك نَسَخَهَا الله تَعَالَى، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: {لا يُكلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبتْ، رَبَّنَا لا تُؤاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطَأْنَا} قَالَ: «نعَمْ». {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قَالَ: «نعَمْ». {رَبَّنَا ولا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قَالَ: «نعَمْ». {واعْفُ عَنَّا واغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْت مَوْلانَا فانْصُرنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرينَ» قَالَ: «نعَمْ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- اقترأها: أي قرأها.
- ذلّت: أي انقادت.
- إثرها: عقب نزولها من غير فاصل.
- نسخها: النسخ رفع الحكم الشرعي الثابت بدليل سابق بدليل لاحق.
- ما لا طاقة لنا به: ما لا قوة لنا على تحمُّله.
- قَالَ: نَعَمْ: أي قال الله تعالى نعم قد استجبت دعاءكم، كما وردت في صحيح مسلم بلفظ: "..قال قد فعلت..".
فوائد الحديث
- * جواز النسخ في الأحكام التكليفية.
- * خوف الصحابة من المؤاخذة بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر ونحوها.
- * فضل الصحابة رضي الله عنهم لامتثالهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
- * رحمة الله تعالى بعباده حيث خفَّفَ عنهم لمّا أذعنوا وسلَّموا.
- * الحديث دليل على عدم المؤاخذة بالخواطر.
- * أنّ موقف المسلم من أوامر الله تعالى الاستجابة والطاعة.
- 🕋 ١٨- النّهي عن البِدَع ومُحدثات الأمور.
169
باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى، وما يقوله من دُعي الى ذلك، وأُمر بمعروف أو نُهي عن منكر.
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «منْ أَحْدثَ في أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فهُو رَدٌّ». متفقٌ عليه • وفي رواية لمسلم «مَنْ عَمِلَ عمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُو ردٌّ».
مفردات الحديث
- من أحدث: أنشأ واخترع من قِبل نفسه وهواه.
- في أمرنا: في ديننا وشرعنا الذي ارتضاه الله لنا.
- ما ليس منه: مما ينافيه ويناقضه.
- ردّ: مردود على صاحبه لا يلتفت إليه، ولا يعمل به.
فوائد الحديث
- * رَدُّ كلّ بدعة لم يأت بها الدِّين، وكل عبادة لا تَستند إلى دليل شرعيّ.
- * أنّ من ابتدع في الدِّين بدعة لا توافق الشرع فإثمها عليه، وعمله مردود عليه، وأنّه يستحقّ الوعيد.
- * الدين الإسلامي دين كامل لا نقص فيه.
- * لا يدخل في مفهوم البدعة الأمور التي لا يَتعبّد بها الناس.
170
باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى، وما يقوله من دُعي الى ذلك، وأُمر بمعروف أو نُهي عن منكر.
عن جابرٍ رضي الله عنه، قال: كان رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذَا خَطَب احْمرَّتْ عيْنَاهُ، وعَلا صوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ ومَسَّاكُمْ» وَيقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعةُ كَهَاتَيْن» وَيَقْرنُ بين أُصْبُعَيْهِ، السّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيرَ الْحَديث كِتَابُ الله، وخَيْرَ الْهَدْي هَدْيُ مُحمَّد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ» ثُمَّ يقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بُكُلِّ مُؤْمِن مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَك مَالًا فَلأهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وعَلَيَّ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- صبَّحكم ومسَّاكم: أي داهمكم العدو مغيرًا عليكم في الصباح أو في المساء.
- أنا والساعة كهاتين: كناية عن قرب يوم القيامة.
- محدثاتها: أي ما استجد منها مما لم يكن معروفًا في كتاب أو سنة أو إجماع ولا أصل له فيها.
- أنا أولى: أي أنا أحقّ.
- ضياعًا: أطفالًا وعيالًا لا يجدون من يعولهم.
فوائد الحديث
- * أنّ خير ما يشتغل به المرء فهمًا وتعلُّمًا كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلّم.
- * محاربة البدع التي تخالف الدِّين ولا تدخل تحت أصل من أصوله.
- * وجوب كفالة الأيتام والعجزة من بيت مال المسلمين، فالحاكم يقوم برعايتهم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- * الإشارة إلى مشروعية الإرث.
171
بابٌ في مَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً أو سيِّئةً
عَنْ أَبي عَمروٍ جَرير بنِ عبدِ اللَّه، رضي الله عنه قال: «كُنَّا في صَدْر النَّهارِ عِنْد رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَجاءهُ قوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتابي النِّمار أَو الْعَباء مُتَقلِّدي السُّيوفِ، عامَّتُهمْ مِنْ مُضَرَ، بل كلهم من مُضَر فَتمعَّر وجهُ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنْ الْفَاقة، فدخلَ ثُمَّ خرج، فَأَمر بلالًا فَأَذَّن وأَقَامَ، فَصلَّى ثُمَّ خَطبَ، فَقالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذي خلقكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدةٍ إِلَى آخِرِ الآية: إِنَّ الله كَانَ عَليْكُمْ رَقِيبًا، وَالآيةُ الأُخْرَى الَّتِي في آخر الْحشْرِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا اتَّقُوا الله ولْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمتْ لِغَدٍ تَصدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاع بُرِّه مِنْ صَاعِ تَمرِه حَتَّى قَالَ: وَلوْ بِشقِّ تَمْرَةٍ» فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كادتْ كَفُّهُ تَعجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجزتْ، ثُمَّ تَتابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعامٍ وَثيابٍ، حتَّى رَأَيْتُ وجْهَ رسولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، يَتهلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فقال رسولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ سَنَّ في الإِسْلام سُنةً حَسنةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وأَجْرُ منْ عَملَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ ينْقُصَ مِنْ أُجُورهِمْ شَيءٌ، ومَنْ سَنَّ في الإِسْلامِ سُنَّةً سيِّئةً كَانَ عَليه وِزْرها وَوِزرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بعْده مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزارهمْ شَيْءٌ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- صدر النهار: أول النهار.
- عراة: جمع عار، وهو المتجرّد من الثياب، والمراد هنا من يلبس ثيابًا بالية.
- متقلدي السيوف: واضعي سيوفهم في أعناقهم كالقلادة.
- مضر: قبيلة من أكبر قبائل العرب.
- مجتابي النّمار: أي لابسيها.
- النّمار: لباس مخطط من مآزر الأعراب.
- ما قدّمت لغد: ما أعدَّت من خير ليوم القيامة.
- تصدَّقَ: خبر بمعنى الأمر، أي ليتصدّق، وأُتي به بصيغة الماضي لكونه أبلغ.
- صاع: مكيال لأهل المدينة.
- بُرِّه: البر هو القمح.
- الصرّة: ما يوضع فيه الشيء ويربط عليه.
- يتهلل: يستنير ويضيء.
- سنّة: طريقة.
- وزرها: الوزر الحمل الثقيل والمقصود به هنا الإثم.
فوائد الحديث
- * من واجب أصحاب اليسار أن يتفقدوا أصحاب الحاجة، ويبادروا إلى دفع الضرر عنهم.
- * إشفاق الرسول صلى الله عليه وسلّم وتألمه على الفقراء والمحتاجين، وسعيه لجلب النفع لهم ومساعدتهم.
- * سرور النّبيّ صلى الله عليه وسلّم لسرور الفقراء.
- * حسن توجيه النّبيّ صلى الله عليه وسلّم وحكمته في توثيق الأخوّة والمحبّة بين المسلمين، ولفت النظر إلى ضرورة التعاون.
- * أثر الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر في سلوك المسلم والمبادرة إلى فعل الخير.
- * الحثّ على الصدقة والإنفاق ولو كان بشيء يسير، فإن الكثير يكون من القليل.
- * سرعة استجابة المسلمين لهديّ الرسول صلى الله عليه وسلّم، وتسابقهم إلى فعل الخيرات.
- * الحضّ على أن يكون المسلم قدوة صالحة في الخير والبرّ والإحسان، والتحذير من أن يكون قدوة سيّئة في الباطل والمنكر.
- * من سعى في خير كان له مثل أجر فاعله، ومن سعى في شرّ كان عليه مثل إثم مرتكبه.
172
بابٌ في مَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً أو سيِّئةً
عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «ليس مِنْ نفْسٍ تُقْتَلُ ظُلمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابنِ آدمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دمِهَا لأَنَّهُ كَان أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ابن آدم الأول: أي أوّل قاتل، المراد به قابيل قتل أخاه هابيل ظلمًا وحسدًا.
- كفل: مقدار ونصيب.
- سنَّ القتل: أي أول من وقع منه قتل النفس ظلمًا، فصارت طريقةً سيّئةً متَّبعةً.
فوائد الحديث
- * تحذير شديد ووعيد عظيم لكل من تُسوِّل له نفسه أن يبتدع شيئًا من الشرِّ بين المسلمين.
- * مبتدع السيّئة يلحقه إثم بدعته وإثم كل من تابعه فيها بعده ما لم يتب.
- * السابق إلى الفعل والمتسبب فيه والمشجّع عليه والمنبّه إليه يكون مشاركًا للمباشر له فيما يترتب عليه من أجر أو عقاب.
- * تغليظ أمر القتل والمبالغة في الزجر عنه.
173
باب الدّلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة.
عن أَبِي مسعودٍ عُقبَةَ بْن عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلهُ مثلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» رواه مسلم سبب ورود الحديث أنَّ رجلًا قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: احملني، قال: "ما عندي" قال رجل: يا رسول الله، أنا أدلُّه على من يحمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من دل على خير...".
فوائد الحديث
- * عظيم فضل الله تعالى؛ فهو يعطي من دلَّ على العمل مثل أجر العامل دون أن ينقص من أجره شيء.
- * الحثّ على السعيّ في الخير والدلالة عليه؛ لأن المتسبّب في العمل الصالح ينال مثل ما ينال الفاعل من الأجر والثواب.
174
باب الدّلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة.
عن أَبِي هريرة رضي الله عنه أَن رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «منْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ منْ تَبِعَهُ لا ينْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا، ومَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لا ينقُصُ ذلكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- دعا: حضَّ عليه بالفعل أو القول.
- هُدًى: حقٌّ وخير.
- ضلالة: باطل وشرّ.
فوائد الحديث
- * أن المتسبّب بالفعل والمباشر له مشتركان في النتيجة عقابًا أو ثوابًا.
- * على المسلم أن يتبصَّر بعواقب الأمور ونتائج عمله، فيسعى للخير ليكون قدوة حسنة، ويجتنب الشرّ حذرًا من أن يُقتدى به.
- * على المسلم أن يحذر من الدعوات إلى الباطل ويبتعد عن قرناء السوء، لأنه مسؤول عما يفعل.
- * المتسبّب في الخير يضاعف أجره، والمتسبّب في الشرّ يضاعف عقابه.
- * أن الله تعالى يعطي الأجر للطّائعين بفضله، وينذر العصاة ويعذّبهم بعدله.
- * أفضل العبادات ما كان فيه نفع متعدّ.
175
باب الدّلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة.
عن أَبي العباسِ سهل بنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَن رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ، يُحبُّ الله ورسُولَهُ، وَيُحبُّهُ الله وَرَسُولُهُ» فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا. فَلَمَّا أصبحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: كُلُّهُمْ يَرجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فقال: «أَيْنَ عليُّ بن أَبي طالب؟» فَقيلَ: يا رسولَ الله هُو يَشْتَكي عَيْنَيْه قال: «فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ» فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصقَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في عيْنَيْهِ، وَدعا لَهُ، فَبَرأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجعٌ، فأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. فقال عليٌّ رضي الله عنه: يا رسول الله أُقاتِلُهمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَخْبرْهُمْ بِمَا يجِبُ عليهم مِنْ حقِّ الله تَعَالَى فِيهِ، فوالله لأَنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يَدُوكُونَ: أَيْ يخُوضُونَ ويتحدَّثون.
- يوم خيبر: أي في يوم من أيام غزوة خيبر.
- الراية: عَلمُ الجيش.
- غَدَوا: ساروا أول النهار.
- يشتكي عينَيه: يتوجّع من رَمد فيهما.
- انفُذ على رِسلك: أي امضِ على مهلك ولا تتعجل.
- بساحتهم: بناحيتهم، والفضاء بين دورهم.
- حقّ الله تعالى: ما أمر به وما نهى عنه.
- يهدي الله بك: ينقذ من الكفر أو الضلال.
- حمْرُ: جمع أحمر.
- النَّعم: الإبل والغنم والبقر، وأكثر ما يستعمل في الإبل ويضرب بها المثل في كل نفيس.
فوائد الحديث
- * فضل عليّ رضي الله عنه ومكانته، ومدى ثقة النّبيّ صلى الله عليه وسلّم به.
- * معجزة النّبيّ صلى الله عليه وسلّم؛ أولًا: حصل الشفاء ببركته بإذن الله تعالى، ثانيًا: البشارة بالفتح، حيث وقع الفتح كما أخبر صلى الله عليه وسلّم.
- * حرص الصحابة رضي الله عنهم على محبة الله ورسوله لهم، وسعيهم في القرب من مرضاتهما، وتنافسهم في الخير.
- * توجيه نبويّ عظيم في قوله لا تلتفت، فالالتفات مذموم في مواطن منها: في الصلاة، إلّا إن كان لحاجة مُلحّة.
- * سموّ الإسلام في دعوته، وآدابه في جهاده، وغايته في إنقاذ الإنسانية من الضلال والضياع.
- * فضل الدعوة إلى الله عز وجل والحثّ على الخير والحق، لِمَا يُثمره ذلك من عظيم الأجر والثواب.
- * مقصود الرسل والدعاة إلى الله هداية الناس وإنقاذهم من الشرك وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فإذا أصرّوا على الشرك وعاندوا وكابروا جاء القتال بعد ذلك.
- * لا بأس بالقسم ممّن كان صادقًا، بل قد يستحب ويشرع عند الحاجة للتأكيد، حتى يفهم المخاطب أن هذا حقّ وأنّه أمر مطلوب.
176
باب الدّلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة.
عن أَنسٍ رضي الله عنه أَنْ فَتًى مِنْ أَسْلَمَ قال: يا رسُولَ الله إِنِّي أُرِيد الْغَزْوَ ولَيْس مَعِي مَا أَتجهَّزُ بِهِ؟ قَالَ: «ائْتِ فُلانًا فإِنّه قَدْ كانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ» فَأَتَاهُ فقال: إِنَّ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُقْرئُكَ السَّلامَ وَيَقُولُ: أَعْطِني الّذي تجَهَّزْتَ بِهِ، فقال: يا فُلانَةُ أَعْطِيهِ الذي تجَهَّزْتُ بِهِ، ولا تحْبِسِي مِنْهُ شَيْئًا، فوالله لا تَحْبِسِينَ مِنْهُ شَيْئًا فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- فتى: شاب حديث السن.
- من أَسْلَمَ: قبيلة من قبائل العرب.
- الغزو: الجهاد في سبيل الله تعالى.
- ما أتجهز به: ما أحتاج إليه في سفري وجهادي.
- يقرئك: يتلو عليك ويبدؤك.
- لا تحبسي: لا تتركي عندك.
فوائد الحديث
- *فضل الدلالة على الخير والسعي في تحصيله والإعانة عليه.
- * من نوى صرف شيء في جهة خير وتعذَّر عليه تحقيقه فالمستحب له أن يبذله في وجه آخر مشابه له.
- * من بخل بالبذل في سبيل الله عزّ وجلّ وفي وجوه الخير ذهبت البركة من ماله.
- * أنَّ من أراد عملًا صالحًا فحبسه عنه مرض، فإنه ينبغي أن يدفع ما بذله لهذا العمل الصالح إلى من يقوم به حتَّى يُكتَب له الأجر كاملًا.
177
باب التعاون على البرِّ والتَّقوى
عن أَبي عبدِ الرحمن زيدِ بن خالدٍ الْجُهَنيِّ رضيَ الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ جهَّزَ غَازِيًا في سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا في أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- جهَّز: هيَّأ له ما يحتاج إليه في سفره وغزوه.
- خلف غازيًا في أهله: قام بالإنفاق على عياله وما يحتاجون إليه في غيابه.
- فقد غزا: حُكمًا؛ أي كُتب له ثواب الغزو.
فوائد الحديث
- * من أعان مسلمًا على الجهاد بأن هيأ له ما يحتاج إليه في سفره أو قام بشؤون عياله حال غيابه كان له مثل أجره وجهاده.
- * يؤخذ من مثال الغازي أن كلَّ من أعان شخصًا في طاعة الله فله مثل أجره، من غير أن يُنقص من أجر العامل شيئًا.
- * مسؤولية الجهاد في سبيل الله لا تنحصر في فئة من الناس، وإنما تشمل كل أفراد المجتمع المسلم، إذ كل فرد يقوم بما يستطيعه من بذل المال أو المشاركة في القتال أو الجمع بينهما.
178
باب التعاون على البرِّ والتَّقوى
عن أَبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنهُ أَنَّ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بَعَثَ بَعْثًا إِلى بَني لِحيانَ مِنْ هُذَيْلٍ فقالَ: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- بعث: أرسل، والمقصود: أراد أن يرسل.
- بعثًا: أي مجموعة من المقاتلين، والمقصود من ذلك ألا تخرج القبيلة بأسرها.
- بنو لحيان: جزء من قبيلة هذيل، وهُذَيل قبيلة من قبائل العرب المشهورة، وقد كان بنو لحيان مشركين آنذاك.
فوائد الحديث
- * أنه لا يذهب رجال القبيلة أو رجال البلد جميعهم إلى الجهاد، بل يذهب بعضهم، ويكون لمن بقي منهم مثل أجر من خرج إذا خلفوهم في أهليهم بخير وأنفقوا عليهم.
- * الحديث يشير إلى توزيع المسؤولية بين أفراد الأمة، إذ الحياة تتطلب أنواعًا من التبعات، فبعضهم يقوم برعاية شؤون الأسر والآخرون يشاركون في الجهاد.
179
باب التعاون على البرِّ والتَّقوى
عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رسُولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لَقِيَ ركْبًا بالرَّوْحَاءِ فقال: «مَنِ الْقَوْمُ؟» قالُوا: المُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قال: «رسولُ الله» فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلهَذَا حَجٌّ؟ قال: «نَعمْ وَلَكِ أَجْرٌ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- جمع راكب وهو المسافر.
- الروحاء: مكان قرب المدينة.
- صبيًّا: وهو من كان دون سن البلوغ.
فوائد الحديث
- * أن من كان سببًا في طاعة أو أعان عليها حصل له من الأجر كما لو باشرها.
- * حجّ الصبيّ جائز وصحيح ويؤجر عليه، ولكن لا يُسقِط عنه حجّة الإسلام بعد البلوغ.
- * تواضع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعدم تَميُّزه عن باقي أصحابه، ولذلك سأله القوم: " من أنت؟" ليعرفوه.
- * أن الإنسان ينبغي له أن يسأل عمّا يجهله إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
- * أن الصبيّ إذا حجّ به وَلِيّه فللوليّ أجر، والحجّ يكون للصبيّ حج تطوع.
180
باب التعاون على البرِّ والتَّقوى
عَنْ أَبِي موسى الأَشْعَرِيِّ رضيَ الله عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنَّهُ قال: «الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ الذي يُنَفِّذُ ما أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا مُوفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلى الذي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقين» متفقٌ عليه. • وفي رواية: «الذي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ»
وضبَطوا المُتَصدِّقين: بفتح القاف مع كسر النون على التَّثْنِيَةِ، وعَكْسُهُ عَلَى الجمْعِ وكلاهُمَا صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- الخازن: هو الذي يخزن مال غيره بإذنه ويؤتمَن عليه.
- كاملًا مُوَفَّرًا: تامًّا لا ينقص منه شيئًا، وأن يعطيه لمن أُمِرَ بِدَفعِه إليه.
- طيبة به نفسه: أي لا يَحسد المتصدَّق عليه ولا يُؤذيه بفعل أو قول أو يُظهِر أن له فضلًا عليه.
- أحد المتصدِّقَيْنِ: أي للخازن مثل ذلك لا يُنقص بعضهم أجر بعض.
فوائد الحديث
- * الخازن المسلم الأمين... إلى قوله طيبة به نفسه؛ هذه الأوصاف لا بد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن.
- * لا يجوز لأحد أن يتصدق من مال غيره بغير إذنه.
- * يدخل في الخازن من يتخذه الرجل على عياله من وكيل وعبد وامرأة وغلام.
- * أن من وُكِّل في تحقيق عمل من أعمال الخير فقام بما وُكِّل به على خير وجه عن رغبةٍ فيه ورضًى عنه؛ كان له مثل أجر الفاعل الحقيقي الذي وكله به، وكذلك كل من شارك أو ساهم في تحصيل نفع ودفع ضر ولو لم ينفق شيئاً من المال في سبيله.
- * لا بد للخازن من إذن المالك في التصدّق، فإن لم يكن إذن أصلًا فلا أجر له، بل عليه وزر بتصرفه في مال غيره من غير إذنه.
- * حرص الإسلام على أداء الواجبات والمسؤوليات على الوجه الأكمل من غير تغيير أو إنقاص حق.
- * العامل المخلص المُؤتمَن الذي ينفق مال الأمة على المصالح العامة يُرجى له من الأجر كما لو أنفق من مال نفسه.
181
باب النصيحة.
عن أَبِي رُقيَّةَ تَميمِ بن أَوْس الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لله وَلِكِتَابِهِ ولِرسُولِهِ وَلأَئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»
رواه مُسْلم
مفردات الحديث
- الدين: أي دين الإسلام.
- النصيحة: كلمة يعبّر بها عن إرادة الخير للمنصوح له.
- النصيحة لله تعالى: تكون بصحة الإيمان به، والإخلاص في عبادته.
- النصيحة لكتاب الله تعالى: تكون بالتصديق به، والتزام تلاوته، والعمل بأحكامه، وعدم تحريفه.
- النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون بالتصديق برسالته، وإطاعة أمره، والتمسّك بسنّته وشريعته.
- النصيحة لأئمَّة المسلمين: تكون بإعانتهم على الحقّ وطاعتهم في غير معصية وبيان ما وقع فيه خلل ممّا هو تحت إمرتهم بالضوابط الشرعيّة.
- النصيحة لعامَّتهم: أي لسائر المسلمين وتكون بإرشادهم إلى ما فيه صلاح دنياهم وأخراهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
فوائد الحديث
- * وجوب النصيحة على المسلمين، لأنها عماد الدين وقوامه.
- * الاعتناء بخلق النصيحة، وإشاعته في حياة المسلم؛ ليعيش صادق القلب لإخوانه المسلمين، وليقوم بحقيقة الاستخلاف في الأرض بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- * الحذر من أخلاق الغلّ، والحقد، والغشّ للمسلمين.
- * الحديث يدلّ المسلم على ضرورة ترتيب الأولويات، وإعطاء كل ذي حقّ حقّه من غير أن يطغى جانب على آخر.
- * أن من أساليب التعليم الناجحة طريقة التفصيل بعد الإجمال، واعتماد طريقة التقسيم لتقريب العلم.
- * هذا الحديث أصل عظيم في الإسلام جمع كل خير، ولذا قال بعض العلماء: عليه مدار الإسلام.
182
باب النصيحة.
عَنْ جَرِير بنِ عبدِ الله رضي الله عنه قال: بَايَعْتُ رَسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَلى: إِقَامِ الصَّلاَةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكلِّ مُسْلِم. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- بايعت: عاقدت وعاهدت.
- المراد بالنصح: أن يخلص المسلم مع أخيه في تعامله، وأن يصدق معه في بيعه وشرائه، وفيما يحبه له، ومن تمام النصح للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
فوائد الحديث
- * أهمية النصح والتناصح بين المسلمين، إذ أنّ الصحابة رضي الله عنهم بايعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليه، ومنهم جرير بن عبد الله، وقد وفى ما عاهد الله عليه كما هو المعهود من حال الصحابة والمؤمنين الصادقين.
- * النُّصح حقُّ المسلم على المسلم، وليس مجرَّد تكرّم ومنَّة يتفضَّل بها عليه.
- * أنّ النُّصح من أبرز وظائف الرُّسل وأجلِّها، فما من رسولٍ ولا نبيٍّ بعثه الله تعالى إلَّا واجتهد في نُصْحِ أمَّته.
- * النصح للكافر معتبَر؛ بأن يُدعى إلى الإسلام ويُشار عليه بالصواب إذا استشار.
- * نصيحة المسلم واجبة، بإرشاده إلى مصالِحِه.
- * بعض شروط النصيحة:
- أن يكون الناصح دافعه محبة الخير لأخيه المسلم، وكراهة أن يصيبه الشر.
- أن يكون الناصح مخلصًا فيها، يبتغي بها وجه الله، فلا يريد بها إظهار العلو والارتفاع على أخيه.
- أن تكون تلك النصيحة خالية من الغشّ والخيانة.
- ألَّا يريد بالنصيحة التعيير والتبكيت.
- أن تكون النصيحة بروح الأخوة والمودّة، لا تعنيف فيها ولا تشديد.
- أن تكون النصيحة بعلم وبيان وحجة.
- أن تكون في السر، فلا يجهر بها أمام الناس إلا للمصلحة الراجحة.
- أن يختار الناصح أحسن العبارات، ويتلطف بالمنصوح، ويلين له القول.
- أن يصبر الناصح على ما قد يلحقه من أذًى بسبب نصحه.
- كتمان السر، وستر المسلم، وعدم التعرض لعرضه، فالناصح رفيق شفيق محب للخير راغب في الستر.
- أن يتحرى ويتثبت قبل النصيحة، ولا يأخذ بالظن، حتى لا يتهم أخاه بما ليس فيه.
- أن يختار الوقت المناسب للنصيحة.
183
باب النصيحة.
عَنْ أَنَس رضي الله عنه عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا يؤمن: أي الإيمان الكامل.
- لأخيه: أي لكل مسلم.
- ما يحب لنفسه: أي مِثلَ الذي يحب لنفسه من الخير.
- مفردات الحديث
- * في الحديث حثّ على تقوية الروابط بين المؤمنين وعلى التواضع بينهم ومحبة الخير لهم.
- * أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وفعل الخيرات، وينقص بالمعصية.
- * أنّ من لم يتّصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا.
- * من الإيمان أيضًا أن يُبغِض لأخيه ما يُبغِض لنفسه من الشر.
- * أن شرط الإيمان الكامل أن يرغب المسلم في أن يحصل للمسلمين ما يرغبه ويهواه لنفسه من الخيرات والطاعات.
- * أن المسلمين لو تمثّلوا هذا الحديث الشريف وطبّقوه في حياتهم العامّة والخاصّة لتبدَّلت أحوالهم إلى قوة وعزّة.
184
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عن أَبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: سمِعْتُ رسُولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُم مُنْكرًا فَلْيغيِّرْهُ بِيَدهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطعْ فبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلبهِ وَذَلكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- من رأى منكم: أي عَلِم، إذ مدار الإنكار على العِلم سواءً أبصره بعينه أم لم يُبصره، والخطاب عام لجميع المسلمين.
- منكرًا: المنكر ما قبُح شرعًا أو عقلًا، سواء أفعلًا كان، أم قولًا، أم اعتقادًا.
فوائد الحديث
- * وجوب تغيير المنكر بأيّ وسيلة ممكنة على هذه الدرجات والمراتب.
- * تيسير الشرع وتسهيله؛ حيث رتَّب هذه الواجبات على الاستطاعة.
- * يدل الحديث على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان.
- * أهمية التدرج في إنكار المنكر بالنزول من درجة إلى أخرى حسب الاستطاعة.
- * فائدة الإنكار القلبيّ إيجاد النقمة النفسية ضدّ المنكر، والتذكّر الدائم لرفضه.
- * الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤوليّة مشتركة على كل المسلمين، لأنه فرض كفاية.
- * اهتمام الإسلام بمكافحة المنكَرات لأنّها أمراض تفتك بالأمّة لو تُركت من غير إزالة وإنكار.
185
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عن ابنِ مسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَا مِنَ نَبِيٍّ بعَثَهُ الله في أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كان لَه مِن أُمَّتِهِ حواريُّون وأَصْحَابٌ يَأْخذون بِسُنَّتِهِ ويقْتدُون بأَمْرِه، ثُمَّ إِنَّها تَخْلُفُ مِنْ بعْدِهمْ خُلُوفٌ يقُولُون مَا لَا يفْعلُونَ، ويفْعَلُون مَا لَا يُؤْمَرون، فَمَنْ جاهدهُم بِيَدهِ فَهُو مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جاهدهم بقَلْبِهِ فَهُو مُؤْمِنٌ، ومَنْ جَاهَدهُمْ بِلِسانِهِ فَهُو مُؤْمِنٌ، وليس وراءَ ذلِك مِن الإِيمانِ حبَّةُ خرْدلٍ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- حواريّون: جمع حواريّ وهو الذي له خصوصية من الأصحاب، وقيل: هو الصاحب المناصر المخلص.
- خُلُوف: جمع خَلْف بفتح الخاء وسكون اللام وهو من يخلفك بِشرٍّ، وهو المقصود في الحديث، وأما خَلَف، بفتح اللام فهو من يخلفك بخير.
- خردل: الخردل حبّ صغير، والمراد بذكره هنا التعبير عن شدة الصِغَر.
فوائد الحديث
- * الحثّ على مجاهدة المخالفين للشرع بأقوالهم وأفعالهم.
- * كراهية المنكر وردُّه بما أمكن دليل قوة الإيمان، والسكوت عن المنكر دليل ضعف الإيمان.
- * كل إنسان مسؤول عن إزالة المنكر بحسب طاقته.
186
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عن أَبي الوليدِ عُبَادَةَ بن الصَّامِت رضي الله عنه قال: «بايَعْنا رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم على السَّمعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ وَاليُسْرِ والمَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وَعلى أَثَرَةٍ عَليْنَا، وعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدكُمْ مِنَ الله تعالَى فيه بُرهانٌ، وعلى أن نقول بالحقِّ أينَما كُنَّا لا نخافُ في الله لَوْمةَ لائمٍ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- بايعنا: عاهدنا.
- على السمع والطاعة: أي لأولي الأمر والحكام.
- المنشط: الأمر الذي نحبه وننشط له ونُؤْثِر فعله.
- أثرة: أي على تفضيل غيرهم عليهم، وهذا خاص بالأنصار، وفيه تنبيه على أنّ الخلافة في غيرهم.
- أن لا ننازع الأمر: أي الملك والإمارة.
- بواحًا: أي ظاهرًا جهارًا.
- برهان: أي دليل من آية أو خبر صحيح.
فوائد الحديث
- * الحض على السمع والطاعة لولاة الأمور من المسلمين في غير معصية.
- * ثمرة الطاعة في جميع ما ذكر في الحديث اجتماع كلمة المسلمين ونبذ الخلاف من صفوفهم.
- * عدم منازعة ولاة الأمور إلا إذا ظهر منهم منكر محقق فيه مخالفة لمبادئ الإسلام، فيجب عندها الإنكار عليهم والانتصار للحق.
- * حرمة الخروج على ولاة الأمور من المسلمين وقتالهم بالإجماع وإن كانوا فسقة، لأنّ في الخروج عليهم مفسدة أعظم من فسقهم فيُدفع أعلى الضررين باحتمال أحدهما.
- * قد يتعرض المؤمن لعنت وشدة بسبب إعلان كلمة الحق، وهذا يجعل عمله من أعظم الجهاد، ما دام لا يرجو ولا يخاف إلا الله تعالى.
- * أجمع العلماء على أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية.
187
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عن النعْمانِ بنِ بَشيرٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ الله، والْوَاقِعِ فيها كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ فصارَ بعضُهم أعلاهَا وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أسفلِها إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونجَوْا جَمِيعًا»
رواهُ البخاري
مفردات الحديث
- القَائمُ في حُدودِ الله تعَالى: مَعْنَاهُ المُنْكِرُ لها، القَائمُ في دفعِهَا وإِزالَتِهَا؛ أي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.
- والمُرادُ بِالحُدودِ: مَا نهى الله عَنْه.
- الواقع فيها: أي مرتكبها، فهو المرتكب للمنكر التارك للمعروف.
- اسْتَهَمُوا: اقْتَرعُوا.
- فوقهم: أي في أعلى السفينة.
- خَرَقنا: فتحنا ثقبًا في أسفل السفينة نستخرج منه الماء مباشرة.
- أخذوا على أيديهم: منعوهم وكفّوهم عمّا أرادوا من الخرق.
- مفردات الحديث
- * ضرب الأمثال الواقعية المحسوسة يساعد على فهم الأفكار المجردة، ويجعلها صورًا حيةً تستقر في الأذهان.
- * فائدة ترك المنكر لا تعود على تاركه فحسب بل على المجتمع بأسره.
- * هلاك المجتمع مترتب على ترك أصحاب المنكر يعيثون في الأرض فسادًا.
- * إن كل منكَر يرتكبه الإنسان في مجتمعه إنما هو خرق خطير في سلامة المجتمع.
- * حرية الإنسان ليست مطلقة بل مقيدة بضمان حقوق الناس من حوله وضمان مصالحهم.
- * قد يتصرف بعض الناس بما يضر المجتمع بدافع اجتهاد خاطئ ونية حسنة، فيجب منعهم وتبصيرهم بنتائج ما يفعلون.
- * في المسؤولية الاجتماعية التضامنية سلامة المجتمع.
188
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَة هِنْدٍ بنتِ أَبِي أُمَيَّةَ حُذيْفَةَ رضي الله عنها، عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أنه قال: «إِنَّهُ يُسْتَعْملُ عَليْكُمْ أُمَراءُ فَتَعْرِفُونَ وتنُكِرُونَ فَمَنْ كَرِه فقَدْ بَرِىءَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ منْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قالوا: يا رَسُولَ الله أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لا، مَا أَقَامُوا فِيكُم الصَّلاة»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- فتعرفون: أي تعرفون صحة بعض أعمالهم لموافقتها للشرع.
- تنكرون: أي لا تقبلون بعض أعمالهم لمخالفتها للشرع.
- والمعنى: مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ ولَمْ يَسْتطِعْ إنْكَارًا بِيَده وَلا لِسَانه فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الإِثمِ وَأَدَّى وَظِيفَتَهُ، ومَنْ أَنْكَرَ بَحَسَبِ طَاقَتِهِ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ المعصيةِ، وَمَنْ رَضِيَ بِفِعْلِهمْ وتابعهم، فَهُوَ العَاصي.
فوائد الحديث
- * من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم إخباره عمّا سيقع من المغيبات.
- * من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرَّد السكوت، بل يأثم بالرضى به، أو بعدم كرهه بقلبه، أو بالمتابعة عليه.
- * الصلاة عنوان الإسلام والفارق بين الكفر والإسلام.
- * التحذير من تهييج الفتن واختلاف الكلمة واعتبار ذلك أشد نكارة من احتمال منكر الحكام العصاة والصبر على أذاهم.
189
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عن أُمِّ الْمُؤْمِنين أُمِّ الحَكَم زَيْنبَ بِنْتِ جحْشٍ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يقُولُ: «لا إِلهَ إِلَّا الله، ويْلٌ لِلْعربِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتربَ، فُتحَ الْيَوْمَ مِن ردْمِ يَأْجُوجَ وَمأْجوجَ مِثْلُ هذِهِ» وَحَلَّقَ بأُصْبُعَيْه الإِبْهَامِ والَّتِي تَلِيهَا. فَقُلْتُ: يَا رسول الله أَنَهْلِكُ وفِينَا الصَّالحُونَ؟ قال: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- فزِعًا: الفزع هو الذعر والخوف.
- ويل: كلمة عذاب، وتقال عند الحزن.
- يأجوج ومأجوج: أقوام يظهرون آخر الزمان ويفسدون في الأرض، وظهورهم من علامات الساعة.
- رَدْم: السَدّ الذي بناه ذو القرنين لحجز يأجوج ومأجوج.
- حلَّق بأصبعيه: أي جعل السبابة في أصل الإبهام وضمها حتى لم يبق بينهما إلا فتحة صغيرة.
- الخَبَث: فسره الجمهور بالفسوق والفجور، وقيل الزنى خاصة، والظاهر أنه المعاصي مطلقًا.
فوائد الحديث
- * يحصل الهلاك العام بسبب كثرة المعاصي وانتشارها وإن فيهم الصالحون.
- * بيان شؤم المعاصي.
- * المصائب تعمّ الناس جميعًا صالحين وفاسدين، ولكنهم يُبعثون على نياتهم.
- * الحث على إنكار المعاصي ومنع وقوعها.
190
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عنْ أَبِي سَعيد الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِيَّاكُم وَالْجُلُوسَ في الطرُقاتِ» فقَالُوا: يَا رسَولَ الله مَا لَنَا مِنْ مَجالِسنَا بُدٌّ، نَتحدَّثُ فِيهَا، فقال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِس فَأَعْطُوا الطَّريقَ حَقَّهُ» قالوا: ومَا حَقُّ الطَّرِيقِ يا رسولَ الله؟ قال: «غَضُّ الْبَصَر، وكَفُّ الأَذَى، ورَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بالْمعْروفِ، والنَّهْيُ عنِ الْمُنْكَرِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- إياكم: احذروا وابتعدوا.
- ما لنا من مجالسنا بدّ: لا نستطيع الاستغناء عنها.
- غضّ البصر: كفّ البصر عن المُحرَّمات.
- كفّ الأذى: ترك أذيّة الناس ورَدُّ الأذى ومنعه عنهم.
فوائد الحديث
- * النهيُ عن الجلوس في الطريق لِما يحصل فيه من تعرُّضِ الإنسان للوقوع في بعض المعاصي ولِما فيه من تضييق للحق العام.
- * الطريق من المرافق العامة التي هي ملك للمجتمع، لا يجوز للفرد أن يُضعف استفادة الناس منها أو يُزعجهم بجلوسه فيه.
- * على المسلم أن يكون دائم العمل لنشر الخير والدعوة إليه.
191
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أَن رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم رأى خَاتمًا مِنْ ذَهَبٍ في يَد رَجُلٍ، فَنَزعَهُ فطَرحَهُ وقَال: «يَعْمَدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيجْعلهَا في يَدِهِ» فَقِيل لِلرَّجُل بَعْدَ مَا ذَهَبَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: خُذْ خَاتمَكَ، انتَفعْ بِهِ. قَالَ: لا والله لا آخُذُهُ أَبَدًا وقَدْ طَرحهُ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يعمد: يقصد ويتوجه.
- فيجعلها في يده: أي يجعلها في أصبعه، وهو من باب إطلاق الكُل وإرادة الجزء.
- انتفعْ به: ببيع أو هبة، أو جعله للنساء.
فوائد الحديث
- * إزالة المنكر باليد لمن يدخل ذلك ضمن صلاحياته.
- * النهي عن خاتم الذهب للرجال للتحريم.
- * يؤخذ من الحديث أن التختم بالذهب للرجل من الكبائر، لعِظَمِ الوعيد فيه.
- * مبالغة الصحابة في امتثال أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم واجتناب نهيه.
192
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عَنْ أَبِي سعيدٍ الحسنِ البصْرِيِّ أَنَّ عَائِذَ بن عَمْرٍو رضي الله عنه دخَلَ عَلَى عُبَيْدِ الله بن زيَادٍ فَقَالَ: أَيْ بُنيَّ، إِنِّي سمِعتُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقولُ: «إِنَّ شَرَّ الرِّعاءِ الْحُطَمَةُ» فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنت مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقال: وهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَة، إِنَّمَا كَانَتِ النُّخالَةُ بَعْدَهُمْ وَفي غَيرِهِمْ.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- عائذ بن عمرو: صحابي جليل شهد الحديبية وبايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، سكن البصرة وتوفي بها في إمارة عبيد الله بن زياد أيام يزيد بن معاوية.
- عبيد الله بن زياد: أمير البصرة في زمن يزيد بن معاوية.
- الرِّعاء: جَمع رَاعٍ، والمراد هنا الأمراء.
- الحُطَمة: العنيف برعيته لا يرفق بهم، وأصله العنيف في رعاية الإبل، ضربه مثلًا لوالي السوء.
- من نُخالة: نُخالة الدقيق هي قشوره، واستخدمها هنا تنقيصًا وذمًّا، أي أنت من طبقة متدنّية من الصحابة ولست من فضلائهم.
فوائد الحديث
- * التزام الصحابة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- * جرأة الصحابي عائذ بن عمرو رضي الله عنه في مناصحة الأمير عبيد الله بن زياد.
- * بيان أن الصحابة كلهم سادة وأفاضل، ولم يعرف السقط والنخالة إلا بعد قرنهم.
193
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عَنْ حذيفةَ رضي الله عنه أَنَّ النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالْمعرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعثَ عَلَيْكمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجابُ لَكُمْ»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- والذي نفسي بيده: أي والله، وأتى بالقسم لتأكيد الأمر الذي بعده.
- ليوشكنّ: مضارع أوشك، أي اقترب.
فوائد الحديث
- * وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فرض كفاية.
- * جزاء التفريط بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو نزول العقوبة وعدم استجابة الدعاء.
- * يعمُّ شؤمُ المنكر وبلاؤُه فاعلَه وغيرَه.
- كلمة عدل: أي كلمة حق.
- جائر: ظالم.
194
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عنْ أَبِي سَعيد الْخُدريِّ رضي الله عنه عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عندَ سلْطَانٍ جائِرٍ»
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ
فوائد الحديث
- * أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الجهاد.
- * نصح الحاكم الجائر من أعظم الجهاد.
- * الجهاد مراتب.
195
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عنْ أَبِي عبدِ الله طارِقِ بنِ شِهابٍ الْبَجَلِيِّ الأَحْمَسِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رجلًا سأَلَ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وقَدْ وَضعَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ، أَيُّ الْجِهادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كَلِمَةُ حقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جائِر»
رَوَاهُ النسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- الْغَرْز: هُوَ ركَابُ كَورِ الْجمَلِ، وكل ما كان مِساكًا للرِّجلين في المركب.
فوائد الحديث
- * الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند السلطان الظالم من أفضل الجهاد، لأنّه يدل على كمال يقين فاعله وقوة إيمانه، حيث تكلّم عند ذلك الحاكم الجبّار ولم يخف من جوره وبطشه، بل باع نفسه لله، وقدّم أمر الله وحقّه على حقّ نفسه، وفي هذا مخاطرة أشدّ من مخاطرة المقاتل في ساحة المعركة.
196
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عن ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا دخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّه كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّق الله وَدعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لك، ثُم يَلْقَاهُ مِن الْغَدِ وَهُو عَلَى حالِهِ، فلا يمْنَعُه ذلِك أَنْ يكُونَ أَكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وَقعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ» ثُمَّ قال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كثِيرًا مِنْهُمُ يَتَوَلَّوْنَ الَّذينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ إلى قوله: فَاسِقُونَ [المائدة: ٧٨، ٨١]؛ ثُمَّ قَالَ: «كَلاَّ والله، لَتَأْمُرُنَّ بالْمعْرُوفِ، وَلَتَنْهوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، ولَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، ولَتقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ الله بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ» رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن. • هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لمَّا وَقعَت بنُو إسرائيلَ في المَعاصِي نَهتْهُم عُلماؤُهم فلَمْ يَنتهُوا، فَجالسُوهُم في مَجالسِهِم ووَاكلُوهُم وشاربُوهُم، فضربَ الله قلوبَ بعضِهِم بِبعضٍ، ولعنَهُم على لسانِ داوُد وعيسَى ابنِ مريمَ ذلك بما عَصَوْا وكانوا يعتَدُون» فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مُتكئًا فقال: «لا وَالَّذي نَفْسِي بيدِه حتى تَأْطِرُوهُم على الحقِّ أَطْرًا».
مفردات الحديث
- النقص: أي النقص في الدين.
- اتّق الله: اجعل فعل أمر الله وترك نهيه وقاية لك من عذابه.
- أكيله وشريبه وقعيده: أي الذي يصاحبه في الأكل والشرب والقعود.
- يَتَوَلَّوْن الَّذين كفَرُوا: أي ينصرونهم ويتخذونهم أولياء.
- لَتأْطِرُنَّهُ/ حتى تَأْطِرُوهُم : أي تَعطفونهم وتُلزمونهم وتُجبرونهم بالقوة.
- لتقصرنّه: أي لتحبسنّه.
فوائد الحديث
- * جمع اليهود بين فعل المنكر والجهر به وعدم النهي عنه.
- * مخالطة المخالفين لأمر الله سبب في نقصان الإيمان، وسبب في نزول سخط الله.
- * لا يُعذر المسلمون في تخلية الظالمين وشأنهم والسكوت على فعلهم المعاصي؛ لأن هذا تحريض على فعلها وسبب لانتشارها.
- * لا يكفي مجرد النهي عن المنكر باللسان مع القدرة على المنع باليد والقسر على الحق.
- * يسوِّد الله قلب من لم يعصِ بشؤم من عصى، بسبب المعاصي ومخالطة بعضهم بعضًا.
197
باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
عن أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيق، رضي الله عنه قال: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لتقرؤونَ هَذِهِ الآيةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا علَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ منْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: ١٠٥] وإِني سَمِعت رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله بِعِقَابٍ مِنْهُ»
رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة
فوائد الحديث
- * على الأمة المسلمة أن تتضامن فيما بينها، وأن تتناصح وتتواصى، وأن تهتديَ بهدي الله، ثم لا يضرّها بعد ذلك شيئًا أن يضلّ الناس حولها، ولكنّ هذا لا يعفيها من دعوة الناس كلِّهم إلى الهدى.
- * عقاب الله يشمل الظالم لظلمه، وغير الظالم إن أقرّه على الظلم وهو قادر على منعه.
- * أنّ المؤمن الفرد لا يتوهَّم أنه غير مُكلَّف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا اهتدى بذاته، وأن الأمّة المسلمة غير مُكلّفة بإقامة شريعة الله في الأرض إذا اهتدت بذاتها وضلّ الناس من حولها، لا ليس الأمر كذلك
198
باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخَالَفَ قَولُه فِعْلَه
عن أَبي زيدٍ أُسامة بْنِ حَارثَةَ، رضي الله عنهما، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «يُؤْتَـى بالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيامةِ فَيُلْقَى في النَّار، فَتَنْدلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ في الرَّحا، فَيجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّار فَيَقُولُونَ: يَا فُلانُ مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُ تَأْمُرُ بالمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُ بالمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيه، وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- فتَنْدلِقُ: أي تَخْرُجُ.
- أَقْتابُ بَطنِه: أَمْعَاءُ بطنه.
- الرَّحا: حجر الطاحون كانوا يحركونه باستخدام الدواب كالحمير.
- لا آتِيه: لا أفعله.
فوائد الحديث
- * تشديد العقوبة على من يخالف قولُه فعلَه، ولاسيَّما إذا أتى المعاصيَ مع نهيه عنها، ووجود العلم عنده الّذي يقتضي الخشيةَ والبعد عن المخالفة.
- * من المغيَّبات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم وصف النار ووصف المعذَّبين فيها.
- * فعل المعروف وترك المنكر من أسباب حجب الإنسان من دخول النار.
199
بابُ الأمرِ بأداء الأمانة
عن أَبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» متفقٌ عليه. • وفي رواية: «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وزعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ».
مفردات الحديث
- آية المنافق: أي علامة المنافق.
- المنافق: الّذي يخالف ظاهرُه باطنَه.
- أخلف: لم يفِ بوعده.
- زَعَم: الزَّعمُ: يطلق بمعنى القول أو الظن أو الاعتقاد، لكن أكثر ما يُستعمل فيما كان باطلًا أو فيه ارتياب.
فوائد الحديث
- * شمول الإسلام لجوانب التعامل الصادق مع الناس في الحديث والوعد والأمانة.
- * تحذير النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم المسلمين من مرض النفاق وبيان علاماته لِبيان شدّة خطره.
- * من اجتمعت فيه هذه الصفات دل ذلك على تأصُّل الشر فيه حتى وُصِف بالنفاق ونُفي عنه الإسلام، وهذا وعيد شديد.
- * أن اجتماع هذه الصفات قد يكون سببًا يقود صاحبه للخروج من الإسلام.
- * ضرورة محاسبة الإنسان نفسه لسلامة إيمانه.
- * بيان أن هذه الصفات أكثر ما تظهر من المنافقين نفاقًا أكبر.
200
بابُ الأمرِ بأداء الأمانة
عن حُذيْفَة بنِ الْيمانِ، رضي الله عنه، قال: حدثنا رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حَديثَيْنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحدهُمَا، وَأَنَا أَنْتظِرُ الآخَرَ: حدَّثَنا أَنَّ الأَمَانَة نَزلتْ في جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرآنُ فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآن، وَعلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ حَدَّثنا عَنْ رَفْعِ الأَمانَةِ فَقال: «يَنَـامُ الرَّجل النَّوْمةَ فَتُقبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيظلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ ينامُ النَّوْمَةَ فَتُقبضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيظَلُّ أَثَرُهَا مِثْل أثرِ الْمَجْلِ، كجَمْرٍ دَحْرجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ، فَنفِطَ فتَراهُ مُنْتبرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيءٌ» ثُمَّ أَخذَ حَصَاةً فَدَحْرجَهُ عَلَى رِجْلِهِ، «فَيُصْبحُ النَّاسُ يَتبايَعونَ، فَلا يَكادُ أَحَدٌ يُؤدِّي الأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ في بَنِي فَلانٍ رَجُلًا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجلِ: مَا أَجْلدَهُ، مَا أَظْرَفهُ، مَا أَعْقلَهُ! وَمَا في قلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمانٍ. وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بايعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلمًا ليَرُدَّنَّهُ عَليَّ دِينُه، ولَئِنْ كَانَ نَصرانيًّا أَوْ يَهُوديًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيه، وأَمَّا الْيَوْمَ فَما كُنْتُ أُبايعُ مِنْكمْ إِلَّا فُلانًا وَفلانًا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- جَذْرُ: هو أصلُ الشيء.
- الوكتُ: الأثرُ اليسيرُ.
- المَجْلُ: هو تنَفُّطٌ في اليد وقرحٌ وانتفاخاتٌ صغيرةٌ تظهر من أثر العمل.
- مُنتبرًا: مُرتفعًا.
- سَاعِيه: الوالي عليه.
- الأمانة: قيل المراد بها التكاليف التي كلف الله بها عباده، وقيل هي الإيمان، لأنه إذا استقر في قلب العبد قام حينئذ بأداء التكاليف.
- فعلموا من القرآن: أي علموا الأمانة منه.
- فتُقبض: أي تُنزع لسوء فعلٍ صَدَرَ منه تسبَّب في ذلك.
فوائد الحديث
- * أن الأمانة كانت في أصل قلوب الناس فطرةً ثم حصل لهم ترسيخها وتفاصيلها بطريق الكسب والتحصيل من الكتاب والسنة.
- * هذا الحديث من أعلام نبوَّته صلى الله عليه وسلم، فقد نبَّه على فساد الناس مع مرور الوقت.
- * نزع الأمانة من بين الناس وإحلال الفساد يكون تدريجيًّا شيئًا فشيئًا لسوء أفعالهم.
- * يدخل في معنى الأمانة المحافظة على التكاليف الشرعية، والصدق في المعاملة، وأداء الحقوق إلى أصحابها، وأهمها البيوع في المعاملات.
- * عند انعدام الأمانة بين الناس يحلّ محلها النفاق والمراوغة، وتضيع القيم الأصيلة وتحلّ محلها المظاهر الخدّاعة.
- * مثل هذه الأحاديث تبعث على الخوف الإيجابي الذي يقود صاحبه لمراجعة النفس بصورة دقيقة دائمة حذرًا من الوقوع بلا شعور في فقدان الأمانة.
201
بابُ الأمرِ بأداء الأمانة
عن حُذَيْفَةَ وَأَبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَجْمعُ الله تَباركَ وَتَعَالَى النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤمِنُونَ حَتَّى تُزْلفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ صلَوَاتُ الله عَلَيْهِ، فَيَقُولُون: يَا أَبَانَا اسْتفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيقُولُ: وهَلْ أَخْرَجكُمْ مِنْ الْجنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُم، لَسْتُ بصاحبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إبْراهِيمَ خَلِيل الله، قَالَ: فَيأتُونَ إبْرَاهِيمَ، فيقُولُ إبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بصَاحِبِ ذَلِك إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وراءَ، اعْمَدُوا إِلَى مُوسَى الذي كَلَّمَهُ الله تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فيقُولُ: لسْتُ بِصَاحِب ذلكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسى كَلِمَةِ الله ورُوحِهِ، فَيقُولُ عيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلكَ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الأَمانَةُ والرَّحِمُ، فَيَقُومَان جنْبَتَي الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا، فيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ» قُلْتُ: بأَبِي وَأُمِّي، أَيُّ شَيءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قال: «أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ يمُرُّ ويَرْجعُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الريحِ ثُمَّ كَمرِّ الطَّيْرِ، وشَدِّ الرِّجالِ تَجْرِي بِهم أَعْمَالُهُمْ، ونَبيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّم سلِّم، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبادِ، حَتَّى يَجئَ الرَّجُلُ لا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إلَّا زَحفًا، وفِي حافَتَي الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمُكَرْدَسٌ في النَّارِ»
وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهنَّم لَسبْعُونَ خَريفًا. رواه مسلم
مفردات الحديث
- تُزلَف: تُقرَّب.
- استَفْتِح لنا: اسأَل الله أن تُفتح لنا.
- خليل: أصل الخليل هو من تخللت محبّته القلب، والمراد بالخليل هنا الاختصاص والاصطفاء الزائد.
- ورَاءَ وَرَاءَ مَعْنَاهُ: لسْتُ بتلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفيعَةِ، وهِي كَلِمةٌ تُذْكَرُ عَلَى سبِيل التَّواضُع.
- كلمة الله: أَطلق على عيسى عليه السلام ذلك لأنّه خُلق بأمره تعالى، وهو قوله: "كن".
- روحه: أي ذو روح من الله تعالى.
- وتُرسل الأمانة والرّحم فيقومان: "الرحم القرابة الّتي تُطلب صلتها شرعًا"، وهذا من تفاصيل الغيب والله أعلم كيف يكون ذلك، وإنما خُصَّا بالذكر تعظيمًا لشأنهما.
- جنبَتَي الصراط: أي على جانبيه.
- الصراط: في اللغة الطريق، وشرعًا جسر ممدود على متن جهنم يمرّ عليه أهل المحشر.
- بأبي أنت وأمي: أي أفديك بهما.
- البرق: شرارة كهربائية تظهر في السماء من اتصال سحابتين.
- طرفة عين: أي مُدّة وقوع الجفن على الجفن، والمراد الإشارة إلى السرعة.
- شدّ الرجال: في عدوِها البالغ وجريِها.
- تجري بهم أعمالهم: أي أنهم في سرعة السير على حسب أعمالهم.
- قائم على الصراط: أي عنده.
- حتى تعجز أعمال العباد: أي تضعف أعمالهم الصالحة عن سرعة المرور على الصراط.
- كلاليب: جمع كَلُّوب، وهو حديدة مِعْوَجَّة الرأس يعلق عليها اللحم.
- مخدوش: مجروح وممزق.
- مُكَرْدَس: أي جمعت يداه ورجلاه، ويُساق بعنف إلى جهنم ويُلقى فيها بعضه على بعض.
- والذي نفس أبي هريرة بيده: هذا قسم.
- إنّ قعر جهنّم لسبعون خريفًا: أي بلوغ قعر جهنّم يستغرق سبعين خريفًا.
فوائد الحديث
- * ثبوت فضل الرسول صلّى الله عليه وسلّم على الرسل ومقامه عند الله سبحانه.
- * ثبوت الشفاعة له في المحشر.
- * في الحديث تعظيم لشأن الأمانة والرحم حيث يقومان على جانبي الصراط.
- * من خصائص نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم أنه أُعطِيَ هذا النوع من الشفاعة العامة وهذا لا يعني أن يترك الناس ما يجب عليهم من أعمال مقتصرين على رجاء شفاعته صلّى الله عليه وسلّم.
202
بابُ الأمرِ بأداء الأمانة
عن أَبِي خُبَيْبٍ عبد اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما قال: لَمَّا وَقَفَ الزبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعانِي فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وإِنِّي لا أُرانِي إِلَّا سَأُقْتَلُ الْيَومَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتَرَى دَيْنَنَا يُبْقي مِنْ مالِنا شَيْئًا؟ ثُمَّ قَالَ: يا بُنَيَّ بِعْ مَالَنَا واقْضِ دَيْنِي، وَأَوْصَى بالثُّلُثِ، وَثُلُثِه لِبَنيه، يَعْنِي لبَنِي عَبْدِ الله بن الزبير ثُلُثُ الثُّلُث. قَالَ: فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مالِنَا بعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيءٌ فثُلُثُهُ لِبَنِيك، قَالَ هِشَامٌ: وكان بعضُ وَلَدِ عَبْدِ اللهِ قَدْ وازَى بَعْضَ بَني الزبَيْرِ خُبيبٍ وَعَبَّادٍ، وَلَهُ يَوْمَئذٍ تِسْعَةُ بَنينَ وتِسعُ بَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ الله: فَجَعَل يُوصِينِي بديْنِهِ وَيَقُول: يَا بُنَيَّ إِنْ عَجزْتَ عنْ شَيءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بموْلايَ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا دَرَيْتُ ما أرادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ مَنْ مَوْلاكَ؟ قَالَ: الله. قال: فَواللهِ مَا وَقَعْتُ في كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزبَيْرِ اقضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيَهُ. قَالَ: فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا إِلَّا أَرَضِينَ، مِنْهَا الْغَابَةُ وَإِحْدَى عَشَرَةَ دارًا بالْمَدِينَةِ، ودارَيْن بالْبَصْرَةِ، وَدَارًا بالْكُوفَة وَدَارًا بِمِصْرَ. قال: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذي كَانَ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كان يَأْتِيهِ بِالمالِ، فَيَسْتَودِعُهُ إِيَّاهُ، فَيَقُولُ الزُّبيْرُ: لا وَلَكنْ هُوَ سَلَفٌ إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا ولِيَ إمَارَةً قَطُّ وَلا جِبَايةً ولا خَراجًا ولا شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ في غَزْوٍ مَعَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أَوْ مَعَ أَبِي بَكْر وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم، قَالَ عَبْدُ الله: فَحَسَبْتُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبدَ الله بْن الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي كَمْ عَلَى أَخِي مِنَ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمْتُهُ وَقُلْتُ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ: حَكيمٌ: والله مَا أَرى أَمْوَالَكُمْ تَسعُ هَذِهِ! فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَي أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: مَا أَرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي. قَالَ: وكَانَ الزُّبَيْرُ قدِ اشْتَرَى الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ ومِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللهِ بِألف ألفٍ وسِتِّمِائَةِ أَلْف، ثُمَّ قَامَ فَقالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ شيءٌ فَلْيُوافِنَا بِالْغَابَةِ، فأَتَاهُ عبْدُ اللهِ بْنُ جَعفَر، وكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبعُمائةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لعَبْدِ الله: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ؟ قَالَ عَبْدُ الله: لا، قال: فَإِنْ شِئْتُمْ جعَلْتُموهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ، فقال عَبْدُ الله: لا، قال: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً، قال عبْدُ الله: لَكَ مِنْ هاهُنا إِلَى هاهُنَا. فَبَاعَ عَبْدُ اللهِ مِنْهَا فَقَضَى عَنْهُ دَيْنَه، وأَوْفاهُ وَبَقِيَ منْهَا أَرْبَعةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، فَقَدِم عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبيْرِ، وَابْن زَمْعَةَ. فقال لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَتِ الْغَابَةُ؟ قال: كُلُّ سَهْمٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ قال: كَمْ بَقِي مِنْهَا؟ قال: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ ونِصْفٌ، فقال الْمُنْذرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهَا سَهْمًا بِمائَةِ أَلْفٍ، قال عَمْرُو بنُ عُثْمان: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهَا سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. وقال ابْن زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ مِنها سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ مُعَاوِيةُ: كَمْ بَقِيَ مِنْهَا؟ قال: سَهْمٌ ونصْفُ سَهْمٍ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمسينَ ومِائَةِ ألف. قَالَ: وبَاعَ عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ نصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ. فَلَمَّا فَرغَ ابنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قََضاءِ ديْنِهِ قَالَ بَنُو الزُّبَيرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيراثَنَا. قَالَ: وَاللهِ لا أَقْسِمُ بيْنَكُمْ حَتَّى أَنَادِيَ بالمَوسِمِ أَرْبَعَ سِنِين: أَلا مَنْ كان لَهُ عَلَى الزُّبَيرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي في الْمَوسمِ، فَلَمَّا مَضى أَرْبَعُ سِنينَ قَسم بَيْنَهُمْ ودَفَعَ الثُلث وكَان للزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوةٍ، فَأَصاب كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ ومِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ ومِائَتَا أَلْف.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- يوم الجمل: أي الوقعة المشهورة التي كانت بين جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه وجيش معاوية رضي الله عنه ومن معه في الفتنة التي وقعت بينهم، وسُميت موقعة الجمل، لأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تركب على جمل عظيم وقفت به في الصف لتكون سببًا في الصلح بين المسلمين.
- وازى: ساوى في السن، "لأنّ بعض أولاد عبد الله وهما خُبيب وعبَّاد كانا في السن في عمر أعمامهما".
- وَلَهُ يَوْمَئذٍ تِسْعَةُ بَنينَ وتِسعُ بَنَاتٍ: المراد عدد أبناء الزبير رضي الله عنه وليس عددُ أبناءِ وَلَدِهِ عبد الله.
- كربة: حزن شديد وغمّ يأخذ بالنَّفْس.
- الغابة: اسم لأرضٍ عظيمة في منطقة العوالي في المدينة المنوّرة.
- سلف: أي قرض.
- أَرَأَيتُك: أي أخبرني.
- فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم: أي طَلَبَ عبد الله بن جعفر من عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أن يؤخر دينه على الزبير مع الديون التي يؤخرون قضاءها.
- الموسم: موسم الحج.
فوائد الحديث
- * مشروعية الوصية عند الحرب، لأنها قد تُفضي إلى الموت.
- * كمال الوثوق بالمولى عز وجل والاستعانة به في كل حال، وأن من استعان بالله أعانَه.
- * جواز الاستلاف وطلب القرض.
- * وجوب وفاء الدين من تركة الميت قبل تنفيذ الوصية وقبل قسمة التركة.
- * للوصيِّ تأخير قِسمة الميراث حتّى تُوفّى ديون الميت وتُنَفَّذ وصاياه.
- * جواز الوصيّة للأحفاد إذا كان من يحجبُهم من الآباء موجودًا.
- * جواز شراء الوارث من التركة.
- * جواز ملك الدور والأرض مهما كثرت إذا كان ذلك من وجه شرعيّ.
- * المحافظة على الأمانات.
- * أنَّ ما جرى بين الصحابة من قتال يجب السكوت عنه، فكلهم مجتهد متأوِّل وليس فيهم ظالمٌ جانٍ.
- * النية الحسنة قد تدفع بصاحبها إلى تيسير أموره وقضاء ديونه وتكثير ماله؛ كما حصل للزبير بن العوام رضي الله عنه.
203
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن جابر رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مـَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حملَهُمْ على أَنْ سَفَكُوا دِماءَهُمْ واسْتَحلُّوا مَحارِمَهُمْ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- اتقوا: احذروا واجتنبوا.
- الظلم: هو في اللغة وضع الشيء في غير محله، وشرعًا: مجاوزة الحد وعدم إيصال الحق إلى صاحبه.
- الشّحّ: البخل الشديد مع الحرص.
- حملهم: كان سببًا لفعلهم.
- سفكوا دماءهم: قتل بعضهم بعضًا ليأخذ ماله.
- استحلوا محارمهم: استباحوا نساءهم أو ما حرّم الله تعالى عليهم من أموالهم وغيرها.
فوائد الحديث
- * الحث على اجتناب الظلم والبخل، وسلوك سبيل العدل والكرم والسخاء.
- * الظلم من الذنوب الكبيرة التي تجعل فاعلها في كربات شديدة وعقاب أليم يوم القيامة.
- * الحرص على الدنيا والبخل كثيرًا ما يجرُّ الناس إلى المعاصي والآثام ويوقعهم في الفواحش والمنكرات.
204
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن أَبِي هريرة رضي الله عنه أَن رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقيامَةِ حَتَّى يُقَادَ للشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاء»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أهلها: أصحابها ومستحقيها.
- يُقاد: يُقتصّ.
- الشاة الجلحاء: التي لا قرن لها.
- الشاة القرناء: التي لها قرن.
فوائد الحديث
- * كمال عدل الله تعالى حيث يقتصّ لكل مظلوم يوم القيامة،
- * الاقتصاص بين الناس يكون بأخذ حسنات الظالم للمظلوم أو طرح سيئات المظلوم عليه.
- * يحشر الله تعالى الحيوانات ليقتصّ منها إقامةً للعدل المطلق، ثم تكون ترابًا.
- * الحث على المبادرة لأداء الحقوق إلى أصحابها.
205
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن ابن عُمرَ رضي الله عنهما قال: كُنَّا نَتحدَّثُ عَنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالنَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بَيْن أَظْهُرِنَا، وَلَا نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوداع، حَتَّى حمِدَ الله رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وَأَثْنَى عَليْهِ ثُمَّ ذَكَر الْمسِيحَ الدَّجَّالَ فَأَطْنَبَ في ذِكْرِهِ، وَقَالَ: «ما بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبيٍّ إلَّا أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ: أَنْذَرَهُ نوحٌ وَالنَّبِيُّون مِنْ بَعْدِهِ، وَإنَّهُ إنْ يَخْرُجْ فِيكُمْ فَما خَفِيَ عَليْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ رَبَّكُمْ لَيس بأَعْورَ، وَإِنَّهُ أَعورُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عيْنَهُ عِنبَةٌ طَافِيَةٌ، ألا إنَّ الله حرَّم علَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوالكُمْ، كَحُرْمَةِ يوْمِكُمْ هَذا، في بلدِكُمْ هَذا، في شَهْرِكُم هَذا، ألَا هل بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، -ثَلاثًا- وَيْلَكُمْ أَوْ: وَيْحَكُمْ، انظُرُوا: لا ترْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض»
رواه البخاري، وروى مسلم بعضه
مفردات الحديث
- حجّة الوداع: آخر حجّة حجّها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وسمّيت بذلك لأنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم ودعّهم فيها حين قال: لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وكان مثلَما قال.
- بين أظهرنا: جالس بيننا.
- لا ندري ما حجة الوداع: أي لا نعرف سبب تسميتها بذلك.
- المسيح الدَّجَّال: سمّي المسيح لأنّه ممسوح العين، وسمّي الدجال: لأنّه بالغ في الكذب بادّعائه الربوبية.
- أطنب: بالغ.
- أنذره أمّته: حذّرها منه وبيّن لها بعض صفاته.
- عنبة طافية: بارزة، مِن طفا الشيء يطفو إذا علا على غيره وظهر.
- يومكم هذا: يوم النحر.
- في شهركم هذا: شهر ذي الحجة.
- ثلاثًا: أي كرّر (اللهم اشهد) ثلاث مرات.
- وَيل ووَيح: كلٌّ منهما كلمة تستعمل للتحذير.
فوائد الحديث
- * الحذر من الفتن، والاحتراز من أصحابها بمعرفة صفاتهم ومسالكهم.
- * أن الدجال سيظهر في هذه الأمّة لا محالة، وأن الله تعالى يحفظ المؤمنين من فتنته بالعلم النافع المُعِين على معرفته بصفته المذكورة في الحديث فيحذرونه.
- * ظهور الدجّال من أمارات الساعة الكبرى.
- * حرمة الدماء والأموال بين المسلمين، ووجوب صيانتها وعدم الاعتداء عليها.
- * إشفاق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على الأمّة، والتحذير من اقتتال المسلمين وإثارة الفتن التي قد تجر إلى الكفر والردّة عن الإسلام والعياذ بالله.
206
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلَم قال: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ظلم: أخذ بغير حقّ.
- قيد: قدر.
- طُوِّقه من سبع أرضين: أي إنَّه يُعاقَب بالخسف إلى سبع أرَضين؛ فتكون كلُّ أرض طوقًا في عنقه.
فوائد الحديث
- * الدلالة على عِظَم ذنب الظالم وثِقل حِمله.
- * تحريم الظلم والغصب، لتغليظ العقوبة والوعيد الشديد على من ظَلم الناس وسَلَبَهم حقوقهم.
- * الحث على المبادرة لأداء الحقوق إلى أصحابها مهما قلَّت.
207
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن أَبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ الله لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِي ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَديدٌ.
متفق عليه
مفردات الحديث
- يملي: يُمهل، من الإملاء وهو الإمهال والتأخير.
- أخذه: عاقبه بذنبه.
- لم يفلته: لم يدَعْه ولم يرفع عنه الهلاك.
- {القرى}: أي أهل القرى.
- {أليم}: موجع شديد لا يرجى منه خلاص.
فوائد الحديث
- * أن الله عز وجل يمهل الظالم ولا يهمله، ويعطيه فرصة للتوبة.
- * الله سبحانه وتعالى لا يعاجل بالعقوبة، ولكن إذا عاقب كان عقابه شديدًا.
- * العاقل لا يغتر إذا لمس من نفسه ظلمًا ولم يصبه أذًى، فهو استدراج من الله تعالى.
- * أن الظالم لا بد له من الحساب؛ فليسارع إلى التوبة وردّ المظالم وأداء الحقوق إلى أصحابها.
208
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن مُعاذٍ رضي الله عنه قال: بعَثَنِي رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: «إنَّكَ تَأْتِي قوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَاب، فادْعُهُمْ إِلَى شَهَادة أَنْ لا إِلَهَ إلَّا الله، وأَنِّي رسول الله فإِنْ هُمْ أَطاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمهُمْ أَنَّ الله قَدِ افْترضَ علَيْهم خَمْسَ صَلَواتٍ في كُلِّ يومٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلكَ، فَأَعلِمْهُمْ أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيهمْ صدَقَةً تُؤْخذُ مِنْ أَغنيائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرائِهِم، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلكَ، فَإِيَّاكَ وكَرائِمَ أَمْوالِهم. واتَّقِ دعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْس بينها وبيْنَ الله حِجَابٌ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- بعثني: أي أرسلني أميرًا على اليمن.
- أهل الكتاب: اليهود والنصارى، وقد كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب.
- فادعهم إلى شهادة... إلخ: أي ادعهم إلى الإسلام والإيمان والنطق بالشهادتين.
- صدقة: هي الزكاة.
- إيّاك وكرائم أموالهم: احذر نفائس أموالهم.
- حجاب: مانع يمنع من وصولها إليه تعالى، والمراد أنه يقبلها ولا يردّها.
فوائد الحديث
- * وجوب تبليغ الكفار ودعوتهم إلى الإسلام قبل قتالهم.
- * الزكاة تؤخذ من أغنياء البلد وترد على فقرائه، ولا تنقل إلى بلد آخر إلا إذا زادت عن حاجة المستحقين فيه، وكان في غيره مستحقون محتاجون إليها.
- * ليس للعامل أن يأخذ الزكاة من خيار مال الأغنياء، وإن فعل ذلك فإنه ظالم.
- * الحذر من الظلم، فإن دعوة المظلوم لا ترد.
209
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن أَبِي حُمَيْدٍ عبْدِ الرَّحْمَن بنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قال: اسْتَعْملَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم رَجُلًا مِن الأَزْدِ -يُقَالُ لَهُ: ابْـنُ اللُّتْبِيَّةِ- عَلَى الصَّدقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قـال: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهدِيَ إِلَيَّ، فَقَامَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم على المِنبَرِ، فَحمِدَ الله وأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قال: «أَمَّا بعْدُ فَإِنِّي أَسْتعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ على الْعمَلِ مِمَّا ولَّانِي الله، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَت إِلَيَّ، أَفَلا جلسَ في بيتِ أَبيهِ أَوْ أُمِّهِ حتَّى تأْتِيَهُ هديَّتُه إِنْ كَانَ صادقًا، والله لا يأْخُذُ أَحدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حقِّهِ إلَّا لَقِيَ الله تَعالَى، يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، فَلا أَعرِفَنَّ أَحدًا مِنْكُمْ لَقِيَ الله يَحْمِلُ بعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقرةً لَهَا خُوارٌ، أَوْ شاةً تيْعَرُ» ثُمَّ رفَعَ يَديْهِ حتَّى رُؤِيَ عُفْرَةُ إبْطَيْهِ فقال: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»
ثلاثًا. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- استعمل: جعله مكلَّفًا بعمل أو وظيفة عامّة.
- الأزد: قبيلة من قبائل العرب في اليمن.
- على الصدقة: أي جمع الزكاة.
- هذا لكم: أي ما جمعتُه من الزكاة.
- ولاني الله: جعل لي تصرفًا فيه وولاية عليه.
- رغاء: صوت الإبل.
- خوار: صوت البقر.
- تَيعرُ: تصيح، فعلٌ من اليعار، وهو صوت الشاة.
- عُفرة إبطيه: بياضهما الذي ليس بالناصع.
فوائد الحديث
- * من واجب وليّ الأمر جمع الزكاة وصرفها لمستحقّيها بالعدل.
- * من رأى متأوِّلًا أخطأ فعليه أن يُبيّن خطأه دون ذكر اسمه ليحذِّر من ذلك.
- * الهَدِيّة لولاة الأمور والقائمين على الوظائف العامّة - من أجل مراكزهم ومناصبهم - رشوة يحرم إعطاؤها، وأخذهم لها أكلٌ لأموال الأمة بالباطل، وطلبها ظلم واعتداء.
- * تجوز الهدية للموظفين إذا كانت من قريب له أو صديق جرت العادة بمبادلة الهدايا بينهما، شريطة أن لا تكون للمُهدِي قضية أو مصلحة عند من يُهدَى إليه.
- * لا يجوز استغلال الوظائف والمناصب للمنفعة الخاصة.
- * من أخذ أموال الناس بالباطل وخفي أمره في الدنيا فضحه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وأظهر فعله وعاقبه عليه.
210
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَنْ كَانتْ عِنْدَه مَظْلمَةٌ لأَخِيهِ، مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ، فَلْيتَحَلَّلْه مِنْه الْيوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يكُونَ دِينَارٌ ولا دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ لَهُ عَملٌ صَالحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقدْرِ مظْلمَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سيِّئَاتِ صاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- مَظلمة: حقّ ظلمه فيه ماديًّا كان أو معنويًّا.
- عِرضه: العِرض موضع المدح والذمّ من الإنسان.
- فلْيَتَحَلَّلْه منه: أي يستبرئ ذمّته منه إمّا بأدائه وإما بعفو صاحبه.
فوائد الحديث
- * الحرص على البعد عن الظلم والاعتداء.
- * الحث على المبادرة لاستبراء الذمّة ممّا علق بها من حقوق في الدنيا حيث يتمكن الإنسان من أدائها أو طلب السماح من صاحبها، أما إن أجَّلها إلى يوم القيامة فالأمر خطير حيث لا ينفعه مال ولا درهم، وإنما حقوقٌ تؤدى من حسناته أو زيادة في سيئاته.
- * الأعمال الصالحة يُفسِدها ويُذهِب ثَمرتَها ظُلمُ الناس وإيذاؤهم.
211
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ ويَدِهِ، والْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عَنْهُ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- المسلم: أي الكامل والأفضل؛ لسلامة المسلمين من لسانه ويده.
- المهاجر: من الهَجر وهو الترك، المراد بالحديث هو ترك المعاصي.
فوائد الحديث
- * أن كمال الإسلام والإيمان لا يكون إلا بعدم إلحاق الأذى بالآخرين ماديًّا كان أو معنويًّا.
- * الحث على ترك المعاصي وعلى ترك أذى المسلمين، والالتزام بما أمر الله تعالى به.
- * الهجرة إلى المدينة كانت واجبة قبل فتح مكة، ثم نسخ الوجوب بعد فتح مكة.
212
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنه قال: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ، فقال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «هُوَ في النَّارِ»
فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا. رواه البخاري
مفردات الحديث
- ثقَل: هو متاع المسافر، ممّا يثقل حمله من الأمتعة.
- كِرْكِرَة: ذُكر أنّه كان يُمسك بدابّة النبي صلى الله عليه وسلم، أُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه.
- غلّها: من الغلول وهو في اللغة: الخيانة، وشرعًا: الأخذ من الغنائم قبل قسمتها على وجه السرقة.
فوائد الحديث
- * أن الخيانة في الأموال العامة من الكبائر التي يعاقب مرتكبها في النار.
- * القرب من أهل الصلاح بالنسب أو الملازمة لا يمنع صاحبه من العقوبة إذا فعل ما يوجبها.
- * تحريم قليل الغلول وكثيره، وهو من الكبائر.
213
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن أَبي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بنِ الحارثِ رضيَ الله عنه، عن النّبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّمواتِ والأَرْضَ: السَّنةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم: ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدة، وَذو الْحِجَّةِ، والْمُحرَّمُ، وَرجبُ مُضر الذي بَيْنَ جُمادَى وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قلْنَا: الله ورسُولُهُ أَعْلَم، فَسكَتَ حَتَّى ظنَنَّا أَنَّهُ سَيُسمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قال: «أَلَيْس ذَا الْحِجَّةِ؟» قُلْنَا: بلَى. قال: «فأَيُّ بلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: الله وَرسُولُهُ أَعلمُ، فَسَكَتَ حتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سيُسمِّيهِ بغَيْر اسْمِهِ. قال: «أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟» قُلْنا: بلَى. قال: «فَأَيُّ يَومٍ هذَا؟» قُلْنَا: الله ورسُولُهُ أَعْلمُ، فَسكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّه سيُسمِّيهِ بِغيْر اسمِهِ. قال: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قال: «فإِنَّ دِماءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ فَإِنَّمَا عَلَيْكُمْ حرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذا في شَهْرِكُم هَذَا، وَسَتَلْقَوْن ربَّكُم فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلا فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فلَعلَّ بَعْضَ من يَبْلُغُه أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَه مِن بَعْضِ مَنْ سَمِعَه» ثُمَّ قال: «أَلا هَلْ بَلَّغْتُ، أَلا هَلْ بلَّغْتُ؟» قُلْنا: نَعَمْ، قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- إنّ الزمان: المقصود السنَة.
- قد استدار كهيئته: أي إنّ الزمان في انقسامه إلى أعوام، والعام إلى أشهر، عاد إلى الموضع الذي اختار الله وضعه عليه.
- البلدة: مكة المكرَّمة.
فوائد الحديث
- * إبطال ما كانت تفعله العرب في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا إذا احتاجوا إلى الحرب في شهرٍ محرَّمٍ استحلّوه، وأخروا حرمته للشهر الذي بعده، فإذا احتاجوا للحرب مثلًا في رجب جعلوه حلالًا وجعلوا شعبان مكانه، فنصَّ الحديثُ على بطلان ذلك بتعيين الأشهر الحرم.
- * التأكيد على حرمة الدماء والأموال والأعراض والحث على صيانتها وعدم الاعتداء عليها.
- * للمسلم وقفة بين يدَيْ ربه يحاسبه فيها على كل كبيرة وصغيرة.
- * التأكيد على فهم ما يقال من التوجيه والتعليم، والحث على تبليغ العلم ونقله بأمانة وصدق.
- * كمال طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في التربية والتوجيه وضربه الأمثلة ليكون أبلغ في التأثير، وأكثر وضوحًا في نفس السامع.
214
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن أَبي أُمَامةَ إِيَاسِ بنِ ثعْلَبَةَ الْحَارِثِيِّ رضي الله عنه، أَنّ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرئٍ مُسْلمٍ بيَمِينِهِ فَقدْ أَوْجَبَ الله لَه النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فقال رجُلٌ: وإِنْ كَانَ شَيْئًا يسِيرًا يا رسولَ الله؟ فقال: «وإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- اقتطع: أخذ ظلمًا وبغير حقّ.
- بيمينه: بحلف منه.
- أراك: نوع من الشجر تستعمل أعواده للاسْتِيَاك، وهي أفضل ما يُستاك به، ولذا أصبحت مشهورة بالسِّواك.
فوائد الحديث
- * الحذر من اغتصاب حقوق الآخرين، والحرص على أدائها لأصحابها مهما قلَّت.
- * ظاهر الحديث تخليد مَن غصب الحقوق في النار، وذلك لتشديد الزجر عنها والتخويف منها، والمقصود: طول المكث في النار، جمعًا بين هذا الحديث والأحاديث الواردة في عدم تخليد أصحاب التوحيد والاعتقاد السليم في النار.
- * حكم الحاكم لا يبيح للإنسان ما ليس له.
215
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن عَدِيِّ بن عُمَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُول: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَل، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يوْم الْقِيامَةِ» فقَام إليهِ رجُلٌ أَسْودُ مِنَ الأَنْصَارِ -كأَنِّي أَنْظرُ إِلَيْه- فقال: يا رسول الله اقْبَلْ عني عملَكَ قال: «وما لكَ؟» قال: سَمِعْتُك تقُول كَذَا وَكَذَا، قال: «وَأَنَا أَقُولُهُ الآن: من اسْتعْملْنَاهُ عَلَى عملٍ فلْيَجِئ بقَلِيلهِ وَكَثيرِه، فمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ ومَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- مِخْيَطًا فما فوقه: إبرة أو ما هو أصغر منها.
- غُلولًا: أي خيانة، وقيل مأخوذ من الغُل وهو الحديدة التي يُجمع بها يد الأسير إلى عنقه.
- اقبل عني عملك: ائذن لي أن أستقيل من العمل الذي ولَّيْتَني عليه.
- كذا وكذا: من ألفاظ الكنايات يكنَّى بها عن المجهول وعمّا لا يُراد التصريح به، وما سبق ذكره.
- أُوتي: أُعطي.
- ما نهي عنه انتهى: ما بُيّن له أن أخذه غير جائز تركه ولم يأخذه.
فوائد الحديث
- * الوعيد الشديد والتحذير الأكيد لمن خان في عمله أو وظيفته في القليل أو الكثير.
- * من اؤتُمن على أموال الأمّة ومُقَدَّراتها عليه أن يصونها ويؤديها إلى مستحقيها ولا يختص نفسه بشيء منها، وإن حدثته نفسه بالخيانة فأخذَ شيئًا وجب عليه رده وإلّا افتضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد.
- * وجوب البعد عن الإمارة والوظيفة لمن لمس من نفسه عدم الثقة والقدرة على القيام بها بأمانة وإخلاص.
216
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لمَّا كان يوْمُ خيْبرَ أَقْبل نَفرٌ مِنْ أَصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَقَالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ، وفُلانٌ شهِيدٌ، حتَّى مَرُّوا علَى رَجُلٍ فقالوا: فلانٌ شهِيد. فقال النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كلاَّ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّها أَوْ عبَاءَةٍ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- نفر: جماعة من الرجال، ويطلق على ما دون العشرة.
- كلا: أداة ردع وزجر، أي انتهوا وانزجروا عن هذا القول والحكم له بالشهادة.
- رأيته: الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم اطلع على ما يكون من حاله يوم القيامة نتيجة خيانته.
فوائد الحديث
- * تحريم الغلول فإنَّه من الكبائر.
- * عِظَمُ ذنب الخيانة في الأموال العامة، وشدة عقابها.
- * الشهادة في سبيل الله تعالى لا تكفّر حقوق العباد.
- * الغلول يمنع إطلاق اسم الشهادة على من غلَّ.
217
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن أَبي قَتَادَةَ الحارثِ بنِ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه عن رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنَّهُ قَام فِيهمْ، فذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهادَ فِي سبِيلِ الله، وَالإِيمانَ بالله أَفْضلُ الأَعْمالِ، فَقَامَ رَجلٌ فقال: يا رسول الله أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله، تُكَفَّرُ عنِّي خَطَايَايَ؟ فقال لَهُ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «نعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ الله وأَنْتَ صَابرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غيْرَ مُدْبرٍ» ثُمَّ قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كيْف قُلْتَ؟» قال: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيل الله، أَتُكَفَّرُ عنّي خَطَاياي؟ فقال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «نَعمْ وأَنْت صابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيْرَ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْن فَإِنَّ جِبْرِيلَ قال لِي ذلِكَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- صابر: محتمل لما يصيبه من مكروه في القتال؛ من جراح وغيرها.
- محتسب: مخلص لله تعالى يرجو الثواب منه.
- مقبل غير مدبر: أي لا يفرّ من الزحف.
فوائد الحديث
- * فضل الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى.
- * عظيم ثواب من يُقتل وهو مجتهد في مقارعة أعداء الله عز وجل.
- *الشهادة في سبيل الله بشروطها تُكفِّر الذنوب إلّا الدَّين وغيره من حقوق العباد إذا تمكّن من أدائها ولم يفعل.
- * التشديد في أمر الدَّيْن حثًّا للنّاس على المبادرة في أدائه لأصحابه وعدم المماطلة فيه.
- * أنّ الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البِرّ لا يكفّر حقوق الآدميين ، وإنّما يكفّر حقوق الله تعالى.
- * أنّ الأعمال لا تنفع إلّا بالنيّة والإخلاص لله تعالى .
218
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن أَبي هريرة رضي الله عنه، أَنّ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «أَتَدْرُون من الْمُفْلِسُ؟» قالُوا: الْمُفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ. فقال: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقيامةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وزَكَاةٍ، ويأْتِي وقَدْ شَتَمَ هذا، وقذَف هذَا وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسفَكَ دَم هذَا، وَضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذَا مِنْ حسَنَاتِهِ، وهَذا مِن حسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حسناته قَبْلَ أَنْ يقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرحَتْ علَيْه، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أتدرون: أتعلمون.
- متاع: كل ما يُنتفَع به من عروض الدنيا قليلها وكثيرها.
- شتم: سبّ.
- قذف: رمى بالزنى.
- أكل مال هذا: أخذه منه أو أتلفه بغير إذنه ورضاه.
- سفك: أراق.
- فنيَت: لم يَبقَ منها شيء.
فوائد الحديث
- * التحذير من الوقوع في المحرَّمات، وخاصة ما يتعلق بحقوق العباد المادية والمعنوية.
- * الوقوع في المحرَّمات، وخاصة ظلم الناس والاعتداء عليهم، يُفسِد الأعمال الصالحة ويضيع على الفاعل أجرها ونفعها يوم القيامة.
- * استعمال طريقة المحاورة والاستجواب التي تشوّق السامع وتلفت نظره وتثير اهتمامه، وخاصة في التربية والتوجيه.
219
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن أُمِّ سَلَمةَ رضي الله عنها، أَن رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض، فأَقْضِيَ لَهُ بِنحو ما أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- تختصمون: تتحاكمون وتترافعون إليّ لأقضي بينكم.
- ألحن: أفصح وأفطن وأعلم بأسلوب الإقناع وطرائقه، فيُزيِّن كلامه بما يجعل السامع يظن صدقه.
- بحجته: بدعواه.
- بنحو ما أسمع: أي بما يَظهر لي من الدلائل.
- قطعة من النار: أقطع له قطعة من النار، أي أُعطيه ما يكون سببًا لدخوله النار.
فوائد الحديث
- * بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنّه لا يعلم الغيب وبواطن الأمور إلّا ما يُطْلِعُه الله تعالى عليه بالوحي.
- * القاضي يقضي بين المتخاصمين حسب ما يثبت لديه من البينات والحجج، كالشهود واليمين وغيرها، ولا يقضي بينهما بعلمه أو بظنه.
- * قضاء القاضي وإن نَفَذَ ظاهرًا بحكم القاضي به فإنّه لا يُحلّ حرامًا ولا يُحرّم حلالًا.
- * من قُضي له بشيء وهو يعلم أنّه على غير حقّ لم يَجز له أخذه ولا الاستفادة منه وعُوقب عليه يوم القيامة.
220
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرامًا»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- فسحة: سعة ورجاء رحمة من الله تعالى.
- يصِب دمًا: أي يباشر القتل.
- دمًا حرامًا: قتلًا بغير حق.
فوائد الحديث
- * الوعيد لمن قتل مؤمنًا متعمدًا بغير حق.
221
باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم
عن خَوْلَةَ بِنْتِ عامِرٍ الأَنْصَارِيَّةِ، وَهِيَ امْرَأَةُ حمْزَةَ رضي اللهُ عنه وعنها، قالت: سمِعْتُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مالِ الله بِغَيْرِ حَـقٍّ فَلهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامةِ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- يتخوّضون: يتصرفون.
- مال الله: المراد أموال المسلمين العامة.
فوائد الحديث
- * التحذير من التصرف في أموال المسلمين العامة بالتشهي والباطل وفي المصالح الخاصة.
- * أن التصرف في أموال المسلمين بالباطل من الكبائر التي يُعاقَب عليها بالنار يوم القيامة.
- * حِرصُ الإسلام على الأموال العامة وتحذيره من الاعتداء عليها أو التصرف فيها بغير طريق مشروع.
- * المال عَصَب الحياة وسببٌ لقوة الأمة.
222
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أَبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الْمُؤْمنُ للْمُؤْمِن كَالْبُنْيَانِ يَشدُّ بعْضُهُ بَعْضًا»
وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِه. متفق عليه
فوائد الحديث
- * في الحديث تمثيل يفيد الحضَّ على معاونة المؤمن للمؤمن ونصرته.
- * المؤمن لا يستقلّ بأمر دنياه ودينه؛ بل لا بد له من معاونة أخيه المؤمن ومعاضدته، وإلا عجز عن تحمل مسؤولياته واختل نظام دنياه وآخرته.
- * الإسلام دين اجتماعي والفرد لَبِنة في بناء المجتمع وعليه أن يراعي حقوق الآخرين كما يحب أن تُراعى حقوقه.
223
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَن مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا، أَوْ أَسْوَاقِنَا، ومَعَه نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ، أَوْ لِيَقْبِضْ عَلَى نِصالِهَا بِكفِّهِ أَنْ يُصِيب أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- نَبل: سهم.
- النِّصال: الحديدة التي في رأس السهم.
فوائد الحديث
- * رحمة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وشفقته على المسلمين وحرصه على سلامتهم.
- *أدب حمل السلاح في الإسلام.
- * اجتناب كلّ ما يُخاف منه ضرر.
224
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن النُّعْمَانِ بنِ بشِيرٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَداعَى لهُ سائِرُ الْجسدِ بالسهَرِ والْحُمَّى»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- توادّهم: التوادد التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي والسلام.
- تعاطفهم: التعاطف إعانة بعضهم بعضاً.
فوائد الحديث
- * الحضّ على أن يرحم المؤمنون بعضهم بعضًا، وأن يمُدّوا يد العون والمساعدة بعضهم لبعض عند الشدائد والنوازل.
- * عندما تسود في المجتمع الرحمة والمحبة والتعاون، فإن هذا يوجد وحدة الشعور في الأفراح والأحزان.
225
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أَبي هُريْرَةَ رضي الله عنه قال: قبَّل النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم الْحسنَ بن عَليٍّ رضي الله عنهما، وَعِنْدَهُ الأَقْرعُ بْنُ حَابِسٍ، فقال الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشرةً مِنَ الْولَدِ ما قَبَّلتُ مِنْهُمْ أَحدًا فنَظَر إِلَيْهِ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: «مَن لا يَرْحمْ لا يُرْحَمْ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: " من لا يَرحم لا يُرحم " أي من لا يرحم غيره بأي نوع من أنواع الإحسان لا يحصل على من يرحمه.
- * من الرحمة والشفقة تقبيل الوالد لأولاده.
226
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قدِم ناسٌ مِن الأَعْرابِ عَلَى رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقالوا: أَتُقبِّلونَ صِبْيانَكُمْ؟ فقال: «نَعَمْ» قالوا: لَكِنَّا والله ما نُقَبِّلُ، فقال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَوَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ الله نَزعَ مِنْ قُلُوبِكُمُ الرَّحمَةَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الأعراب: هم سكان البادية ولا يقبِّلون الأطفال لما يغلب على طبعهم من الغِلظة والجفاء.
- الرحمة: هي التعطُّف والرِّقَّة.
فوائد الحديث
- * الرحمة غريزة في النفس الإنسانية أَوْدَعَها الله في قلوب عباده الرحماء.
227
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ لا يرْحَمِ النَّاسَ لا يرْحمْهُ الله»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * أن الرحمة مطلوبة لسائر المخلوقات حتى الدوابّ والبهائم، وإنما خصّ الناس في هذا الحديث بالذكر اهتمامًا بهم.
- * رحمة الله للنّاس بالرِّضا عنهم وإيصال النِّعم إليهم.
228
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِذا صلّى أَحدُكُمْ للنَّاسِ فلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسّقيمَ والْكَبِيرَ. وإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيطَوِّل ما شَاءَ» متفقٌ عليه. •وفي روايةٍ: «وذَا الحاجَةِ».
مفردات الحديث
- إذا صلّى أحدكم للنّاس: أي إذا صلّى إمامًا.
- الضعيف: في بدنه.
- السقيم: المريض.
- ذا الحاجة: صاحب حاجة يريد قضاءها بعد الصلاة.
فوائد الحديث
- * يكون تخفيف الإمام في الصلاة باقتصاره في القراءة مثلًا على أواسط المفصَّل وقِصار السور، وهذا في إمامته لعامّة الناس، وهو مندوب.
- * من كان إمامًا لنفسه أو لقوم معيّنين وهم راضون بالتطويل فلا بأس به.
- * يُسر الإسلام ورفع المشقّة والحرج عن المصلين.
229
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: «إِنْ كَان رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لَيَدَعُ الْعَمَلَ، وهُوَ يحِبُّ أَنْ يَعْملَ بِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لَيَدَع: لَيترك.
- خشية: خوف.
فوائد الحديث
- * حِرصُ النبي صلّى الله عليه وسلّم على التخفيف والتيسير على أمّته في الدِّين خوفًا من أن يُفرض عليهم ما لا يُطيقون فيعجزوا عنه.
- * المستحبّ من الأعمال إذا بُني على تركِه مصلحة شرعيّة كان تركُه أفضل.
230
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن عائشة رضي الله عنها قالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَن الْوِصَال رَحْمةً لهُم، فقالوا: إِنَّكَ تُواصلُ؟ قال: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُني رَبِّي ويَسْقِيني»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الوصال: هو أن لا يتناول الصائم شيئًا مُفطّرًا بين الصومين، وهو وصل صوم اليوم باليوم الذي بعده دون فطر أو سحور.
- يُطْعِمُني رَبِّي ويَسْقِيني: أي يجعَلُ فيَّ قُوَّةَ مَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ.
فوائد الحديث
- * النهي في الحديث للتحريم، فيَحرُم الوصال في الصوم، والحكمة في ذلك دفع الضعف والملل، والعجز عن المواظبة على بقية العبادات.
- * الوصال في الصوم من خصائص النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
- * للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خصائص في العبادات وغيرها وهو ما ورد الدليل فيه بأنّه خاص، أما ما لم يرد فيه دليل فالأصل أن نتأسى به فيه صلّى الله عليه وسلّم.
- * حسْبُ المسلمين أن يلتزموا ما أُمِروا به، ويَدَعوا ما نُهُوا عنه من غير زيادة ولا نقصان ففي ذلك الخير الكثير والفوز الكبير.
231
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أَبي قَتادَةَ الحارِثِ بنِ رِبْعيّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاةِ، وَأُرِيدُ أَنْ أُطَوِّل فِيها، فَأَسْمعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجوَّزَ فِي صلاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- فأتجوّز: أي أخفّف.
- أَشقّ: أُثقل.
فوائد الحديث
- * جواز إدخال الصبيّ المسجد.
- * شفقة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه ومراعاة أحوال الكبار والصغار منهم.
- * سماحة الإسلام ويسره بحيث يراعي حالات الناس وقدرتهم فلا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها.
- * على الأئمة والخطباء أن يقتدوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم كي لا يَملّ الناس ولتَحصل الفائدة لهم والرأفة بهم.
232
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن جُنْدبِ بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الله، فَلا يطْلُبنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ منْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدرِكْه، ثُمَّ يكُبُّهُ عَلَى وجْهِهِ في نَارِ جَهَنَّم»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- من صلى صلاة الصبح: أي صلاها جماعة في وقتها كما في رواية "من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله…".
- في ذمة الله: في عهده وأمانه وضمانه.
- يكبّه: يُلقيه ويَقلبه.
فوائد الحديث
- * خُصّت صلاة الصبح بهذه الأفضلية، لما فيها من الكُلفة والمشقّة، فالحرص عليها علامة على الإخلاص.
- * حماية الله تعالى لمن صلّى الصبح في جماعة في المسجد.
- * هذه الفضيلة تكون لمن صلّى الفجر مع الجماعة في المسجد، جمعًا بين الأحاديث، إلا للنّساء ولمن كان له عذرٌ يمنعه من شهودها جماعةً في المسجد.
- * ترك صلاة الصبح أو أداؤها بعد طلوع الشمس يعرّض العبد لنقض الذمّة والعهد الذي بينه وبين ربه.
- * فيه غاية التحذير من التعرض بسوء لمن صلى صلاة الصبح المستلزمة لصلاة بقيّة الخمس، وأنّ في التعرّض له بسوء غاية الإهانة والعذاب.
233
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يظْلِمُه، ولا يُسْلِمهُ، منْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حاجتِهِ، ومَنْ فَرَّج عنْ مُسْلِمٍ كُرْبةً فَرَّجَ اللهُ عنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يوْمِ الْقِيامَةِ، ومَنْ ستر مُسْلِمًا سَتَرهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا يَظلمه: أي لا ينقصه من ماله أو من حقِّه.
- لا يُسلمه: لا يتركه إلى عدوِّه أو إلى نفسه الأمّارة بالسوء أو إلى شيطانه.
- فرّج: أزال.
- كربة: همّ ومشقة.
فوائد الحديث
- * الحضّ على تنفيس كربة المسلم وستر عورته والإحسان إليه.
- * تحريم ظلم المسلم وتركه بين أيدي الظالمين.
- * السعي لقضاء حاجة المسلم والسعي لتفريج همّه عنه.
- * الإسلام يرعى حقوق المجتمع ويدعو إلى التكافل الاجتماعيّ في كل مظاهر الحياة الاجتماعية المادية والمعنوية.
234
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم لا يخُونُه ولا يَكْذِبُهُ ولا يخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حرامٌ عِرْضُهُ ومالُه ودمُهُ، التَّقْوَى هَهُنا، بِحسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخاهُ المسلم»
رواه الترمذيُّ وقال: حديث حسن
مفردات الحديث
- لا يخونه: أي لا ينقصه حقّه الّذي له عليه، بأن يكون أمينًا معه في كل ما يتطلب الأمانة.
- لا يَكذِبه: أي لا يخبره بأمر على خلاف الواقع.
- لا يخذله: أي لا يترك نصرته وعونه.
- عِرضه: أي حسَبه ومفاخر آبائه، فلا تُنتَهك بالسب والغيبة.
- بِحسْب: أي كافٍ.
فوائد الحديث
- * تحريم دمِ المسلم وماله وعرضه.
- * تحريم احتقار المسلم وهو من أعظم الذنوب، لأن للمسلم حرمة عند الله تعالى.
- * تحريم خِذلان المسلم أشدّ التحريم على من استطاع نصرة المظلوم ودفع ظالمِه عنه.
235
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَحاسَدُوا ولا تَناجَشُوا ولا تَباغَضُوا ولا تَدابَرُوا ولا يَبِعْ بعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ الله إِخْوانًا، المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم لا يَظلِمُه ولا يَحْقِرُهُ ولا يَخْذُلُهُ، التَّقْوَى هَهُنا -ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخاهُ المُسلم، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حرامٌ دمُهُ ومالُهُ وعِرْضُهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- لا تحاسدوا: أي لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد: كراهة رؤية النعمة على الآخرين سواء تمنى زوالها أو لم يتمنَّ، وقد انعقد الإجماع على قبحه.
- لا تناجشوا: والنَّجْش هو أَنْ يزِيدَ فِي ثَمنِ سلْعةٍ يُنَادَى عَلَيْهَا فِي السُّوقِ ونحْوهِ ولا رَغْبةَ لَه فِي شِرائهَا، بَلْ يقْصِد أَنْ يخدع ويَغُرَّ غَيْرَهُ، وهَذا حرام.
- لا تباغضوا: أي لا يبغض بعضكم بعضًا، وذلك بترك أسباب البغض.
- ولا تدابروا: أي لا تهاجروا، والتَّدابُرُ: أَنْ يُعرِض عنِ الإِنْسانِ ويهْجُرَهُ ويجعلَهُ كَالشَّيءِ الذي وراءَ الظهْر والدُّبُر.
فوائد الحديث
- * تحريم الحسد لما فيه من الاعتراض على الله تعالى والمعاندة له.
- * تحريم النجْش لما فيه من الخداع والغش.
- * تحريم الهجر وهو ترك الكلام أكثر من ثلاثة أيام إلا لعذر شرعيّ.
- * النهي عن البيع على البيع، وصورته أن يقول الرجل لمن اشترى سلعة في زمن خيار المجلس أو الشرط: افسخ بيعتك لأبيعك خيرًا منها بمثل ثمنها أو مثلها بأنقص، ومثله تحريم الشراء على الشراءِ.
- * الإسلام وحدة متكاملة في العقيدة والمعاملة والعبادة والأخلاق، ولا تغني إحداها عن الأخرى، وكلها تجتمع بكلمة التقوى، ومحلها القلب.
236
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أَنسٍ رضي الله عنه عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يُؤْمِنُ أَحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا يؤمن: أي لا يؤمن إيمانًا كاملًا.
- ما يحب لنفسه: من الطاعات والمباحات.
فوائد الحديث
- * المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة؛ فينبغي أن يحبَّ له ما يحبُّ لنفسه من حيث إنّهما نفس واحدة.
- * من الإيمان أيضًا أن يبغضَ المسلم لأخيه ما يبغضُ لنفسه من الشرّ.
- * الحض على التواضع ومحاسن الأخلاق.
- * الترغيب في محبة المسلمين بعضهم بعضًا وائتلافهم، لأن ذلك يؤدي إلى التعاضد والتناصر.
- * المراد بالحب في الحديث ليس الحب القلبي فقط وإنما الحب المقرون بحسن المعاملة والإيثار والوفاء والتضحية.
237
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فقَالَ رَجُلٌ: يَا رسول الله أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظلُومًا، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قال: «تَحْجُزُهُ -أَوْ تَمْنعُه- مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذلِك نَصْرُه»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- تحجزه: أي تمنعه وتجعل نفسك حاجزًا له.
فوائد الحديث
- * وجوب التعاون على البر والتقوى في كل حال، فالأُخُوَّة الحقيقيّة في الله إنّما أساسها التناصح.
- * النهي عن الظلم والحثّ على نصرة المظلوم.
- * نصرة الظالم تكون بردعه عن ظلمه، لأنّ الظالم مظلوم في نفسه.
238
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أَبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المرِيضِ، واتِّبَاعُ الْجنَائِزِ، وإِجابَةُ الدَّعوَةِ، وتَشمِيتُ العاطِسِ» متفق عليه. •وفي رواية لمسلمٍ: «حقُّ المُسْلمِ سِتٌّ: إِذا لقِيتَهُ فسلِّم عليْهِ، وإِذَا دَعاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لهُ، وإِذا عطَسَ فحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا ماتَ فَاتْبَعْهُ».
مفردات الحديث
- تشميت العاطس: الدعاء له بالخير والبركة، والثبات على طاعة الله تعالى.
- عيادة المريض: أي زيارته في مرضه.
- وإجابة الدعوة: إلى وليمة العرس أو نحوها.
- فاتْبَعهُ: المراد تشييع جنازته من محلها أو محل الصلاة إلى مكان دفنها.
فوائد الحديث
- *رد السلام فرض عين إذا كان المُسَلَّم عليه واحدًا، وفرض كفاية إذا كانوا جماعةً.
- * عدم رد السلام فيه احتقار للإنسان وزرع للضغائن وتوهّم للشرّ.
- * عيادة المريض سنة وقد تصل إلى الوجوب في حق ذوي الأرحام والجوار، ومن كان بحاجة إلى مساعدة ومواساة.
- * اتّباع الجنازة فرضُ كفاية، وهو تشييعها من محلها أو محل الصلاة إلى مكان دفنها.
- * إجابة الدعوة فيها تطييب لقلب الداعي، وهي من وسائل تنمية المحبّة.
- * تشميت العاطس بعد أن يحمد الله واجبٌ وجوبًا عينيًّا إن لم يكن في المجلس غيرك، وفرض كفاية على الجماعة، وهو من تبادل الدعاء بين المسلمين.
- * بذل النصيحة عند الطلب أو الحاجة إليها.
- * عظمة الإسلام في توثيق عُرَى الأخوّة والمحبة بين المسلمين.
239
باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
عن أَبي عُمارَة البَراءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنهما قال: أَمرَنا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِسَبْعٍ ونَهَانَا عن سَبْعٍ: أَمرنَا بِعِيادَة المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجنازةِ، وتَشْمِيتِ العاطِس، وَإِبْرارِ المُقْسِمِ، ونَصْرِ المظْلُومِ، وَإِجابَةِ الدَّاعِي، وإِفْشاءِ السَّلامِ. وَنَهانَا عَنْ خواتِيمَ أَوْ تَختُّمٍ بالذَّهَبِ، وَعنْ شُرْبٍ بالفِضَّةِ، وعَنِ المَيَاثِرِ الحُمْرِ، وَعَنِ القَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ.
متفق عليه. • وفي روايةٍ: وإِنْشَادِ الضَّالَّةِ فِي السَّبْعِ الأُوَل
مفردات الحديث
- إِبْرار المُقسِم: أي امتثال قَسم من أقسم عليك أن تفعل ما طلبه منك.
- المياثِرِ: وهِيَ جمْعُ مَيْثَرةٍ، وَهِي شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنْ حرِيرٍ وَيُحْشَى قُطْنًا أَوْ غَيْرَهُ ليجلس عَليهِ الرَّاكِب.
- والقَسِّيّ: وَهِيَ ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ حَرِيرٍ وكَتَّانٍ مُخْتَلِطَيْن.
- الإستبرق: الحرير الغليظ، أمّا الرقيق فيسمّى السُندس.
- الدِّيباج: الثياب المتّخَذة من الحرير.
- إنْشاد الضّالّة: أي الإعلان عن المفقودات وتَعْرِيفها ليتمكن صاحبها من الوصول إليها، وهو عمل خير مأمور به إلا في المسجد.
فوائد الحديث
- * نصرة المظلوم فرضٌ على من قدر عليه، ويكون نصره بردّ الحق إليه وأخذه له من ظالمه.
- * إبرار القسم خاصٌّ بما يحلُّ من المباحات ومكارم الأخلاق، فلو كان المحلوف عليه حرامًا فلا يَبرُ قسمَ الحالِف.
- * تحريم استعمال آنية الفضّة، وتحريم استعمال آنية الذهب من باب أولى.
- * تحريم التختّم بالذهب ولبس الحرير بكلّ أنواعه على الرجال دون النساء.
240
باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يسْتُرُ عَبْدٌ عبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- * أن جزاء من يستر عبدًا في الدنيا الستر يوم القيامة، فالجزاء من جنس العمل.
- * يكون سترُ اللهِ العبدَ يوم القيامة بمحو ذنوبه فلا يسأله عنها، أو يسأله من غير أن يُطْلِعَ على ذنوبه أحدًا ثم يعفو عنه.
- * تحريم تتبُّع عورات المسلمين ونشرها.
241
باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «كُلُّ أَمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجاهرينَ، وإِنَّ مِن المُجاهرةِ أَن يعمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عمَلًا، ثُمَّ يُصْبحَ وَقَدْ سَتَرهُ اللهُ عَلَيْهِ فَيقُولُ: يَا فلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ ربُّهُ، ويُصْبحُ يَكْشفُ سِتْرَ اللهِ عنه»
متفق عليه
مفردات الحديث
- إلا المجاهرين: المجاهرة بمعنى، الإعلان والإظهار، والمراد الذين أعلنوا وأظهروا معاصيهم وكشفوا ما ستر الله تعالى عليهم لغير ضرورة.
فوائد الحديث
- * عِظَم ذنب المجاهرين الذين يتقصّدون إظهار المعاصي.
- * في المجاهرة تهاون لستر الله عز وجل، وفي التستر مع التوبة الحصول على ستر الله تعالى.
- * الجهر بالمعصية يدل على الاستخفاف بحق الله ورسوله وصالحي المؤمنين.
- * في الجهر بالمعاصي اعتداء على الحرمات العامة واستخفاف بالدين.
- * يدخل في المجاهرة نشر الإنسان لصوره حال المعصية في الشبكات الاجتماعية وغيرها.
242
باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
عن أَبي هريرة رضي الله عنه، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذَا زَنَتِ الأمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، ولَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّانِيَةَ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، ولَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَلْيَبِعْهَا ولَو بحَبْلٍ مِن شَعَرٍ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- الأمَة: أي المملوكة الرقيقة التي تباع وتشترى. فَإِنَّمَا
- لا يثرّب عليها: أي لا يَزِد في الحدّ ولا يوبّخها؛ فلا يقول لها يا زانية، يا فاجرة.
فوائد الحديث
- * في هذا الحديث دليل على وجوب إقامة السيّد حدّ الزنى على الإماء والعبيد.
- * كل من أقيم عليه الحدّ لا يُعزَّر ولا يُوَبَّخ.
- * جواز بيع الشيء النفيس بثمن حقير إذا كان البائع عالمًا بقيمته.
- * البيع المأمور به مستحَبّ ليس بواجب عند الجمهور.
243
باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِرجلٍ قَدْ شرِب خَمْرًا قال: «اضْرِبُوهُ» قال أَبُو هُرَيْرةَ: فمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ والضَّارِبُ بِنَعْله، والضَّارِبُ بِثَوبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال بعْضُ الْقَومِ: أَخْزاكَ الله، قال صلّى الله عليه وسلّم: «لا تَقُولُوا هكَذا لا تُعِينُوا عليه الشَّيْطَان»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أخزاك الله: أي أذلّك الله وأهانك.
فوائد الحديث
- * الدعاء للعاصي بعد إقامة الحدّ عليه بالتوفيق للإقلاع التامّ عن المعصية والنجاة من الخذلان، وعدم الدعاء عليه لئلا يكون ذلك عونًا للشيطان عليه.
- * أسلوب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في توجيه العصاة بعدم تعييرهم أو سبّهم، مما يجعل ذلك أدْعى لتحبيبهم في ترك المعاصي.
- * وجوب الحدّ في شرب الخمر.
244
باب في قضاء حوائج المسلمين.
عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يظْلِمُه، ولا يُسْلِمهُ، منْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حاجتِهِ، ومَنْ فَرَّج عنْ مُسْلِمٍ كُرْبةً فَرَّجَ اللهُ عنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يوْمِ الْقِيامَةِ، ومَنْ ستر مُسْلِمًا سَتَرهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا يَظلمه: أي لا ينقصه من ماله أو من حقِّه.
- لا يُسلمه: لا يتركه إلى عدوِّه أو إلى نفسه الأمّارة بالسوء أو إلى شيطانه.
- فرّج: أزال.
- كربة: همّ ومشقة.
فوائد الحديث
- * الحضّ على تنفيس كربة المسلم وستر عورته والإحسان إليه.
- * تحريم ظلم المسلم وتركه بين أيدي الظالمين.
- * السعي لقضاء حاجة المسلم والسعي لتفريج همّه عنه.
- * الإسلام يرعى حقوق المجتمع ويدعو إلى التكافل الاجتماعيّ في كل مظاهر الحياة الاجتماعية المادية والمعنوية.
245
باب في قضاء حوائج المسلمين.
عن أَبي هريرة رضي الله عنهُ، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «من نَفَّس عن مؤمن كُرْبةً منْ كُرب الدُّنْيا، نفَّسَ الله عنْه كُرْبةً منْ كُرَبِ يومِ الْقِيامَةِ، ومنْ يسَّرَ على مُعْسرٍ يسَّرَ اللهُ عليْه في الدُّنْيَا والآخِرةِ، ومَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَترهُ اللهُ فِي الدنْيا والآخرة، واللهُ فِي عوْنِ العبْدِ ما كانَ العبْدُ في عوْنِ أَخيهِ، ومَنْ سلكَ طَريقًا يلْتَمسُ فيهِ عِلْمًا سهَّلَ اللهُ لهُ طريقًا إلى الجنَّة، وما اجْتَمَعَ قوْمٌ فِي بيْتٍ منْ بُيُوتِ اللهِ تعالَى، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، ويَتَدارَسُونَهُ بيْنَهُمْ إلَّا نَزَلَتْ عليهمُ السَّكِينَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمةُ، وحفَّتْهُمُ الملائكَةُ، وذكَرَهُمُ اللهُ فيمَنْ عندَه، ومَنْ بَطَّأَ به عَملُهُ لَمْ يُسرعْ به نَسَبُه»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- نفّس: فرَّج وأزال وخفّف.
- يسّر على معسر: أي سهّل على فقير بإبراءٍ أو هبةٍ أو إنظارٍ إذا كان عليه دين، لقول الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: ٢٨٠].
- يلتمس: يطلب ويبحث.
- علمًا: العلم الشرعيّ بدين الله ويلحق به كل علم فيه نفع للمسلمين إذا قصد به إرضاء الله تعالى.
- السكينة: الطمأنينة، وهي الحالة التي يطمئن بها القلب.
- بطّأ: أخّره عن رتبة الكمال.
فوائد الحديث
- * الحضّ على التعاون وحُسن المعاشرة وقضاء حوائج المسلمين.
- * فضل التيسير على المعسر وإنظاره.
- * عظيم فضل السعي في طلب العلم.
- * الترغيب في الاجتماع لتدارس القرآن الكريم وتلاوته.
- * إنّما تُنال السعادة بالأعمال لا بالأحساب والأنساب.
- يلتمس: يطلب ويبحث.
- علمًا: العلم الشرعيّ بدين الله ويلحق به كل علم فيه نفع للمسلمين إذا قصد به إرضاء الله تعالى.
- السكينة: الطمأنينة، وهي الحالة التي يطمئن بها القلب.
- بطّأ: أخّره عن رتبة الكمال.
246
باب الشفاعة
عن أَبي موسى الأَشعري رضي الله عنه قال: كان النّبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذَا أَتَاهُ طالِبُ حاجةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلسائِهِ فقال: «اشْفَعُوا تُؤجَرُوا ويَقْضِي الله عَلَى لِسانِ نَبِيِّهِ ما أَحبَّ»
متفق عليه. • وفي رواية: «مَا شَاءَ»
مفردات الحديث
- الشفاعة: هي التَّوسُّط ابتغاء وجه الله تعالى في جلْب نفع للناس، أو دفْع ضُرٍّ عنهم، في غير معصية لله تعالى ولا في حدّ من حدوده بعد أن يبلُغَ الفعلُ الموجبُ للحدِّ الإمامَ.
- يقضي الله على لسان نبيه ما أحبّ: المراد أن أجر شفاعتكم ثابت سواء أخذ بها صلى الله عليه وسلم، أو بدا له أمر آخر جعله لا يأخذ بها، فلا تترددوا في بذل الشفاعة.
فوائد الحديث
- * الترغيبُ في الشفاعةِ واستحبابُها لأصحاب الحوائج المباحة لِمَا فيها من الأجر سواء قُضِيت الحاجة أم لا.
- * الساعي في قضاء الحاجات مأجور على كل حال وإن خاب سعيه.
- * يُستثنى من عموم الحديث (من خلال أحاديث أخرى) الشفاعةُ في حدودِ الله تعالى إذا وصل إلى الحاكمِ أمرُ ما يوجبُ الحدّ، فلا تجوز الشفاعةُ في هذه الحال ولا أجرَ فيها.
247
باب الشفاعة
عن ابن عباس رضي الله عنهما في قِصَّةِ برِيرَةَ وزَوْجِها. قال: قال لَهَا النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَوْ راجَعْتِهِ؟» قَالتَ: يا رَسُولَ اللهِ تأْمُرُنِي؟ قال: «إِنَّما أَشـْفعُ»
قَالَتْ: لا حاجَةَ لِي فِيهِ. رواه البخاري
مفردات الحديث
- بَرِيرَة: هي امرأة كانت مملوكة فاشترتها السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأعتقتها.
- زوجها: اسمه مغيث، وكان متزوجًا بها قبل أن تعتقها السيدة عائشة رضي الله عنها، فلما أصبحت حُرَّة خيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تستمر زوجةً لمغيث وأن تفارقه، والحُكم الشرعيّ أنّ من أصبحت حرّة تخيَّر.
- لو راجَعْتِهِ؟: أي قبلتِ بالعودة لتكوني زوجة له بعد فراقكِ له، وهو أسلوب المقصود منه تشجيعها على الفعل، فكأنه يقول لو راجعتِه لكان أحسن في نظري.
- تأمرني؟: أي هل تأمرني بمراجعته على سبيل الوجوب.
- لا حاجةَ لي فيه: أي لا غرضَ لي ولا رغبةَ أن أعود لأكون زوجة له.
فوائد الحديث
- * شفقته صلّى الله عليه وسلّم على المسلمين وعنايته بأحوالهم الاجتماعية والنفسية واستخدامُه شفاعتَه في ذلك.
- * جواز استشفاع الإمام والعالم والخليفة في حوائج الرعيّة.
- * أن الأَمَة إذا عُتِقَت وكانت متزوجةً فلها الخيار في مفارقة زوجها أو البقاء معه.
- * الإسلام يراعي الحقوق الشخصية والحرية التي يعبِّر الفرد من خلالها عن كامل إرادته من غير إكراه.
- * أن بَريرة سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هل هو أمر منه، لأنه لو كان أمرًا نبويًّا لسارعت إلى تطبيقه وإن كان على خلاف رغبتها.
248
باب الإصلاح بين الناس.
عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كُلُّ سُلامى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ؛ تَعْدِلُ بين الاثْنَيْنِ صَدقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صدقَةٌ، وبكُلِّ خَطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدقَةٌ، وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- كلُّ سُلامَى: كل مَفصِل.
- تعدِل: تفصِل بين متخاصمَين وتحكم بينهما بالعدل.
- متاعَه: ما ينتفع به من طعام ولباس...
- الكلمة الطيِّبة: التي تَسُرُّ السامع وتُؤَلِّف القلوب.
- تُميط الأذى: تُزيل كل ما يُؤذي المارَّة.
فوائد الحديث
- * هذا الحديث قاعدة من قواعد الدين الحنيف؛ إذ يبيـِّن أن الأعمال الصالحة لا تقتصر على الإنسان نفسه، بل كل عمل فيه نصح للناس فيه أجر.
- *الحث على الإصلاح بين الناس بالعدل ومعاملتهم بالأخلاق الكريمة.
- * فضل المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد.
- * أن هذه الأعمال لها من الأجر والثواب ما يساوي أجر الصدقة لمن عجز عنها ومثلها لمن جمع بينها وهو قادر عليها.
- * التقرب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات ومختلف المبرّات مع الشكر على نِعمه.
- * للبدن زكاة، كما أن للمال زكاة.
249
باب الإصلاح بين الناس.
عن أُمِّ كُلْثُومٍ بنتِ عُقْبَةَ بن أَبي مُعَيْطٍ رضي الله عنها قالت: سمِعْتُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا» متفق عليه. • وفي رواية مسلمٍ زيادة، قالت: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُهُ النَّاسُ إِلَّا في ثَلاثٍ؛ تَعْنِي: الحَرْبَ، وَالإِصْلاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَديثَ المَرْأَةِ زَوْجَهَا.
مفردات الحديث
- يَنمي: يُبلِغ خيرًا، يقال: نَمَى الحديثَ إذا بلَّغه على وجه الإصلاح، ونمَّى بالتشديد إذا بلَّغه على وجه الإفساد.
- يرخِّص: يجوِّز.
- حديث الرجل امرأته: كأن يقول: لا أحدَ أحبُّ إليَّ منك، وتقول له ذلك.
فوائد الحديث
- * جواز الكذب في الإصلاح بين الناس مثل أن تنقل لكل طرف من المتخاصمين ما يجعله يخفف من خصومته، وتجويز الكذب دليل على شدّة أهمية الإصلاح.
- * الكذب حرام من حيث الأصل، وإنما أبيح على سبيل الترخيص في هذه الأمور الثلاثة، لِعِظَم المصلحة المترتبة على ذلك.
- * قد يكون الكذب واجبًا أحيانًا إذا ترتب عليه حفظ إنسان من التلف.
250
باب الإصلاح بين الناس.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمِع رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم صَوْتَ خُصُومٍ بالْبَابِ عَالِيَة أَصْواتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شيءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: واللهِ لا أَفعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: «أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟»
فقال: أَنَا يَا رسولَ اللهِ، فَلهُ أَيُّ ذلِكَ أَحَبَّ. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يَسْتَوْضِعُ الآخر: أي يَسْأَله أَنْ يَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ دَينِهِ.
- َيَسْتَرفِقُهُ: يَسْأَلَهُ الرِّفْقَ.
- الْمُتَأَلِّي: الحَالِف.
- له أيُّ ذلك أحبَّ: أي له أن يختار الأفضل له؛ الرفق به بالتأجيل، أو إسقاط شيء من الدَّين عنه.
فوائد الحديث
- * الحضّ على الرفق بالغريم والإحسان إليه بالوضع عنه.
- * الزجر عن الحلف على ترك الخير، والسعي للإصلاح بين المتخاصمين.
- * الشفاعة إلى أصحاب الحقوق، وقبول الشفاعة في الخير.
251
باب الإصلاح بين الناس.
عن أَبي العباس سهلِ بنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي اللهُ عنه، أَنّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بلَغَهُ أَنَّ بَني عَمْرِو بن عوْفٍ كان بيْنهُمْ شَرٌّ، فَخَرَجَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُصْلِحُ بَيْنَهمْ فِي أُنَاسٍ مَعَه، فَحُبِسَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَجَاءَ بِلالٌ إِلَى أَبي بَكْرٍ رضي اللهُ عنهما فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَدْ حُبِسَ، وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَهَلْ لكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاس؟ قال: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ، وَتقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبَّرَ وكبَّرَ النَّاسُ، وَجَاءَ رسول اللهِ صلَّى الله عليه وسلّم يمْشِي في الصُّفوفِ حتَّى قامَ في الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ، وكَانَ أَبُو بَكْر رضي الله عنه لا يَلْتَفِتُ فِي صلاتِهِ، فَلَمَّا أَكَثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَإِذَا رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَأَشَار إِلَيْهِ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَرَفَعَ أَبْو بَكْر رضي الله عنه يدَهُ فَحمِدَ اللهَ، وَرَجَعَ القَهْقَرى وَراءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَتَقدَّمَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَصَلَّى للنَّاسِ، فَلَمَّا فرغَ أَقْبلَ عَلَى النَّاسِ فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ ما لَكُمْ حِين نَابَكُمْ شَيْءٌ في الصَّلاَةِ أَخذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ؟ إِنَّما التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، منْ نَابَهُ شيءٌ فِي صلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، فَإِنَّهُ لا يَسْمعُهُ أَحدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحانَ اللهِ، إِلَّا الْتَفَتَ. يَا أَبَا بَكْرٍ: ما منعَك أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ حِينَ أَشرْتُ إِلَيْكَ؟» فقال أَبُو بكْر: مَا كَانَ ينبَغِي لابْنِ أَبي قُحافَةَ أَنْ يُصلِّيَ بِالنَّاسِ بَيْنَ يَدَيْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- بنو عمرو بن عوف: فرع كبير من الأوس، كانت منازلُهم بقُباء.
- شَرّ: قتال وصراع.
- حُبِس: أي أَمْسَكُوهُ لِيُضيِّفُوه.
- حانت الصلاة: أي دخل وقتها.
- القهقرى: المشي إلى الخلف.
- نابكم : أصابكم.
فوائد الحديث
- * المسارعة إلى الإصلاح بين الناس لحسم أسباب الخلاف والقطيعة بينهم، وتوجُّه ولي الأمر بنفسه إلى ذلك.
- * جواز الحمد والتسبيح في الصلاة ورفع اليدين عند الدعاء.
- * فضل أبي بكر رضي الله عنه.
- * جواز الصلاة الواحدة بإمامين أحدهما بعد الآخر.
- * جواز التسبيح في الصلاة إذا حدث فيها ما يوجب تنبيه الإمام.
- * جواز الالتفات في الصلاة للحاجة.
- * جواز الحركة في الصلاة إذا لم تكثر.
- * مخاطبة المصلي بالإشارة أَوْلى من مخاطبته بالعبارة.
252
باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين.
عن حَارِثَة بنِ وَهْبٍ رضي اللهُ عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعيفٍ مُتَضَعَّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأبَرَّه، أَلا أُخْبِرُكُمْ بَأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- بأهل الجنّة: أي بسِماتِهم وأفعالِهم لتقتدوا بهم، والمراد معظم أهلها.
- ضَعيفٍ: رقيق القلب، خاضع لله ذليل له.
- مُتَضَعَّفٍ: متواضع متذلِّل يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه.
- لَوْ أَقْسَم عَلَى الله: أي لو حلف يمينًا طمعًا في كرم الله تعالى بإبراره.
- لأبَرَّه: لأجابه إلى ما أقسم عليه، أي أعطاه الله ما يريد.
- بأهل النار: المراد معظم أهلها لا كلهم.
- عُتلّ: أي الْغَلِيظُ الجافِي.
- جَوَّاظ: أي هُو الجَمُوعُ المَنُوعُ، وَقِيلَ: الضَّخْمُ المُخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ، وقيلَ: الْقَصِيرُ الْبَطِين.
فوائد الحديث
- * النهي عن الغلظة والخُيَلاء.
- * استحباب التواضع والتذلل للمسلمين.
253
باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين.
عن أَبي العبّاسِ سهلِ بنِ سعدٍ الساعِدِيِّ رضي الله عنه قال: مَرَّ رجُلٌ على النَبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: «ما رَأْيُكَ فِي هَذَا؟» فقال: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هذا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. فَسَكَتَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فقال له رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا رأُيُكَ فِي هذَا؟» فقال: يا رسولَ اللهِ هذا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هذَا حَرِيٌّ إِنْ خطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فقال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «هذَا خَيْرٌ منْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْل هذَا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يُشَفّع: أي تُقْبل شفاعته.
- هذا خير: أي الذي احتقرتموه لفقرِه أفضل عند الله تعالى.
- من ملء الأرض مثل هذا: أي الذي فضّلتموه عليه.
فوائد الحديث
- * التحذير من الاستهانة بالفقراء.
- * أنّ العبرة بتقوى الإنسان في تفضيله عند ربّه لا بنسبه وشرفه في قومه.
- * لا يلزم من ثبوت أفضليّة فقير على غنيّ أفضليّة كلّ فقير على كلّ غنيّ، فالتفضيل في الحديث خاصّ بهذا الفقير على ذاك الغنيّ، لا عامّ.
- * الترغيب في تزويج الصالحين ولو كانوا فقراء، لأنّهم الأكفاء في الدِّين.
- * أنّ السيادة لمجرّد حيازة الدنيا لا قيمة لها عند الله تعالى.
- * من فاته حظّه من الدنيا أمكنه الاستعاضة عنه بالأعمال الصالحة والتقوى.
254
باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين.
عن أَبي سعيدٍ الخدريّ رضي اللهُ عنه عن النّبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «احْتجَّتِ الجنَّةُ والنَّارُ فقالت النَّارُ: فيَّ الجبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ، وقَالتِ الجَنَّةُ: فيَّ ضُعفَاءُ النَّاسِ ومسَاكِينُهُم، فَقَضَى اللهُ بَيْنَهُما: إِنَّكِ الجنَّةُ رحْمتِي أَرْحَمُ بِكِ مَـنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذابِي أُعذِّبُ بِكِ مَــنْ أَشَاءُ، ولِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلؤُها»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- احتجّت: أي تخاصمت وأقامت كل واحدة منهما الحُجّة على الأخرى.
- فِيَّ: أي يَدخُلني.
- الجبارون: الذين يتجبرون على الناس ويقهرونهم.
- ضعفاء الناس: المتواضعون منهم، أو المستضعَفون لفقرهم.
- مساكينهم: المحتاجون.
- لكليكما عليّ ملؤها: أي لكل من الجنة والنار ما يملؤها.
فوائد الحديث
- * أن الله تعالى شاء أن يترك الناس أحرارًا يختار كلٌّ العمل الذي يريده بعد أن بيّن لهم طريق الحقّ من الباطل، وقد علم سبحانه أن فريقًا سيختار طريق الشرّ ويكون مصيره النار فيملؤها، وأن فريقًا سيختار طريق الخير فيكون مصيره الجنّة فيملؤها.
- * بشارة المؤمنين المستضعَفين بالجنّة، ووعيد المتكبّرين والجبّارين بالنار.
- * المقصود من الضعفاء المساكين الذين سلمت فطرتُهم من المكر أو الخداع، ولا يسلكون طرق الشرّ، وليس المقصود المتظاهرين بالضعف والمسكنة لاستجرار عطف الناس عليهم وهم أهل حيلة ومكر وخداع.
255
باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين.
عن أَبي هريرة رضي اللهُ عنه عن رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّهُ لَيأتِي الرَّجُلُ السَّمِينُ العظِيمُ يَوْمَ الْقِيامةِ لا يزنُ عِنْدَ اللهِ جنَاحَ بعُوضَةٍ»
متفقٌ عَلَيه
فوائد الحديث
- * أنّ قيمة الإنسان بعمله لا بشكله وجسمه.
- * على المسلم أن يهتم بإصلاح قلبه وعمله قبل اعتنائه بمظهره، فالعبرة بالقلوب والأعمال لا المظاهر والأجسام.
- * أنّ أعمال العباد توزن يوم القيامة.
256
باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أَنَّ امْرأَةً سَوْداءَ كَانَتَ تَقُمُّ المسْجِدَ -أَوْ شَابًّا- فَفقَدَهَا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عنْهُ، فقالوا: مات. قال: «أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا -أَوْ أَمْرَهُ- فقال: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِا» فدلُّوهُ فَصلَّى عَلَيها، ثُمَّ قال : «إِنَّ هذِهِ الْقُبُورَ مملُوءَةٌ ظُلْمةً عَلَى أَهْلِهَا، وإِنَّ اللهَ تعالى يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بصَلاتِي عَلَيْهِمْ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- تَقُمُّ: أَي تَكنُسُ المسجد، وتلتقط الخرق والعيدان منه.
- آذَنْتُمونِي: أَعْلَمتُمُونِي.
- صغَّروا أمرها : هوَّنوا من شأنها، لأنّها ليست من مشاهير الصحابة.
- مملُوءَةٌ ظُلْمةً: لأنها لا نورَ فيها إلّا بالأعمال الصالحة والشفاعات والدعوات.
فوائد الحديث
- * فضل تنظيف المساجد والعناية بها.
- * تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وسؤاله عن الخادم والصديق.
- * الترغيب في شهود جنائز أهل الخير.
- * مشروعية إعادة صلاة الجنازة لمن لم يصلِّ عليها ولو بعد الدفن عند القبر.
257
باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين.
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «رُبَّ أَشْعَثَ أغبرَ مدْفُوعٍ بالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسمَ عَلَى اللهِ لأَبرَّهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- رُبَّ: كلمة المراد منها بيان كثرة وجود هذا النوع، وقد تستخدم في التقليل.
- أشعث: هو مَن تَشابَكَ شعره وساءَ مَنْظرُه.
- أغبر: يعلوه الغبار، والمراد رثُّ الهيئة والملبس.
- مدفوع بالأبواب: يطرده الناس إذا طرق أبوابهم لفقره ورَثاثته.
- لو أقسم على الله: لو حلف يمينًا محسنًا ظنهُ بالله على حصول أمر.
- لأبره: لأجابه، وأعطاه ما حلف عليه.
فوائد الحديث
- * أن الله لا ينظر إلى مظهر العبد ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال.
- * على الإنسان أن يعتني بعمله وطهارة قلبه أكثر من عنايته بجسمه وملبسه.
- * ميزان المرء بالأعمال لا بالمظاهر والأنساب والأموال.
258
باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين.
عن أُسامَةَ رضي اللهُ عنه، عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «قُمْتُ عَلَى بابِ الْجنَّةِ، فَإِذَا عامَّةُ مَنْ دخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وأَصْحابُ الجَدِّ محْبُوسُونَ، غيْرَ أَنَّ أَصْحابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ. وقُمْتُ عَلَى بابِ النَّارِ فَإِذَا عامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- عامة من دخلها: أي أغلب وأكثر.
- الجَدّ: الحظُّ والغِنى.
- محْبُوسُونَ: أي لَمْ يُؤذَنْ لهُمْ بَعْدُ فِي دُخُول الجَنَّةِ.
فوائد الحديث
- * إخبار النبي صلّى اللهُ عليه وسلّم عن المُغيَّبات كأحوال أهل الجنة وأهل النار.
- * أغلب أهل الجنّة يوم القيامة هم المساكين أصحاب الأعمال الصالحة.
- * المقصود بالنساء هنا: اللواتي يعصين الله تعالى، ولا يؤدين حقوقه سبحانه، ويُنكرن الجميل والإحسان.
- * المراد بالمساكين من أهل الجنة الذين كانوا مستضعفين مع الصلاح والتقوى والتزام شرع الله تعالى.
- * المراد بأهل النار أصحاب الجَدّ الأغنياء وأهل البطر الذين طغَوا وعصَوا أوامر الله تعالى.
- * العبرة بالأعمال الصالحة لا بالجاه والمال.
259
باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين.
عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المَهْدِ إِلَّا ثَلاثَةٌ: عِيسى ابْنُ مرْيَمَ، وصَاحِب جُرَيْجٍ وكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلاً عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعةً فكانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهَو يُصلِّي فَقَالَتْ: يا جُرَيْجُ، فقال: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي، فَأَقْبلَ عَلَى صلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وهُو يُصَلِّي، فقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فقال: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَد أَتَتْهُ وَهُو يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فقال: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ، فَقَالَتْ: اللهُمَّ لا تُمِتْه حَتَّى ينْظُرَ إِلَى وُجُوه المومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتتْ رَاعِيًا كَانَ يَأَوي إِلَى صوْمعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِها فَوقَع علَيْهَا. فَحملَتْ، فَلَمَّا وَلدتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فاسْتَنْزَلُوه وهدَمُوا صوْمعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونهُ، فقال: ما شَأْنُكُمْ؟ قالوا: زَنَيْتَ بِهذِهِ البَغِيِّ فَولَدَتْ مِنْك. قال: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجاؤوا بِهِ فقال: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وقالَ: يا غُلامُ مَنْ أَبُوكَ؟ قال: فُلانٌ الرَّاعِي، فَأَقْبَلُوا علَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قال: لا، أَعيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا. وَبَيْنَا صَبِيٌّ يرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ فَقالت أُمُّهُ: اللهُمَّ اجْعَل ابْنِي مثْلَ هذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فقال: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعلَ يَرْتَضِعُ» فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِأُصْبُعِه السَّبَّابَةِ فِي فِيهِ، فَجَعلَ يَمُصُّهَا، قال: «وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ سَرَقْتِ، وَهِي تَقُولُ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوكِيلُ. فقالت أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فقال: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَهُنَالِكَ تَرَاجَعَا الحَدِيثَ فقالَت: مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلنِي مِثْلَهُ، وَمَرُّوا بِهذِهِ الأَمَةِ وَهُم يَضْرِبُونَهُا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ سَرَقْتِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا! قَالَ: إِنَّ ذلِكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا فَقُلتُ: اللَّهُمَّ لا تجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وإِنَّ هذِهِ يَقُولُونَ لها زَنَيْتِ، وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرقْتِ، وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا»
متفق عليه
مفردات الحديث
- إلا ثلاثة: أي من بني إسرائيل، وإلا فقد تكلم غيرهم، كما جاء في صحيح مسلم كلام الصبي لأمه حين ترددت في قصة أصحاب الأخدود.
- صومعة: بناء مرتفع يتعبد فيه الرهبان.
- المُومِسَات: وهُنَّ الزَّوانِي.
- بغِيّ: زانية.
- يُتمثل بحسنها: يُضرَب المثل بحسنها.
- فاستنزلوه: طلبوا منه النزول.
- دابَّةً فَارِهَة: أَي حاذِقَةٌ نَفِيسةٌ.
- الشَّارَةُ: هِي الجمالُ الظَّاهِرُ فِي الهيْئَةِ والملْبسِ.
- حسبي الله: أي كافيني الله، وهي جملة قالتها الجارية للتبرُّؤ مما اتهموها به.
- هنالك تَراجَعا الحديث: المراد في هذا الحال سألت الأم طفلها الرضيع عن سبب مخالفته لها أَي حدَّثَتِ الصَّبِيَّ وحدَّثَهَا.
فوائد الحديث
- * إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع؛ لأن الاستمرارَ فيها نافلة، وإجابةَ الأمِّ وبرَّها واجب.
- * ثبوت الكرامة للصالحين من الرجال والنساء وثبوت المعجزة للأنبياء.
- * فضل بر الوالدين.
- *المؤمن مُعرَّض للابتلاء فعليه أن يصبر ويثبت على الحق.
- * إيثار التشبه بالصالحين والضعفاء منهم وترك التشبه بأصحاب الجاه والغنى مع فساد أعمالهم.
260
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن سعد بن أَبي وَقَّاص رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم سِتَّةَ نفَر، فقال المُشْرِكُونَ للنَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: اطْرُدْ هؤُلاءِ لا يَجْتَرِئُون علَيْنا، وكُنْتُ أَنا وابْنُ مسْعُودٍ ورجُل مِنْ هُذَيْلٍ وبِلال ورجُلانِ لَستُ أُسمِّيهِما، فَوقَعَ في نَفْسِ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ما شاءَ اللهُ أَن يقعَ فحدَّثَ نفْسَهُ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى: ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُون رَبَّهُمْ بالْغَداةِ والعَشِيِّ يُريدُونَ وجْهَهُ [ الأنعام: ٥٢ ]
رواه مسلم
مفردات الحديث
- وقع في نفْس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما شاء الله أن يقع: أي حصل ميل لتنفيذ طلب المشركين بتأخير بعض أصحابه لحين الانتهاء من الكلام مع أئمة الشرك، طمعًا في إسلامهم وإسلام قومهم تبعًا لهم.
فوائد الحديث
- * الفقراء والضعفاء كانوا أول من اعتنق الإسلام وصدق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم دائمًا أتباع الأنبياء.
- * يجب احترام الصالحين واجتناب ما يغضبهم ويؤذيهم، وإنَّ في إيذائهم وإغضابهم غضب الله.
- * يجب أن يكون احترام الناس وتقديرهم لدينهم وإيمانهم لا لمالهم وجاههم.
- * المساواة في القيمة الإنسانية مبدأ إسلامي طُبِّق عمليًّا منذ الأيام الأولى من دعوة الإسلام.
- * الإسلام دين الله تعالى لجميع الناس، ولا فضلَ لأحد على آخَر بمال أو جاه إلا بالتقوى والعمل الصالح.
- * اهتمامُ أهل الدنيا بالمظاهر وأنفتُهم واحتقارُهم للفقراء.
261
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن أَبي هُبَيْرَةَ عائِذِ بن عَمْرٍو المزَنِيِّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بيْعةِ الرِّضوانِ رضي الله عنه، أَنَّ أَبا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سلْمَانَ وصُهَيْبٍ وبلالٍ في نفَرٍ فقالوا: ما أَخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِنْ عدُوِّ اللهِ مَأْخَذَهَا، فقال أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَتَقُولُونَ هذَا لِشَيْخِ قُريْشٍ وَسيِّدِهِمْ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَأَخْبَرَهُ فقال: «يا أَبَا بَكْرٍ لَعلَّكَ أَغْضَبْتَهُم؟ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبتَ رَبَّكَ؟»
فأَتَاهُمْ فقال: يا إِخْوتَاهُ آغْضَبْتُكُمْ؟ قالوا: لا، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يا أُخَيَّ. رواه مسلم
فوائد الحديث
- * طلب محبة المؤمنين والتلطف بهم.
- * فضل المذكورين في الحديث ورتبتهم، وهم سلمان وصهيب وبلال.
- *الإخوة في الله شأنهم التسامح والصفح، ويحملون كلام بعضهم على أحسن المحامل.
- * جواز التنديد بالمشركين وتهديدهم لإلقاء الرعب في قلوبهم.
262
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن سهلِ بن سعدٍ رضي اللهُ عنه قال: قال رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَنَا وكافلُ الْيتِيمِ في الجنَّةِ هكَذَا»
وأَشَار بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وفَرَّجَ بَيْنَهُمَا. رواه البخاري
مفردات الحديث
- اليتيم: الصغير الذي مات أبوه.
- السبّابة: الأُصبَع التي تلي الإبهام، قيل: سميت بذلك لأنها تُستخدَم في السبِّ.
- فرَّج بينهما: فرَّق بين الأصبعين إشارةً إلى أنّ بين درجة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الجنة وكافل اليتيم قدرَ تفاوتِ ما بينَ السبابةِ والوسطى، وجاء في رواية: " كهاتين إذا اتقى ": أي إذا اتقى الله فيما يتعلق بحق اليتيم.
فوائد الحديث
- * الترغيب في القيام بأمور اليتيم والمحافظة على أمواله.
- * أن من يكفل اليتيم يكون رفيقَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الجنة، ولا منزلةَ في الآخرةِ أفضل من ذلك.
263
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن أَبي هريرة رضي اللهُ عنه قال: قال رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كَافِلُ الْيتيمِ لَهُ أَوْ لِغَيرِهِ أَنَا وهُوَ كهَاتَيْنِ في الجَنَّةِ»
وَأَشَارَ الرَّاوي وهُو مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بِالسَّبَّابةِ والْوُسْطى. رواه مسلم
فوائد الحديث
- * فضيلة كفالة اليتيم.
- * أن التكافل الاجتماعي لا يقتصر على ذوي القرابة، وإنما يشمل كل من به فاقة أو ضعف أو يُتمٌ كما بيّن الحديث.
264
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذي تَرُدُّهُ التَّمْرةُ وَالتَّمْرتَانِ، ولا اللُّقْمةُ واللُّقْمتانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الذي يَتَعَفَّفُ» متفقٌ عليه. • وفي رواية في الصحيحين: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذي يطُوفُ علَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمةُ واللُّقْمتَان، وَالتَّمْرةُ وَالتَّمْرتَانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ الذي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيه، وَلا يُفْطَنُ بِهِ فيُتَصَدَّقَ عَلَيهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ».
مفردات الحديث
- المِسكِين: الّذي لا شيءَ له يكفي عياله، وقيل الّذي أسكنه الفقر، أي قلَّل حركته.
- يتعفف: لا يسأل الناس مُساعدتَه مع شدّة حاجتِه.
- لا يُفطَن: لا يُعلَم احتياجُه ولا يُنتبَه له لتعفّفه.
فوائد الحديث
- * نفى صلى الله عليه وسلم المسكنة عن السائل الطوَّاف لأنه تأتيه الكفاية، وقد تأتيه الزكاة زيادة عليها فتزول خصاصته ويسقط اسم المسكنة عنه، وإنما تدوم الحاجة والمسكنة فيمن لا يسأل ولا يُعطف عليه فيعطى.
- * ذم سؤال الناس والتسول منهم.
- * الحض على التعفّف، قال تعالى في مدح من هذا شأنه : يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ.
- * ظاهرة التسوُّل والتظاهر بالمسكنة والاستجداء مع الإلحاح ليست من الإسلام في شيء، والأَولى بأصحاب الأموال من المسلمين أن يدفعوا صدقاتهم إلى المستحقين ويمنعوها عن هؤلاء المتظاهرين بالمسكنة ومحترفي الاستجداء.
265
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «السَّاعِي علَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ كَالمُجاهِدِ في سبيلِ الله» وأَحْسَبُهُ قال: «وَكَالْقَائِمِ الَّذي لا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الساعي: أي الذي يسعى في الخدمة وقضاء الحوائج.
- الأرملة: المرأة التي مات عنها زوجها.
- القائم: أي في صلاة التهجد.
- لا يفتر: لا يتعب من ملازمة العبادة.
فوائد الحديث
- * شبَّه القائم على الأرملة والمسكين بما يُصلحهما ويَحفظهما بالمجاهد في سبيل الله، لأن المداومة على ذلك تحتاج إلى صبر ومجاهدة للنفس والشيطان.
- * الحث على كشف كُرَب الضعفاء وسدّ حاجتهم وصَوْن حُرمتهم.
- * العبادة معنًى جامع يشمل كل عمل صالح.
266
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «شَرُّ الطَّعَام طَعَامُ الْوليمةِ، يُمْنَعُها مَنْ يأْتِيهَا، ويُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، ومَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ ورَسُولَهُ» رواه مسلم. • وفي رواية في الصحيحين عن أبي هريرةَ من قوله: «بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى إِلَيْهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الفُقَرَاءُ».
مفردات الحديث
- شر الطعام: ذم للطعام الذي لا يُدعى إليه الفقراء ويُرَدّون إذا أََتَوْا، والمراد ذم من يفعل ذلك.
- طعام الوليمة: طعام العُرس، وهو مأمور به في الشريعة، لكن النهي عن تخصيصه بالأغنياء.
- من يأتيها: للحاجة من الفقراء والمساكين.
فوائد الحديث
- * إجابة الداعي إلى وليمة النكاح واجبة، بشرط أن لا يكون هناك منكرات كالخمور وآلات اللهو المحرّمة ونحوها.
- إخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم بما سيقع بعده من تخصيص الأغنياء بالدعوة في الولائم.
- * مراعاة الفقراء والتلطّف بهم.
- * النهي عن تعظيم الأغنياء لغناهم.
- * من المظاهر التي ابتُلِيَ بها المسلمون في هذا العصر التباهي والتفاخر والإسراف في الولائم، ودعوة الأغنياء إليها، ومنعها عن الفقراء والمحتاجين.
267
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن أَنس رضي الله عنه، عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَنْ عَالَ جَارِيتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَومَ القِيامَةِ أَنَا وَهُو كَهَاتَيْنِ»
وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. رواه مسلم
مفردات الحديث
- عَالَ: قام عليهما بالمؤونة والتربية النفسية والسلوكية الصحيحة وتعليمهما أمور دينهما ونحو ذلك.
- جَارِيَتَيْنِ: بِنْتَيْنِ سواء أمِنْ أولاده كُنّ أم لا.
- حتى تبلغا: قيل أي حتى تَصِلَا سنّ البلوغ، وقيل: حتى تصلا إلى حال تستقلّان فيها بالزواج أو غيره.
فوائد الحديث
- * فضل إعالة البنات والبِرّ بهنّ.
- * العناية بالبنات تربيةً وتهذيبًا وتغذيةً وتوجيهًا سبب لدخول الوالدين الجنّة وعلوّ منزلتهما فيها.
- * في هذا الحديث رد على الأفّاكين الذين يدّعون بأن الإسلام هضم حقوق المرأة، بل الإسلام هو الذي رفع من شأن المرأة وأعطاها حقوقها وصان كرامتها.
- * إنكار العقلية الجاهلية التي لا تزال رواسبها عند بعض المسلمين في نظرة الكره للبنات وتفضيل البنين عليهنّ.
268
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: دَخَلَت عليَّ امْرَأَةٌ ومعهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَم تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرةٍ واحِدةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قامتْ فَخَرَجتْ، فَدخلَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَلَيْنَا، فَأَخْبرتُهُ فقال: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا من النَّارِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- تسأل: تطلب مالًا أو طعامًا لحاجتها.
- ابتُلِي: اختُبِر وامتُحن، وسماه ابتلاءً لخصوصية ما تحتاج إليه البنات وزيادته من الصبر والمجاهدة في تربيتهن، وكذلك لوجود كراهة عند بعض الناس لهن، وهو من بقايا الجاهلية في الناس.
- سترًا: حجابًا ووقايةً.
فوائد الحديث
- * الحضّ على الصدقة ولو بالقليل.
- * فضْل رعاية البنات، وأنّه بِفضْل ذلك يُحجَب من يرعاهن عن النار وتُحطُّ عنه الخطايا.
269
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن عائشةَ رضي اللهُ عنها قالت: جَاءَتني مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنْتَيْنِ لها، فَأَطعمتُهَا ثَلاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعطتْ كُلَّ وَاحدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرفعَتْ إِلى فِيها تَمْرةً لتَأْكُلَهَا، فاسْتَطعَمَتْها ابْنَتَاهَا، فَشَقَّت التَّمْرَةَ التي كَانَتْ تُريدُ أَنْ تأْكُلَهَا بيْنَهُمَا، فأَعْجبَنِي شَأْنُها، فَذَكرْتُ الَّذي صنعَتْ لرسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: «إنّ اللهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجنَّةَ، أَو أَعْتقَها بِهَا مَن النَّارِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- إِلى فِيهَا: أي إلى فَمِها.
- فاسْتَطعَمتها بِنْتاها: أي طلبتا منها أن تطعمهما التمرة الأخيرة.
- شأنها: حالها، وهو إيثارها بناتها على نفسها.
فوائد الحديث
- * فضْلُ الصدقة التي تدل على صدق المؤمن في إيمانه بربه وثقته بوعده وفضله.
- * يجوز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها بإذنه العامّ والخاصّ، ويكون لها أجر الإنفاق، وللزوج مثل ذلك، لأنه رضي النفقة من ماله.
- * شدّة رحمة الأمهات بالأولاد وخشيتهن عليهم من الضياع.
- * كان العرب في الجاهلية يكرهون البنات، وكان الوَأْد عادة معروفة عندهم، وجاء الإسلام فأعاد الأمر إلى نصابه، وجعل حسن تربية البنات والإنفاق عليهن سببًا لدخول الجنة والنجاة من النار.
270
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن أبي شُرَيْحٍ خُوَيْلِدِ بْنِ عَمْرٍو الخُزاعِيِّ رضي اللهُ عنه قال: قال النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اللَّهُمَّ إِنّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ والمَرْأَة»
رواه النَّسائيّ بإِسناد جيد
مفردات الحديث
- أُحَرِّجُ: أُلحِقُ الحَرَجَ، وَهُوَ الإِثْمُ بِمَنْ ضَيَّعَ حَقَّهُما، وَأُحَذِّرُ منْ ذلكَ تَحْذيرًا بَلِيغًا، وَأَزْجُرُ عَنْهُ زَجْرًا أَكيدًا.
- حق الضعيفين: ما يستحقانه، ويشمل الحقوق المالية وغيرها.
فوائد الحديث
- * الترهيب من التعرض للمرأة واليتيم بأي سوء.
- * الضعفاء الذين لا حول ولا قوة لهم، يلجؤون إلى الله ويحتمون بقوته، ولذلك كان المتعرّض لهم كمن أخلَّ بعهده مع الله.
271
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن مُصْعبِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنهما: رَأَى سعْدٌ أَنَّ لَهُ فَضْلًا علَى مَنْ دُونَهُ، فقال النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «هَل تُنْصرُونَ وتُرْزقُونَ إِلَّا بِضُعَفائِكُم؟»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- رأى سعد: أي ظنَّ واعتقد في نفْسه، وسعد هو ابن أبي وقاص.
- أن له فضلًا: بسبب شجاعته أو نسبه أو غِناه أو نحو ذلك.
فوائد الحديث
- * الحديث مُرسلٌ لأن مصعَب بن سعد تَابِعِيٌّ، وقد وَرَدَ مُتَّصلًا عن مصعب عن أَبيه سعد رضي الله عنهما.
- * الحذر من التكبّر والحضّ على التواضع.
- ابغوني: أعينوني على طلب الضعفاء والبحث عنهم لتقريبهم.
272
باب مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
عن أبي الدَّرْداءِ عُوَيْمرٍ رضي اللهُ عنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُنْصرُونَ، وتُرْزَقونَ بضُعفائِكُمْ»
رواه أَبو داود بإسناد جيد
مفردات الحديث
- ابغوني: أعينوني على طلب الضعفاء والبحث عنهم لتقريبهم.
فوائد الحديث
- * الضعفاء أشدّ إخلاصًا في الدعاء، وأكثر خشوعًا في العبادة لخُلُوِّ قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا، وصدق لجوئهم إلى الله تعالى.
- * الحضُّ على التواضع ومنع الترفع على الآخرين.
- * القوي يرتفع مكانه إذا استخدم قوته في نصرة الحق، والضعيف يثبت فضله بانكساره وتضرعه وإخلاصه.
273
باب الوصية بالنساء
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اسْتوْصُوا بِالنِّساءِ خيْرًا؛ فإِنَّ المرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ ما في الضِّلعِ أَعْلاهُ، فَإِنْ ذَهبْتَ تُقِيمُهُ كَسرْتَهُ، وإِنْ تركتَهُ، لمْ يَزَلْ أَعوجَ، فاستَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» متفقٌ عليه. • وفي رواية في الصحيحين: «المَرْأَةُ كالضِّلَعِ إِنْ أَقَمْتَها كسرْتَهَا، وإِنِ استَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمتَعْتَ وفِيها عَوَجٌ». • وفي رواية لمسلمٍ: «إِنَّ المرْأَةَ خُلِقتْ مِن ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتقِيمَ لكَ علَى طريقَةٍ، فَإِنِ استمتَعْتَ بِهَا اسْتَمتَعْتَ بِهَا وفِيها عَوَجٌ، وإِنْ ذَهَبْتَ تُقيمُها كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طلاقُها».
مفردات الحديث
- استوصوا: اقبَلوا وصيتي واعمَلوا بها، أو لِيطلب بعضكم الوصية من بعض، ويلزم من ذلك أن تحافظوا عليها، لأن من وصَّى غيره بشيء كان أحرص عليه.
- خلقن من ضِلَع: الضلع هو العظم الواحد من عظام القفص الصدريّ والمعنى مَحْنِيَّة الجنب.
- وَإِنَّ أَعْوجَ ما في الضِّلَعِ أَعْلاهُ: قال العلماء المراد بالتشبيه أن أعلاها رأسها وفيه لسانها، وهو الذي يحصل منه التخاصم بينها وبين زوجها. ويُحتمَل أن يكون المراد عموم الرأس أي طريقة تفكيرها ونظرتها إلى الأمور التي تختلف عن طريقة نظرة الرجل.
- فَإِنْ ذَهبتَ تُقِيمُهُ كَسرْتَهُ: أي إن حاولتَ تعديل عَظْم الضلع ليصبح عَظمًا مستقيمًا بدون اعوجاج فإنك تتسبب في كسر العظم، وهو تشبيه بليغ في أن من يدقق مع زوجته في كل جزئية ليصل معها إلى الصحة والسلامة دومًا سيستمر بهما الأمر إلى أن تسأم منه أو يسأم منها ويحصل الطلاق بسبب ذلك.
فوائد الحديث
- * تكرار الوصية بالنساء تأكيد على ضرورة العناية بهنَّ، وذلك لضعفهنّ واحتياجهنّ إلى من يقوم بأمرهنّ.
- * في الحديث توجيه لمعاملة النساء بالتسامح والصبر.
- * عناية الإسلام بالمرأة ورعايتها محافظة على سلامة المجتمع.
- * توجيه الرجال بتحمل ما قد يظهر من النساء من تصرفات لأنهم أقدر على الاحتمال والصبر منهن.
274
باب الوصية بالنساء
عن عبدِ اللهِ بن زَمْعَةَ رضي اللهُ عنه، أَنه سمعَ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يخْطُبُ، وذكَر النَّاقَةَ والَّذِي عقَرَهَا، فقال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا] آية: ١٢[، انْبعثَ لَها رَجُلٌ عزِيزٌ عارِمٌ منِيعٌ في رهْطِهِ» ثُمَّ ذكَرَ النِّسَاءَ، فَوعظَ فِيهنَّ، فَقالَ: «يعْمِدُ أَحَدُكُمْ فيجْلِدُ امْرأَتَهُ جلْدَ الْعَبْدِ فلَعلَّهُ يُضاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يومِهِ» ثُمَّ وَعَظَهُمْ في ضَحِكهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ وقال: «لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يفْعَلُ؟»
متفق عليه
مفردات الحديث
- عقَرها: عقر الناقة أي قطع قوائمها.
- انبعث: ثار ومضى وأسرع لقضاء حاجته.
- رجل عزيز: عظيم القَدر قليلٌ من يماثله في عظمة قدره.
- عارم: خبيث شرّير.
- منيع: قويّ ذو منعَة.
- في رهطه: في قومه.
- جلْدَ العبد: أي مثل ضربه في كونه شديدًا ومؤذيًا.
- يضاجعها: يجامعها.
- ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة: أي حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم استطرادًا في خطبته، لأن الضحك من ذلك خلاف المروءة، وفيه هتك الحرمة، وهو أمر معتاد من كل إنسان.
فوائد الحديث
- *إذا لم ينفع الوعظ والهجر في تأديب المرأة التي يخشى منها النشوز فليكن التأديب بالضرب اليسير الذي لا يحصل معه النفور التام.
- * النهي عن ضرب النساء، وخاصة إن علم عدم إفادته.
- * النهي عن الضحك من الضرطة يسمعها، بل ينبغي التغافل عنها.
- * الضحك إنما يكون من الأمر العجيب.
275
باب الوصية بالنساء
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِه مِنها خُلُقًا رضِيَ مِنْها آخَرَ» أَوْ قَالَ: «غيْرَهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يَفْرَك: يُبغضُ.
فوائد الحديث
- * نهي الزوج عن بُغض زوجته وكراهيته لها، لأنّه إن وجد فيها خلقًا يكرهه وجد فيها خلقًا مرضيًا.
- * دعوة المؤمن إلى تحكيم عقله والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات والعيوب والميزات في أي خلاف يقع مع زوجته.
276
باب الوصية بالنساء
عن عَمْرِو بنِ الأَحْوَصِ الجُشَمِيِّ رضي اللهُ عنه أَنَّهُ سمِعَ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في حَجَّةِ الْوَداعِ يقُولُ بعد أَنْ حَمِدَ الله تعالى وَأَثنَى علَيْهِ وذكَّر ووعظَ، ثُمَّ قال: «أَلا واسْتَوْصوا بِالنِّساءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوانٍ عَنْدَكُمْ، لَيْس تمْلكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذلِكَ إِلَّا أَنْ يأْتِينَ بِفَاحشةٍ مُبيِّنةٍ، فإِنْ فَعلْنَ فَاهْجُروهُنَّ في المضَاجعِ، واضْربُوهنَّ ضَرْبًا غَيْر مُبرِّحٍ، فإِنْ أَطعنَكُمْ فَلا تبْغُوا عَلَيْهِنَّ سبيلًا، أَلا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسائِكُمْ حَقًّا، ولِنِسائِكُمْ عَلَيْكُمْ حقًّا، فَحَقُّكُمْ عَلَيْهنَّ أَن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ منْ تَكْرهونَ، وَلا يَأْذَنَّ في بُيُوتكمْ لِمَن تكْرهونَ، أَلا وحقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَن تُحْسنُوا إِلَيْهِنَّ في كِسْوَتِهِنَّ وَطعامهنَّ»
رواه الترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- عَوانٍ: أَيْ أَسِيرَات؛ شَبَّهَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم المرْأَةَ في دُخُولِهَا تحْتَ حُكْمِ الزَّوْجِ بالأَسير.
- لَيْس تمْلكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئاً غيْرَ ذلِكَ: أي لو حصلت منهنّ الطاعة والعشرة بالمعروف فلا يجوز لكم الاعتداء عليهنّ.
- فاحشة: كبيرة من كبائر الذنوب وسوء عشرة تستلزم التأديب، وليس المقصود هنا الزنى.
- مبيِّنة: أي يكون واضحًا منها نشوزُها وعدمُ انقيادها.
- الضَّربُ المُبرِّح: هُوَ الشَّاقُّ الشديدُ.
- فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا: أَيْ لا تَطلُبوا طرِيقًا تحْتجُّونَ بِهِ عَلَيْهِنَّ وَتُؤذونهنَّ بِه.
- المضاجع: المراقد.
- لا يوطِئنَ فرشكم من تكرهون: أي لا يسمحنَ لأحد تكرهونه بدخول بيوتكم والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًّا أو امرأةً أو أحد محارم الزوجة.
فوائد الحديث
- * قيام الحياة الزوجية على الحقوق المتبادلة بين الزوجين، واستقرارها يكون بأداء هذه الحقوق بمودّة وسخاء نفس.
- * في تشبيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للمرأة بالأسير مبالغة في استعطاف الزوج للرفق بها والقيام بحقّها.
- * الوسائل التي يلجأ إليها الرجل لإصلاح ما بينه وبين زوجته كثيرة، فعليه أن يبدأ بوسائل الترغيب والتحفيز قبل غيرها.
- * إن لم يحصل الإصلاح بالترغيب ينتقل إلى الموعظة ثم الهجر، فإن لم يُفِدْ ذلك يلجأ إلى الضرب غير المبرِّح؛ لأنه متى أمكن الوصول إلى الغرض بالأخف لا يُعدَل إلى الأشد، لما في ذلك من النفرة المنافية لحسن المعاشرة.
- * الضرب المسموح به هو ما كان قصده التأديب وإصلاح الشأن لا الانتقام والعقوبة والتشفّي، ويكون غير مبرِّح فلا يجرح ولا يشوِّه، ويجتنب فيه ضرب الوجه والرأس، وقد ورد ذلك في أحاديث أخرى.
- * جواز الضرب مقيَّد بأن يُعلم أو يُظنّ أنه يُصلحها، وهذا النوع من الضرب أهون في كثير من الأحيان من الطلاق الذي هو كسر للمرأة كما ورد في حديثٍ سابق.
- * بيت الزوجية له حرمة لا يجوز للمرأة أن تسمح لأحد بالدخول إليه إلا بإذن من الزوج.
- * وجوب نفقة الزوجة وكسوتها على الرجل في حدود الاستطاعة عند عدم النشوز.
277
باب الوصية بالنساء
عن مُعَاويَةَ بنِ حَيْدَةَ رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله ما حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قال: «أَن تُطْعِمَها إِذَا طَعِمْتَ، وتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسيْتَ، ولا تَضْرِبِ الْوَجهَ، وَلا تُقَبِّحْ، ولا تَهْجُرْ إِلَّا في الْبَيْتِ» حديثٌ حسنٌ رواه أَبو داود وقال: معنى «لا تُقَبِّحْ»
أَي: لا تقُلْ قَبَّحَكِ الله
مفردات الحديث
- لا تُقَبِّحْ: لا تؤذيها بالكلام القبيح في خِلقتها أو نسبها أو أهلها ونحو ذلك.
- لا تهجر إلا في البيت: أي لا تتحول عنها، وقيل: المراد ألا يخرج خبر الهجر عن دائرة البيت إلى العلن.
فوائد الحديث
- *الحياة الزوجية تقوم على المودّة وأن يختار لها من الخير ما يختار لنفسه.
- * تحريم ضرب الوجه لكرامته.
- * الهجر في البيت من وسائل إصلاح المرأة إذا نشزت.
278
باب الوصية بالنساء
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَكْمَلُ المُؤْمِنين إِيمَانًا أَحْسنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيارُكُمْ خِيارُكُم لِنِسَائِهِم»
رواه التِّرمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح
مفردات الحديث
- أحسنهم خُلُقًا: حُسنُ الخُلُق أي بَذلُ المعروف، وكفّ الأذى، وطلاقة الوجه.
فوائد الحديث
- * الحضُّ على معاملة الزوجة بطلاقة الوجه وكفّ الأذى والإحسان إليها والصبر عليها.
- * من أهمّ علامات الخيريّة تعامُل الإنسان الحَسن داخل بيته حيث لا يطّلع عليه سائر النّاس.
279
باب الوصية بالنساء
عن إِياس بنِ عبدِ الله بنِ أبي ذُباب رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لاَ تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ» فَجاءَ عُمَرُ رضي اللهُ عنه إلى رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّساءُ عَلَى أَزْواجِهِنَّ، فَرَخَّصَ في ضَرْبِهِنَّ، فَأَطافَ بِآلِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نِساءٌ كَثِيرٌ يَشْكونَ أَزْواجَهُنَّ، فقال رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَقَدْ أَطَافَ بآلِ بَيْتِ مُحمَّدٍ نِساءٌ كَثِيرٌ يشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولئِكَ بخِيارِكُمْ»
رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح
مفردات الحديث
- إماء الله: إماء جمع أَمَة، والمراد هنا المرأة ولو حرّة.
- ذئرن النساء: أي وقع منهنّ جرأةٌ وتجاوزٌ في حق الأزواج.
- آل رسول الله: المراد أزواجه وسراريه.
- أَطاف: أي أحاط واجتمع.
- لَيْسَ أُولئِكَ بخيارِكُمْ: أي أنّ من يضربون زوجاتهم ليسوا من خيار الرجال وأفاضلهم.
فوائد الحديث
- * ضرب النساء في منع حقوق النكاح مباح، على أن لا يكون مبرِّحًا.
- * اللجوء إلى الضرب يدل على ضيق الصدر وقلّة الصبر، وهو خلاف حُسْن الخُلُق الذي يدل على سَعة الصدر ورحابة النفْس.
- * خير الرجال من لا يلجأ إلى الضرب إلا في الضرورات، كما روت عائشة رضي الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة له ولا خادمًا قط، ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا في سبيل الله، أو تُنتهك محارم الله فينتقم.
280
باب الوصية بالنساء
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن العاص رضي اللهُ عنهما أَن رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتاعِهَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» رواه مسلم. مفردات حديث - متاع: أي شيء يُتمتَّع به حينًا من الوقت. - المرأة الصالحة: فسرها النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم في حديث آخر بقوله: "التي إذا نظر إليها سرَّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله".
فوائد الحديث
- * الترغيب في اختيار المرأة الصالحة، لأنها سبب لسعادة الرجل في دنياه، وعون له على طاعة اللهِ تعالى.
- * الزوجة الصالحة أطيب حلال في الدنيا.
281
باب حق الزوج على المرأة
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه قال: قال رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الملائكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» متفقٌ عليه. • وفي رواية لهما: «إِذَا بَاتَتِ المَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعنتْهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ». • وفي روايةٍ قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِن رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَتَأْبَى عَلَيْهِ إلَّا كَانَ الَّذي في السَّماءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنها»
فوائد الحديث
- * الإرشاد إلى إعفاف الزوج لذلك حثّ المرأة على تلبيته.
- * وجوب طاعة الزوجة لزوجها إذا دعاها إليه ولم يكن لها عُذر، وامتناعها عن ذلك كبيرة تستوجب طردها من رحمة الله.
- * إعراض الزوجة عن زوجها قد يسبب إيقاع الزوج في الفاحشة أو المعصية.
- * الامتناع عن الاستمتاع بما أحلّ الله في ظلّ الحياة الزوجية المشروعة من غير عذر يؤدي إلى النفور، ومن ثَم يقع الزوجان أو أحدهما في الفاحشة أو هدم الأسرة بسبب الإعراض، ولذلك كان الامتناع الوارد في الحديث موجبًا لسخط الله تعالى.
- زوجها شاهد: حاضر أي مقيم في البلد.
282
باب حق الزوج على المرأة
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه أَن رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يَحلُّ لامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلا تَأْذَنْ في بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذنِهِ»
متفقٌ عليه، وهذا لفظ البخاري
فوائد الحديث
- * الإرشاد إلى إعفاف الزوج لذلك حثّ المرأة على تلبيته.
- * وجوب طاعة الزوجة لزوجها إذا دعاها إليه ولم يكن لها عُذر، وامتناعها عن ذلك كبيرة تستوجب طردها من رحمة الله.
- * إعراض الزوجة عن زوجها قد يسبب إيقاع الزوج في الفاحشة أو المعصية.
- * الامتناع عن الاستمتاع بما أحلّ الله في ظلّ الحياة الزوجية المشروعة من غير عذر يؤدي إلى النفور، ومن ثَم يقع الزوجان أو أحدهما في الفاحشة أو هدم الأسرة بسبب الإعراض، ولذلك كان الامتناع الوارد في الحديث موجبًا لسخط الله تعالى.
- زوجها شاهد: حاضر أي مقيم في البلد.
283
باب حق الزوج على المرأة
عن ابن عمرَ رضي اللهُ عنهما عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عنْ رعِيَّتِهِ، والأَمِيرُ رَاعٍ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أَهْلِ بَيْتِهِ، والمرْأَةُ راعِيةٌ على بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عنْ رعِيَّتِهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- كُلُّكُم راعٍ: أي مكلّف بعمل، حافظ له، مؤتمن عليه، مطلوب منه الاهتمام والعدل فيه.
- رعيته: هم من كُلِّف بالقيام عليهم كزوج وولد أو غيرهم.
- الأمير: ذو الأمر، فيشمل سائر الحكام؛ الحاكم الأعلى ومن دونه.
فوائد الحديث
- * لا يخلو فرد من أفراد المجتمع على اختلاف مكانتهم من المسؤولية حتى إن المرء مسؤول عن نفسه وعن كل من له صلة به.
- * مسؤولية المرأة في رعاية بيت الزوج بكل ما يحتاج إليه من إشراف وتربية وأمانة وعفّة وإشاعة لروح المودّة والراحة فيه.
- * الرجل والمرأة شريكان في الحياة الزوجية، ويجب على كل منهما أن يقوم بواجبه نحو الآخر.
284
باب حق الزوج على المرأة
عن أبي عليٍّ طَلْق بن عليٍّ رضي الله عنه أَن رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّور»
رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- لحاجته: ما يحتاجه منها مما يستحقه عليها.
- التنّور: هو الفرن المنزلي الذي يُخبز فيه، والمراد انشغالها بما هو مهم، فإنها تترك العمل عليه استجابة لطلب زوجها.
فوائد الحديث
- * بيان عِظَم حق الزوج على زوجته.
- * على المرأة أن تعمل على إرضاء زوجها في حدود الاستطاعة فيما أوجب الله تعالى عليها.
285
باب حق الزوج على المرأة
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أَنْ يسْجُدَ لأَحدٍ لأَمَرْتُ المرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا»
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
فوائد الحديث
- * تأكيد وجوب رعاية حقّ الزوج على الزوجة ووجوب طاعته.
- * السجود لا يجوز إلّا للهِ تعالى.
286
باب حق الزوج على المرأة
عن أُمِّ سَلمَة رضي اللهُ عنها قالت: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَيُّمَا امرأَةٍ ماتَتْ وزوْجُهَا عنها راضٍ دخَلَتِ الجَنَّةَ»
رواه الترمذي وقال حديث حسن
فوائد الحديث
- * إذا ماتت المرأة المسلمة وكانت مؤدّية لحق الزوج بحيث نالت رضاه دخلت الجنّة ابتداءً.
- * ينبغي للمرأة أن تجتهد في طاعة الله وطاعة زوجها.
287
باب حق الزوج على المرأة
عن معاذِ بنِ جبلٍ رضي اللهُ عنه عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا في الدُّنْيا إِلَّا قالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ الْعِين: لا تُؤْذِيه قَاتلَكِ الله، فَإِنَّمَا هُو عِنْدَكِ دخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفارِقَكِ إِلَينا»
رواه الترمذي وقال حديث حسن
مفردات الحديث
- لا تؤذي امرأة: أي بغير حق.
- الحور: نساء أهل الجنة، جمع حوراء: وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها.
- العِين: واسعات العيون مع حُسن وجمال.
- قاتَلكِ الله: جملة دعاء عليها، والمراد أنها لما فعلت هذه المعصية وتعرضت لعقوبة الله صارت كالمقاتلة له تعالى.
- دخيل: ضيف ونزيل، لأن مدة المقام في الدنيا وإن طالت فهي قصيرة بالنظر إلى الآخرة.
- يوشك: أي اقترب أن يفارقك.
فوائد الحديث
- * تحذير المرأة من إيذاء زوجها بغير حق.
- * على الزوجين أن يحسن كل منهما عشرة الآخر بالمعروف.
- * إيذاء الزوج في الدنيا سبب لسخط الله تعالى على الزوجة ودعاء الملائكة عليها.
- * النظر إلى قِصَر المقام في الدنيا بالنسبة للآخرة مَدْعاة لصبر المرأة على زوجها.
288
باب حق الزوج على المرأة
عن أُسامَةَ بنِ زيد رضي اللهُ عنهما عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «ما تركْتُ بعْدِي فِتْنَةً هِي أَضَرُّ عَلَى الرِّجالِ مِنَ النِّسَاء»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * أن الفتنة بالنساء أشدّ من الفتنة بغيرهن.
- * فتنة النساء خطر على الرجل إذ كثيرًا ما يحمله الميل إليهن إلى مخالفة الشرع والوقوع في المعصية.
- * وجوب حذر الرجال من هذه الفتن بالبعد عن كل ما يقوده إلى الافتتان بالنساء.
289
باب النّفقة على العِيال
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في سبيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقتَهُ في رقَبَةٍ، ودِينَارٌ تصدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ علَى أَهْلِكَ، أَعْظمُهَا أَجْرًا الَّذي أَنْفَقْتَهُ علَى أَهْلِكَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- في سبيل الله: كل عمل خير، لكن الأكثر استعماله للدلالة على الجهاد.
- في رقبة: إعتاق عبد أي تحريره.
- مسكين: محتاج.
فوائد الحديث
- * الحثّ على النفقة على العيال، وبيانُ عِظَمِ الثواب فيها.
- * أن النفقة على الأهل والعيال هي أفضل أنواع النفقات؛ لأنها من باب النفقة الواجبة، وما عداها من باب المندوب في الغالب، وهذا ما عدا الزكاة الواجبة.
- فتنةٌ: ابتلاءٌ واختبارٌ.
290
باب النّفقة على العِيال
عن أبي عبدِ اللهِ -وَيُقَالُ له: أبو عبدِ الرَّحمن- ثَوْبانَ بْن بُجْدُدَ مَوْلَى رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دابَّتِهِ في سبيلِ الله، ودِينَارٌ يُنْفِقُهُ علَى أَصْحابِه في سبِيلِ اللهِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- عياله: أهله الذين يعولهم وينفق عليهم.
فوائد الحديث
- * ترتيب فضل النفقة على الوجه الذي ذُكر في الحديث.
- * بيان أولوية النفقة على العيال في الفضل على غيرها.
291
باب النّفقة على العِيال
عن أُمِّ سلَمَةَ رضي اللهُ عنها قَالَتْ: قلتُ يا رسولَ اللهِ، هَلْ لي أَجْرٌ في بَني أبي سلَمةَ أَنْ أُنْفِقَ علَيْهِمْ، وَلَسْتُ بتَارِكَتِهمْ هكَذَا وهكَذَا، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ فقال: «نَعَمْ، لَكِ أَجْرُ ما أَنْفَقْتِ علَيهِم»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لستُ بتاركتهم: المراد أني سأنفق عليهم مهما كانت الأحوال.
- هكذا وهكذا: أي يتفرَّقون لطلب القوت يمينًا وشمالًا.
فوائد الحديث
- * سؤال النساء النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم للتفقّه في أمور دينهنّ
- * بيان حصول الثواب للأم بالإنفاق على أولادها، وإن كانت تنفق عليهم بدافع الشفقة والرحمة.
- * للمرأة أجران في نفقتها على أولادها؛ أجر الصدقة وأجر صلة الرحم.
292
باب النّفقة على العِيال
عن سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي اللهُ عنه في حدِيثِهِ الطَّويلِ الذِي قَدَّمْناهُ في أَوَّل الْكِتَابِ في بَابِ النِّيَّةِ (حديث: ٦) أَنَّ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال له: «وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ بها حَتَّى ما تَجْعلُ في في امرأَتِكَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- في في امرأتك: أي ما تضعه لزوجتك في فمها، سواء كان حقيقة أو كنايةً عن النفقة والصرف عليها.
فوائد الحديث
- * حصول الأجر والثواب بالنفقة على الزوجة وإن كان قيامًا بحقها عليه؛ لأن المباحات مع النية الصالحة تنتقل إلى درجة الطاعات.
- يحتسبها: يقصد بها وجه اللهِ تعالى والتقرب إليه.
293
باب النّفقة على العِيال
عن أبي مَسْعُودٍ الْبَدرِيِّ رضي اللهُ عنه، عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ على أَهْلِهِ نفقَةً يحتَسِبُها فَهِي لَهُ صدقَة»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * الإنفاق على الأهل واجب، ويؤجر على ذلك بحسب قصده، وهو أفضل من صدقة التطوّع.
- * كثرة أبواب الخير والأجر لمن كانت نية التقرب إلى الله حاضرة في قلبه في أعماله كلها ولو كان ملزَمًا بها.
294
باب النّفقة على العِيال
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاص رضي اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» حديثٌ صحيحٌ رواه أَبو داود وغيره. • و
رواه مسلم في صحيحه بمعنَاهُ قال: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يملِكُ قُوتَهُ»
مفردات الحديث
- كفى بالمرء إثمًا: يكفيه إثمُ تضييع عياله، أي: لو لم يكن له من الإثم سواه، وهذا يدل على حرمة إهمال شأن العيال والتفريط في النفقة عليهم.
- يَقُوت: يعطي ما يمسك الرمق من الرزق ومن الطعام.
- عمَّن يملك: يعني عن من يملك التصرف في أمورهم ممن هو مكلف بالإنفاق عليه.
فوائد الحديث
- * الحثّ على النفقة على العيال.
- * التحذير من التقصير في الإنفاق على من تجب نفقته.
- * عِظَم مسؤولية المرء عن عياله وأرحامه ومن هو مكلّف بهم كالخدم وغيرهم.
295
باب النّفقة على العِيال
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه أَن النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَا مِنْ يوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا ملَكَانِ يَنْزلانِ، فَيقولُ أَحدُهُما: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلفًا، ويَقولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * من أعظم المحفِّزات على البذل حصول الدعاء من الملائكة للكريم بمزيد من العوض، وأن يخلف الله عليه خيرًا مما أنفق.
- * ينبغي على من ابتلاه الله بالبخل أن يحذر من دعاء الملائكة عليه بتلف ماله الذي بخل به ومنع إنفاقه فيما أوجب الله عليه.
- * الحضُّ على الإِنفاق في الواجبات؛ كالنفقة على الأهل، ويدخل فيه صدقةُ التطوُّع والفرض.
296
باب النّفقة على العِيال
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «الْيَدُ الْعُلْيا خَيْرٌ مِنَ الْيدِ السُّفْلَى، وابْدَأْ بمَن تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، ومَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ»
رواه البخاريّ
مفردات الحديث
- اليد العليا: هي اليد المنفقة، فمن يطلب من الله العفة؛ وهي الكف عن الحرام والغنى عما في أيدي الناس، مع بذله لأسباب العفة.
- يعفه الله: أي يصيِّره الله تعالى بعونه وتوفيقه عفيفًا.
- ومن يستغن: يقنع ويسأل الله أن يرزقه غنى النفس.
- يغنه الله: يجعل الله في نفسه القناعة والرضا.
فوائد الحديث
- * الحثّ على الإنفاق في وجوه الخير.
- * الأيدي أربعة هي في الفضل كما يلي: أعلاها المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأدناها السائلة.
- * من استعان بالله تعالى على حصول شيء مع بذل أسبابه أُعين عليه.
- * أن العفّة والقناعة من أهم صفات المؤمن الصالح.
- * أفضل الصدقات ما أخرجه الإنسان من ماله بعدما يستبقي منه قدر الكفاية لنفسه وعياله.
- * فضل الإنفاق على العيال على غيره من النفقات، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «وابدأ بمن تعول».
297
باب الإنفاق ممَّا يحبُّ ومن الجيٍّد.
عن أَنس رضي الله عنه قال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ رضي الله عنه أَكْثَر الأَنْصَارِ بِالمدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوالِهِ إِلَيْهِ بَيْرحاءَ، وَكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المسْجِدِ وكانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يدْخُلُهَا وَيشْربُ مِنْ ماءٍ فِيهَا طَيِّب،ٍ قَالَ أَنَسٌ: فلَمَّا نزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قام أَبُو طَلْحَةَ إِلى رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: يا رسولَ الله إِنَّ الله تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْكَ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالي إِلَيَّ بَيْرحَاءَ، وإِنَّهَا صَدقَةٌ للهِ تَعَالَى أَرْجُو بِرَّهَا وذُخْرَهَا عِنْد الله تعالى، فَضَعْها يا رسول الله حيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فقال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «بَخٍ، ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ، ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبِينَ»
فقال أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يا رسولَ الله، فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ، وَبَني عَمِّهِ. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- بَيْرحَاءُ: حَدِيِقَةُ نَخْل.
- طيب: عذب.
- برها: أي خيرها.
- ذخرها: أي نفعها وقت حاجتي إليها وأجرها عند الله تعالى.
- فضعها يا رسول الله... : أي أفوض أمرها إليك.
- بخ: كلمة تقال عند الرضا بالشيء تفخيمًا له وإعجابًا به.
- مالٌ رَابح: أَيْ رَايحٌ وراجع وعائد عَلَيْكَ نَفْعُهُ.
فوائد الحديث
- * نفي الحرج عن أهل العلم والفضل في دخولهم البساتين ليستظلوا بظلها ويأكلوا من ثمرها ويستريحوا فيها إذا كان أصحابها يُسَرُّون بذلك.
- * استحباب الإنفاق مِنْ أحسن الأموال وأحبها إلى النفس، وأن كمال الفضل يحصل بذلك.
- * فضل الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم أبو طلحة، وسرعة استجابتهم لأمر الله تعالى، وحرصهم على بلوغ أرقى درجات الكمال.
- * تفويض أهل الفضل بتوزيع الميراث وصرف الصدقات في وجوه الخير.
- *التشجيع على فعل الخير بالثناء على الفاعل وشكره على عمله وإظهار الرضا والسرور به.
- * أَولى الناس بالإحسان إليهم ذوو الأرحام ثم من دونَهم إذا كانوا محتاجين، وإلا فأصحاب الحاجة أولى مَن غيرهم.
298
باب بيانُ وجوبِ أمره أهلَه وأولادَه المميِّزين وسائرَ مَن في رعيَّتِه بطاعةِ الله تعالى ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعِهم عن ارتكاب مَنهيٍّ عنه.
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: أَخذ الحسنُ بنُ عليٍّ رضي اللهُ عنْهُما تَمْرةً مِنْ تَمرِ الصَّدقَةِ فَجعلهَا في فِيهِ فقال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كِخْ كِخْ، اِرْمِ بِهَا، أَمَا علِمْتَ أَنَّا لا نأْكُلُ الصَّدقةَ ؟»
متفق عليه. •وفي روايةٍ: «إنَّا لا تَحِلُّ لنَا الصَّدقةُ»
مفردات الحديث
- تَمْرُ الصدقة: ما جُمع من زكاة التمر.
- كِخْ كِخ:ْ كلمةُ زَجْر للصَّبِيِّ عن المُسْتَقذَرَاتِ، وكَانَ الحسنُ رضي الله عنه صبِيًّا.
- لا تحلّ لنا: أي لآل بيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمراد بهم بنو هاشم وبنو المطَّلِب.
فوائد الحديث
- * وجوب توجيه أفراد الأسرة -ومَن في حكمهم- ومنعهم من المحرَّمات، مع بيان الحكمة من ذلك إن كانوا قادرين على فهمها.
- * تحريم الصدقات والزكاة على النبيّ وآل البيت، لأنّها ليست من كرائم الأموال كما ورد في حديث آخر.
- * على ولي الأمر أن يقوم بجمع الزكاة ودفعها إلى مستحقيها، وأَنْ يرعى ذلك بدقة وأمانة
299
باب بيانُ وجوبِ أمره أهلَه وأولادَه المميِّزين وسائرَ مَن في رعيَّتِه بطاعةِ الله تعالى ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعِهم عن ارتكاب مَنهيٍّ عنه.
عن أبي حفْصٍ عُمَر بن أبي سلَمةَ عبدِ الله بنِ عبدِ الأَسد ربيبِ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: كُنْتُ غُلامًا في حِجْرِ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فقال لي رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يا غُلامُ؛ سَمِّ اللهَ تعالى، وَكُلْ بِيمِينِكَ، وكُل ممَّا يَليكَ»
فَما زَالَتْ تِلْكَ طِعْمتي بعْدُ. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ربيب: ربيب الرجل هو ابن زوجته، مأخوذ من: ربَّ الأمرَ إذا ساسه وقام بتدبيره، وعُمَر راوي الحديث هو ابن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها.
- حجر: حضن، والمراد في كنفه وحمايته.
- غلامًا: طفلًا دون سن البلوغ.
- تَطِيش: تَدُورُ في نَواحِي الصَّحْفَةِ.
- الصّحْفة: إناء يوضع فيه الطعام.
- طِعْمتي: أي صفة أكلي.
فوائد الحديث
- *وجوب تربية الأولاد على الآداب الإسلامية والأخلاق الفاضلة، وتوجيههم وتنبيههم إلى ما يبدر منهم من أخطاء ومخالفات.
- * من آداب الطعام أن يبدأه بالتسمية، وأن يأكل بيده اليمنى، وأن لا يأخذ الطعام من جهة من يأكل معه، واتفق العلماء على كراهة مخالفة هذه الآداب.
- * امتثال الصحابة رضي الله عنهم لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم، والتزامهم لسنته حتى الصغار منهم.
- * على المربي أن يوجه الناشئين في كل مناسبة تدعو إلى ذلك، فإن التوجيه في الوقت المناسب أرسخ في الذهن وأدعى للقَبول.
300
باب بيانُ وجوبِ أمره أهلَه وأولادَه المميِّزين وسائرَ مَن في رعيَّتِه بطاعةِ الله تعالى ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعِهم عن ارتكاب مَنهيٍّ عنه.
عن ابن عمَر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مسؤولٌ عنْ رعِيَّتِهِ، والأِمَامُ رَاعٍ، ومسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ ومسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والمرْأَةُ راعِيةٌ في بيْتِ زَوْجِهَا ومسؤولَةٌ عنْ رعِيَّتِهَا، والخَادِمُ رَاعٍ في مالِ سيِّدِهِ ومسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فكُلُّكُمْ راعٍ ومسؤولٌ عنْ رعِيَّتِهِ»
متفقٌ عليه. - تقدم شرحه برقم (٢٨٣)
فوائد الحديث
- * المسؤولية في الإسلام دينية يحاسَب المرء على التقصير فيها يوم القيامة. كما أنها دنيوية، فيحاسَب كل مقصّر على تقصيره أمام القضاء.
- * عموم المسؤولية في الإسلام على كل فرد من أفراد الأمة مهما عظمت مهمته أو صغرت.
- * رعاية الأب لأولاده وتوجيههم من أهم ما يجب أن يقوم به.
301
باب بيانُ وجوبِ أمره أهلَه وأولادَه المميِّزين وسائرَ مَن في رعيَّتِه بطاعةِ الله تعالى ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعِهم عن ارتكاب مَنهيٍّ عنه.
عن عَمْرِو بن شُعْيبٍ، عن أَبيه، عن جَدِّهِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وهُمْ أَبْنَاءُ سبعِ سِنِينَ، واضْرِبُوهمْ علَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وفرِّقُوا بيْنَهُمْ في المضَاجعِ»
حديثٌ حسن، رواه أبو داود بإِسنادٍ حسنٍ. - المضاجع: جمع مضجع، وهو مكان الضجوع وهو الاستلقاء للنوم
فوائد الحديث
- * يجب على الأولياء من آباء وغيرهم أمرُ أولادهم بالصلاة، وتعليمهم أحكامها وأعمالها وشروطها وتعويدهم القيام بها، وتأديبهم على تركها ولو بالضرب غير المبرّح.
- * على الآباء صيانة أولادهم مما قد يثير الفتنة في نفوسهم، وخاصّةً في مرحلة المراهقة، وعلى الأب أن يبين حرمة كشف العورة، وعليه أن يفصلهم بعضهم عن بعض في المضاجع، وإذا توفر السكن فيخصص لكلٍ من الذكور والإناث حجرة مستقلة.
302
باب بيانُ وجوبِ أمره أهلَه وأولادَه المميِّزين وسائرَ مَن في رعيَّتِه بطاعةِ الله تعالى ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعِهم عن ارتكاب مَنهيٍّ عنه.
عن أبي ثُريَّةَ سَبْرَةَ بنِ مَعْبدٍ الجُهَنِيِّ رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ علَيْهَا ابْنَ عشْرِ سِنِينَ» حديث حسنٌ رواه أَبو داود والترمِذي. • ولَفْظُ أبي داوُد: «مرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلاَةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ».
فوائد الحديث
- * على الآباء والأمهات أن يكونوا القدوة الحسنة في أداء الطاعات، ليكون توجيههم لأبنائهم قائمًا على التطبيق والمحاكاة والقدوة، إذ لا فائدة من طلب الأب من أبنائه أداء الصلاة وهو غير ملتزم بها.
- * يتعيّن على المعلِّمين والمدرِّسين أن يكونوا القدوة الحسنة في أداء الصلاة وسائر العبادات، ليكون توجيههم مؤثرًا وأدعى إلى استجابة الأطفال والمتعلمين.
303
باب حقّ الجار والوصيّة به
عن ابنِ عمرَ وعائشةَ رضي الله عنهما قَالا: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حتَّى ظَنَنتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»
متفقٌ عليه. - ظننت أنه سيورثه: ترقّبتُ أن يأتيَني الوحي بجعل الجوار سببًا للإرث
فوائد الحديث
- * عِظمُ حقِّ الجوار ووجوبُ مراعاة ذلك.
- * التأكيد على حقِّ الجار بالوصيّة يقتضي ضرورة إكرامه والتودُّد والإحسانِ إليه، ودفعِ الضرِّ عنه، وعيادته عند المرض، وتهنئته عند المسرَّة، وتعزيته عند المصيبة.
304
باب حقّ الجار والوصيّة به
عن أبي ذرٍّ رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَا أَبَا ذرٍّ إِذا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَها، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» رواه مسلم. • وفي رواية له عن أبي ذرٍّ قال: إنّ خليلي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَوْصَانِي: «إِذا طبخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَه،ُ ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرانِكَ فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمعْرُوفٍ»
- مرقة: ما يُطبخ بالماء من لحم وغيره. - تعاهدْ: تفقدْ. - فأصبهم: فأرسل إليهم. - بمعروف: بشيء متوسط ينتفعون به
فوائد الحديث
- * استحباب إهداء شيء من الطعام إلى الجيران، وخاصّة إذا كانت له رائحة، وكان الجيران في حاجة، أو لا يتيسر لهم طبخُه.
- * تسهيل الأمر على مُريد الخير؛ حيث لم يقل: فأكثِرْ لحمَها أو طعامَها؛ إذ لا يسهلُ ذلك على كثير من الناس.
- * ترغيب الإسلام في حسن العلاقة الاجتماعية بين الجيران والتكافل والتعاون بينهم.
305
باب حقّ الجار والوصيّة به
عن أبي هريرة رضي الله عنه أَن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «واللهِ لا يُؤْمِنُ، واللهِ لا يُؤْمِنُ، واللهِ لا يُؤْمِنُ» قِيلَ: منْ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «الَّذي لا يَأْمنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ» متفق عليه. • وفي رواية لمسلمٍ: «لا يَدْخُلُ الجنَّة مَنْ لا يَأْمَنُ جارُهُ بوَائِقَهُ»
- لا يؤمن: أي لا يؤمن إيمانًا كاملًا. - بَوائِقه: شروره وأذاه وظلمه
فوائد الحديث
- * التحذير من إيذاء الجيران، وأن كفَّ الشرّ عنهم من كمال الإيمان ومكارم الأخلاق.
- * الإضرار بالجيران قد يجرُّ إلى الكفر والعصيان المستوجب عذاب النار.
- * التحذير من إيذاء الجوار لا يقتصر على جوار السكن وإنما يعم كل جوار، كحي وقرية ومدينة وقُطر.
306
باب حقّ الجار والوصيّة به
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَا نِسَاءَ المُسلِمَاتِ لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لجارتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ»
متفقٌ عليه. تقدم شرحه (حديث ١٢٤)
فوائد الحديث
- * استحباب تبادل الهدية بين الجيران مهما قلَّتْ ولو فرسِنًا، وهو عَظْم فيه قليل من اللحم.
307
باب حقّ الجار والوصيّة به
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أَن رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يَمْنَعْ جارٌ جارَهُ أَنْ يغْرِزَ خَشَبَةً في جِدارِهِ» ثُمَّ يَقُولُ أَبو هريرة: مَا لي أَرَاكُمْ عنْهَا معْرِضِينَ، واللهِ لأرمِيَنَّ بها بيْنَ أَكْتَافِكُمْ. متفقٌ عليه. • رُوي «خَشَبَهُ» بالإِضَافَةِ والجمْعِ، ورُوِي «خَشبَةً» بالتَّنْوِينَ عَلَى الإِفْرَادِ. وقوله: ما لي أَرَاكُمْ عنْهَا مُعْرِضِينَ: يعني عنْ هذِهِ السُّنَّةِ. - لأرمينّ: لأضربنّ، أي ألقيها بشدة. - بين أكتافكم: المراد بينكم، والكلام فيه تشديد ولوم لهم.
فوائد الحديث
- * المالك له أن يفعل في ملكه ما شاء.
- * أهمّيّة تعاون الجيران والتسامح فيما بينهم، والتنازل عن بعض الحقوق بما ينفعهم ولا يضرهم.
- * ليس للجار أن يمنع جاره من شيء ينفعه ولا يضره سواء كان في البناء، أو في غيره من مرافق الحياة.
- * تعاون الجيران مظهر من مظاهر الأخوّة الإسلامية وتكافل المجتمع.
308
باب حقّ الجار والوصيّة به
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أَن رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَان يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخرِ فَلْيكرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمنُ بِاللهِ وَالْيومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * تحريم إيذاء الجار، حيث جُعل إيذاؤه منافيًا لكمال الإيمان.
- * الحث على إكرام الضيف وهو من خلق الأنبياء والصالحين.
- * التحذير من الخوض في الكلام الباطل كالغيبة والنميمة وغيرها.
- * الترغيب في السكوت عند عدم فائدة الكلام.
- * للإيمان آثار وثمار تدل عليه كالإحسان إلى الجوار، وإكرام الضيف، وطيب الكلام، ولزوم السكوت عندما لا ينفع الكلام.
309
باب حقّ الجار والوصيّة به
عن أبي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ رضي اللهُ عنه أَنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيوْمِ الآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ إلِى جارِهِ، ومنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ»
رواه مسلم بهذا اللفظ، وروى البخاري بعضه. سبق شرحه (حديث ٣٠٨)
فوائد الحديث
- * أن مِن حقيقة الإيمان باليوم الآخر وكمال الشعور بالمسؤولية: رعايةَ حسن الجوار، وإكرامَ الضيف، والتزامَ الكلام الطيب أو السكوت.
310
باب حقّ الجار والوصيّة به
عن عائشةَ رضي اللهُ عنها قالتُ: قلت: يا رسولَ اللهِ إِنَّ لي جَارَيْنِ، فَإِلى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قال: «إلى أَقْرَبِهِمِا مِنْكِ بابًا»
رواه البخاريّ
فوائد الحديث
- * استحباب تقديم الجار الأقرب فالأقرب إذا لم يَقْدر على الإحسان إلى الجميع.
- * أنَّ الأقرب يرى ما يدخل بيتَ جاره من هديّة وغيرها، فيتشوَّفُ لها بخلاف الأبعد.
- * سؤال الصحابة رضي الله عنهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن تصرّفاتهم ليعلموا السنّة فيعملوا بها.
311
باب حقّ الجار والوصيّة به
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «خَيْرُ الأَصحابِ عِنْدَ اللهِ تعالى خَيْرُهُمْ لصـاحِبِهِ، وخَيْرُ الجيرانِ عِنْدَ الله تعالى خيْرُهُمْ لجارِهِ»
رواه الترمذي وقال: حديث حسن
312
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أبي عبدِ الرحمنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي اللهُ عنه قال: سأَلتُ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أَيُّ الْعملِ أَحبُّ إلى اللهِ تَعالى؟ قال: «الصَّلاةُ على وقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قال: «الجِهَادُ في سبِيلِ اللهِ»
متفقٌ عليه. - الصلاة على وقتها: قيل في أول وقتها، وقيل في وقتها. - برّ الوالدين: الإحسان إليهما، وترك عقوقهما
فوائد الحديث
- * اقتران برّ الوالدين بالصلاة والجهاد دليل على أهميته وعظمته في الإسلام.
- * أن أفضل حقوق الله الخالصة بعد الشهادتين الصلاة، وأفضل حقوق الناس حق الوالدين، وأفضل أنواع التضحية الجهاد؛ لأنه الوسيلة للمحافظة على حق الله وحق الناس.
313
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ، فَيعْتِقَهُ»
رواه مسلم. - لا يَجزي: لا يُكافئ
فوائد الحديث
- * عظيم حق الوالدين في الإسلام.
- * ضربُ المثال بالأمرِ المستبعَدِ نادرِ الوقوعِ دليلٌ على أن مكافأة الولد لوالده شبه مستحيلة، فلنكثر من الدعاء لوالدينا بأن يجزيهم الله عنا خير الجزاء.
314
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه أَنّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيومِ الآخِرِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيوْمِ الآخِرِ، فلْيَقُلْ خيرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * الحث على إكرام الضيف وهو من خُلُق الأنبياء والصالحين.
- * فضل صلة الرحم وأنها من صفات المؤمنين.
- * التحذير من الخوض في الكلام الباطل كالغيبة والنميمة وغيرها.
- * الترغيب في السكوت عند عدم فائدة الكلام.
- * للإيمان آثار وثمار تدل عليه كالإحسان إلى الجوار، وإكرام الضيف، وطِيب الكلام، ولزوم السكوت عندما لا ينفع الكلام.
315
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ تَعَالى خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هذا مُقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قال: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالت: بَلَى، قال فذلِك لكِ» ثم قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اقْرَؤُوا إِنْ شِئتُمْ: فهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَولَّيْتُم أَنْ تُفسِدُوا في الأَرْضِ وتُقطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الذين لَعنَهُمُ اللهُ فأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ» [ محمد: ٢٢، ٢٣]. متفقٌ عليه. • وفي رواية للبخاريّ: «فقالَ اللهُ تعالى: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، ومَنْ قَطَعَكِ قطَعْتُه».
مفردات الحديث
- فرغ منهم: أي لمّا انتهى من خَلقهم.
- قامت الرحم: قيام الرحم وكلامها قيل حقيقةً؛ بأن يُنطِقَها اللهُ بقدرته، وليس هذا على الله تعالى بعزيز، ونحن نؤمن بذلك ونعمل بمقتضاه ولا نعلم كيفيته، فهو من أمور الغيب.
- العائذ: المستجير.
- أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ: الوَصْلُ ضد الهجران والقطع.
فوائد الحديث
- * حرمة قطع الأرحام ووجوب تعاهد الأرحام بالزيارة والإعانة وحسن العشرة.
- * ذَوُو الأرحام الذين تجب صلتهم قيل هم: الأقارب الذين يَحرُم التزاوج بينهم من جهة الأب أو الأم، وقيل: هو عام في كل ذي رحم من الأقارب، ثم يتفاوت حقهم تبعًا لدرجة القرابة.
316
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: يا رسولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صَحَابَتِي؟ قال: «أُمُّكَ» قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «أُمُّكَ» قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «أُمُّكَ» قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «أَبُوكَ» متفقٌ عليه. • وفي رواية: يا رسولَ اللهِ، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قال: «أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ». •وقوله: «ثُمَّ أبَاك» هَكَذا هو منصوب بفعلٍ محذوفٍ، أي ثم بِرَّ أَباك • وفي رواية: «ثُمَّ أَبُوكَ».
مفردات الحديث
- أدناك أدناك: الأقرب فالأقرب.
فوائد الحديث
- * أعظم مَن يستحقّ الصحبة والوفاء الوالدان.
- * زيادة الوصيّة بالأم لعظيم فضلها ودورها، ثم لحاجتها للبرّ أكثر من الأب في الغالب.
- * اشتراك الناس في حقّ واحد لا يلزم منه تساويهم، فيجب أن يُعطى كلّ ذي حقٍّ حقَّه.
- * لا يُفهم من الحديث بأيّ حال من الأحوال انتقاص حقّ الأب.
- * استدل الفقهاء بهذا الحديث على أنّ الرجل إذا وجب عليه نفقة أبيه وأمه، ولا يملك إلا نفقة أحدهما قدِّمت الأمّ.
317
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه، عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- رغِم: لصق بالرغام وهو التراب، وهو دعاء عليه بالذل والفقر.
فوائد الحديث
- * التحذير من التقصير بحقوق الوالدين، والحثّ على برّهما الذي يوجب فلاح المؤمن وفوزه بالجنّة.
- * بر الوالدين واجب ولو في حال شبابهما، وإنما خصّ كبرهما بالذكر لمزيد التأكيد عليه؛ لأن حاجتهما إلى البرّ وقت كبرهما تكون أشد.
- * عقوق الوالدين من الكبائر التي يستحق بها الإنسان الطرد من رحمة الله والعذاب في النار.
318
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه أَن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ إِنَّ لي قَرابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُوني، وَأُحسِنُ إِلَيْهِم وَيُسِيؤونَ إِليَّ، وأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيجْهَلُونَ علَيَّ، فقال: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ المَلَّ، ولا يَزَالُ معكَ مِنَ اللهِ ظهِيرٌ عَلَيْهِمْ ما دُمْتَ عَلَى ذَلكَ»
رواه مسلم. - أحلم: أصبر وأصفح
مفردات الحديث
- يجهلون عليّ: يسيؤون إليّ.
- تُسِفُّهُمْ: تُطْعِمُهُمْ.
- المَلُّ: الرَّمادُ الحارُّ.
- ظهير: مُعِين.
فوائد الحديث
- * الحثّ على الإحسان إلى المسيء، لأنه ربّما يرتدع فيعود إلى الإحسان.
- * حصول العون والتأييد من الله تعالى لمن يصل رحِمه رغم قطعهم له.
- * ينبغي لمن فُضِّل على أقاربه أن يتواضع لهم ويرفق بهم، فعداوة الأقارب صعبة لذا يُستحبّ الصبر على إيذائهم.
319
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أَنسٍ رضي اللهُ عنه أَنّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، ويُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رحِمَهُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أن يُبْسَطَ له في رِزقِهِ: المقصود الزيادة في مقدار رزقه المكتوب، أو زيادة البركة فيه.
- أن يُنْسأَ لَهُ في أَثرِهِ: المقصود زيادة العمر إمّا الزيادة الحقيقيّة أَيْ يؤخّر له في أَجَلِهِ وعُمُرِهِ، أو حصول البركة في هذا العمر.
فوائد الحديث
- * فضلُ صلة الرحم في حصول البركة في العمر وحفظ الصحّة وسعة الرزق.
- * دعاء الولد الصالح والذكر الحسن بعد الموت زيادة في العمر.
- * رغبة الإنسان في طول العمر على الطاعة ليست مما يُذمُّ به.
- وائد الحديث
- بالإضافة إلى ما سبق:
- * أقارب الإنسان وذوو رحِمه هم أَولى من يصلهم ويحسن إليهم.
320
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أَنسٍ رضي الله عنه قال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ رضي الله عنه أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالمدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحاءَ، وَكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المسْجِدِ وكانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يدْخُلُهَا وَيشْربُ مِنْ ماءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فلَمَّا نزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] قام أَبُو طَلْحَةَ إِلى رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْكَ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وإِنَّهَا صَدقَةٌ للهِ تَعَالَى أَرْجُو بِرَّهَا وذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ تعالى، فَضَعْها يا رسولَ اللهِ حيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فقال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «بَخٍ، ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ، ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبِينَ»
فقال أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يا رسولَ الله، فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ، وَبَني عَمِّهِ. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- بَيْرحَاءُ: حَدِيِقَةُ نَخْل.
- طيب: عذب.
- برّها: أي خيرها.
- ذخرها: أي نفعها وقت حاجتي إليها وأجرها عند اللّه تعالى.
- فضعها يا رسول اللّهِ: أي أفوض أمرها إليك.
- بخ: كلمة تقال عند الرضا بالشيء تفخيمًا له وإعجابًا به.
- مالٌ رَابح: أَيْ رَايحٌ وراجع وعائد عَلَيْكَ نَفْعُهُ.
فوائد الحديث
- * نفي الحرج عن أهل العلم والفضل في دخولهم البساتين ليستظلوا بظلها ويأكلوا من ثمرها ويستريحوا فيها إذا كان أصحابها يُسَرُّون بذلك.
- * استحباب الإنفاق مِنْ أحسن الأموال وأحبها إلى النفس، وأن كمال الفضل يحصل بذلك.
- * فضل الصحابة رضي اللّهُ عنهم، ومنهم أبو طلحة، وسرعة استجابتهم لأمر اللّهِ تعالى، وحرصهم على بلوغ أرقى درجات الكمال.
- * تفويض أهل الفضل بتوزيع الميراث وصرف الصدقات في وجوه الخير.
- * التشجيع على فعل الخير بالثناء على الفاعل وشكره على عمله وإظهار الرضا والسرور به.
- * أَولى الناس بالإحسان إليهم ذوو الأرحام ثم من دونَهم إذا كانوا محتاجين، وإلّا فأصحاب الحاجة أولى مَن غيرهم.
321
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رضي اللهُ عنهما قال: أَقْبَلَ رجُلٌ إِلى نَبِيِّ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقال: أُبايِعُكَ على الهِجرَةِ وَالجِهَادِ أَبتَغِي الأَجرَ مِنَ اللهِ تعالى. قالَ: «فهَلْ لكَ مِنْ والدَيْكَ أَحدٌ حَيٌّ؟» قال: نَعمْ، بلْ كِلاهُما، قالَ: «فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ تعالى؟» قالَ: نَعمْ. قالَ: «فَارْجِعْ إِلى والدَيْكَ، فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُما». متفقٌ عليه. وهذا لَفْظُ مسلمٍ. • وفي روايةٍ لهُما: جاءَ رجلٌ فاسْتَأْذَنَهُ في الجِهَادِ فقال: «أَحَيٌّ والِداكَ؟» قال: نَعَمْ، قال: «ففِيهِما فَجَاهِدْ».
مفردات الحديث
- أبايعك: المبايعة هي المعاقدة والمعاهدة.
فوائد الحديث
- * أنّ الهجرة، وإن كانت واجبة، لكن حقّ الوالدين أوجب فقُدِّم عليها، هذا إذا كان يقدر على المحافظة على دينه وهو معهما، وإلا وجبت الهجرة فرارًا بدينه، كما فعل المهاجرون.
- * تقديم برّ الوالدين على الجهاد، لأنّ برّهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، وهذا في حال كون الجهاد فرض كفاية، وإلّا تعين عليه الجهاد في النفير العام.
- ليس الواصل: أي الكامل الصلة لأقربائه.
- بالمكافئ: الذي يجازي صاحبه بمثل فعله، ويعطيه نظيرَ ما أعطاه.
- قَطَعَتْ رحمُه: أي انقطع قراباته وذوو رحمه من صلته.
- وصلَها: أي بَرَّها وأحسنَ إليها، أي إذا مُنِع أَعطى وإذا قُطع وصل.
322
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهما، عنِ النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَيْسَ الْواصِلُ بِالمُكافِئِ، وَلكِنَّ الواصِلَ الَّذي إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»
رواه البخاريّ
مفردات الحديث
- معلقة بالعرش: المعنى أنها لائذة بربّ العرش.
فوائد الحديث
- * الرحم التي توصل وتقطَع معنًى من المعاني وليست بجسم، إنَّما هي قرابة ونَسب.
- * الترغيب في صلة الرحم، والتحذير من قطعها.
323
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الرَّحِمُ مَعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- معلقة بالعرش: المعنى أنها لائذة بربّ العرش.
فوائد الحديث
- * الرحم التي توصل وتقطَع معنًى من المعاني وليست بجسم، إنَّما هي قرابة ونَسب.
- * الترغيب في صلة الرحم، والتحذير من قطعها.
324
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أُمِّ المُؤْمِنِينَ ميمُونَةَ بنْتِ الحارِثِ رضي الله عنها أَنَّهَا أَعتَقَتْ وليدةً وَلَمْ تَستَأْذِنِ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فلَمَّا كانَ يومُها الَّذي يدورُ عَلَيْهَا فِيه، قالت: أَشَعَرْتَ يا رسولَ اللهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ ولِيدَتي. قال: «أَوَفَعلْتِ؟» قالت: نَعم، قال: «أَمَا إِنَّكِ لو أَعْطَيتِهَا أَخوالَكِ كان أَعظَمَ لأَجرِكِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- وليدة: أَمَة مملوكة لها.
فوائد الحديث
- * جواز تصرف الزوجة في ملكها من غير إذن زوجها.
- * الصدقة على القريب المسكين الذي يحتاج إلى الخدمة أفضل من العتق، لِمَا فيه من الجمع بين الصدقة والصلة، وقيل لا.
- * الاعتناء بأقارب الأمّ إكرامًا لحقّها، وهذا زيادة في برّها.
325
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أَسْمَاءَ بنْتِ أبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُما قالت: قَدِمَتْ عليَّ أُمِّي وهِيَ مُشركَةٌ في عهْدِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَاسْتَفتَيْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قُلتُ: قَدِمَتْ عَليَّ أُمِّي وَهِي راغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قال: «نَعمْ صِلي أُمَّكِ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- قدِمتْ عليَّ أمي: أي من مكة إلى المدينة.
- هي راغِبةٌ: أَي طَامِعةٌ عِندِي تَسْأَلُني شَيئًا، وقيل هي راغبة عن الإسلام كارهة له.
- أفأصل أمي: أي هل أُحسن إليها وأتصدق عليها.
فوائد الحديث
- * جواز صلة القريب المشرك ما دام غير محارب، وخاصة الوالدين، قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: ١٥].
326
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عَن زينبَ الثَّقَفِيَّةِ امْرَأَةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه وعنها قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «تَصَدَّقْنَ يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ولَو مِن حُلِيِّكُنَّ» قالت: فَرجعْتُ إِلى عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ فقلتُ له: إِنَّكَ رجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ اليَدِ وإِنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قدْ أمرَنا بالصَّدقَةِ، فأْتِهِ فاسأَلْهُ، فإِنْ كانَ ذلكَ يُجْزِئُ عنِّي وَإِلَّا صَرَفتُهَا إِلى غَيرِكُمْ. فقالَ عبدُ اللهِ: بَلِ ائتِيهِ أَنتِ، فانطَلَقْتُ، فَإِذا امْرأَةٌ مِن الأَنْصارِ بِبابِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَاجَتي حاجتُهَا، وكان رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قد أُلقِيَتْ علَيهِ المهابَةُ. فَخَرجَ علينا بلالٌ، فقُلنَا لهُ: ائْتِ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرأَتَيْنِ بِالبَابِ تَسْأَلانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عنْهُمَا على أزواجِهِما وَعلى أَيتَامٍ في حُجُورِهِمَا؟ وَلا تُخْبِرْهُ منْ نَحنُ، فَدَخل بِلالٌ علَى رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَسأَلَهُ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن هما؟» قَالَ: امْرأَةٌ مِنَ الأَنصارِ وَزَيْنبُ. فقالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أَيُّ الزَّيانِبِ هِيَ؟» قال: امرأَةُ عبدِ اللهِ، فقالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَهُمَا أَجْرانِ: أَجْرُ القرابَةِ وَأَجْرُ الصَّدقَةِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- خفيف ذات اليد: قليل المال.
- المهابة: الهيبة والإجلال.
فوائد الحديث
- * جواز صرف الصدقة ولو كانت الزكاة المفروضة إلى الزوج والأولاد الذين لا تجب نفقتهم على المزكّي كالزوجة، لأنَّ نفقتهم على أبيهم.
- * جواز خروج المرأة من بيتها للسؤال عن أمور الدِّين.
- * طلب العلم واجب على المرأة كما هو واجب على الرجل.
- * لزوم السؤال عما أَشكل من أمور الدَّين.
327
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أبي سُفْيانَ صخْرِ بنِ حربٍ رضيَ اللهُ عنه في حدِيثِهِ الطَّويلِ في قصَّةِ هِرقْلَ أَنَّ هِرقْلَ قالَ لأَبي سُفْيَان: فَماذَا يأْمُرُكُمْ بِهِ؟ -يَعْني النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- قال: قلت: يقولُ: «اعْبُدُوا اللهَ وَحدَهُ، ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، واتْرُكُوا ما يقُولُ آباؤُكُمْ، ويأْمُرُنَا بالصَّلاةِ، والصِّدْقِ، والعفَافِ، والصِّلَةِ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * من خصائص دعوةِ الأنبياء جميعًا الدعوة الى التوحيد في العبودية للهِ وعدم الإشراك به، وفي ذلك تَحَرُّر من العبودية لغير اللهِ بجميع صورها، وهذا هو مفهوم الحرية في الإسلام: تحرُّر من كل تقليد أو تبعية أو انتماء إلَّا للخالق عزّ وجل الذي خضع له الكون كله.
- * الصدق والعفاف والصلة من أبرز مكارم الأخلاق في الإسلام ودليلٌ على الاستقامة والتعاون في المجتمع.
- * وجوب التفكير في المبادئ والمعتقدات والحذر من التقليد الأعمى.
328
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أَبي ذرٍّ رضي اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا القِيرَاطُ». • وفي روايةٍ: «سَتَفْتَحُونَ مـِصْرَ، وهِي أَرْضٌ يُسَمَّى فِيها القِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِها خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً ورَحِمًا». • وفي روايةٍ: «فإِذا افْتَتَحْتُمُوهَا، فَأَحْسِنُوا إِلى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً ورَحِمًا» أَو قالَ: «ذِمَّةً وصِهرًا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يُسمّى: أي يُذكرُ كثيرًا.
- القيراط: معيار فِي الْوَزْن وَفِي قياس الأرض، اخْتلفت مقاديره باخْتلَاف الْأَزْمِنَة.
- ذمّةً: حقًّا وحُرمةً.
- الرَّحِمُ: التي لهُمْ كَوْنُ هَاجَرَ أُمِّ إِسْماعِيلَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِنْهمْ.
- صهرًا: الصِّهر كون مارِيّةَ أُمِّ إِبراهِيمَ بنِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم منهم.
فوائد الحديث
- * من رحمة الإسلام الوصيّة بأهل البلاد المفتوحة.
- * معجزةٌ ظاهرةٌ للرسولِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم؛ لإخباره أنّ الأُمّة تكون لها قوّة وشوكة بعده، وقد وقع كما أخبر به.
329
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا رَسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قُرَيْشًا، فاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وخَصَّ، وقالَ: «يا بَني عبدِ شَمسٍ، يا بَني كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بني مُرَّةَ بـنِ كْعبٍ أَنْقِذُوا أَنفُسَكُمْ مِن النَّار، يا بني عبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بَني هاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني عبْدِ المُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يا فاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ منَ النَّارِ، فَإِني لا أَمْلِكُ لَكُمْ منَ اللهِ شيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلالِهَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- عشيرتك الأقربين: قرابتك الأدنَين.
- قريشًا: هم قبيلة رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم، وهم من ذرية إسماعيل عليه السلام.
- فعمَّ وخصَّ: دعاهم بما يعمهم، كقوله: يا بني كعب بن لؤي، وخصص بعضهم بالنداء، كقوله: يا فاطمة.
- أنقذوا أنفسكم: خلصوها من النار بالإيمان بالله وبرسوله.
- سأَبُلُّها بِبِلالِهَا: سأَبُلُّها أي سأَصِلُها، يقال: بلَّ رحِمَهُ إذا وَصَلها، والبِلال الماء. والمعنى: أنّ الحرارةَ تُطْفَأُ بالماءِ، والأرحامَ تُبَرَّدُ بالصِّلةِ.
فوائد الحديث
- * أن الجزاء يكون في الآخرة على الإيمان والأعمال الصالحة، ولا تنفع قرابة ولا نسب.
- * وجوب صلة الرحم في الدنيا والبدء بذوي الأرحام في الإصلاح والتوجيه والدعوة إلى الخير.
- * أنَّ المرء لا ينفعه يوم القيامة إلا ما يقدمه من عمل صالح، قال تعالى {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} (المؤمنون: ١٠١).
- * الخلاص من النار المترتبة على الكفر والعصيان يكون بالإيمان باللهِ تعالى وطاعته وأداء عبوديته.
330
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أَبي عبدِ اللهِ عَمْرِو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جِهارًا غيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: «إِنَّ آلَ أَبِي فُلانٍ لَيْسُوا بأَوْلِيائِي إِنَّما وَلِيِّيَ اللهُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ، ولكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّها بِبِلالِها»
متفق عليه. واللَّفظُ للبخاري
مفردات الحديث
- جهارًا غير سرٍّ: أي علانيةً، أظهره وأشاعه، وقوله " غَيْرَ سِرٍّ " تأكيد لذلك.
- إن آل أبي فلان: قَصد قومًا من أقاربه، ولم يتم تعيين هؤلاء القرابة لعدم المصلحة في ذلك.
- لَيْسُوا بأَوْلِيائي: المقصود من لم يُسْلِم منهم.
- وليِّيَ: أي ناصري، والذي أتولاه في جميع الأمور.
- أبُلّها ببلالها: أبُلّها أي أَصِلُها، يقال: بلَّ رحِمَهُ إذا وَصَلها، والبِلال الماء.
فوائد الحديث
- * أنّه لا ولاية بين المسلم والكافر وإنْ كان قريبًا.
- * يجوز صِلة القرابة من الكفار غير المحاربين.
- * الولاية إنّما تكون بين المسلمين.
331
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أَبي أَيُّوبَ خالدِ بنِ زيدٍ الأنصاريّ رضيَ اللهُ عنه أَنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ. فقال النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَعبُدُ اللهَ، ولا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * بيان أنَّ من أسباب دخول الجنَّة والنجاة من النار يوم القيامة ما ذُكِر في الحديث، من عبادة اللهِ وعدم الإشراك به، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصلة الرحم.
- * لا يكون دخول الجنة بالآمال والأحلام وترك الأعمال كما يفعل بعض المغرورين والمقصِّرين.
332
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن سلْمَانَ بنِ عامِرٍ رضيَ اللهُ عنه، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إِذا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنَّهُ بركَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فَالمَاءُ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ» وقال: «الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وصِلَةٌ»
رواه الترمذيّ وقال: حديث حسن
مفردات الحديث
- البركة: النماء والزيادة وكثرة الخير.
- طَهور: طاهر مُطهِّر لغيره.
فوائد الحديث
- * استحباب إفطار الصائم على التمر أو على الماء.
- * على الإنسان أن يختار من وجوه البِرِّ ما يكون أكثر ثوابًا، والترتيب المذكور للاستحباب.
- * الصدقة على الأرحام أَجرُها مضاعف، لأنّ فيها أَجْر الصدقة وأَجْر الصلة.
333
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن ابنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ، وكُنْتُ أُحِبُّها، وَكَانَ عُمَرُ يكْرَهُهَا، فقالَ لِي: طَلِّقْها فأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ رضي اللهُ عنه النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَذَكرَ ذلكَ لَهُ، فقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «طَلِّقْهَا»
رواه أَبو داود، والترمذيّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح
مفردات الحديث
- تَحتي امْرأَة: أي زوجة لي في عِصمتي، ومنه قوله تعالى عن زوجة نوح وزوجة لوط :كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ [التحريم 10].
- عُمَرُ يكرهُها: لأمرٍ دينيّ ولخُلقٍ ما فيها.
فوائد الحديث
- * خشي عمر أن تجرَّ زوجة ابنه إلى عبد اللهِ ضررًا في دينه.
- * أنّ الوالد، إن كان من أهلِ الدِّين والصلاح، وأمر ولده بأمرٍ يُقِرُّه عليه الدِّين، فعليه أن يطيعه ولو خالف هواه.
- * ولو كان عمر ظالمًا لها لَمَا وافقه الرسول صلّى اللهُ عليه وسلّم على ذلك.
- * كان ابن عمر يحب زوجته حبًّا فطريًّا، وكان عمر يكرهها كراهية دينيَّة، فلذلك أمره بطلاقها وأقرَّه الرسول صلّى اللهُ عليه وسلّم على ذلك وأمر ابن عمر بطلاقها.
334
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن أَبِي الدَّرْداءِ رضي اللهُ عنه أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فقالَ: إِنَّ لِي امْرَأَةً وإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلاقِها؟ فقالَ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «الْوالِدُ أَوْسَطُ أَبْوابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبابَ، أَوِ احْفَظْهُ»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح
مفردات الحديث
- الوالد: المراد بالوالد الجنس ويشمل الأبوين، وكل من له ولادة على الإنسان فهو والده أُمًّا كان أو أبًا.
- أوسط أبواب الجنة: أي خيرها.
فوائد الحديث
- * بالإضافة إلى ما أفاده الحديث (٣٣٣):
- * الحضّ على حفظ حقوق الوالدين فأحسَن ما يُتوصَّل به إلى دخول الجَنَّة برّ الوالدين .
- * على الإنسان أن يحرص على إرضاء والديه، ويسعى في الإحسان إليهما فهما باب من أعظم أبواب دخول الجنَّة.
- * يُحمل هذا الحديث على الأحوال التي يظهر فيها حرص الوالدين على مراعاة مصلحة الابن وفق الشرع، ولا يعمل به في أحوال الغيرة الطبيعية والمشاكل المعتادة.
335
بابُ برِّ الوالدين وصلةِ الأرحام.
عن البَراءِ بنِ عازِبٍ رضي اللهُ عنهما، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ»
رواه الترمذي: وقال حديثٌ حسن صحيح
مفردات الحديث
- الخالة: أخت الأمّ.
- بمنزلة الأمّ: والمراد بمنزلتها أي في العطف على أولاد أختها وفي البرِّ بها والإحسان إليها.
فوائد الحديث
- * أهمية برّ الوالدين وصلة الأرحام لِمَا لشأنهما من أهمية في بناء الأسرة وحياة المجتمع ولما للوالدين من فضل على الأبناء.
- *الخالة تعوّض مكان الأم حال فقدانها.
336
باب تحريم العقوق وقطيعة الرّحم.
عن أَبي بَكرَةَ نُفَيْعِ بنِ الحارثِ رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ؟» -ثلاثًا- قُلنا: بلَى يا رسولَ اللهِ: قالَ: «الإِشْراكُ بِاللهِ، وعُقُوقُ الْوالِدَيْن» وكان مُتَّكِئًا فَجلَسَ، فقالَ: «أَلَا وقوْلُ الزُّورِ وشهادَةُ الزُّورِ»
فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حتَّى قُلنَا: ليْتَهُ سَكَتَ. متفق عليه
مفردات الحديث
- الكبائر: الذنوب الكبيرة التي ورد فيها وعيد شديد في القرآن الكريم أو في السنة.
- عقوق الوالدين: العقوق مأخوذ من العقّ وهو القطع، وضابطه أن يفعل مع أحد والديه ما يتأذى به من فعل أو قول.
- قول الزور: كل قول باطل.
فوائد الحديث
- * الذنوب تتفاوت بحسب مفاسدها.
- * الترهيب من عقوق الوالدين وشهادة الزور.
- * أعظم الذنوب الإشراك بالله، ثم عقوق الوالدين، ثم قول الزور، وهذه الأمور من أكبر الكبائر لما يترتب عليها من مفاسد جسيمة.
- * محبة الصحابة للنبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم وشفقتهم عليه.
- * الإشراك بالله بهتان وطغيان وافتراء على الله، وذلة وخضوع لغير الله.
- عقوق الوالدين: نكران للجميل ونسيان لحقهما.
- * شهادة الزور مصدر بلاء وانحراف وجور وشر كبير، وقد انتشرت بين الناس بأسماء برّاقة لتمريرها وإدخالها في حياة النّاس ممّا يؤدي إلى زيادة الفساد.
337
باب تحريم العقوق وقطيعة الرّحم.
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو بنِ العاصِ رضي اللهُ عنهما عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «الْكَبائِرُ: الإِشْراكُ بِاللهِ، وعقُوقُ الْوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، والْيَمِينُ الْغَموس»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- اليمِين الْغَمُوس: الّتي يَحْلِفُهَا كَاذِبًا عامِدًا، سُمِّيَت غَمُوسًا، لأَنَّهَا تَغْمِسُ الحالِفَ في الإِثم.
فوائد الحديث
- * التحذير من الوقوع في هذه المعاصي وبيان أنها من كبائر الذنوب.
- *اقتصار النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم على ذكر بعض الكبائر؛ إما لاقتِضَاءِ المقام، وهو أنّ بعض الحاضرين مقصّر في البعد عنها أو هو واقع فيها، وإمّا لكونها أعظمَ الكبائر إثمًا.
- * خطورة اليمين الكاذبة، ويزداد الإثم إذا ترتب على هذه اليمين أخذ حقٍّ للآخرين ظُلمًا.
338
باب تحريم العقوق وقطيعة الرّحم.
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهما أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مِنَ الْكَبائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ!» قالوا: يا رسولَ اللهِ وهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قال: «نَعمْ، يَسُبُّ أَبا الرَّجُلِ، فيسُبُّ أَباهُ، ويسُبُّ أُمَّهُ، فَيسُبُّ أُمَّهُ» متفقٌ عليه. • وفي روايـةٍ: «إِنَّ مِنْ أَكْبرِ الكبائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ» قيل: يا رسـولَ اللهِ كيْفَ يلْعنُ الرَّجُلُ والِديْهِ؟ قالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فيَسُبُّ أُمَّهُ».
فوائد الحديث
- * حرمة سبّ الآباء والأمهات.
- * من عقوق الوالدين تعريضهما للسبّ والإهانة.
- * يأبى الطبع المستقيم غالبًا أن يسبَّ الرجل والديه، ولكنّه قد يتسبب في ذلك بسبِّ والِدَي غيره.
- * ترك السباب والشتائم خشية أن يعود السبّ على أبَوَيِ الشاتم.
339
باب تحريم العقوق وقطيعة الرّحم.
عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ رضيَ اللهُ عنهُ أَنّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ»
قالَ سفيان في روايته: يَعْني: قَاطِعَ رَحِم. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- سفيان : هو سفيان بن عُيَيْنَة أحد علماء المسلمين وأئمة الحديث.
فوائد الحديث
- * التحذير من قطع الأرحام، والترهيب من ذلك.
- * قاطع الرحم قد لا يدخل الجَنَّة ابتداءً، أو أبدًا إذا كان مستحلًّا للقطيعة عالمًا بتحريمها.
340
باب تحريم العقوق وقطيعة الرّحم.
عن أَبي عِيسى المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ رضي اللهُ عنه عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، ومنْعًا وهاتِ، ووَأْدَ البنَاتِ، وكَرِهَ لكُمْ قِيلَ وقالَ، وكثرةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ المَالِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- منعًا: أي منع ما وجَبَ عَلَيْهِ.
- هَات: طَلَبُ مَا لَيسَ لَهُ.
- وَأْد البنَات: دَفْنُهُنَّ وهنَّ على قيد الحَياةِ.
- قِيلَ وقَال: الحدِيثُ بِكُلِّ مَا يَسمعُهُ، فيقُولُ: قيلَ كَذَا، وقَالَ فُلانٌ كَذَا، مِمَّا لا يَعلَمُ صِحَّتَهُ.
- إِضَاعَة المال: تبذيره وصرفُهُ في غَيْرِ الوُجُوهِ المأْذُون بِهَا مِنْ مَقَاصِدِ الآخِرِةِ والدُّنيا، وتَرْكُ حِفْظِهِ مع إِمْكَانِ الحفْظِ.
- كثرةُ السُّؤَال: الإِلحاحُ فِيمَا لا حاجةَ إِلَيْهِ.
فوائد الحديث
- * بيان بعض ما حرّمه الله ومن ذلك: عقوق الأمهات، وعقوق الآباء.
- * خصَّ بالذكر الأمّهات، لأنّ الاستخفاف بهن أكثر لضعفهن، ولأن بِرَّهن مقدّم على برِّ الآباء.
- * النهي عن طلب الإنسان ما لا يستحق وأن يمنع ما أمر الله بإعطائه.
- * تحريم دفن الأولاد أحياء، وإنَّما خصَّ البنات لأنَّه هو الأغلب والشائع في حياة العرب قبل الإسلام، فتوجّه النهي إليه.
- * في الحديث النهي عن المجادلة بما لا فائدةَ فيه حتى لا يكون سببًا للشحناء والبغضاء.
- * النهي عن إضاعة الأموال وإنفاقها بما لا فائدةَ فيه، لأن الإنسانَ سيسألُ عنها يوم القيامة: من أين أخذها وأين أنفقها.
341
بابُ برّ أصدقاء الأب والأمّ والأقارب والزوجة وسائر من يُنْدَبُ إكرامه
عن ابن عمرَ رضي اللهُ عنهما أَن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أبرّ البِرّ: أَكمل البِرّ وأبْلغه.
- وُدّ أبيه: من المودّة وهو الحُبّ.
فوائد الحديث
- * فضلُ اللهِ تعالى ورحمتُه بعبادِه؛ فهو سبحانه لم يجعل بِرَّ الوالدَين متعلقًا بحياتهما فقط؛ والمسلم الفَطِن يجمع بين البرّ بهما أحياءً وأمواتًا.
- * برّ الوالدين بعد موتهما يكون بصلة أصدقائهما.
342
بابُ برّ أصدقاء الأب والأمّ والأقارب والزوجة وسائر من يُنْدَبُ إكرامه
عن عبدِ اللهِ بن دينارٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما أَنَّ رجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ لقِيَهُ بِطرِيقِ مكَّةَ، فَسلَّمَ عَليْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمرَ، وحَمَلَهُ على حمارٍ كَانَ يرْكَبُهُ، وأَعْطَاهُ عِمامَةً كانتْ على رأْسِهِ، قال ابنُ دِينَارٍ: فقُلنا لهُ: أَصْلَحَكَ اللهُ، إِنَّهُمُ الأَعْرَابُ وهُمْ يَرْضَوْنَ بِاليَسِيرِ. فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: إِنَّ أبَا هذا كَان وُدًّا لِعُمَرَ بنِ الخطاب رضي اللهُ عنه، وإِنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقول: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ». * وفي روايةٍ عن ابنِ دينارٍ عن ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذا خرجَ إلى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمارٌ يَتَرَوَّحُ عليْهِ إذا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وعِمامَةٌ يَشُدُّ بِها رأْسَهُ، فَبَيْنَا هُو يوْمًا على ذلِكَ الحِمَارِ، إذْ مَرَّ بِهِ أَعْرابِيٌّ، فقالَ: أَلَسْتَ فُلانَ بْنَ فُلانٍ؟ قالَ: بَلَى. فَأَعْطَاهُ الحِمَارَ، فقالَ: ارْكَبْ هذا، وأَعْطاهُ العِمامَةَ وقالَ: اشْدُدْ بِهَا رأْسَكَ، فقال لَهُ بَعْضُ أَصْحابِهِ: غَفَرَ اللّهُ لَكَ، أَعْطَيْتَ هذَا الأَعْرابِيَّ حِمارًا كنْتَ تَرَوَّحُ عليْهِ، وعِمامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ؟ فقالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُقولُ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْد أَنْ يُوَلِّيَ»
وإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمرَ رضي اللّهِ عنه. روى هذِهِ الرِّواياتِ كُلَّهَا مسلم
مفردات الحديث
- الأعراب: أهل البَدْوِ من العرب، الواحد أعرابيّ، وهو كل مَن سكن البادية.
- يتروّح: يستريح.
- ملَّ: سئم وضجر.
- الراحلة: البعير القويّ من الإبل.
- قولهم غفر الله لك: أدب العتاب؛ فقد قدّموا الدعاء، وهو مستفاد من قوله تعالى: عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣].
- بعد أن يولّي: أي بعد أن يموت.
فوائد الحديث
- * فضل صلة أهل ودّ الأب والإحسان إليهم وإكرامهم، ويلحق بالأب أصدقاء الأمّ والأجداد والمشايخ والزوج والزوجة.
343
بابُ برّ أصدقاء الأب والأمّ والأقارب والزوجة وسائر من يُنْدَبُ إكرامه
عن أبي أُسَيْدٍ -بضم الهمزة وفتح السين- مالِكِ بنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ رضي اللهُ عنه قالَ: بَيْنا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذ جاءَهُ رجُلٌ مِنْ بني سَلِمَة فقالَ: يا رسولَ اللهِ هَلْ بَقِيَ مِن بِرِّ أَبَوَيَّ شَيءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعدَ مَوْتِهِمَا؟ فقالَ: «نَعَمْ، الصَّلاَةُ علَيْهِمَا، والاسْتِغْفَارُ لَهُما، وإِنْفاذُ عَهْدِهِما من بَعدِهِما، وصِلَةُ الرَّحِمِ التي لا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وإِكَرَامُ صَدِيقِهِما»
رواه أبو داود
مفردات الحديث
- الصلاة عليهما: أي الدعاء لهما.
- إنفاذ عهدهما: أي إمضاء وصيّتهما.
فوائد الحديث
- * اغتنام فرصة حياة الوالدَيْن ببِرِّهما.
- * من أنواع البِرّ الدعاء للوالدَيْن.
- * من البرّ بالوالدين في حياتهما وبعد وفاتهما: تنفيذ وصيّتهما، وصلة أرحامهما، وإكرام صديقهما.
- * دعاء الولد لوالديه بعد وفاتهما مقبول، ويَصِل أجْرُه إليهما.
344
بابُ برّ أصدقاء الأب والأمّ والأقارب والزوجة وسائر من يُنْدَبُ إكرامه
عن عائشةَ رضي اللهُ عنها قالت: ما غِرْتُ على أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَا غِرْتُ على خديجةَ رضي اللهُ عنها، ومَا رَأَيْتُهَا قَطُّ، ولَكنْ كَانَ النبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلّم يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبحَ الشَّاةَ، ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خدِيجَةَ، فَرُبَّما قلتُ لَهُ: كَأَنْ لَمْ يكُنْ في الدُّنْيَا إِلَّا خديجةُ! فيقولُ: «إِنَّها كَانتْ وكَانَتْ وكَانَ لي مِنْهَا ولَدٌ» متفقٌ عليه. • وفي روايةٍ: وإنْ كَانَ لَيذبحُ الشَّاةَ، فَيُهْدِي في خَلائِلِهَا مِنْهَا مَا يسَعُهُنَّ. البخاريّ • وفي روايةٍ: كَانَ إِذَا ذَبحَ الشَّاةَ يَقُولُ: «أَرْسِلُوا بِهَا إِلى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ». مسلم * وفي روايةٍ: قالت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَديجَةَ عَلَى رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَعَرفَ اسْتِئْذَانَ خديجةَ، فَارْتَاحَ لَذَلِكَ فقالَ: «اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خوَيْلِدٍ»
رواه البخاريّ
مفردات الحديث
- غِرت: المراد الغيرة التي تحصل بين الزوجات.
- صدائق: جمع صديقة.
- إنها كانت وكانت: يثني عليها بذكر صفاتها وأفعالها.
- خلائلها: جمع خليلة وهي الصديقة.
- فعرف استئذان خديجة: أي تذكّر عند استئذانها خديجة.
- ارتاح: أي استراح ورجعَت إليه نفسه بعد الإعياء.
فوائد الحديث
- * عِظَمُ قدْر أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي اللهُ عنها، ومحبة النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ لها.
- * وفاء النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ لخديجة بنت خويلد رضي اللهُ عنها، لِمَا كان لها من فضلٍ في مؤازرته للدعوة ووفائها له.
- * على المسلم أن يكون وفيًّا لا ينسى لأهل الفضل فضلهم.
- * وفاء الزوج لزوجته حتى بعد وفاتها.
345
بابُ برّ أصدقاء الأب والأمّ والأقارب والزوجة وسائر من يُنْدَبُ إكرامه
عن أَنسِ بنِ مالكٍ رضي اللهُ عنه قالَ: خَرجْتُ معَ جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ الْبَجَليِّ رضي اللهُ عنه في سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُني فقلتُ لَهُ: لا تَفْعَلْ، فقالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيـْتُ الأَنصارَ تَصْنَعُ برسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا آلَيْتُ عَلى نَفْسي أَنْ لا أَصْحبَ أَحدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدَمْتُهُ. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- فكان يخدمني: كان جَرير بنِ عبد اللهِ يخدم أنسًا مع صغر سنّه عنه.
- آليت: أقسمت؛ من الأَلِيَّة: وهي اليمين.
فوائد الحديث
- * إكرام من أَحسنَ إلى النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ وإن كان أصغر سنًّا.
- * فضل جَرير بنِ عبدِ اللهِ البجليّ وتواضعه وإكرامه للنبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ وإحسانه إلى مَن أحسن إليه صلّى اللهُ عليه وسلّمَ.
- * وفاء أصحاب رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ بعضهم لبعضٍ وخاصةً مَن خدم منهم رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم
346
باب اكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان فضلهم
عن يزيدَ بنِ حيَّانَ قال: انْطَلَقْتُ أَنا وحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وعَمْرُو بن مُسْلِمٍ إلى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي اللّهُ عنهم، فلَمَّا جَلسْنا إِلَيهِ قالَ له حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وسمِعْتَ حَدِيثَهُ، وغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يا زَيْدُ ما سمِعْتَ مِنْ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. قال: يا ابْنَ أَخِي واللّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وقَدُم عَهْدِي، ونسِيتُ بعْضَ الذي كنتُ أَعِي مِنْ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لا فَلا تُكَلِّفُونِيهِ ثُمَّ قال: قامَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مكَّةَ وَالمَدِينَةَ، فَحَمِدَ اللّهَ، وَأَثْنى عَليْه، ووَعَظَ، وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بعْدُ: أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رسولُ ربي فَأُجِيبَ، وأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُما كِتابُ اللّهِ، فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتابِ اللّهِ، وَاسْتَمْسِكُوا به» فَحثَّ على كِتَابِ اللّهِ، ورَغَّبَ فِيهِ. ثمَّ قَالَ «وأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ في أَهْلِ بَيْتي» فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: ومَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يا زيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِن أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قال: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَال: ومَنْ هُم؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَليٍّ، وآلُ عَقِيلٍ، وآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هؤُلاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. رواه مسلم. وفي روايةٍ: «أَلا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْن: أَحَدُهُما كِتَابُ اللّهِ وَهُو حَبْلُ اللّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، ومَنْ تَرَكَهُ كانَ على ضَلَالَةٍ».
مفردات الحديث
- أعي: أي أحفظ.
- بماء يُدعى خُمًّا: خُمّ موضع بين مكة والمدينة تَصُبُّ فيه عَين وتُنسَب إلى اسمها فيقال لها: غدير خُم.
- يوشك أن يأتي رسول ربي: يَقرُب أن يأتي ملك الموت.
- ثقلين: يقال لكلّ خطير نفيس ثقيل، فسمّاهما ثَقَلين إعظامًا لقدرهما وتفخيمًا لشأنهما.
- الصدقة: أي الزكاة الواجبة.
- حبل الله: عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه ورحمته.
فوائد الحديث
- * استحباب التلطف في طلب العلم من العالم بأطيب العبارات وأحسنها.
- * بشرية النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ، وأنّ الموت يأتيه كبقية البشر.
- * الحث على التمسك بكتاب اللهِ تعالى والعمل بأوامره وترك نواهيه.
- * تأكيد الوصاية بأهل النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ وطلب العناية بشأنهم.
347
باب اكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان فضلهم
عَن ابنِ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما، عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: «ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أَهْلِ بيْتِهِ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- موقوفًا: أي ما أضيف إلى الصحابيّ من قول أو فعل.
- ارْقُبُوا: أي رَاعُوهُ واحترِموُه وأكرمُوه.
فوائد الحديث
- * إكرام أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّمَ وتعظيمهم وحبهم وموالاتهم.
- * محبة آل النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ إنّما تكون باتباع هَدْيِ النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ والتخلّق بأخلاق أهل بيته، وليس حبًّا عاطفيًّا مجرَّدًا يؤدي إلى المغالاة، وربما إلى شيءٍ محظورٍ في الإسلام، فالمحبّة الصادقة علامتها الاتباع والاقتداء لا مجرد الدَّعوى.
348
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن أَبي مسعودٍ عُقبةَ بنِ عَمرٍو البدريِّ الأنصاريِّ رضي اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا في الْقِراءَةِ سَواءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كانُوا في الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ، وَلا يَقْعُدُ في بيْتِهِ على تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» رواه مسلم. • وفي روايةٍ لَهُ: «فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» بَدل «سِنًّا»: أَيْ إِسْلامًا. • وفي رواية: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكتَابِ اللهِ، وأَقْدَمُهُمْ قِراءَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِراءَتُهمْ سَواءً فَيَؤُمُّهُم أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانوا في الهِجْرَةِ سوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمُ سِنًّا».
مفردات الحديث
- سُلْطَانه: محلُّ ولايتِهِ، أَوْ الموْضعُ الذي يخْتَصُّ به.
- تَكْرِمته: هِي ما يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ فِراشٍ وسرِيرٍ ونحْوِهِمَا.
- سلمًا: أي إسلامًا فيُقدَّم الشابّ القديم المدة في الإسلام على الشيخ الحديث فيه.
فوائد الحديث
- * فضيلة قارئ القرآن والعالم بالسنة وأمور الشريعة.
- * أنَّ الأحقَّ بإمامة الصلاة هو الأقرأ لكتاب الله، فإن استوَوا في القراءة فالأعلم بالسُّنة، فإن استووا فالأقدم هجرة، فإن استووا فالأكبر سِنًّا.
- * أنَّ السلطان وصاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحقّ بالإمامة من غيرهم ما لم يأذن أحدهم بإمامة أحد المصلين.
- * ضرورة التِزام الأدب والإذن في استعمال حقوق الآخرين.
- * فضيلة الهجرة، وفضيلة السبق إلى الإسلام.
- * في قوله صلى الله عليه وسلم يؤم القوم حجة لمنع إمامة المرأة للرجال، لأن لفظ القوم خاص بالرجال، لكنّها تؤمّ النساء.
- * الإمامة أمانة ومسؤولية لا يُندَب إليها إلَّا الأَكْفَاء لها وليست مجرد وظيفة ومنفعة شخصية.
349
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن أبي مسعودٍ عُقبةَ بنِ عَمرٍو البدريِّ الأنصاريِّ رضي اللهُ عنه قال: كان رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْسحُ منَاكِبَنَا في الصَّلاةِ وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا وَلا تخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِني مِنْكُمْ أُولُوا الأَحْلامِ والنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الذينَ يلونَهم»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- مناكبنا: المناكب جمع منكب وهو مجمع رأس الكتف والعضد.
- لِيَلِني: ليُدْنُ مني في الصلاة.
- النُّهَى: الْعُقُول.
- أُولُوا الأَحْلام: هُمُ الْبَالِغُونَ، وَقيل: أَهْلُ الحِلْمِ وَالْفَضْلِ.
فوائد الحديث
- * تقديم الأفضل فالأفضل ليكونوا خلف الإمام في الصلاة، لأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أَوْلَى، ولأنه يَتَفطَّن لتنبيه الإمام عن السَّهو فيما لا يَفطن له غيره.
- * يقدَّم أهل الفضل في الصلاة ومن بابٍ أَوْلَى تقديمهم فيما هو دونها من أمور المسلمين.
- * الحث على تسوية الصفوف في الصلاة والاعتناء بها، فاختلاف الصفوف سببٌ لاختلاف القلوب.
- * في تسوية الصفوف وتراصِّ المناكب إشارة إلى وحدة الصف في الأمَّة، ووحدة كلمتها.
350
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلامِ والنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ثَلاثًا «وإِيَّاكُم وهَيْشَاتِ الأَسْوَاقِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- هيشات الأسواق: أي المنازعة والخصومات التي تحصل في الأسواق وارتفاع الأصوات واللَّغط ونحوه.
فوائد الحديث
- بالإضافة إلى ما سبق في حديث ٣٤٩
- * النهي عن إحداث الضجيج وارتفاع الأصوات أمام المصلين، وكذلك أمام المساجد، لما لها من الحُرمة والمكانة.
- * عدم التشويش على المصلين، ومن أمثلة التشويش أصوات الهواتف الجوّالة، ومن يجلس في آخر المسجد من الشباب فيتكلمون بصوت مرتفع وضحكات لا تليق خاصّة في شهر رمضان.
- * العناية بالصلاة والاهتمام بها واتخاذ الأسباب لأدائها على الوجه المشروع.
351
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن سَهْلِ بن أبي حَثْمَة الأَنصاريِّ رضي اللهُ عنه قال: انْطَلَقَ عبْدُ اللهِ بنُ سهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلى خَيْبَرَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا. فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلى عبدِ اللهِ بنِ سَهلٍ وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ قَتيلًا فدفَنَهُ، ثمَّ قَدِمَ المدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرحْمنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مسْعُودٍ إِلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمنِ يَتَكَلَّمُ؛ فقال: «كَبِّرْ كَبِّرْ» وَهُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا فقال: «أَتَحْلِفُونَ وَتسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟»
وَذَكَرَ تَمامَ الحدِيث. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- هي يومئذ صلح: أي وهي في ذلك الوقت كانت تحت الصلح الذي عقده النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم مع اهلها اليهود بعد فتحها.
- يتشحّط: يتخبّط ويضطرب.
- المقتول هو عبد اللهِ بن سهل، وله أخ اسمه عبد الرحمن، ولهما ابنا عم هما محيّصة وحويّصة، وهما أكبر سنًّا من عبد الرحمن، فلما حضر عبد الرحمن ومحيّصة وحويّصة إلى مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّمَ، أراد عبد الرحمن أخو القتيل أن يتكلم، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " كبّر " أي ليتكلمْ مَن هو أكبر منك.
- أحدث القوم: أصغرهم.
فوائد الحديث
- * هذا الحديث يُعرف بـ"حديث القَسَامَة"؛ والقسامَة هي الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ في دعوى أنّ فلانًا قتل فلانًا، ولها أحوالٌ معيّنة مذكورة في كتب الفقه.
- * استحباب تقديم الكبير سنًّا في الكلام عند التساوي في الفضائل.
- * يقدَّم الكبير في الإمامة وولاية النكاح وغير ذلك إذا كان له نظائر.
- * الحلف في دعوى القسامة لورثة القتيل.
352
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن جابرٍ رضي اللهُ عنه أَنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ يَجْمَعُ بيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ -يَعْني في القَبْرِ- ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُما أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟»
فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إلى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ. رواه البخاريُّ
مفردات الحديث
- أكثر أخذًا للقرآن: أي أكثر حفظًا للقرآن.
- قدّمه في اللّحد: جعله في الشقّ الذي في جانب القبر إلى جهة القبلة.
فوائد الحديث
- * جواز دفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد عند الضرورة.
- * تقديم الأكثر حفظًا للقرآن على مَن دونَه في الحفظ إلى جهة القبلة عند الدفن في القبر، تكريمًا للحافظ وتشريفًا له.
353
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن ابن عُمرَ رضي اللهُ عنهما أَنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «أَرَاني في المَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِي رَجُلانِ، أَحدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ، فقيلَ لي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا»
رواه مسلم والبخاريُّ تعلِيقًا
فوائد الحديث
- * تقديم الأكبر سنًّا في كلّ أمر كريم؛ كذلك في الطعام والشراب والمشي والكلام.
- * استعمال السواك أمر له شأن في الإسلام، وقد حرص عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى في آخر لحظات حياته.
354
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن أبي موسى رضي اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللهِ تعالى إِكْرَامَ ذي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرآنِ غَيْرِ الْغَالي فِيهِ والجَافي عَنْهُ، وإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِطِ»
حديثٌ حسنٌ رواه أبو داود
مفردات الحديث
- إن من إجلال الله: أي تبجيله وتعظيمه.
- ذي الشيبة: الذي ابيَضّ شعره وهو يقضي حياته في الإسلام والإيمان.
- حامل القرآن: قارئه وحافظه، سُمِّيَ حاملًا لِمَا تَحمَّل في حفظه من المشقة والجهد في تفهمه والعمل بأحكامه وتدبُّره.
- الغالي: المتجاوز الحد في التشدد والعمل به وتَتَبُّع ما خَفيَ عليه من معانيه.
- الجافي له: التارك له والبعيد عن تلاوته والعمل بما فيه.
- المقسط: العادل.
فوائد الحديث
- * أنَّ المؤمن يُنزل الناسَ منازلهم، ولا يجعلهم على حدٍّ سواء في إكرامهم وتقديرهم، بل على حسب مراتبهم في الدِّين، ومراتبهم في كِبَر السِّن، ومراتبهم في وظائفهم الشَّرعية.
355
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبيهِ، عن جَدِّه رضي اللهُ عنهم قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» حديثٌ صحيحٌ
رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح. • وفي رواية أبي داود «حَقَّ كَبِيرِنَا»
مفردات الحديث
- ليس منا: أي ليس من أهل سنتنا وهدينا.
فوائد الحديث
- * الرحمة بصغار المسلمين وذلك بالشفقة عليهم والإحسان إليهم.
- * تعظيم الكبار وإجلالهم وتبجيلهم.
356
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن مَيْمُونِ بنِ أَبي شَبِيبٍ أَنّ عَائشَةَ رضي اللهُ عنها مَرَّ بِها سَائِلٌ، فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وهَيْئَةٌ، فَأَقْعَدَتْهُ، فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَهَا في ذلكَ؟ فقالت: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» رواه أبو داود. لكِنْ قال: مَيْمُونُ لَمْ يُدْرِك عائِشَةَ. • وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ في أَوَّلِ صَحِيحهِ تَعْلِيقًا فقال: وَذُكِرَ عَنْ عائِشَةَ رضي اللهُ عنها قالت: أَمرنا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، وَذَكَرَهُ الحاكِمُ أَبُو عبدِ اللهِ في كِتابِهِ (مَعْرفَة عُلُومِ الحَديث) وقال: هو حديثٌ صحيح.
مفردات الحديث
- كسرة: القطعة المكسورة من الخبز.
- رجل عليه ثياب وهيئة: أي الحالة الظاهرة، والمراد هنا حالة حسنة.
- منازلهم: مراتبهم ومناصبهم.
فوائد الحديث
- * الحثّ على مراعاة مراتب الناس ومكانتهم ليُعطى كلُ ذي حقٍّ حقَّهُ في القيام والمخاطبة وغير ذلك من الحقوق.
- * الاستدلال بالحديث النبوي حجة قوية في الشرع، وهو أبلغ من ذكر الحكم من غير دليل.
- 🕋
357
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن ابنِ عباسٍ رضيَ اللّهُ عنهما قال: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَنَزَلَ عَلَى ابنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ رضي اللّهُ عنه، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فقال عُيَيْنَةُ لابْنِ أَخِيهِ: يا ابْنَ أَخِي لَكَ وجْهٌ عِنْدَ هذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لي عَلَيْهِ، فَاسْتَأَذَنَ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ رضيَ اللّهُ عنه، فلمَّا دَخَلَ قال: هِي يا ابْنَ الخَطَّابِ؛ فَوَاللّهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ، وَلا تَحْكُمُ فِينا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ رضيَ اللّهُ عنه حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فقال لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ اللّهَ تعالى قال لِنَبِيِّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ [الأعراف: ١٩٩] وإنَّ هذا مِنَ الجَاهِلِينَ. واللّهِ ما جاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللّهِ تعالى.
رواه البخاريّ
مفردات الحديث
- أصحاب مجلس عمر: أي الملازمين لمجلسه.
- كهولًا: الكهل من الرجال: من زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل إلى تمام الخمسين.
- لك وجه: أي لك جاه ومنزلة.
- هِيْ يا ابن الخطّاب: كلمة تهديد، وقيل معناها: زدني من الحديث.
- العطاء الجزل: العطاء الكثير.
- همَّ: أراد.
- خذ العفو: خذ ما عفا وتيسَّر من أخلاق الناس ولا تدقق معهم.
- وأمر بالعرف: أي بالعرف غير المخالف للشرع، أو بالمعروف شرعًا.
- أعرض عن الجاهلين: أي لا تقابلهم بسفههم.
- وقّافًا عند كتاب الله: كناية عن امتثاله للآية والاهتمام بأمرها، وعدم تجاوز ذلك.
فوائد الحديث
- * منزلة قرَّاء القرآن وهم العلماء العاملون بأحكامه، لا المقتصرون على تلاوته.
- * توجيه للحاكم أن يتخذ بطانةَ خيرٍ وفهمٍ يجالسهم ويستشيرهم.
- * قيمة المستشار بعلمه وتقواه، لا بحسبه وكِبَر سنِّه.
- * ضرورة تحلي الحاكم الذي يتولى مسؤولية رعاية الأمة بالصبر والحلم والأناة وضبط الغضب، فإن مصالح الأمة لا تستقيم مع الغضب.
- * المسؤول المسلم لا يتردد في الرجوع إلى الحق والصواب، فالرجوع إلى الحق فضيلة.
358
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن أَبي سعيدٍ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ رضيَ اللهُ عنه قال: لَقَدْ كنْتُ عَلَى عهْدِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ غُلامًا، فَكُنْتُ أَحفَظُ عنْهُ، فَمَا يَمْنَعُني مِنَ القَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَهُنَا رِجالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي.
متفق عليه
فوائد الحديث
- أدب طالب العلم، فلا يتجرَّأ على الفتوى في حضور العلماء.
- * أهمية الحفظ في الصِّغَر.
- * احترام الكبار وتوقيرهم خاصّة إذا اتّصفوا بالعلم والفضل.
359
باب توقير العُلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
عن أَنسٍ رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «ما أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ»
رواه الترمذي وقال حديث غريب
مفردات الحديث
- شيخًا: في سنِّ الشيخوخة.
- إلا قيَّض: أي هَيَّأ وقدَّر.
فوائد الحديث
- * استحباب مساعدة الضعفاء من الشيوخ.
- * فيه إيماء إلى وعد من أكرم شيخًا لسنِّه بأن يطول عمره حتى يبلغ ذلك السنَّ ويقيِّضَ اللهُ له من يقوم بكرامته.
- * الجزاء من جنس العمل، واللهُ لا يُضيع أجر من أحسن عملًا.
- * الأخلاق الحميدة الكريمة من الدِّين، ولا يتم الدِّين إلَّا بها
360
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن أَنسٍ رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ أبو بكرٍ لِعُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما بَعْدَ وَفَاةِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: انْطَلِقْ بِنَا إِلى أُمِّ أَيْمَنَ رضيَ اللهُ عنها نَزُورُهَا كَمَا كانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَزُورُهَا، فلَمَّا انْتَهَيا إِلَيْهَا بَكَتْ، فقالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ ما عِنْدَ اللهِ خيرٌ لرسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ فقالت: إِنِّي لا أَبْكِي أَنِّي لا أعْلَمُ أَنَّ ما عِندَ اللهِ تعالَى خَيرٌ لرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَـكنْ أبْكي أَنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا على البُكَاءِ، فَجعلا يَبْكِيانِ معهَا.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أم أيمن: مولاةٌ لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ، كانت تحضنه حتى كبر، وهي من الحبشة، أعتقها حين تزوج خديجة رضي الله عنها، أنْكَحها زيدَ بن حارثة، فهي أم أسامة بن زيد رضي الله عنهما، تُوفيت بعد رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ بفترة قريبة.
- فهيّجتهما على البكاء: أي أثَّرت فيهما وأثارتهما فحملتهما على البكاء.
فوائد الحديث
- * جواز البكاء حزنًا على فراق الصالحين والأصحاب، وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضلَ ممَّا كانوا عليه.
- * من الوفاء للصّاحب بعد وفاته، زيارة أحبابه والتودد لهم.
- * جواز زيارة الصالح لمن هو دونه.
- * فضل أم أيمن رضيَ اللهُ عنها.
- * جواز زيارة جماعة من الرجال المرأةَ الصالحة وسماع كلامها.
- * محبة الصحابة لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلمَ، وحزنهم على فراقه بعد وفاته، وحزنهم لانقطاع الوحي بعده.
361
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ في قَريَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ تعالى على مَدْرَجَتِهِ ملَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قال: أَيْنَ تُريدُ؟ قال: أُرِيدُ أَخًا لي في هذِهِ الْقَرْيَةِ. قال: هَلْ لَكَ علَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قال: لا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ في اللهِ تعالى، قال: فَإِنِّي رسولُ اللهِ إِلَيْكَ بأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أَرْصد: أَقعَد، يقال أرصده إِذَا وكَّلَهُ بِحِفْظِه.
- مدرجته: طريقه.
- تَرُبُّهَا: ترعاها، تَقُومُ بهَا، وتَسْعَى في صَلاحِهَا.
فوائد الحديث
- * عظيم فضل الحبِّ والتزاور في الله تعالى.
- * المحبّة في الله يجب ألّا ترتبط بالمصالح الدنيوية، فلا يزيد الحبّ في الله بزيادة المصلحة ولا ينقص بزوالها، بل يكون مرتبطًا بفعل الطاعات وترك المعاصي، لذا عرّفه بعض العلماء بقولهم: " الحبُّ في الله: هو ما لا يزيد بالوصل ولا ينقص بالجفاء".
- * الآدميّ يمكن أن يرى الملَك ويكلّمه
362
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ عَادَ مَريضًا أَوْ زَارَ أَخًا له في اللهِ، نَادَاهُ مُنَادٍ بِأَنْ طِبْتَ، وطَابَ ممْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجنَّةِ منْزِلًا»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ، وفي بعض النسخ: حسنٌ غريبٌ
مفردات الحديث
- عَادَ مَريضًا: زاره مخْلِصًا في ذلك لله.
- طبتَ: دعاءٌ له، أي انشرحت بما لك عند الله تعالى من جزيل الأجر، أو طهرت من الذنوب بغفرانه لك.
- طاب ممشاك: أي عَظُمَ ثوابه.
- تَبَوَّأْتَ: تبوَّأ المكان شغله وتوطَّنه.
فوائد الحديث
- * استحباب عيادة المريض.
- * استحباب زيارة الإخوة في الله.
363
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن أبي موسى الأَشعَرِيِّ رضيَ اللهُ عنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «إِنَّما مثَلُ الجلِيسِ الصَّالِـحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طيِّبَةً، ونَافخُ الكيرِ: إِمَّا أَن يُحْرِقَ ثيابَكَ، وإمَّا أنْ تجِدَ مِنْهُ ريحًا مُنْتِنَةً»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- حامل المسك: هو من يبيع العطور، شبَّه الخير الذي تلقاه من صحبة الصالحين بالعطر الذي تجده من صُحبة بائِعه.
- يحذيك: يُعطيك مجانًا.
- نافخ الكير: هو الحدّاد.
- الكِير: هو جلدٌ غليظ ذو حافّات، يَنفخ فيه الحدّاد لطرد الشوائب من الحديد.
فوائد الحديث
- *أنّ من جالس الأخيار لن يعدَم الخير مطلقًا، ومن جالس الأشرار لن يعدم حصول شيء من الشر له.
- * لا يُفهم من الحديث أنّ مهنة الحِدادة مهنةٌ دنيئة أو سيّئة؛ فالتشبيه هنا تشبيهٌ لحصول الضرر بصحبة الأشرار كما يحصل الضرر لمن وقف بجانب الحداد بسبب تطاير الشرر أو رائحة الحديد ونحو ذلك؛ فهو تشبيه حصول الضرر بالضرر لا تشبيه الحداد بصديق السوء.
- * أنّ المسلم يحرص أن يكون لغيره كحامل المسك وألَّا يكون كنافخ الكير.
- * جواز بيع المسك والحكم بطهارته.
- فاظفر: الظفر هو الفوز بالمطلوب.
- تربت يداك: التصقت يداك بالتراب، كَلِمَة أَصْلُهَا افْتَقَرت.
364
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنهُ، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبعٍ: لِمالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، ولِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك»
متفقٌ عليه
365
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عنْ ابن عبّاسٍ رضي اللهُ عنهما قال: قال النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ عليه السلام: «مَا يمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟» فَنَزَلَتْ: ومَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَما خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ. [مريم ٦٤]
رواه البخاريّ
مفردات الحديث
- نَتَنَزَّل: التنزّل نزولٌ على مهل.
- له ما بين أيدينا وما خلفنا: ما أمامنا وخلفنا من الأزمنة والأمكنة، فلا ننتقل من شيء إلى شيء إلا بأمره وإرادته.
فوائد الحديث
- * محبة النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام وشوقه لرؤيته، وللعلم بما يحمل معه من وحي.
- * من جميل الأخلاق التلطّف في الكلام مع الصاحب كالسؤال قبل العتاب واختيار العبارات المحببّة.
366
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «لا تُصَاحبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، ولا يَأْكُلْ طعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ»
رواه أبو داود، والترمذيّ بإِسْنَادٍ لا بأْس بِهِ وقال حديث حسن
فوائد الحديث
- * النهي عن مصاحبة الكفَّار والمنافقين ومودتهم، لأن مصاحبتهم مضرَّة في الدِّين.
- * الأمر بملازمة الأتقياء ومخالطتهم.
- * ليس المراد حرمان غير التقيّ من الإحسان وإسداء الجميل إليه، بل المراد ألا يُخالطه، فالمصطفى صلّى الله عليه وسلّم أطعم المشركين.
- * صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشرّ.
367
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أَنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «الرَّجُلُُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»
رواه أبو داود والترمذيّ بإِسنادٍ صحيح، وقالَ حديثٌ حسن
مفردات الحديث
- دين خليله: أي طريقته وسيرته ومنهجه في الحياة.
- خليله: الخليل: الحبيب والصديق والرفيق الذي تخلّلت المودة والمحبة قلبه.
- فلينظر أحدكم من يخالل: أي فليتأمَّل وليتدبَّر بعين بصيرته من يصادق.
فوائد الحديث
- * أقل درجات الأخوّة والصداقة النظر بِعَيْنِ مَحبَةِ الخير لمن تصادقه.
- * النهي عن مجالسة من يُتأذَّى بمجالستهم ومخالطتهم.
- * الخلّة الحقيقيّة لا تُتصوّر إلّا في التوافق الدِّيني.
368
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن أبي موسى الأَشْعَرِيِّ رضيَ اللهُ عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». متفق عليه. • وفي رواية قال: قيل للنّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الرجلُ يُحبُّ القومَ وَلَمَّا يلحقُ بهم؟ قال: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ».
مفردات الحديث
- مع من أحب: أي يُحشر مع محبوبه ويجتمع به.
- ولمّا يلحق بهم: أي لا يستطيع أن يعمل بعملهم.
فوائد الحديث
- * على المرء أن يختار الأصدقاء والإخوان من الصالحين والمتقين ليُحشر معهم، وهذا من فضل صحبة الأخيار.
- * كون المرء يُحشر مع من أحبّ لا يستلزم مساواته له في منزلته وعلو مرتبته، لأن ذلك متفاوت بتفاوت الأعمال الصالحة.
- * على المرء أن يجتنب صحبة الأشرار والفساق كي لا يحشر معهم، فإن الصاحب ساحب.
369
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن أَنسٍ رضيَ اللهُ عنه أَنَّ أَعرابيًّا قالَ لرسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: مَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» قال: حُبُّ اللهِ ورسولِهِ قال: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» متفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلمٍ. • وفي روايةٍ لهما: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَوْمٍ، وَلا صَلاةٍ، وَلا صَدَقَةٍ، ولَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ.
مفردات الحديث
- متى السَّاعة؟: أي متى يوم القيامة؟
- حبّ اللهِ ورسوله: المراد المحبّة القلبية وآثارها التي تدلّ عليها من طاعة اللهِ ورسوله.
فوائد الحديث
- *حكمة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في إجابة الرجل الذي سأل عن الوقت فقال له: ما لك ولوقتها، إنّما يهمك التزود والعمل بما ينفعك فيها.
- * فضل حبّ الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم والصالحين الموصل إلى اللّحاق بهم في دار القرار.
- * يوم القيامة يلتقي كل محبّ بمحبوبه.
- * معيَّة الله للإنسان تكون بالنصر والتوفيق.
370
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه قال: جاءَ رَجُلٌ إِلى رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: يا رسولَ اللهِ، كَيْفَ تَقُولُ في رَجُلٍ أَحبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لم يلحق بهم : يعني في العمل، لأنّه مقصّر ومرتبته دون مرتبتهم، فليس له من الاجتهاد ما لهم في طاعة الله عز وجل.
فوائد الحديث
- * على المرء أن يختار الأصدقاء والإخوة في الله من الصالحين والمتقين ليُحشر معهم.
- * أن يحشر المرء مع من أحب لا يستلزم مساواته له في منزلته وعلو مرتبته، لأن ذلك متفاوت بتفاوت الأعمال الصالحة.
- * على المرء أن يجتنب صحبة الأشرار والفُسَّاق كي لا يحشر معهم.
371
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «النَّاسُ معَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّة خِيارُهُمْ في الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوا، وَالأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» رواه مسلم. • وروى البخاري قوله: «الأَرْوَاحُ….»
إلى آخرهِ من روايةِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها
مفردات الحديث
- معادن: جمع معدن، وهو الشيء المستقر في الأرض، ويكون نفيسًا تارةً وخسيسًا أخرى، وكذلك الناس يظهر من بعضهم ما في أصله من خسَّة وشرف.
- خيارهم في الجاهلية: أشرافهم فيها، والجاهلية : ما قبل الإسلام، وقد سُمّي أهل الجاهلية بهذا لكثرة جهالاتهم فيها.
- فقهوا: أي علموا، وقيل صار الفقه لهم سَجِيَّة.
- جنود مجندة: جموع مجتمعة وأنواع مختلفة.
- ما تعارف منها ائتلف: إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر؛ فالخيِّر يحنّ إلى شكله وشبيهه، والشرّير يحنّ إلى نظيره كذلك.
فوائد الحديث
- * مناقب الجاهلية لا يُعتدّ بها إلا إذا أسلم أصحابها وتفقهوا في الدين وعملوا الصالحات.
- * تتعارف الأرواح بحسب الطباع التي جُبلت عليها من خير أو شر، فإذا اتفقت تعارفت، وإن اختلفت تناكرت.
- * أنّ الإنسان إذا وجد من نفسه نُفرة عن أصحاب الفضل والصلاح فينبغي أن يبحث عن سبب هذا، ليسعى للتخلص منه، وكذلك عكسه.
372
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن أُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو -ويُقَالُ: ابْنُ جابِر- قال: كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عنه إِذا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدادُ أَهْلِ الْيمنِ سأَلَهُمْ: أفيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ رضي الله عنه، فقال له: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عامِرٍ؟ قال: نَعَمْ، قال: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قال: نعَمْ، قال: فكَانَ بِكَ بَرَصٌ، فَبَرِأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قال: نَعَمْ، قال: لَكَ والِدَةٌ؟ قال: نَعَمْ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «يَأْتِي علَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مع أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ برصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُو بِها بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ على اللهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْف…
مفردات الحديث
- رثَّ البيت: كناية عن فقره وقِدم أثاث بيته.
- قليل المتاع: المتاع في اللغة كل ما ينتفع به.
- برص: مرض جلدي وهو بياض يظهر على البشرة.
- فبَرِأ: فشّفَي.
- بَرّ: بالغ في البر والإحسان إلى أمه.
- غبراء الناس: أي فقراؤهم ومن لا يُعرف عينه من اخلاطهم.
- الأمداد: وهم الأعوان والناصرون الذين كانوا يمدُّون المسلمين في الجهاد.
فوائد الحديث
- * فضل أويس بن عامر رضي وأنه خير التابعين.
- * من جملة معجزات النبي صلى الله عليه وسلم الإخبار عن الأمر قبل وقوعه، وفي هذا الحديث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أويسًا باسمه وصفته وعلامته واجتماعه بعُمَر؛ فكان كما أخبر.
- * ما فعله عمر رضي الله عنه فيه تبليغ الشريعة ونشر السنة، والإقرار بالفضل لأهله، والثناء على من لا يخشى عليه عُجبٌ بذلك ليَقِينه وكمال دينه.
- *طلب الدعاء من أصحاب الفضل والصلاح وإن كان الطالِب أفضل، والازدياد من الخير.
373
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن عمرَ بنِ الخطّاب رضيَ اللهُ عنه قال: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في العُمْرَةِ، فَأَذِنَ لي، وقال: «لا تَنْسَنَا يا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ» فقال كَلِمَةً مَا يسُرُّني أَنَّ لي بِهَا الـدُّنْيَا. • وفي روايةٍ قال: «أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ في دُعَائِكَ»
رواه أَبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- أشركنا في دعائك: أي اجعلنا معك في دعائك.
- أنّ لي بها الدنيا: أي كون جميع الدنيا لي بدلًا منها.
فوائد الحديث
- * استحباب طلب المقيم من المسافر ووصيته بالدعاء في مواطن الخير، ولو كان المقيم أفضل من المسافر، لاسيما إذا كان السفر لحج أو عمرة.
- * فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
- * فضل الدعاء بظهر الغيب.
- * استحباب استئذان التلميذ أستاذه، والمريد شيخه في مهمّاته.
374
باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.
عن ابن عُمرَ رضيَ اللهُ عنهما قال: كَانَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَزُورُ قُبَاءَ رَاكِبًا وَماشِيًا، فَيُصلِّي فِيهِ رَكْعتَيْن.ِ متفقٌ عليه. • وفي روايةٍ: كان النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَأْتي مَسْجِدَ قُبَاءَ كُلَّ سبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وكَانَ ابْنُ عُمَرَ يفعله.
مفردات الحديث
- قُباء: قرية قريبة من المدينة النبوية المنورة، أما اليوم فقد امتد العمران من المدينة إلى قباء، فأصبحت حيًّا من أحيائها.
فوائد الحديث
- * استحباب زيارة مسجد قباء، وقد ورد في فضل الصلاة فيه أحاديث، منها ما رواه الترمذي: "صلاة في مسجد قباء كعمرة ".
- * حرص عبد اللهِ بن عمر رضي اللهُ عنهما على التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
375
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن أَنسٍ رضيَ اللهُ عنه، عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيَمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُما، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَه أَنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * كمال الإيمان يكون بالتلذّذ بالطاعات والرغبة فيها وإيثار ذلك على عَرَض الدنيا.
- * حبّ اللهِ ورسولِه يعني إيثار رضاهما على هوى النفس بحيث يصير هوى الإنسان تبعًا لما جاء عنهما.
- * تكون زيادة المحبة أو نقصها بسبب زيادة القرب من الله أو البعد عنه.
- * كراهية الكفر إنّما تكون بعدم مباشرة أسبابه، والبعد عن موجباته من المعاصي والآثام، لا مجرّد كراهية قلبية.
376
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «سبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمامٌ عادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجلَّ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مَعلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلان تَحَابَّا في اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فقال: إِنِّي أَخافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- سبعة: أي سبعة أصناف من الناس.
- في ظله: في ظل عرشه.
- إمام: الإمام صاحب الولاية العظمى، ويلحق به من ولي شيئّا من أمور المسلمين فعدل فيه.
- قلبه معلق في المساجد: أي مُحبٌّ لها منتظرٌ للصلاة فيها.
- ذات منصب: أي أصل وشرف.
- فاضت عيناه: بَكَتا وسال دمعهما.
فوائد الحديث
- * فضل الإمام العادل ورعاية الله له، وإنما قُدم على من بعده لكثرة المصالح المتعلقة به.
- * فضل الشاب الذي لم يزاول المعاصي وجاهد نفسه فنشأ على طاعة ربه.
- * فضل من يرتاد المساجد ويهفو قلبه إليها كلما خرج منها حبًّا في الصلاة وأنواع العبادة فيها.
- * فضل الحب في الله الذي يجمع بين الإخوان لا على عَرَض دنيوي.
- * فضل العفّة عند توفر دواعي المعصية خشية من الله.
- * فضل صدقة السرّ التي لا تجرح شعور الفقير ولا تدعوا إلى الرياء.
- * فضل مراقبة الله في السر وخشيته في الوحدة المفضية إلى البكاء ندمًا وتوبةً.
377
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إن اللهَ تعالى يقولُ يَوْمَ الْقِيَامةِ: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ بِجَلالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَومَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- بجلالي: أي تحابوا في الله ولأجل عظمته لا لغرض من أغراض الدنيا، وسؤاله عنهم سبحانه مع علمه بهم إنما هو لينادي بفضلهم في ذلك الموقف.
فوائد الحديث
- * الإشادة بمن يفعل الخير، وإبراز مكانتهم في المحافل تشجيعًا لغيرهم، هذا إذا لم يترتب على ذلك ضرر.
378
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوه تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بينَكم»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- * أن دخول الجنّة لا يكون إلا بالإيمان، وأن الإيمان لا يكمل إلا أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه.
- * أن السلام من أول أسباب التآلف، وأنه مفتاحٌ لاستجلاب المودة، وفي إفشائه تتمكن ألفة المسلمين، وفي بذله إظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، وإلقاء السلام سنة، ورده فرض، وصيغته المشروعة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولا ينوب عنها صيغة أخرى من صيغ التحية، كصباح الخير وغيرها.
- * لا يقتصر الإيمان على مجرد التصديق القلبي المجرد عن العمل الصالح، كما أفاد قوله عليه الصلاة والسلام " ولا تؤمنوا حتى تحابوا ".
379
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ في قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَد اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجتِهِ مَلَكاً» وذكر الحديث إلى قوله: «إِن اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- مدرجته: طريقه.
- أَرْصد: أَقعَد، يقال أرصده إِذَا وكَّلَهُ بِحِفْظِه.
فوائد الحديث
- * عظيم فضل الحبِّ والتزاور في الله تعالى.
- * المحبّة في الله يجب ألّا ترتبط بالمصالح الدنيوية، فلا يزيد الحبّ في الله بزيادة المصلحة ولا ينقص بزوالها، بل يكون مرتبطًا بفعل الطاعات وترك المعاصي.
- * الآدميّ يمكن أن يرى الملَك ويكلّمه.
- * أنّ الحب في الله من أسباب حبّ الله لعبده.
- * أنّ الحب في الله لابد أن يظهر أثره من التزاور والتناصح والتعاون على البرّ والتقوى.
- الأنصار: هم أهل المدينة النبوية من الأوس والخزرج الذين استقبلوا الرسولَ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم وأصحابه المهاجرين، وآووهم في المدينة وقاسموهم أموالهم ولم يبخلوا عليهم بشيء، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وسُمُّوا بهذا الاسم لنصرهم الإسلام بالنفس والنّفيس.
380
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن البَرَاءِ بْنِ عَازبٍ رضي اللهُ عنهما عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنه قال في الأَنْصَار: «لا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤمِنٌ، وَلا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أحبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ الله»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * أن حب الأنصار واجبٌ لنصرهم الإسلام، وهو من علامات الإيمان.
- * أن بغض الأنصار من علامات النفاق.
- * من شارك الأنصار في نصرة الله ورسوله بما أمكنه كان له مثل أجرهم.
381
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن مُعَاذٍ رضيَ اللهُ عنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «المُتَحَابُّونَ في جَلالي، لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يغبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- منابر: جمع منبر، وهو المكان المرتفع.
- يغبطهم: الغبطة تمني مثل ما للغير من الخير من غير تمني زواله عن صاحبه.
فوائد الحديث
- * أن للمتحابين في الله منازل شريفة عظيمة في الآخرة.
- * جواز الغبطة في الخير، ولا يعدُّ هذا من الحسد المزموم.
- * لا يلزم من غبطة الأنبياء للمتحابين في الله أنهم أفضل من الأنبياء عند الله، فإن الأنبياء أفضل الخلق، وإنما أريد بيان فضل وشرف المتحابين في الله وعلو منزلتهم.
382
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن أبي إِدريسٍ الخَولانيِّ رَحِمَهُ اللهُ قال: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ، فَإِذَا فتًى بَرَّاقُ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ مَعهُ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا في شَيءٍ، أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضيَ اللهُ عنه ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ، ووَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صلاتَهُ، ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللهِ؛ إِنِّي لأُحِبُّكَ للهِ ، فَقَالَ: آللهِ؟ فَقُلْتُ: ألله، فقال: آللهِ؟ فَقُلْتُ: أللهِ، فَأَخَذَنِي بِحَبْوَةِ رِدَائي، فَجَبذَني إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «قالَ اللهُ تعالى: وَجَبَتْ مَـحبتي للمتحابين فيَّ،والمتجالسين فيَّ،والمتزاورين فيَّ،والمتباذلين فيَّ»
حديث صحيح رواه مالك في الموطّأ بإسناده الصحيح
مفردات الحديث
- براق الثنايا: مضيء الأسنان، حسن الثغر، كثير الابتسام.
- أسندوه إليه: سألوه عنه وأرجعوا إليه الفصل فيه.
- صدروا عن رأيه: رجعوا عما اختلفوا فيه وأخذوا برأيه.
- التهجير: التبكير إلى الصلاة.
- حبوة ردائي: الحبوة من الاحتباء، وهو أن يجمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها، والمراد أخذ بردائي من عند سرتي.
- أبشر: البشارة الخبر السار وتستعمل في الشر تهكمًا.
- المتباذلين: من البذل، وهو العطاء، أي: المتعاونين والمنفقين من أجلي.
فوائد الحديث
- * يستحب إخبار المسلم من يحب بمحبته.
- * أنّ من كان في عبادة أو خلوة بربّه فمن الأدب ألا يُشغل عما هو فيه حتى يفرغ من عبادته.
- * أنَّ من الأدب أن يأتي الإنسان لمن يخاطبه من جهة وجهه كي لا يُفزعه.
383
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن أبي كَريمةَ المِقْدَادِ بن مَعْدِ يكرِبَ رضيَ اللهُ عنه، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال «إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ، فَلْيُخْبِرْه أَنَّهُ يُحِبُّهُ»
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ
فوائد الحديث
- * يستحب إخبار المسلم من يحب بمحبته.
- * الحكمة من إخبار الرجل أخاه بمحبته إياه، لتحصل بينهما مودةٌ وصلةٌ وتزاور ومناصحة وتعاون، فتزداد بذلك المحبة وتتوثق عرى الأخوة.
- * تكلمّ النبي صلى الله عليه وسلم في أمر التآخي ممّا يدلّ على فضلِ الأخوةِ في اللهِ وعظيم منزلتها.
384
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن مُعَاذٍ رضيَ اللهُ عنه، أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أَخَذَ بِيَدِهِ وقال: «يَا مُعَاذُ واللهِ، إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثُمَّ أُوصِيكَ يَا مُعاذُ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ تَقُولُ: اللهُم أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وحُسنِ عِبَادتِك»
رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح
مفردات الحديث
- دبر: عقب؛ أي بعد الانتهاء منها.
- كل صلاة: أي الصلاة مفروضة.
- شكرك: الشكر على المحسن بما أولاه من المعروف، وهو في الشرع يكون:
- بالقلب؛ اعترافًا بنعمة الله.
- باللسان؛ حمدًا لله وإرجاع الفضل له.
- بالعمل؛ فعلًا للطاعة وتركًا للمعصية.
- حسن عبادتك: حسن العبادة أن تشتمل على الشروط والأركان والآداب مع الخشوع والإخلاص.
فوائد الحديث
- * استحباب قراءة هذا الدعاء بعد كل صلاة فرض.
- * في الحديث شاهد على فضل معاذ رضي الله عنه وكمال استقامته.
- * الأسلوب التربوي الحكيم من النبي عليه الصلاة والسلام في ترغيب المتعلم لإقباله على العلم؛ حيث قال له: "والله إني لأحبك" فإنها كلمة تفتح قلب الطالب للإقبال على فعل ما يُدعى إليه.
- * من أحبّ أحدًا استُحبَّ له إخباره
- * أنفعُ الدعاء طلبُ العون على طاعة الله.
385
باب فضل الحبِّ في الله والحثّ عليه وإعلام الرجل مَن يُحبه أنه يُحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه.
عن أَنسٍ رضيَ اللهُ عنه، أَنَّ رَجُلاً كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَمَرَّ رجلٌ بِهِ، فَقال: يا رسولَ اللهِ إِنِّي لأُحِبُّ هَذا، فقالَ لهُ النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَأَعْلَمْتَهُ؟» قَالَ: لا قَالَ: «أَعْلِمْهُ» فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ في اللهِ، فقالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ.
رواه أبو داود بإِسنادٍ صحيح
فوائد الحديث
- * استحباب ذهاب الإنسان إلى أخيه ليخبره بحبّه في الله، فإن في ذلك زيادة الألفة وتبادل المحبة.
- * مشروعية الردّ على من قال لك: إني أحبّك في الله بقولك: أحبّك الله الذي أحببتني فيه.
386
بابٌ في علامات حبّ الله تعالى للعبد والحثّ على التخلق بها، والسعي على تحصيلها.
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ تعالى قال: مَنْ عادَى لي ولِيًّا، فقدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، ومَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتي يبْطِشُ بِهَا، وَرجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بِها وإنْ سَأَلَني أَعْطَيْتُهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- آذَنْتُهُ: أَعْلَمْتُهُ بِأَنِّي مُحَارِبٌ له.
- اسْتَعَاذَني:
- وليًا: الوَلِيُّ هو القريب من الله، لتقربه إليه بالإيمان به وتقواه.
- كنت سمعه: أي كنت حافظًا لسمعه وجوارحه من أن يستعملها في غير طاعة الله، أو أنّ ذلك كناية عن نصر الله لعبده وتأييده له.
فوائد الحديث
- * أنّ أداء الفرائض أشدّ الأعمال حبّا لله.
- * أنّ ادّعاء العبد حبّه لله لابد أن يظهر عليه بفعل ما يحبّه الله من الفرائض ثمّ النوافل.
- * أنّ أعلى غاية ينبغي للمسلم الحرص عليها هي أن يحبّه الله؛ فينبغي أن نجتهد للوصول إليها .
- * المسلم ينال محبّة الله تعالى بأداء الفرائض كاملة والحرص عليها، وهي مقدّمة على النوافل.
- * من تمام أداء النوافل أن يأتي بها على السُّنّة.
- * أنّ الله يجيب دعاء عباده المؤمنين المتقين فهم أولياءه، وينتقم ممن يعاديهم.
387
بابٌ في علامات حبّ الله تعالى للعبد والحثّ على التخلق بها، والسعي على تحصيلها.
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ تعالى العَبْدَ، نَادَى جِبْريلَ: إِنَّ الله تعالى يُحِبُّ فُلانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحبُّهُ جِبْريلُ، فَيُنَادي جِبْريلُ في أَهْلِ السَّمَاء: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوْضَعُ له القَبُولُ في الأَرْضِ» متفقٌ عليه. * وفي رواية لمسلمٍ: قال رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ اللّه تعالى إِذا أَحبَّ عبْدًا دَعا جِبْريلَ، فقال: إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْريلُ، ثُمَّ يُنَادِي في السَّماءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأَرْضِ، وإِذا أَبْغَضَ عَبدًا دَعا جِبْريلَ، فَيَقولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضْهُ، فَيُبْغِضُهُ جِبْريلُ، ثُمَّ يُنَادِي في أَهْلِ السَّماءِ: إِنَّ اللّه يُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضُوهُ، فَيُبْغِضُهُ أَهْلُ السَّماءِ ثُمَّ تُوضَعُ له البَغْضَاءُ في الأَرْضِ».
مفردات الحديث
- أهل السماء: أي الملائكة.
- يوضع له القَبول: أي الحبّ والرضا في قلوب أهل الدين والخير والصلاح، كما أجرى الله ذلك في حق الصالحين من سلف هذه الأمة أمثال أبي بكر وعمر وكثير من الصحابة رضيَ اللهُ عنهم.
فوائد الحديث
- * العبرة في محبة الإنسان وبغضه تكون بأهل الفضل والخير، ولا يقدح في ذلك كراهية الفساق للرجل الصالح، وحبهم للفاسقين أمثالهم، فالمؤمن ينظر بنور الله ويحب من أحب الله.
- * على المسلم أن يحرص على إرضاء الله تعالى ونيل محبّته فبها تنال محبّة أهل السماء وأهل الأرض، لا أن يسعى ليحبّه النّاس فيرتكب في سبيل ذلك بعض المعاصي والمحرّمات؛ فتكون النتيجة بغض الله له ثمّ يوضع له البغض في الأرض فلا هو أرضى الله ولا النّاس رضوا عنه.
388
بابٌ في علامات حبّ الله تعالى للعبد والحثّ على التخلق بها، والسعي على تحصيلها.
عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، بعَثَ رَجُلًا عَلَى سرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرأُ لأَصْحابِهِ في صلاتِهِمْ، فَيخْتِمُ بــ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ فَلَمَّا رَجَعُوا، ذَكَروا ذلكَ لرسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقال: «سَلُوهُ لأِيِّ شَيءٍ يَصْنَعُ ذلكَ؟» فَسَأَلوه، فَقَالَ: لأنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فقال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله تعالى يُحبُّهُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- سَرِيَّة: المجموعة من الجيش ليس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- صِفَةُ الرَّحْمنِ: أي ذُكرت فيها صفات الله تعالى من توحيده وتنزيه عن الولد والشبيه والنَّظير.
فوائد الحديث
- * أنَّ الصحابة كانوا يهرعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتونه في كل ما جدَّ لهم مما لم يعرفوا حكمه.
- * وُصفت سورة الإخلاص بأنّها صفة الرحمن لاشتمالها على:
- ~ما يجب لله سبحانه وتعالى من التوحيد، قل هو الله أحد.
- ~بيان توجُّه الخلق إليه سبحانه وطلب حوائجهم منه وقصدهم إياه في سائر أمورهم، الله الصمد.
- ~ما يستحيل في حقِّه من كونه والدًا لأحد أو مولودًا له أو أنّ له شبيهًا ونظيرًا، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
- * أنَّ الأعمال بمقاصدها ونيّاتها، ولابد مع نيّة الخير أن يوافق العمل السّنّة.
- * جواز تَكرَار السورة الواحدة في الصلاة، فإنّ هذا الصحابي كان يقرأ سورة الإخلاص عقب قراءته لسورة أخرى.
389
بابٌ في التحذير من إيذاء الصّالحِين والضَّعَفَة والمساكين
عن جُنْدُبِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ صَلَّى صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَهُوَ في ذِمَّةِ اللهِ، فَلا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبُّهُ عَلى وَجْهِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- من صلى صلاة الصبح: أي صلاها جماعة في وقتها.
- في ذمة الله: في عهده وأمانه وضمانه.
- يكبّه: يُلقيه ويَقلبه.
فوائد الحديث
- * خُصّت صلاة الصبح بهذه الأفضلية، لما فيها من الكُلفة والمشقّة، فالحرص عليها علامة على الإخلاص.
- * حماية الله تعالى لمن صلّى الصبح في جماعة في المسجد.
- * هذه الفضيلة تكون لمن صلّى الفجر مع الجماعة في المسجد، جمعًا بين الأحاديث، إلا للنّساء ولمن كان له عذرٌ يمنعه من شهودها جماعةً في المسجد.
- * ترك صلاة الصبح أو أداؤها بعد طلوع الشمس يعرّض العبد لنقض الذمّة والعهد الذي بينه وبين ربه.
- * فيه غاية التحذير من التعرض بسوء لمن صلى صلاة الصبح المستلزمة لصلاة بقيّة الخمس، وأنّ في التعرّض له بسوء غاية الإهانة والعذاب.
- * استشعار رحمة الله لعباده وحبّه أن يعملوا بطاعته؛ لذا رتّب لهم الأجور العظيمة والفضائل الكبيرة لمن يعمل بطاعته.
- * على كل ذي سلطان أن يرفق بمن تحت أمره وسلطانه، فيرغّبهم في فعل ما يأمرهم به بالإحسان إليهم إذا التزموا أمره ونهيه.
390
باب إجراء أحكام النَّاس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى
عن ابن عمرَ رضيَ اللهُ عنهما، أَنّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وحِسَابُهُمْ عَلى اللهِ تعالى»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أقاتل: من المقاتلة بمعنى المحاربة، فليس المقصود: أمرت أن أقتل الناس، ولا يلزم من المقاتلة حصول القتل.
- الناس: المقصود بهم هنا الكفار خاصّة.
- عصموا: منعوا وحفظوا.
- إلا بحق الإسلام: أي يجب عليهم بعد عصمة دمائهم وأموالهم أن يقوموا بحق الإسلام من فعل الواجبات وترك المنهيات، ولا يقعوا فيما يوجب قتلهم حَدًّا أو تعزيرًا.
فوائد الحديث
- * شُرِع قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا بإسلامهم أو بذلهم الجزية، ودليل دخولهم فيه نطقهم بالشهادتين وإقامتهم للصلاة وأداؤهم للزكاة، وكذا اعترافهم ببقية أركان الإسلام، وإنما لم تُذكر في الحديث لأنّها لم تكن قد فرضت وقتئذ، أو اكتفاءً بما ذُكر.
- * أمر القتال والجهاد يرجع لأولياء أمور المسلمين ولا يكون لأفراد النّاس.
- * إذا أعلن الكفار الدخول في الإسلام؛ حَرُمت دماؤهم وأموالهم، وحساب بواطنهم وصدق قلوبهم على الله تعالى، أما نحن فنعاملهم معاملة المسلمين في إجراء أحكام الإسلام في الدنيا.
391
باب إجراء أحكام النَّاس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى
عن أبي عبدِ اللهِ طَارِقِ بن أُشَيْمٍ، رضيَ اللهُ عنه، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «مَنْ قالَ لا إِلهَ إِلَّا الله، وَكَفَرَ بِما يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسابُهُ على اللهِ تعالى»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- * وجوب البراءة من المعبودات الباطلة جميعًا وهي كلُّ ما عُبِد من دون الله.
- * لابد من الجمع بين القول والعمل ليكون الإيمان صادقًا.
- * كرمُ الله تعالى وفضله؛ فقد منع وحرّم الاعتداء على من وحّده وآمن به، ورُغم أنّ الاعتراف بحقّه واجب علينا ومع ذلك أثابنا عليه.
- * أجمع العلماء أنّ أحكام الدَّين تُجرى على الظاهر، وإلى الله السرائر.
392
باب إجراء أحكام النَّاس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى
عن أبي مَعْبدٍ المقْدَادِ بنِ الأَسْوَدِ، رضي الله عنه، قال: قلتُ لرِسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعهَا، ثُمَّ لاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فقال: أَسْلَمْتُ للهِ، أَأَقْتُلُهُ يا رسولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قَالَها؟ فَقَالَ: «لا تَقْتُلْهُ»، فَقُلْتُ يا رسُولَ اللهِ قَطَعَ إِحدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قال ذلكَ بَعْدَما قَطعَها! فقال: «لا تَقْتُلْهُ، فِإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمنَزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتي قال»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أرأيت: أي أخبرني.
- لاذ مني: احتمى مني واستتر بها.
- إِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك: أَيْ مَعْصُومُ الدَّمِ مَحْكُومٌ بِإِسْلامِهِ.
- إنَّكَ بِمَنْزِلَته: أَيْ مُبَاحُ الدَّمِ بِالْقصَاص لِوَرَثَتِهِ، لا أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ في الْكُفْرِ.
فوائد الحديث
- * أنّ من صدر عنه ما يدل على دخوله في دِين الإسلام من قول أو فعل حَرُم قتله.
- * الوازع الدّيني يحمل صاحبه على التوقف عند حدود الله والسؤال عمّا أشكل عليه.
- * تقديم الخضوع لحكم الله وحكم رسوله صلّى الله عليه وسلّم على الرغبة في الانتقام.
- * من أفضل الأساليب في التعليم؛ بيان سبب النهي عن فعل الشيء ليكون أدعى لتركه.
- * من قتل أحدًا عالمًا بحرمة القتل لزمه القصاص، ومن كان جاهلًا أو متأوِّلًا وجبَت عليه الدية.
393
باب إجراء أحكام النَّاس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى
عن أُسامةَ بنِ زَيْدٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: بَعَثَنَا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إلى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنا الْقَوْمَ عَلى مِياهِهمْ، وَلحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنهُمْ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قالَ: لا إِلهَ إلَّا الله، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدينَةَ، بلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقال لي: «يا أُسامةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ؟» قلتُ: يا رسولَ اللهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَقَالَ: «أَقًتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ؟»
فَما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذلِكَ الْيَوْمِ. متـفقٌ عليه
مفردات الحديث
- وفي روايةٍ: فَقالَ رسولُ الله…
- الحرقة: بطن من جهينة القبيلة المعروفة.
- فصبَّحْنا القوم: أتيناهم صباحًا.
- غشيناه: اقتربنا منه وعلوناه بسلاحنا.
- متعوّذًا: أي معتصمًا بها من القتل لا معتقدًا لها.
فوائد الحديث
- * أنّ أحكام الإسلام في الدنيا تُجرى على الظاهر ولا يجوز البحث عمّا في الباطن.
- * قاعدة سدّ الذرائع، ومنع الذين يحبّون الانتقام والثأر والقتل بدعوى عدم صدق بواطن النّاس.
- * المسلم تؤنّبه نفسه على ما ارتكب من خطأ أو معصية، ويندم على ذلك.
- * أنّ أسامة رضي الله عنه كان حيّ القلب، فقد أثّر فيه هذا الموقف حتى تمنّى أنّه لم يسلم قبل ارتكابه هذا الخطأ، لإنّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله من الآثام.
- * الحدود تُدفعُ بالشّبهات فلم يحكم الرسول على أسامة بالقصاص، لأنه قتله متأولا، فكان في ذلك شبهة، لكن ذلك يوجب الدِّية على العاقلة وهم عَصَبَتُه.
- * لا يجوز لفاعل الكبيرة أن يتمنّى أن لم يكن أسلم إلَّا بعد…
394
باب إجراء أحكام النَّاس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى
عن جُنْدبِ بنِ عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنه، أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بعثَ بَعْثًا مِنَ المُسْلِمِينَ إِلى قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَأَنَّهُمْ الْتَقَوْا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إِذا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَأَنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلمَّا رَفَعَ عليه السَّيْفَ قال: لا إِله إِلَّا اللهُ، فقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلى رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَسَأَلَهُ، وأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَر الرَّجُلِ كَيْفَ صنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ، فقالَ: «لِمَ قَتَلْتَهُ؟»
فَقَالَ: يا رسولَ اللهِ أَوْجَعَ في المُسْلِمِينَ، وقَتلَ فُلانًا وفُلانًا وسَمَّى له نَفرا وإِنِّي حَمَلتْ عَلَي
مفردات الحديث
- أوجع: الإيجاع: الإيلام، المقصود أكثر فيهم القتل.
- نفرًا: اي ما دون العشرة من الرجال.
فوائد الحديث
- * أشار هذا الحديث والذي تقدم قبله إلى حادثة واحدة، وهو من باب اختلاف الرواية في بعض الألفاظ والموضوع واحد.
- * أنّ أحكام الإسلام في الدنيا تُجرى على الظاهر ولا يجوز البحث عمّا في الباطن.
- * الحدود تُدفعُ بالشّبهات فلم يحكم الرسول على أسامة بالقصاص، لأنه قتله متأولا، فكان في ذلك شبهة، لكن ذلك يوجب الدِّية على العاقلة وهم عَصَبَتُه.
- * المسلم تؤنّبه نفسه على ما ارتكب من خطأ أو معصية، ويندم على ذلك.
- * على المسلم ألا يتعجّل الحكم على شخصٍ ما، بل يتحرّى في ذلك ويتثبّت ممّا نُقِل إليه، فقد سأل النّبيُّ صلى الله عليه وسلم أسامةَ عن سبب قتله للرجل قبل أن يصدر حكماً عليه.
- * عِظم منزلة شهادة التوحيد والإخلاص، فبها يُعصم الدّم، ويُعطى النّاطق بها الأمان، ويُعامل بأحكام الإسلام، وحسابه على الله.
395
باب إجراء أحكام النَّاس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى
عن عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه قال: سمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: «إِنَّ نَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْيِ في عَهْدِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِما ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنا خَيْرًا أَمَّنَّاهُ وقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْس لنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شيءٌ، اللهُ يُحاسِبُهُ في سرِيرَتِهِ، ومَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نأْمنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وإِنْ قال: إِنَّ سَرِيرَتَه حَسنَةٌ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- يؤخذون بالوحي: أي ينزل الوحي فيهم فيكشف عن حقائق حالهم، وذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- أمَّنَّاه: لم نشكّك فيه أو نتهمه على شيء لم يظهر لنا.
- سريرته: ما أسرّه وأخفاه.
فوائد الحديث
- * إجراء أحكام الإسلام على ظواهر الناس وما يصدر منهم من أعمال، وهذا من رحمة الله بعباده لأنّ العلم ببواطن الأمور شاقٌ وربما كان مستحيلًا.
- * أنّ من وضع نفسه موضع التّهمة والرّيبة فليس له أن يلوم النّاس في ظنّ السوء به لأنّ الاعتبار بما يظهر من الإنسان خيرًا أو شرًّا.
- * النية الحسنة وحدها لا تشفع في ترك إقامة الحدود والقصاص.
- * على المسلم أن يصلح سريرته وظاهره فهما يكمّلان بعضهما ويدلّ كلٌ منهما على الآخر، فلا ينفع مع فساد السريرة صلاح الظاهر.
396
باب الخوف
عن ابنِ مسعودٍ رضي اللهُ عنهُ قال: حدثنا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وهو الصَّادِقُ المصدوقُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرَّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْبِ رِزقِةِ، وَأَجلِهِ، وَعمَلِهِ، وَشَقيٌّ أَوْ سعِيدٌ، فَوَالَّذِي لا إِلهَ غَيْرُهُ؛ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا إِلاَّ ذِراعٌ، فَيَسْبقُ عَلَيْهِ الْكِتابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- خلقه: مادة خلقه، أو ما يخلق منه.
- بطن أمّه: المراد الرَّحِم.
- يكون: يصير.
- علقة: دمًا جامدًا، وسمّيت كذلك لتعلقها بجدار الرَّحم في هذه المرحلة.
- مضغة: قدر ما يُمضغ من قطعة اللّحم.
- رزقه: ما ينتفع به في حياته.
- أجله: مدة عمره.
- عمله: ما يكون منه من عمل صالح وضده.
- شقي أو سعيد: هل هو من أهل النجاة والسعادة، أو من أهل الشقاء.
- ذراع: أي مسافة ذراع، والمقصود أنّه صار قريبًا من نهاية أجله ودخوله للجنّة أو النّار.
- الكتاب: ما سبق في علم الله وكتبه تعالى في اللوح المحفوظ من أنّ هذا المخلوق سيكون من أمره كذا وكذا.
فوائد الحديث
- * على المسلم أن يكون على يقين تام بكلّ ما أخبر به الله تعالى أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم من أمور الغيب.
- * قدرة الله تعالى في خلق الإنسان وكيفية تكوينه وتنقله من مرحلة إلى مرحلة.
- * على المسلم أن يخلص في عبادته لله ويكون سرّه …
397
باب الخوف
عن ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يومئذ: المراد يوم القيامة.
- الزمام: ما يجعل في أنف البعير يُشد عليه المِقْوَد وقيل الحبل.
فوائد الحديث
- * هذا الحديث من أمور الغيب، والتصديق بها علامة المؤمن، فيجب الإيمان بها كما وردت، وليس للعقل فيها مجال.
- * الحديث فيه تخويفٌ عظيم من النّار فكثرة أزمّتها مع كِبَر حجمها يدلّ على شدّة النّار و عِظَمِ حجمها وخطرها.
- * الخوف من الله تعالى بذكر شأن النّار التي هي عذاب الله يُعذب بها الكفّار خالدين فيها والعصاة إلى ما شاء الله، ممّا يحمل المؤمن على الاجتهاد في الطاعة وترك المعصية ابتعادًا عن هذه النّار.
398
باب الخوف
عن النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ، رضيَ اللهُ عنهما، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، يقول: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيامَةِ لَرَجُلٌ يُوضَعُ في أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عذَابًا»
متفق عله
مفردات الحديث
- أخمص: باطن القدم، أي ما تجافى وارتفع من أسفل القدم على الأرض.
- يغلي: من الغليان وهو اضطراب الماء ونحوه على النار لشدة إيقادها.
- يرى: بمعنى يعتقد.
فوائد الحديث
- * بيان شدة عذاب النار، فبهذا الحديث ذكر من خفّف عليه العذاب .
- * التحذير من الوقوع في المعاصي التي هي سبيل إلى النار وأعظمها الشرك بالله فمرتكبه لا يخرج من هذه النّار .
- * رحمة الله بالناس، بتحذيره الشديد من عذاب النّار حتى لا يقعوا فيما يوجب عليهم دخولها.
399
باب الخوف
عن سمُرةَ بنِ جُنْدبٍ رضي الله عنه: أَن نبيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلى كَعْبَيْهِ، ومِنْهُمْ منْ تأْخُذُهُ إِلى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ منْ تَأْخُذُهُ إِلى حُجْزتِهِ، وِمِنْهُمْ منْ تَأْخُذُهُ إِلى تَرْقُوَتِهِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- منهم: أي من أهل النار.
- كعْبَيه: الكعب هو العظم الناتئ عند مفصل الساق مع القدم.
- حُجْزَته: مَعْقِدُ الإِزارِ تحْتَ السُّرَّةِ.
- ترْقُوَته: هِي العظْمُ الذِي عِندَ ثُغْرةِ النَّحْر.
فوائد الحديث
- * تنوّع أساليب التخويف من النّار فيه بلاغة وزيادة في التحذير.
- * ذكر بعض أعضاء جسم الإنسان التي ينالها العذاب يجعل المسلم يستشعر العذاب الذي ربما يصيب هذه الجوارح والأعضاء عند قراءته لمثل هذا الأحاديث.
- * تفاوت أهل النار في العذاب، فليسوا على درجة واحدة.
400
باب الخوف
عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قالَ: «يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالمِينَ حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ في رَشْحِهِ إِلى أَنْصَافِ أُذُنَيْه»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يقوم النّاس: أي يُبعثون من قبورهم للحساب.
- يغيب أحدهم في رشحه: أي يغرق في عَرقه الذي يخرج منه من شدّة الهول.
فوائد الحديث
- * هول الموقف يوم القيامة وشدّته عند وقوف النّاس جميعا بين يديه سبحانه للحساب.
- * يغرق الناس في العرق يوم القيامة على قدر أعمالهم.
- * عظمة قدرة الله تعالى؛ حيث يقف النّاس كلهم محشورين ومع ذا يختلف حساب كل واحد منهم على قدر عمله، فهذا يغرق في عرقه وذاك عرقه إلى أذنه ولا يصل لهذا شيء من عرق ذاك.
- روح منه: الروح سِرٌ لم يُطلع اللهُ تعالى على حقيقتِهِ أحدًا من خلقه، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا [الإسراء: ٨٥]، وعيسى عليه السلام روح كسائر الأرواح إلّا أنّ الله تعالى أضافه إلى نفسه وخصّه بذلك تشريفًا.
401
باب الخوف
عن أَنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ قال: خَطَبَنا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قلِيلًا، ولبَكيْتمْ كَثِيرًا» فَغَطَّى أَصْحابُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وجُوهَهُمْ، وَلهُمْ خَنينٌ. متفقٌ عليه. • وفي رواية: بَلَغَ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَنْ أَصْحابِهِ شَيءٌ، فَخَطَبَ فقال: «عُرضَتْ عَلَيَّ الجنَّةُ والنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَاليَوْمِ في الخَيْرِ وَالشَّرِّ، ولَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعلَمُ لَضحِكْتُمْ قلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» فَما أتَى عَلَى أَصْحَابِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ، غَطَّوْا رُؤُوسهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ.
مفردات الحديث
- قَطّ: أبدًا.
- خَنِين: هُوَ بُكَاء مَعَ غُنَّةٍ وَانْتِشَاقِ الصَّوتِ مِنَ الأَنْفِ.
- ما أعلم: أي من أهوال الآخرة وما أُعِدّ في الجنّة من النعيم وفي النّار من العذاب الأليم.
- فَلَمْ أَرَ كَاليَوْمِ في الخَيْر وَالشَّرِّ: كناية عن كثرة ما رآه صلَّى الله عليه وسلَّم من تفاصيل الخير والشر.
فوائد الحديث
- * التحريض على كثرة البكاء خوفًا من عقاب الله، والزجر عن كثرة الضحك، لأنّه يؤدّي إلى الغفلة وقسوة القلب.
- * فضيلة الصحابة وكمالهم وتأثرهم رضي الله عنهم بالموعظة وشدة خوفهم من عقاب الله عز وجل.
- * الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن.
402
باب الخوف
عن المِقْدَادِ رضيَ اللهُ عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَومَ القِيَامَةِ مِنَ الخَلْقِ حتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيل» قَالَ سُلَيمُ بْنُ عَامرٍ الرَّاوي عنْ المِقْدَاد: فَوَاللهِ؛ مَا أَدْرِي ما يَعْني بِالميلِ، أَمَسَافَةَ الأَرضِ أَمِ المِيل الَّذي تُكْتَحَلُ بِهِ العيْنُ «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمالِهِمْ في العَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلى كعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ منْ يَكُونُ إِلى حِقْوَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلجامًا»
وَأَشَارَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِيدِهِ إِلى فِيهِ. رواه مسلم
مفردات الحديث
- تُدنى: أي يقرِّبها الله.
- مِيل: هو مقدار مد البصر من الأرض، وقُدِّر بعد ذلك في حدود ٢ كيلومتر.
- حقويه: تثنية الحِقْو وهو الخصر.
- يلجمه: يصل إلى فمه وأذنيه، فيكون له بمنزلة اللجام من الحيوانات.
فوائد الحديث
- * بيان هول يوم القيامة.
- * أن الناس يكونون في الشدة يوم القيامة في الموقف على حسب أعمالهم.
- * الترغيب في الازدياد من أعمال الخير، والترهيب من أعمال الشر.
- يَذْهَبُ في الأَرْضِ: أي ينزِل ويغوص.
403
باب الخوف
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حَتَّى يذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِراعًا، ويُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * بيان أهوال القيامة.
- * التحذير من أعمال الشر.
404
باب الخوف
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: كنَّا مع رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، إِذ سَمِعَ وَجْبَةً فقال: «هَلْ تَدْرُونَ ما هذا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: «هذا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ في النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَريفًا فَهُوَ يَهْوِي في النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلى قَعْرِهَا، فَسَمِعْتُمْ وجْبَتَهَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- خريفًا: عامًا.
- يهوي: يسقط
- وجبتها: أي صوت سقوط الحجر في النار.
فوائد الحديث
- * عمق جهنم، وهذا يقتضي شدة عذابها، والخوف منها.
- * كرامة من الله للصحابة رضي الله عنهم في سماعهم لصوت سقطة الحجر في جهنم.
- * استحباب إسناد العلم إلى الله تعالى فيما لا علم للإنسان به.
- * إثارة المعلم الاهتمام والانتباه قبل البيان، ليكون أدعى إلى التركيز والفهم.
405
باب الخوف
عَنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سيُكَلِّمُه ربُّه لَيْس بَيْنَهُ وبَينَهُ تَرْجُمَان، فَينْظُرُ أَيْمنَ مِنْهُ فَلا يَرى إِلَّا مَا قَدَّم، وينْظُر أشأمَ مِنْهُ فلا يَرَى إلَّا ما قَدَّمَ، وَينْظُر بَيْنَ يدَيْهِ فَلا يَرى إلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقُوا النَّارَ ولوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلِمَة طيِّبَةٍ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- اتّقوا النار: اجعلوا بينكم وبينها من العمل الصالح ما يحفظكم من دخولها.
- ولو بشقّ تمرة: ولو أن تتصدّقوا بنصف تمرة.
- تَرجُمان: هو الذي ينقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى.
- أشأم: في الجانب الأيسر، والأشأم: الشمال.
- تلقاء: أي أمام وجهه.
فوائد الحديث
- * الحثّ على الصدقات بقدر الإمكان والتخلّق بالخصال الحميدة.
- * المعاملة باللّطف ولين الكلام.
- * التحلي بفعل الطاعات والتخلي عن المنكرات حتى لا يخجل المؤمن من أعماله بين يدي الله عز وجل.
- * قرب العبد من الله تعالى يوم القيامة إذ ليس بينهما حجاب ولا واسطة ولا ترجمان.
- * أن يحذر المؤمن من مخالفة أمر ربه.
- * مسؤولية الإنسان عن عمله، فليحرص على العمل الصالح الذي ينفعه يوم القيامة ويستره من النار.
406
باب الخوف
عن أبي ذَرٍّ، رضيَ اللهُ عنه، قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنِّي أَرى مَا لَا تَرَوْنَ، وأسمعُ مَا لَا تسمعون، أَطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا موْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ واضِعٌ جَبْهتَهُ ساجِدًا للهِ تَعَالى، واللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرجْتُمْ إِلى الصُّعُداتِ تَجْأَرُون إِلى الله تَعَالَى»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن
مفردات الحديث
- أَطَّتْ: أي صاحَت السماء وأَنَّت من كَثْرَةَ مَنْ فيها مِنَ المَلائِكَةِ الْعابِدينَ.
- الصُّعُدَاتِ: الطُّرُقَات والصحاري.
- تَجأَرُونَ: تَسْتَغِيثُون وتتضرعون.
فوائد الحديث
- * أن المؤمن بقدر ما يعلم عن الله تعالى من عظمة وجلال، يزداد خوفه من عقابه، كما يزداد طمعًا في ثوابه، فيهجر المعصية ويكثر من الطاعة.
- * من صفات المؤمن الخوف والهيبة من الله سبحانه، ولكن لا يصل به إلى اليأس والقنوط من رحمته سبحانه وتعالى.
- * الحث على الاستغاثة برحمة الله عز وجل ورضوانه.
- * عدم فتور الملائكة عن عبادة الله هيبة وإجلالًا له تعالى.
407
باب الخوف
عن أبي بَرْزَة - بِراءٍ ثم زايٍ -نَضْلَةَ بنِ عُبَيْدٍ الأَسْلَمِيِّ، رضيَ اللهُ عنه، قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَزُولُ قَدمَا عبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ، وعَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَن جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ»
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- فِيمَ: أي (في أي شيء؟) وأصلها (في ما؟).
فوائد الحديث
- * الحث على اغتنام الحياة فيما يرضي الله تعالى.
- * اكتساب المال من طرق مشروعة، ليكون حلالًا، وصرفه في وجوه الخير وما أمر الله به.
- * حفظ الجسم مما حرم الله، وتسخيره لطاعة الله سبحانه.
- * ضرورة أن يتعلم الإنسان العلم النافع ويعمل به خالصًا لله تعالى موافقًا لشرعه، فينتفع هو به وينفع غيره.
- * مسؤولية الإنسان الشاملة يوم القيامة، فلن ينصرف عن الموقف إلّا بعد الحساب.
- * الحياة مدرسة ومسؤولية واختبار، فمن حاسب نفسه في الدنيا، خفّ حسابه يوم القيامة.
408
باب الخوف
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه، قال: قرأَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة: ٤] ثم قالَ: «أَتَدْرُونَ مَا أَخَبَارُهَا؟» قالوا: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: «فَإِنَّ أَخْبَارَها: أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، تَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا في يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فهَذِهِ أَخْبَارُهَا»
رواه التِّرْمِذِي وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- عبد أو أمة: أي رجل أو امرأة، والمقصود: تشهد على كل الخلق.
فوائد الحديث
- * الحث على فعل الطاعة والبعد عن المعصية.
- * قدرة الله تعالى في إنطاق الجماد حيث تشهد الأرض على ما وقع فيها.
- * التحذير الشديد من ارتكاب المعاصي ولو كان الإنسان بعيدًا عن الأنظار فالأرض شاهدة والله هو الحاكم.
- * السُّنَّة تفسر القرآن الكريم.
- * أدب الصحابة رضي اللهُ عنهم مع النبيَّ صلّى اللهُ عليه وسلّم.
409
باب الخوف
عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، رضيَ اللهُ عنه، قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ، وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخ» فَكَأَنَّ ذلِكَ ثَقُلَ عَلى أَصْحَابِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقالَ لَهُمْ: «قُولُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوكِيلُ»
رواه الترمذي وقال حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- الْقَرْنُ: هُوَ الصُّورُ الَّذِي قال الله تعالى: وَنُفِخَ في الصُّورِ وكَذَا فَسَّرَهُ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم الصور قرن يُنفخ فيه.
- كيف أنعمُ: من النَّعمة وهي المسرَّة والفرح، والمعنى كيف تطيب حياتي.
- صاحب القرن: المَلَك الموكل بالنفخ فيه وهو إسرافيل عليه السلام.
- التقم: وضع فمه عليه، وهو يعني قرب قيام الساعة.
- ثقُل: عَظُم.
- حسبنا: كافينا.
فوائد الحديث
- * الخوف من قيام يوم القيامة.
- * الحث على الاستعانة بالله تعالى والالتجاء إليه والمسارعة إلى العمل الصالح.
- * إشفاق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وخوفه أن تقوم الساعة عليهم، وقد علم أنها لا تقوم إلا على شرار الخلق.
410
باب الخوف
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَاليةٌ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ الجَنَّةُ»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- من خاف: أي إغارة العدوّ وقت السحر.
- أَدْلَجَ: أي سَارَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ. والمراد منه التَّشْمِيرُ في الطَّاعَة.
- سلعة الله: أي ما عرضه الله لعباده كي ينالوه بأعمالهم وطاعتهم فضلا منه وكرما.
- غالية: رفيعة القيمة.
فوائد الحديث
- * الحث على الاهتمام بالطاعة، والمبادرة إلى الخلاص من المعصية، والإكثار من البذل المال والنفس قدر ما يليق بالجنة للحصول عليها.
- * فضل قيام اللّيل.
411
باب الخوف
عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُراةً غُرْلًا» قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، الرِّجَالُ والنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ؟! قال: «يا عَائِشَةُ، الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذلِكَ» متفقٌ عليه. • وفي روايةٍ: «الأَمْرُ أَهَمُّ مِن أَن يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ».
مفردات الحديث
- حفاة: جمع حافٍ وهو من ليس في رجله حذاء.
- عراة: جمع عارٍ، وهو من ليس على بدنه ثوب.
- غُرلًا: أيْ غَيْرَ مَخْتُونِينَ، لحشره كما خُلق.
- الأمر أهم: أي بهوله وشدّته.
فوائد الحديث
- * بيان لأهوال يوم القيامة، وأن الإنسان لا يشغله شيء عن حسابه وأعماله.
412
باب الرجاء
عن عُبادَةَ بنِ الصامِتِ، رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «منْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحمَّدًا عبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاهَا إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، والجَنَّةَ حقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلى ما كانَ مِنَ العمَلِ» متفقٌ عليه. • وفي رواية لمسلم: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رسُولُ اللهِ حَرَّمَ اللهُ علَيهِ النَّارَ». - أن عيسى عبد الله: خصَّهُ بالذكر ردًّا على النصارى في ادعائهم أنّه ولد الله أو أنّ الله حلّ فيه، تعالى الله عن ذلك. - كلمته: سُمّي بذلك لأنه خُلق بكلمةِ اللهِ وأمرِهِ (كُنْ)، دون أن يكون له أب.
413
باب الرجاء
عن أبي ذَرٍّ رضيَ اللهُ عنه، قال: قالَ النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يقولُ اللهُ عزَّ وجَلّ: مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِها أَوْ أَزِيدُ، ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، ومنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعًا، وَمَنْ أَتاني يمشي أَتَيْتُهُ هَرْولَةً، وَمَنْ لَقِيَني بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً لا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بمثْلِها مغْفِرَةً»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- مَنْ تَقَرَّبَ: أي إِلَيَّ بِطاعَتي.
- تَقَرَّبْتُ: أي إِلَيْهِ بِرحْمَتي، وإِنْ زَادَ زِدْتُ.
- باعًا: يعدل المسافة ما بين طرفي الكفّين إذا بسط الإنسان ذراعيه يمينا ويسارا، وهو قدر أربعة أذرع.
- فَإِنْ أَتاني يَمشي: َأَسْرَعَ في طاعَتي.
- أَتَيْتُه هَرْوَلَة: أَي صَبَبْتُ علَيْهِ الرَّحْمَة، وَسَبَقْتهُ بها، ولَمْ أُحْوِجْهُ إِلى المَشْيِ الْكَثِيرِ في الوُصُولِ إِلى المَقْصُودِ.
- وَقُرَابُ الأَرْضِ: معناه ما يُقارِبُ مِلأَها.
فوائد الحديث
- * الترغيب والحثّ على المجاهدة في الطاعة والعبادة دفعًا للفتور والتكاسل.
- * رجاء عفو الله ورحمته، وعدم اليأس من مغفرته، وأن أقل مراتب مضاعفة الحسنات تكون بعشرة أمثالها، وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة.
- * في الحديث إثبات عدد من صفات الله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته.
414
باب الرجاء
عن جابرٍ رضيَ اللهُ عنه قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلى النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: يا رَسُولَ اللهِ ما المُوجِبَتانِ ؟ قَالَ: «مَنْ مَات لاَ يُشرِكُ بِالله شَيْئًا دخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ ماتَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ»
رواه مُسلم
مفردات الحديث
- الموجبتان: الخصلة التي توجب الجنَّة والخصلة التي توجب النَّار.
فوائد الحديث
- * الموت على التوحيد سبب لدخول الجنَّة.
- * أن المسلم العاصي لا يُخلّد في النار والكبائر لا تسلب اسم الإيمان.
- * أن الجنة محرمة على المشرك، وعلى هذا انعقد الإجماع.
415
باب الرجاء
عن أَنسٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم -وَمُعَاذٌ ردِيفُهُ عَلى الرَّحْلِ- قَالَ: «يا مُعاذُ» قال: لَبَّيْكَ يا رسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قالَ: «يا مُعَاذُ» قالَ: لَبَّيكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْديْكَ، قالَ: «يَا مُعاذُ» قال: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْديكَ، - ثلاثاً - قالَ: «ما مِنْ عَبدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ على النَّارِ» قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلا أُخْبِرُ بِها النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قال: «إِذًا يَتَّكلُوا»
فَأَخْبَرَ بها مُعَـاذٌ عِنْد مَوْتِهِ تَأَثُّمًا متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- رديفه: خلفه.
- لبيك: إجابة لك بعد إجابة أي أنا مقيم على طاعتك.
- سعديك: أي إسعادًا لك بعد إسعاد.
- صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ: خالصة من قلبه، يطابق قوله وعمله ما في قلبه من الإيمان
- يتَّكلوا: يعتمدوا على ذلك ويتركوا العمل.
- تَأَثمًا: خَوْفًا مِنَ الإِثمِ في كَتْمِ هذا العِلْمِ.
فوائد الحديث
- * المراد من هذا الحديث أن من نطق بالشهادتين صادقًا وأدى حقها من طاعة وفعل المأمورات وترك المنهيات يدخل الجنة ولا يخلد في النار.
- * إذا صحب النطق بالشهادتين ارتكاب شيء من المعاصي فيحاسب بقدرها؛ فإما أن تناله مغفرة الله أو يعذب في النار بقدرها ثم يخرج إلى الجنة.
- * جواز ترك التحديث بحديث إذا كان يترتب عليه محظور، أو قعود عما هو أفضل، وإنما أخبر به معاذ بعد ذلك خشية من كتمان العلم.
- * فضل الله الواسع لمن أطاعه ووحّده صادقًا مخلصًا ولم يشرك به شيئًا، ممّا يجعل المسلم يحسنُ الظنّ بربّه.
- * من أعظم الخلل أن يترك المسلم العمل الصالح زاعمًا أنّ ما في قلبه إيمانٌ صادق فيتّكل على هذا ويدع العمل.
- * تواضع النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم حيث أردف خلفه معاذ رضي الله عنه، وبعض النّاس اليوم يأنف أن يُركِب معه أحدًا بجانبه في سيارته.
416
باب الرجاء
عنْ أبي هريرةَ أَوْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضيَ اللهُ عنهما -شَك الرَّاوِي، وَلاَ يَضُرُّ الشَّكُّ في عَينِ الصَّحابيِّ؛ لأَنهم كُلُّهُمْ عُدُولٌ -قال: لمَّا كان يَوْمُ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَصابَ الناسَ مَجَاعَةٌ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنا فَنَحَرْنَا نَواضِحَنا، فَأَكلْنَا وَادَّهَنَّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «افْعَلُوا»، فَجَاءَ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ؛ إِنْ فَعَلْتَ.. قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالبَرَكَةِ لَعَلَّ الله أَنْ يَجْعَلَ في ذلكَ البَرَكَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «نَعَمْ» فَدَعَا بِنِطْعٍ فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزوَادِهِمْ، فَجعَلَ الرَّجُلُ يجيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، ويجيءُ الرَّجُلُ بِكَفِّ تَمْرٍ، ويجيءُ الآخَرُ بِكِسرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلى النِّطْعِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قالَ: «خُذُوا في أَوْعِيَتِكُمْ»، فَأَخَذُوا في أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى ما تركُوا في العَسْكَرِ وِعاءً إِلَّا مَلَؤُوهُ، وأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَ فَضْلَةٌ، فقالَ رَسُولُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شاكٍّ فَيُحْجبَ عَنِ الجَنَّةِ»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- نواضحنا: جمع ناضح، وهو البعير الذي يُستخدم في استخراج الماء.
- الظهر: الدواب التي يركب على ظهرها.
- فضل أزوادهم: ما بقي من طعامهم.
- البركة: الزيادة والنماء وكثرة الخير.
- بنطع: النّطع هو البساط المصنوع من الجلد.
- بكسرة: بقطعة.
- أوعيتكم: جمع وعاء، وهو ما تجمع فيه الأشياء.
- العسكر: الجيش.
- فيحجب: فيمنع.
فوائد الحديث
- * أدب الصحابة مع الرسول حيث كانوا يستأذنونه فيما يريدون ويحبوّن فعله.
- * مراعاة الإمام لمصالح الرعيّة وتقديم الأهمّ فالأهمّ.
- * ثبوت المعجزة للرسول صلى الله عليه وسلم، وتكثير الطعام وقع له صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة.
- * جواز الإشارة على القادة والأئمة بما فيه مصلحة وإن كان ذلك ممن هو أقل منهم.
- * من تلفظ بالشهادتين وعمل بمقتضاهما لا يحجب عن الجنة.
- * الفضل والعطاء يقبل من صاحبه ولو كان يسيرًا.
417
باب الرجاء
عَنْ عِتْبَانَ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه، وهو مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا قال: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمي بَني سالِمٍ، وَكَانَ يَحُولُ بَيْني وَبينهُم وادٍ إِذَا جاءَتِ الأَمطارُ، فَيَشُقُّ عَليَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ، فَجئْتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقلتُ له: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ الوَادِيَ الَّذِي بيْني وَبَيْنَ قَوْمي يسِيلُ إِذَا جَاءَت الأَمْطارُ، فَيَشُقُّ عَليَّ اجْتِيازُهُ، فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتي، فَتُصَلِّي في بَيْتي مَكانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فقال رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «سَأَفْعَلُ» فَغَدَا عليَّ رَسُولُ اللهِ وَأَبُو بَكْرٍ رضي اللهُ عنه، بَعْدَ ما اشْتَدَّ النَّهَارُ، وَاسْتَأْذَنَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَأَذِنْتُ لهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حتى قالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» فَأَشَرْتُ لهُ إِلى المَكَانِ الَّذِي أُحبُّ أَنْ يُصَلِّي فيه، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَراءَهُ، فَصَلَّى رَكَعَتَيْن، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ، فَحَبَسْتُهُ علَى خَزيرَةٍ تُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في بَيْتي، فَثَابَ رِجَالٌ منهمْ حتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ في البَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ؟ لا أَرَاهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: ذلك مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ الله ورَسُولَهُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «لاَ تَقُلْ ذَلِكَ، أَلا تَراهُ قالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ تَعالى؟». فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَمَّا نَحْنُ فَوَاللهِ ما نَرَى وُدَّهُ، وَلا حَديثَهُ إِلَّا إِلى المُنَافِقينَ، فقالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أصلي لقومي: أي أؤمهم.
- اجتيازه: قطعه وتجاوزه.
- قِبَلَ: جهة.
- أنكرت بصري: فقدته، أو ساء بصري وضعُف.
- فيشق: فيصعب.
- فغدا: بكّر.
- اشتد النهار: ارتفعت الشمس.
- حبسته: منعته من الخروج لإكرامه وإضافته.
- خَزِيرَة: هِي دقِيقٌ يُطْبَخُ بِشَحْم.
- * وُدَّه: حبّه ومودّته
- ثابَ رِجالٌ: جَاؤوا وَاجْتَمعُوا.
- أهل الدار: المقصود جيرانه وأهل حيِّهِ.
- ألا تراه: ألا تعلمه.
فوائد الحديث
- * جواز إمامة الأعمى.
- * جواز اتخاذ مصلى في البيت للصلاة فيه لمن يوجد ما يحبسه عن صلاة الجماعة، ولصلوات النوافل، وكذلك للنساء اتخاذ مصلى في بيتها.
- * جواز صلاة النافلة جماعةً أحيانًا.
- * كل من نطق بالشهادتين فإنّه يعامل بأحكام الإسلام ولا يُتّهم في صدق إيمانه إلا ببيّنة.
- * عدم جواز سوء الظنّ بالمسلمين لمجرد الشُّبهة.
- * كلمة التوحيد سبب مقتضٍ لدخول الجنّة، وعدم الخلود في النّار.
- * تواضع النبّي صلّى الله عليه وسلّم، فقد أجاب دعوة أحد أصحابه إلى بيته ليصلّي له فيه نافلة، وقَبِل أن يأكل من طعامه الذي أعدّه له، في حين يترفع كثير من الناس أن يأكل طعامه مع الفقراء فضلًا عن أن يأكل طعامهم.
418
باب الرجاء
عن عمرَ بنِ الخطاب رضي اللهُ عنه قال: قَدِمَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَى، إِذْ وَجَدتْ صبيًّا في السبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْزَقَتْهُ بِبَطْنِها، فَأَرْضَعَتْهُ، فقال رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ المَرْأَةَ طارِحَةً وَلَدَهَا في النَّارِ؟» قُلْنَا: لا وَاللهِ. فَقَالَ: «للهُ أَرْحمُ بِعِبادِهِ مِنْ هَذِهِ بِولَدِهَا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- السّبي: الأسرى.
- تسعى: تعدو وتركض.
- أترون: أتعتقدون أو أتظنون.
فوائد الحديث
- * سعة رحمة الله تعالى بعباده، وأنه يريد لهم الخير وأن ينقذهم من النار، ففتح لهم باب التوبة والرجاء والإنابة إليه.
- * الاستفادة من الحوادث والمناسبات واستغلالها في التوجيه والتعليم.
- * ضرب المثل بما يُدرَك بالحواسّ لما لا يُدرَك إلا بها.
419
باب الرجاء
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه، قال: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، كَتَبَ في كِتَابٍ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي». • وفي روايةٍ: «غَلَبَتْ غَضَبِي» • وفي روايةٍ «سَبَقَتْ غَضَبِي»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * إثبات صفتي الرحمة والغضب لله تعالى إثباتًا يليق بجلاله وعظمته سبحانه.
- * جلالة قدر ذلك الكتاب لكونه وُضع فوق العرش.
- * أنّ قسط الخلق من الرحمة أكثر من قسطهم من الغضب.
- * أنّ الرحمة تنال الخلق من غير استحقاق، لكن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، أي بعد أن يصدر عنهم من الذنوب ما يستحقّ ذلك.
- * عدم اليأس من رحمة الله تعالى.
- * المراد بالسبق والغلب كثرة الرحمة وشمولها، ومن مظاهر كثرة رحمته رزقه سبحانه للمطيع والعاصي، وحلمه على الكافر والعاصي، وقبول توبة التائب.
420
باب الرجاء
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه قال: سمِعْتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءًا واحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَراحَمُ الخَلائِقُ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ ولَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ». • وفي روايةٍ: «إِنَّ للهِ تَعَالى مائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإِنْسِ وَالبَهَائمِ وَالهَوامِّ، فَبهَا يَتَعاطَفُونَ، وبها يَتَراحَمُونَ، وَبها تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلى وَلَدهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تَعالى تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بها عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» متفقٌ عليه. • ورواهُ مسلم أَيضًا من روايةِ سَلْمَانَ الفَارِسيِّ، رضي اللهُ عنه، قال: قال رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ للهِ تَعَالَى ماِئَةَ رَحْمَةٍ فَمِنْها رَحْمَةٌ بها يَتَراحَمُ الخَلْقُ بَيْنَهُمْ، وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْم القِيامَةِ». • وفي رواية «إِنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ يَومَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلى الأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنها في الأَرْضِ رَحْمَةً فَبِها تَعْطِفُ الوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا وَالْوحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُها عَلَى بَعْضٍ، فَإِذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، أَكْمَلَها بهِذِهِ الرَّحْمَةِ».
مفردات الحديث
- الرحمة: صفة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله.
- حافرها: طرف رجلها.
- البهائم: جمع بهيمة، وهي ذوات الأربع من الحيوانات، سميت بذلك لعدم نطقها.
- الهوام: جمع هامَّة، وهي الحشرات.
- طباق: تعمّ أي ملء.
فوائد الحديث
- * أن الرحمة التي جعلها الله في قلوب عباده هي من خلقه، والخير الذي أنزله لهم هو من فضله، وكل هذا جزء مما ادّخره الله لعباده المؤمنين يوم القيامة، وفي هذا أعظم الرجاء والبشارة للمؤمنين، فإذا كان يحصل لهم برحمة واحدة خلقها لهم في هذه الدنيا كل هذا التعاطف بينهم، وكل هذا الخير لهم، فكيف بمئة رحمة يوم القيامة.
- * إدخال السرور على المؤمنين، والحثّ على الإيمان، ومزيد الرجاء في رحمات الله تعالى المدّخرة.
- * إن الرحمة التي ادخرها سبحانه وتعالى لعباده يوم القيامة ادخرها لتكون حافزًا على المزيد من الطاعة والتوبة والإقلاع عن المعاصي، وليست مدعاة للتسويف والجرأة على ارتكاب المخالفات وترك الواجبات كما يزعم بعضهم.
421
باب الرجاء
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فِيمَا يَحكِي عَن ربِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى قال: «أَذنَبَ عبْدٌ ذَنبًا، فقالَ: اللهُمَّ اغفِرْ لي ذَنبي، فقالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعالى: أَذَنَبَ عبدِي ذنبًا، فَعلِمَ أَنَّ لَهُ ربًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذَنَبَ، فقال: أَيْ ربِّ اغفِرْ لي ذَنبي، فقال تبارك وتعالى: أَذنبَ عبدِي ذَنبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ، وَيَأخُذُ بِالذنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذنَبَ، فقال: أَي رَبِّ اغفِرْ لي ذَنبي، فقال تَبَارَكَ وَتَعَالى: أَذنَبَ عَبدِي ذَنبًا، فعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنبَ، وَيأْخُذُ بِالذَّنبِ، قدَ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَفعَلْ ما شَاءَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يأخذ بالذنب: يُعاقب عليه إن شاء.
- فَلْيَفْعلْ ما شَاءَ: أَي مَا دَامَ يَفْعَلُ هَكَذا، يُذْنِبُ وَيتُوبُ أَغْفِرُ لَهُ، فإِنَّ التَّوبَةَ تَهِدِمُ ما قَبْلَهَا.
فوائد الحديث
- * عظيم فضل الله ورحمته على عباده ما داموا يعتقدون أن ربهم بيده مقاليدهم إن شاء غفر وإن شاء عاقب، وله المشيئة المطلقة.
- * أن التوبة الصحيحة تكفّر الذنب ولو رجع العبد إلى الذنب مرة أخرى لم تبطل توبته الأولى، لكنه يحتاج إلى توبة من الذنب الجديد.
- * لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
- * المؤمن بالله تعالى يصفو قلبه بالتوبة ويأمل بعفو ربه، فيبادر إلى الصلاح وعمل الخير، وإن وقع منه ذنب استدرك على نفسه بالتوبة ولم يصر على المعصية.
- * عظيم فائدة الاستغفار وعظيم فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه.
- * الاستغفار الصحيح هو الذي يثبت معناه في القلب مقارنًا باللسان لينحل من عقد الإصرار ويحصل معه الندم فهو ترجمة للتوبة، أما النطق باللسان مع عدم الندم فلا يسمى توبة ولا استغفارا.
422
باب الرجاء
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذنِبُوا، لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقومٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ تعالى، فيَغْفِرُ لَهُمْ»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- * بيان فضل الله تعالى على عباده بالعفو والمغفرة، فعلى المؤمن أن يبادر إلى الاستغفار ليغفر الله له.
- * عدم اليأس والقنوط؛ بل على التائب أن يكون متفائلًا بالتوبة صادقًا فيها.
423
باب الرجاء
عن أبي أَيُّوبَ خَالِدِ بنِ زيدٍ، رضيَ اللهُ عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «لَوْلا أَنَّكُمْ تُذنِبُونَ، لخَلَقَ اللهُ خَلقًا يُذنِبونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- * سعة الرجاء في مغفرة الله تعالى، فلو قُدِّر عدم وجود عاص -وهذا غير حاصل- لخلق الله من يعصيه فيغفر له، ليظهر عفوه وفضله.
- * ليس في الحديث تحريض على فعل المعصية، ولكن فيه تبشيرٌ بالمغفرة وإزالة لشدة الخوف واليأس من نفوس التائبين، وبيان أن البشر فيهم طبع الميل إلى المعصية وليسوا كالملائكة الكرام، فكان في ذلك طمأنينة ورجاء لعفو الله ومغفرته.
424
باب الرجاء
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ: كُنَّا قُعودًا مَعَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، مَعَنا أَبُو بكْر وَعُمَرُ رضيَ الله عنهما في نَفَرٍ، فَقَامَ رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، فَخَشينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ وَذَكَرَ الحديث بطُولِه إِلى قوله: فقالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اذْهَبْ، فَمَنْ لَقِيتَ وَرَاءَ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إلَّا الله، مُسْتَيقِنًا بهَا قَلَبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- نفر: الرجال من الثلاثة إلى التسعة.
- من بين أظهرنا: أي من بيننا.
- يُقتطع: يؤخذ ويصيبه ضرر.
- فزِعنا: قمنا سريعا لنبحث عنه.
- أبتغي: أطلب وأبحث.
- حائطًا: بستانًا.
- مستيقنًا: موقنًا ومصدقًا.
فوائد الحديث
- * شدة محبة الصحابة رضوان الله عليهم للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم وشدة خوفهم عليه.
- * فضل كلمة التوحيد، وأنّها أساس لدخول الجنّة.
- * أن الإيمان الصحيح يُدخل الجنة إما ابتداء بمغفرة الله وإما بعد دخول النار.
- * مشروعية البشارة بالخبر السار.
425
باب الرجاء
عن عبدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ رضيَ اللهُ عنهما، أَنّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَلا قَولَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ في إِبراهِيمَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ ... الآية [إبراهيم: ٣٦]، وَقَوْلَ عيسى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨]، فَرَفَعَ يَدَيْه وقال: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي» وَبَكَى، فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يا جبريلُ اذْهَبْ إِلى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فسَلْهُ: مَا يُبكِيهِ ؟» فَأَتَاهُ جبرِيلُ فَأَخبَرَهُ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِمَا قال -وَهُو أَعْلَمُ- فقالَ اللهُ تعالى: «يا جِبريلُ اذهَبْ إِلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرضِيكَ في أُمَّتِكَ وَلا نَسُوؤُكَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- وَلا نَسُوؤُكَ: أي لا ترى في حساب الله لهم ما يجعلك تحزن.
فوائد الحديث
- * بيان شفاعته صلّى الله عليه وسلّم لأمّته، واعتنائه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم، ورحمة الله فيهم.
- * بيان حبّ الله تعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلّم وعِظَم منزلته.
- * هذا الحديث من أرجى الأحاديث لأمّة النّبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
426
باب الرجاء
عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رضيَ اللهُ عنهُ قال: كُنتُ رِدْفَ النّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم على حِمارٍ فقال: «يَا مُعَاذُ هَل تَدري مَا حَقُّ اللهِ عَلى عِبَادِهِ، ومَا حَقُّ الْعِبادِ عَلى الله؟» قلت: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَن يَعْبُدُوه وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحقَّ العِبادِ عَلى اللهِ أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشِرِكُ بِهِ شَيْئًا» فقلت: يا رسولَ اللهِ أَفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قال: «لا تُبَشِّرْهُم فَيَتَّكِلُوا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ردف النّبيّ: أي راكب خلفه
- الحق: الشيء الثابت، أي ما يستحقه.
فوائد الحديث
- * فضل الله على عباده بالمغفرة والرحمة.
- * جواز ترك التبشير بالخير إذا كان يؤدي إلى محظور أو ترك السعي إلى ما هو أفضل.
- * حق الله على عباده إفراده بالعبادة من غير أن يشركوا بها أحدًا.
- * نفي العذاب عمن لا يشرك بالله شيئًا هو نفي الخلود فيه وليس المراد النفي المطلق للعذاب حيث إنه قد ثبت أن مِن عصاة الموحدين مَن يُعذب، والله أعلم.
- * من عباد الله الموحدين من ينتفي عنه العذاب تماما وذلك إذا حقق التوحيد الكامل وأتى بمقتضياته وابتعد عن الشرك بكل صوره.
427
باب الرجاء
عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ رضي اللهُ عنهما، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ في القَبرِ: يَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهَ وأَنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، فذلك قولهُ تعالى: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَياةِ الدُّنيَا وفي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧] متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- بالقول الثابت: وهي الشهادتان.
فوائد الحديث
- * أنّ سُؤال القبر حق، وهو من أمور الغيب التي لا نعرف كيفيتها إلا بما ورد في الوحي.
- * أن الله تعالى يُلهم المؤمن في قبره النطق بالحجة المنجية، وهي الشهادتان.
428
باب الرجاء
عن أَنسٍ رضيَ اللهُ عنه، عن رسولَِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّ الكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً، أُطعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنيَا، وَأَمَّا المُؤمِن، فَإِنَّ اللهَ تعـالى يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ في الآخِرَةِ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدُّنْيَا عَلى طَاعَتِهِ». • وفي روايةٍ: «إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا في الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا في الآخِرَة، وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ للهِ تعالى في الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلى الآخِرَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يُعقبه: يعطيه.
- أفضى: صار إلى الآخرة.
- لا يَظلم: لا يُنقِص.
فوائد الحديث
- * أن الكافر يجزى على عمله الحسن في الدنيا؛ إما بزيادة ماله وجاهه ومكانته أو دفع مكروه عنه، وليس له في الآخرة أي نصيب، لأن الكفر يحبط الأجر في الآخرة.
- * المؤمن يُجزى على عمله الحسن وطاعاته في الدنيا والآخرة.
- * مدار قبول الأعمال على الإسلام.
429
باب الرجاء
عن جابرٍ، رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ كَمَثَلِ نَهَرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- غَمْر: دافق، والْغَمْرُ: الْكَثِيرُ.
فوائد الحديث
- * أن الصلاة تُذهب الدّنس المعنوي؛ وهو الذنوب الصغائر، كما يُذهب الماء الدنس الحسي عن الأبدان.
- * استحسان التشبيه وضرب الأمثال للبيان والتوضيح.
- * بيان أهمية الصلاة وفائدتها.
430
باب الرجاء
عن ابنِ عباسٍ، رضيَ اللهُ عنهما، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنازتِه أَرَبَعُونَ رَجُلًا لا يُشرِكُونَ بِاللهِ شَيئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيه»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يقوم على جنازته: يصلي عليه.
فوائد الحديث
- * ثبوت الشفاعة للمؤمنين بكثرة الأدعية له، وشفاعتهم له أن يغفر الله له.
- * الترغيب بتكثير المصلين على الجنازة رجاء حصول المغفرة للميت بفضل الله تعالى.
- * حرص الإسلام على الأخوّة بين المسلمين في حياتهم ومماتهم.
431
باب الرجاء
عن ابنِ مسعودٍ، رضيَ اللهُ عنه، قال: كُنَّا مَعَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في قُبَّةٍ نَحوًا مِنْ أَرَبَعِين رجلًا، فقال: «أَتَرضَونَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟» قُلْنَا: نَعَم، قال: «أَتَرضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟» قُلْنَا: نَعَم، قال: «وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرجُو أَنْ تَكُونُوا نِصفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِك أَنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ في أَهْلِ الشِّركِ إِلَّا كالشَّعرَةِ البَيْضَاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسودِ، أَوْ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- قبّة: خيمة.
فوائد الحديث
- * جواز تكرار البشائر مرة بعد مرة لتجديد الشكر مرة بعد مرة.
- * أن المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم نصف أهل الجنة، وفي رواية هم ثلثا أهل الجنة، وهذا دليل على مكانة هذه الأمة بين بقية الأمم السابقة
- * أن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن
- * أن أهل الشرك أكثر من أهل الإيمان.
- * جواز ضرب الأمثلة لإيضاح المقصود وهو أسلوب نبوي تربوي.
432
باب الرجاء
عن أبي موسى الأَشْعَرِي، رضي اللهُ عنه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ دَفَعَ اللهُ إِلى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُوديًّا أو نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ». • وفي روايةٍ عنهُ رضي اللهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيامَةِ نَاسٌ مِنَ المُسْلِمِين بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الجبَالِ يَغفِرُهَا اللهُ لهمُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- قوله: «دَفَعَ إِلى كُلِّ مُسْلِمٍ يهودِيًّا أَوْ نَصرانِيًّا فَيَقُولُ: هَذا فكَاكُكَ مِنَ النَّارِ» معْنَاهُ: مَا جَاءَ في حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنهُ: «لِكُلِّ أَحَدٍ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ، ومَنزِلٌ في النَّارِ، فالمُؤْمِنُ إِذَا دَخَلَ الجنَّةَ خَلَفَهُ الكَافِرُ في النَّارِ، لأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لذلكَ بكُفْرِه».
- فكاك: الخَلاص والفداء، أي أَنَّكَ كُنْتَ مُعَرَّضًا لِدُخُولِ النَّارِ وَهَذا خلاصك منها وفداؤك.
فوائد الحديث
- * عظيم فضل الله ورحمته الخاصّة بمن أطاعه واتّبع دين الإسلام.
- *أَنَّ الله تعالى قَدَّرَ لِلنَّارِ عدَدًا يَمْلَؤُهَا، فإِذا دَخَلَهَا الكُفَّارُ بِذُنُوبِهمْ وَكُفْرِهِمْ صَارُوا في مَعنى الفَكَاك لِلمُسلِمِينَ، والله أَعلم.
- * على المسلم الحرص ألا يفوته مقعده في الجنّة، وأن يخاف من دخول النّار، وذلك بالتزامه بشرع الله تعالى حتى يأتيه أجله.
- * الترغيب بالإيمان والترهيب من الكفر وبيان عاقبة الكفار.
433
باب الرجاء
عن ابن عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «يُدْنَى المُؤْمِنُ يَومَ القِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ عزَّ وَجَلَّ حتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيهِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِه؛ فيقولُ: أَتَعرفُ ذنبَ كَذا؟ أَتَعرفُ ذَنبَ كَذَا؟ فيقول: رِبِّ أَعْرِفُ، قال: فَإِنِّي قَد سَتَرتُهَا عَلَيكَ في الدُّنيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَومَ ، فَيُعطَى صَحِيفَةَ حسَنَاته»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يُدْنى: يُقرَّبُ من الله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه.
- كَنَفُهُ: أصل الكنف: الجانب والناحية، والمراد في الحديث سَتْر الله وَرَحْمَتُهُ.
- صحيفة حسناته: كتاب حسناته.
فوائد الحديث
- * فضل الله تعالى ورحمته بعباده حيث يستر ويحلم ويغفر، وليحافظ المسلم على ستر الله له حتى يستمر إلى يوم القيامة لابدّ له أن يقوم بما يلي:
- * التوبة الصادقة والرجوع إلى الله.
- * ستر النّاس وترك تتبع عوراتهم.
- * ترك المجاهرة بالمعاصي، بل يسارع إلى التوبة.
- * الاعتراف يمحو الاقتراف.
- * الحثّ على ستر المؤمن ما أمكن.
- * الكَنَف صفةٌ ثابتةٌ لله عَزَّ وجَلَّ بالحديث الصحيح.
- * الله يغفر من الذنوب والمعاصي ما سوى الإشراك.
434
باب الرجاء
عن ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فأَخبره ، فأَنزل اللهُ تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (هود: ١١٤) فقال الرجل: أَلي هذا يا رسولَ الله؟ قال: «لجَمِيعِ أُمَّتي كُلِّهِمْ »
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- قوله تعالى زُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِِ: أي ساعات من أوّله قريبة من النهار، وقيل: المراد بها صلاة المغرب والعشاء.
فوائد الحديث
- * أنّ الصلاة تكفّر ما كان من الذنوب الصغيرة.
- * أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فمعنى الآية عامٌ في كل من أتى ذنبًا من الصغائر، وليس خاصًّا بهذا الرجل فقط أو بالذنب الذي ارتكبه فقط.
- * الحسنات تُذهب السيئات.
- * الحثّ على التوبة من الذنوب.
435
باب الرجاء
عن أَنسٍ رضيَ اللهُ عنه، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: يا رسولَ اللهِ أَصَبْتُ حدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، وَحَضَرتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى مَعَ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قال: يا رسولَ اللهِ؛ إِنِّي أَصَبْتُ حدًّا، فأَقِمْ فيَّ كتَابَ اللهِ، قال: «هَلْ حَضَرْتَ مَعَنَا الصَّلاَةَ؟» قال: نَعم، قال: «قد غُفِرَ لَكَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أَصَبْتُ حَدًّا: معناه: مَعْصِيَةً تُوجِبُ التَّعْزير، وَليس المُرَادُ الحَدَّ الشَّرْعِيَّ الْحقيقيَّ كَحَدِّ الزِّنَا والخمر وَغَيْرِهمَا، فَإِنَّ هَذِهِ الحُدودَ لا تَسْقُطُ بِالصلاةِ، ولا يجوزُ للإمام تَرْكُهَا.
فوائد الحديث
- * بيان فضل الصلاة، وأنها من أسباب محو الذنوب.
- * حرص النّبي صلى الله عليه وسلم على ستر المسلمين، فلم يطلب منه بيان ما أصاب من حدّ ما دام أنّه ستر نفسه ولم يذكره.
436
باب الرجاء
عن أنس رضي اللهُ عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ الله لَيَرضَى عن الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكلَةَ فَيحْمَدَهُ عليها، أَوْ يَشْربَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمدَهُ عَليها»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الأَكْلَة: وهي المرَّةُ الواحدةُ مِنَ الأَكلِ، كَالْغَدْوةِ والْعَشْوَةِ.
- فيحمده: الحمد: الثناء على المحمود بجميل صفاته وإنعامه، وهو أبلغ من الشكر.
فوائد الحديث
- * إثبات صفة الرضى لله تعالى إﺛﺒﺎﺗًﺎ يليق بجلاله وعظمته سبحانه.
- * استحباب الحمد لله عند كل طعام وشراب، لأن في ذلك استحضارًا لفضل الله عند التنعم بما أنعم به، وهذا يرضي الله تعالى.
437
باب الرجاء
عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ رضي اللهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قالَ: «إِنَّ اللهَ تعالى يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيلِ لَيَتُوبَ مُسيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدهُ بِالنَّهارِ ليَتُوبَ مُسيءُ اللَّيلِ حتّى تَطْلُعَ الشمسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يبسط يده بالليل: البسط: المد، وبسطه سبحانه يده صفة من صفاته تليق بذاته وقيل: هو بمعنى أنه تعالى يقبل التوبة من التائبين بالليل والنهار.
فوائد الحديث
- * المبادرة إلى التوبة، وأن بابها مفتوح في جميع الأوقات حتى تطلع الشمس من مغربها، وهي من علامات الساعة الكبرى الدالة على قربها، وعندئذ لا تقبل توبة أحد.
- * سعة رحمة الله تعالى في قبول التوبة.
- * على الإنسان ألا يؤجل التوبة فإنه لا يدري متى يوافيه الأجل.
- * إثبات صفة اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وهي صفة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
- * إثبات صفة البسط لله تعالى، وكلّ صفات الله تعالى الواردة في الكتاب أو السنّة فإننّا نثبتها لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته دون تعطيل أو تحريف أو تشبيه.
- 🕋
438
باب الرجاء
عن أبي نَجيحٍ عَمْرو بن عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ، رضيَ اللّهُ عنه قال: كنتُ وَأَنَا في الجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلى ضَلالَةٍ ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا على شيءٍ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا، فَقَعَدْتُ عَلى رَاحِلَتي، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مُسْتَخْفِيًا، جُرَآءُ عليهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخلْتُ عَلَيهِ بِمَكَّة، فَقُلْتُ له: ما أَنَتَ؟ قال: «أَنا نَبيٌّ» قلتُ: وما نبيٌّ؟ قال: «أَرْسَلَني اللّهُ» فقلت: بِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحامِ، وكسْرِ الأَوْثان، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللّهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ» قلت: فَمنْ مَعَكَ عَلى هَذا؟ قال: «حُرٌّ وَعَبْدٌ» ومعهُ يوْمَئِذٍ أَبو بكرٍ وبلالٌ رضيَ اللّهُ عنهما، فقلت: إِنِّي مُتَّبِعُكَ، قال: «إِنَّكَ لن تَستطِيعَ ذلكَ يَوْمَكَ هَذا، أَلا تَرى حَالي وحالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلى أَهْلِكَ، فَإِذا سَمِعْتَ بِي قد ظَهَرْتُ فَأْتِني» قال: فَذهبْتُ إِلى أَهْلي، وَقَدِمَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم المَدينَةَ، وكنتُ في أَهْلي، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الأَخْبَارَ، وَأَسْأَلُ النَّاسَ حينَ قَدِمَ المدينةَ حَتَّى قَدِمَ نَفرٌ مِنْ أَهْلي المدينةَ، فقلتُ: ما فَعَلَ هذا الرَّجُلُ الذي قدِمَ المدينةَ؟ فقالوا: النَّاسُ إِليهِ سِراعٌ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ، فَلَمْ يَسْتَطَيِعُوا ذلِكَ، فَقَدِمتُ المدينَةَ، فَدَخَلتُ عليهِ ، فقلتُ: يا رسولَ اللّهِ أَتَعرِفُني؟ قال: «نَعم، أَنتَ الَّذي لَقيتَني بمكةَ» قال: فقلتُ: يا رسولَ اللّهِ أَخْبِرْني عمَّا عَلَّمكَ اللّه وَأَجْهَلُهُ، أَخبِرْني عَنِ الصَّلاةِ؟ قال: «صَلِّ صَلاةَ الصُّبحِ، ثُمَّ اقصُرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قيد رُمحٍ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَانٍ، وَحِينئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكفَّارُ، ثُمَّ صلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتى يستقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمحِ، ثُمَّ اقْصُرْ عن الصَّلاةِ، فإِنَّهُ حينئذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فإِذا أَقبلَ الفَيْءُ فصَلِّ، فإِنَّ الصَّلاةَ مَشهودةٌ محضورةٌ حَتّى تُصَلِّيَ العصرَ، ثُمَّ اقْصُرْ عَنِ الصلاةِ حتى تَغْرُبَ الشّمسُ، فإِنها تَغْرُبُ بين قَرنَيْ شيطانٍ، وحينئذٍ يَسْجُدُ لها الكُفَّارُ» قال: فقلت: يا نَبِيَّ اللّه فَالْوُضُوءُ، حدّثني عنه؟ فقال: «ما مِنْكُمْ رجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ، فَيَتَمَضْمَضُ ويستنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خطايَا وجهِهِ وفِيهِ وخياشِيمِهِ، ثُمَّ إِذا غَسَلَ وجهَهُ كما أَمَرَهُ اللّه، إِلَّا خَرَّتْ خطايا وجهِهِ مِنْ أَطرافِ لِحْيَتِهِ مع الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلى المِرفَقَينِ إِلَّا خَرَّتْ خطايا يَدَيْهِ من أَنامِلِهِ مع الماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ من أَطرافِ شَعْرِهِ مع الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلى الكَعْبَيْنِ إلَّا خَرَّتْ خطايا رِجْلَيهِ من أَنَامِلِهِ مَع الماءِ، فإِنْ هو قامَ فصلَّى، فحَمِدَ اللّهَ تعالى، وأَثْنَى عليهِ وَمَجَّدَهُ بالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ للّهِ تَعَالَى إِلَّا انصَرَفَ مِنْ خطيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». فحدّثَ عَمرو بنُ عَبَسَةَ بهذا الحديثِ أَبَا أُمَامَة صاحِبَ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقال له أبو أُمَامَة: يا عَمْرُو بن عَبَسَةَ انظر ما تقولُ! في مقامٍ واحِدٍ يُعْطى هذا الرَّجُلُ؟ فقال عَمْرٌو: يا أَبَا أُمامةَ ؛ لّقَدْ كبُرَتْ سِنِّي، ورَقَّ عَظمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلي، وما بي حَاجةٌ أَنْ أَكذِبَ على اللّهِ تعالى، ولا على رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، لو لم أَسْمَعْهُ من رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أو ثلاثًا، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ما حَدَّثتُ أَبدًا به، ولكنِّي سمِعتُهُ أَكثَرَ مِنْ ذلك.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- في الجاهلية: قبل الإسلام، وقيل سموا بذلك لكثرة جهالاتهم.
- الأوثان: جمع وثن وهو الصنم.
- جُرآءُ عليهِ قومُه: أَيْ جاسِرُونَ مُستَطِيلون.
- بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَان: أَي ناحِيَتَيْ رَأْسِهِ.
- متبعك: مظهر للإسلام ومقيم معك في مكة.
- ارجع إلى أهلك: ابق على إسلامك وأقم في أهلك، خوفًا عليه من أذى قريش.
- قيد رمح: قدر رمح بالنظر.
- مشهودة: تحضرها الملائكة.
- تسجر: توقد، تهيج بالوقود.
- الفيء: ظل ما بعد الزوال.
فوائد الحديث
- * أسلوب الرسول صلّى اللّهُ عليه وسلّم الحكيم في الدعوة ومراعاة ظروف أصحابه حيث أرشد أبا نجيح أن يعود إلى أهله بإسلامه ليقيم فيهم خشيةً عليه من أذى قريش.
- * فضل أبي بكر وبلال رضي اللّهُ عنهما لسبقهما إلى الإسلام ونصرة رسول اللّه صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
- * ثقة الرسول صلّى اللّهُ عليه وسلّم باللّه في النصر والظهور على المشركين.
- * سؤال أهل العلم عن أحكام الدين.
- * الحديث من أعلام نبوته صلّى اللّهُ عليه وسلّم فقد أخبر أبا نجيح بأن الإسلام سينتصر ويظهر فكان كما أخبر.
- * الوضوء والصلاة كفارة لما وقع من الذنوب الصغيرة.
- * استحباب الخشوع في الصلاة، وشهود الملائكة للصلاة.
- * بيان الأوقات التي تكره فيها الصلاة.
- * شروق وغروب الشمس بين قرني الشيطان على حقيقته.
439
باب الرجاء
عن أبي موسى الأَشْعَريِّ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِذا أَرادَ الله تعالى رحمةَ أُمَّةٍ قَبَضَ نبيَّهَا قَبلَها، فجعَلَهُ لها فَرَطًا وسلَفًا بين يَدَيْهَا، وإذا أرادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عذَّبها ونبيُّهَا حَيُّ، فَأَهْلَكَهَا وهوَ حَيٌّ ينظُرُ، فَأَقَرَّ عينَهُ بِهلاكِهَا حين كذَّبوهُ وعصَوْا أَمْرَهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- فرطًا: الفرط الذي يتقدم الواردين إلى الماء ليصلح لهم الأحواض والدِّلاء.
- سلفًا: متقدمًا لهم وماضيًا أمامهم، ليحصل لهم الثواب بالصبر على الدين بعده.
- بين يديها: أمامها.
- فتقر عينه: فيحصل له السرور بهلاكها.
فوائد الحديث
- * أن انتفاع الأمّة بموت نبيّها قبلها إنّما يحصل إذا كانت متأسّية به، صابرةً بعده على دينه.
- * أنّ هلاك الأمّة في حال حياة نبيّها إنّما يكون إذا كفرت به وعصت أمره، وسعت في أذاه، فاستحقّت الهلاك والعذاب، وفي ذلك تطييب لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دعا قومه إلى الخير فقابلوه بالكفر.
- * تحذير المسلمين من مخالفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وترغيبهم في المضيّ على منهجه والثبات على دعوته حتّى يلقَوه في الآخرة عند الحوض.
440
باب فضل الرّجاء
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنَّهُ قال: «قالَ اللهُ عَزَّ وَجلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدي بي، وأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُني وَاللهِ للهُ أَفْرَحُ بتَوْبةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يجدُ ضالَّتَهُ بالْفَلاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقرَّبْتُ إِلَيْه ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرّبَ إِلَيَّ ذِراعًا تقَرَّبْتُ إليه بَاعًا، وإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يمْشي أَقبلتُ إلَيْهِ أُهَرْوِلُ» مُتَّفَقٌ عليه. • وَرُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ: «وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي» وفي روَايَةِ «حَيْثُ»
وَكِلاهُمَا صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- عند ظنّ عبدي بي: بالغفران له إذا استغفر، والإجابة إذا دعا، وأمل العفو.
- وأنا معه: معيّة الله تعالى لعباده بالرحمة والرعاية.
- أفرح: الفرح: صفة ثابتة لله تعالى، نثبتها على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه.
- ضالّته: راحلته التي أضاعها وكان عليها زاده وشرابه.
- الفلاة: الأرض التي لا ماء فيها.
- الباع والبوع: طول ذراعي الإنسان وعضده وعرض صدره، وهو قدر أربعة أذرع.
فوائد الحديث
- * حسن الظنّ بالله تعالى رجاء عفوه ورحمته، وعدم اليأس من مغفرته.
- * المبادرة إلى الله بالتوبة والإكثار من الأعمال الصالحة.
- * فرح الله تعالى بتوبة عبده وهو في مقام الربوبية؛ يستوجب من العبد وهو في مقام الضعف والعبودية المسارعة إلى التوبة والشكر لله تعالى.
- * إثبات معية الله تعالى على الوجه اللائق بجلاله تعالى.
441
باب فضل الرّجاء
عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمعَ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَبْلَ موْتِهِ بثلاثَةِ أَيَّامٍ يقولُ: «لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ باللهِ عزَّ وَجَلَّ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لا يموتنّ: أي ليحرص إن أتاه الموت أن يكون على هذه الحالة.
- يحسن الظن: يعتقد أنّه يرحمه ويعفو عنه.
فوائد الحديث
- * التحذير من اليأس والقنوط.
- * الحثّ على الرجاء وحسن الظنّ بالله، وخاصة عند دنو الأجل.
- * ينبغي فِي حَالِ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا رَاجِيًا، وَيَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ سَوَاءً.
442
باب فضل الرّجاء
عن أَنسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «قالَ اللهُ تعالى: يَا ابْنَ آدَمَ؛ إِنَّكَ مَا دَعوْتَني وَرَجوْتَني غَفَرْتُ لَكَ عَلى ما كَانَ مِنكَ ولا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدمَ، لَوْ بَلغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَني غَفَرتُ لَكَ ولا أُبالي، يَا بْنَ آدَم إِنَّكَ لَو أَتَيْتَني بِقُرابِ الأَرْضِ خطايا، ثُمَّ لَقِيْتَني لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً»
رواه الترمذي وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- ما دعوتني: أي: إذا دعوتني، وما دمت تدعوني وترجوني.
- عَنَانُ السَّماءِ: قيل: هو مَا عَنَّ لَكَ منها، أي: ظَهَرَ إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ، وقيلَ: هو السَّحَابُ.
- قُرابُ الأَرْضِ: هو ما يُقارِبُ مِلأَهَا.
فوائد الحديث
- * سعة فضل الله عزّ وجلّ وكرمه، فإنّ رحمته لا نهاية لها.
- * الحثّ على الاستغفار والدعاء ورجاء رحمة الله سبحانه.
- * أنّ الذنوب مهما كثرت وفحشت يُرجى غفرانها من الله عزّ وجلّ إلّا الشرك به فإنّه لا يُغفر.
- * تقبيح أمر الشرك والتنفير منه فهو أعظم الذنوب لأنّ فيه افتراءً على الذات الإلهية وتنكرًا لحقوق اللهِ تعالى في الألوهية والربوبية والوحدانية.
- * إثبات لقاء الله تعالى.
443
باب الجمع بين الخوف والرجاء.
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُـوبَةِ ما طَمِعَ بجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جنَّتِهِ أَحَدٌ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ما قنط: ما يئس.
فوائد الحديث
- * الحثّ على الخوف من عقاب الله تعالى، والأمل في ثوابه ومغفرته ورضوانه.
- * سعة رحمة الله تعالى لمن أطاعه وعظيم عقابه لمن عصاه.
- * المؤمن ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء، فإذا اقترب الأجل غلب الرجاء.
444
باب الجمع بين الخوف والرجاء.
عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ رضيَ اللهُ عَنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إذا وُضِعتِ الجَنَازَةُ واحْتمَلَهَا الناس أو الرِّجالُ عَلى أَعْنَاقِهمِ، فَإِنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ: قَدِّمُوني قَدِّمُوني. وَإنْ كانَتْ غَير صالحةٍ قالَتْ: يا ويْلَهَا! أَيْنَ تَذْهَبُونَ بَها؟ يَسْمَعُ صَوتَها كُلُّ شيءٍ إلاَّ الإِنْسَانُ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- وُضِعت الجنازة: أي جعلت بين أيدي الرجال ليحملوها.
- الجنازة: أي المتوفى.
- قدموني: عجّلوا بي.
- يا وَيْلَها: الويل الهلاك، وهي كلمة جزع وتحسر.
- صعق: أي مات، وذلك لشدة الصوت الذي يسمعه.
فوائد الحديث
- * أنّ الله تعالى يُطلِع عباده على منازلهم وما أعدّ لهم في هذه الحال، فيشتاق المؤمن لما أعد له من كرامة، ويجزع الكافر والفاسق لما يترقبه من أليم العذاب.
- * أنّ بعض الأصوات يسمعها غير الإنسان ولا يستطيع الإنسان سمعها.
- * المشروع في حمل الجنازة أن يكون للرجال.
- * من السنّة النبوية تعجيل تجهيز الميت ودفنه.
445
باب الجمع بين الخوف والرجاء.
َعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِه، وَالنَّارُ مِثْلُ ذلك»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- الشِراك: أحد سيور النعل التي تكون على ظهر القدم، ويختل المشي بفقده.
فوائد الحديث
- * ليس بين الإنسان والجنة والنار إلا أن يموت على فعلِ ما يستوجب أحدهما.
- * الحديث يتضمن ترغيبًا وترهيبًا، فينبغي للمؤمن ألا يُقصّر في طاعةٍ ولا يتهاون في معصية.
- * ينبغي للمرء ألا يزهد في قليلٍ من الخيرِ أن يأتيه ولا في قليلٍ من الشر أن يجتنبه٬ فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها.
- * الأصل فيما أراد الله من الكرامةِ للإنسان أن يسكن الجنة، ولكن بالعصيان يَخرج منها، فمن أطاع الله في الدنيا عاد إلى منزله الأصيل وهو الجنة، ومن عصى الله رُدَّ إلى النار.
- * طريق الجنـة يســير؛ توبة مما مضــى، وعمــل صالح، وترك للمعاصي فيما بقي.
- * مخالفة الهوى طريق إلى الجنة، وموافقة الهوى في المعاصي يفضي إلى النار.
446
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عَن ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اقْرَأْ عَلَيَّ القُرآنَ» قلتُ: يا رسُولَ اللهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء، حَتَّى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية: َكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا [الآية: ٤١] قال: «حَسْبُكَ الآنَ»
فَالْتَفَتُّ إِليْهِ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بشهيد: أي شاهدًا يشهد عليها بعملها، وهو نبيها.
- جئنا بك على هؤلاء: أي على جميع الكفار من الناس.
- حسبك: يكفيك ذلك.
- تذرفان: تسيل دموعهما.
فوائد الحديث
- * استحباب سماع القرآن من الآخرين، فهو أدعى للفهم والتدبّر، وذلك لعدم الاشتغال بضبط الألفاظ وأدائها حقها.
- * جواز قراءة الطالب على المعلم، وعدم أنفة الفاضل من الأخذ عن المفضول.
- * جواز أمر الآخرين بقطع القراءة إذا كان في قطعها مصلحة.
- * الحثّ على تدبّر القرآن عند تلاوته أو سماعه حتّى يكون له أثر في النّفس.
- * فضيلة البكاء خشيةً من الله عز وجل عند سماع آياته مع التزام السكون وحسن الصمت وعدم الصراخ.
447
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ فقالَ: «لَوْ تعْلمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كثيرًا»
قال: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وُجُوهَهُمْ ولهمْ خَنِينٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- قَطّ: أبدًا.
- خَنِين: هُوَ بُكَاء مَعَ غُنَّةٍ وَانْتِشَاقِ الصَّوتِ مِنَ الأَنْفِ.
فوائد الحديث
- * التحريض على كثرة البكاء خوفًا من عقاب الله، والزجر عن كثرة الضحك، لأنّه يؤدّي إلى الغفلة وقسوة القلب.
- * بيان حال الصحابة رضوان الله عليهم من التأثّر بالموعظة وبكائهم خشيةً من الله تعالى، والحثّ على الاقتداء بهم في هذا.
448
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلا يَجْتَمعُ غُبَارٌ في سَبِيلِ اللهِ ودُخانُ جَهَنَّمَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- يلج: يدخل.
- بكى من خشية الله: أي بكى وامتثل أمره واجتنب نهيه.
- يعود اللبن في الضرع: أي يرجع الحليب إلى الثدي من مسامه وهو مستحيل عادة.
- غبار في سبيل الله: أي حصل بسبب جهاد أعداء الدين إرضاء لله تعالى.
فوائد الحديث
- * أنّ البكاء خشية من الله تعالى يبعث على الاستقامة، فيكون وقاية من عذاب النار.
- * فضل ذكر الله والبكاء من خشيته.
- * فضل الجهاد في سبيل الله تعالى.
449
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: « سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ: إِمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللهِ تَعالى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بالْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللهِ اجتَمَعا عَلَيْهِ، وتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمالٍ فَقَالَ: إِنّي أَخافُ اللهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأَخْفاها حتَّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ »
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- سبعة: أي سبعة أصناف من الناس.
- في ظله: في ظل عرشه.
- إمام: الإمام صاحب الولاية العظمى، ويلحق به من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه.
- قلبه معلق في المساجد: أي مُحبٌّ لها منتظرٌ للصلاة فيها.
- ذات منصب: أي أصل وشرف.
- فاضت عيناه: بَكَتا وسال دمعهما.
فوائد الحديث
- * فضل الإمام العادل ورعاية الله له، وإنما قُدم على من بعده لكثرة المصالح المتعلقة به.
- * فضل الشاب الذي لم يزاول المعاصي وجاهد نفسه فنشأ على طاعة ربه.
- * فضل من يرتاد المساجد ويهفو قلبه إليها كلما خرج منها حبًّا في الصلاة وأنواع العبادة فيها.
- * فضل الحب في الله الذي يجمع بين الإخوان لا على عَرَض دنيوي.
- * فضل العفّة عند توفر دواعي المعصية خشية من الله.
- * فضل صدقة السرّ التي لا تجرح شعور الفقير ولا تدعو إلى الرياء.
- * فضيلة من خلا مع الله عز وجل يعبده ويذكره فبكى من خشيته ورجا ثوابه.
- * بيان أن هذا الخوف والبكاء في الدنيا يكون سببًا في الأمن والسرور يوم القيامة.
450
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّير رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: أَتَيْتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَهُوَ يُصلِّي ولِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ. حديثٌ صحيحٌ
رواه أبو داود، والتِّرمذيُّ في الشَّمائِل بإِسنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- لجوفه: لداخل صدره، وجوف كل شيء داخله.
- أزيز: صوت غليان ما في القدر.
- المرجل: القدر من النحاس أو كلّ قدر طبخ فيه.
فوائد الحديث
- * بيان ما كان عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم من كمال الخشية من الله عز وجل، وخضوعه بين يديه على علو منزلته، والحث على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم.
- * البكاء خشوعًا في الصلاة لا يفسدها.
451
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عن أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ علَيْكَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا» قَالَ: وَسَمَّاني؟ قال: «نَعَمْ»
فَبَكى أُبَيٌّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي روايةٍ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكي
مفردات الحديث
- أَنْ أَقْرَأَ علَيْكَ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا}: أي السورة بكاملها، وهي سورة البينة.
فوائد الحديث
- * مشروعية البكاء فرحًا وسرورًا عند حصول النعمة وخشية من التقصير في شكر المنعم سبحانه.
- * فضيلة أبيّ بن كعب رضي الله عنه ومكانته في حفظ القرآن وقراءته.
- * استحباب عرض القرآن على الآخرين وأنه سنة.
- * التواضع في أخذ العلم من أهله وإن كان دونه.
452
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عَن أنسٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ أَبو بَكْرٍ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: انْطَلِقْ بِنا إلى أُمِّ أَيمنَ نَزُورُها كما كَانَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَزُورُها، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِليْها بَكَتْ، فقَالا لها: ما يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ تعالى خَيْرٌ لِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ قالَتْ: إِنّي لا أَبْكِي أَنِّي لا أَعْلَمُ أَنَّ ما عنْدَ اللهِ خَيرٌ لِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ولَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّماءِ، فَهَيَّجَتْهُما عَلى البُكاءِ، فَجَعَلا يَبْكِيانِ مَعهَا.
رواهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أم أيمن: مولاةٌ لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ، كانت تحضنه حتى كبر، وهي من الحبشة، أعتقها حين تزوج خديجة رضي الله عنها، أنْكَحها زيدَ بن حارثة، فهي أم أسامة بن زيد رضي الله عنهما، تُوفيت بعد رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ بفترة قريبة.
- فهيّجتهما على البكاء: أي أثَّرت فيهما وأثارتهما فحملتهما على البكاء.
فوائد الحديث
- * جواز البكاء حزنًا على فراق الصالحين والأصحاب، وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضلَ ممَّا كانوا عليه.
- * جواز البكاء على انقطاع الخير، وأنّ ذلك لا يعارض التسليم لقضاء الله وقدره.
- * من الوفاء للصّاحب بعد وفاته، زيارة أحبابه والتودد لهم.
- * جواز زيارة الصالح لمن هو دونه.
- * فضل أم أيمن رضيَ اللهُ عنها.
- * جواز زيارة جماعة من الرجال المرأةَ الصالحة وسماع كلامها.
- * محبة الصحابة لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلمَ، وحزنهم على فراقه بعد وفاته، وحزنهم لانقطاع الوحي بعده.
453
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَجَعُهُ، قِيلَ لَهُ في الصَّلاَةِ، فقال: «مُرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ» فقالتْ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقيقٌ، إِذا قَرَأَ القُرآنَ غَلَبَهُ البُكاءُ، فقال: «مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ». • وفي روايةٍ عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالَتْ: قلتُ: إِنَّ أَبا بَكْرٍ إِذا قَامَ مقامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- اشتد: قوي وعظم.
- قيل له في الصلاة: أي من يقيمها للقوم ويؤم بهم فيها؟
- رقيق: أي قلبه رقيق.
- قرأ: أي القرآن الكريم.
- مقامك: أي إمامًا بالناس.
فوائد الحديث
- * بيان فضيلة أبي بكر رضي الله عنه وما كان عليه من خشية الله عز وجل.
- * استحباب رقة القلب والبكاء عند تلاوة القرآن.
- * أخذ الصحابة من هذا الحديث أفضليّة الصدِّيق على باقي الصحابة وأحقّيّته بالخلافة بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولذا قال عمرُ رضي الله عنه رجل اختاره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لديننا ألا نرضاه لدنيانا.
454
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عن إِبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ: أَنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أُتِيَ بطَعامٍ وكانَ صائمًا، فقالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ ما يُكَفَّنُ فيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ إِنْ غُطِّيَ بِها رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وإِنْ غُطِّي بها رِجْلاهُ بَدَا رأْسُهُ، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا ما بُسِطَ -أَوْ قالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيا مَا أُعْطِينَا- وقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنا عُجِّلَتْ لَنا، ثُمَّ جَعَلَ يبْكي حَتَّى تَرَكَ الطَّعامَ.
رواهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- بردة: نوع من الثياب تلبسه الأعراب.
- بسط: وسّع، بما حصل من الفتوحات والغنائم.
- حسناتُنا عُجّلت لنا: أُعطينا جزاء أعمالنا الصالحة في الدنيا فلم يبق لنا شيء مدّخر للآخرة.
فوائد الحديث
- * تواضع الصحابة رضي الله عنهم وكمال فضلهم حيث كان أحدهم يرى نفسه آخر الناس، وإلا فعبد الرحمن بن عوف من المبشرين بالجنة، وهو أفضل من مصعب ولا سيما أن غناه كان وسيلة لنفع المسلمين رضي الله عنهم أجمعين.
- * الحذر من التوسع في الدنيا والاشتغال بها والتقصير عن الواجب بسببها، وعدم شكر المنعم عليها بترك أداء ما وجب فيها من حقوق.
- * سعة الدنيا وبسطها تعجيل من أجر الآخرة.
455
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عن أبي أُمامة صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ الباهِليِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عن النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَيْسَ شَيءٌ أَحَبَّ إِلى اللهِ تعالى من قَطْرَتَيْن وأَثَرَيْنِ: قَطْرَةُ دُمُوعٍ من خَشيَةِ اللهِ، وَقَطرَةُ دَمٍ تُهرَاقُ في سَبِيلِ اللهِ، وأمَّا الْأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ في سبيلِ اللهِ تعـالى، وَأَثَرٌ في فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ تعالى»
رواه التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- أحب: المقصود أكثر ثوابًا، وهذا مع إثبات صفة الحبّ لله تعالى.
- قطرة: نقطة.
- أثر: ما بقي من الشيء دلالة عليه.
- تهراق: تراق وتجري.
فوائد الحديث
- * فضل البكاء خشية من الله تعالى، لأنه دليل على الإيمان الصادق بالله.
- * فضيلة الجهاد في سبيل الله حتى أن الله تعالى يحبّ الأثر في الذي يبقى بعد الاندمال من ضربة سيف أو طعنة رمح من الجهاد في سبيله.
- * استحباب إبقاء أثر الفريضة نحو البلل في أعضاء الوضوء إن لم يخش ضررًا، وأثر السجود.
- * تفاضل الأعمال الصالحة.
456
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه
عن الْعِرْبَاضِ بنِ ساريةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: وعَظَنَا رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مَوْعِظَةً وَجِلَتْ منها القُلُوبُ، وذَرَفْتْ منْهَا العُيُونُ... تقدم الحديث برقم ١٥٧
مفردات الحديث
- موعظة: من الوعظ وهو النصح والتذكير بالعواقب.
- بليغة: مؤثرة تبلغ سويداء القلب وتؤثر فيه.
- وجلت: خافت.
- ذرفت: أي دمعت وسالت.
فوائد الحديث
- * لزوم تقوى الله تعالى والخشية منه، بامتثال أوامر الشرع واجتناب نواهيه.
457
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن عمْرِو بْنِ عَوْفٍ الأَنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بَعَثَ أَبا عُبيدةَ ابْنَ الجرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إلى البَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجزْيَتِهَا، فَقَدِمَ بِمالٍ منَ البحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنصَارُ بقُدومِ أبي عُبَيْدَةَ، فَوافَوْا صَلاةَ الفَجْرِ مَعَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَلَمَّا صَلََى رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قال: «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟» فقالوا: أَجَلْ يا رسولَ اللهِ، فقــال: «أَبْشِرُوا وأَمِّلُوا ما يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ ما الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما اهلكتهم»
متفق عليه
مفردات الحديث
- بعث: أرسل.
- أبو عبيدة بن الجراح: اسمه عامر بن عبد الله.
- بجزيتها: أي بجزية أهلها، وكان غالب أهلها مجوسًا.
- فوافوا: أي اجتمعوا وحضروا صلاة الفجر في مسجد رسول الله صلّى اللهُ عليه وسلّم.
- فتعرضوا له: أي قصدوا له يشعرونه بحاجتهم.
- أملوا: من الأمل: أي الرجاء، ومعناه تبشير بحصول ما يريدونه.
- تبسط: توسع.
- فتنافسوها: التنافس: المسابقة إلى الشيء رغبة في الفوز به قبل الغير.
- فتهلككم: أي في الدين.
فوائد الحديث
- * تحذير من فُتحت عليه الدنيا من سوء عاقبتها وشر فتنتها.
- * التنافس في الدنيا قد يجر الإنسان إلى فساد الدين.
- * عدم الاطمئنان إلى زخارف الحياة الدنيا لما في ذلك من الهلاك والضرر.
- * الغنى إذا لم يكن مقيدًا بضوابط الشرع فإنه يؤدي إلى مفاسد تفوق مفاسد الفقر.
458
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: جَلَسَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَلى المِنْبَرِ، وَجَلسْنَا حَوْلَهُ فقال: «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُم من بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- من بعدي: أي بعد موتي.
- زهرة الدنيا: زينتها وبهجتها.
فوائد الحديث
- * خشية النبي صلّى الله عليه وسلّم على أمته من تعلق قلوبهم بحب الدنيا وزخارفها، وانشغال أبصارهم وجميع حواسهم بها، مما يشغلهم عن الآخرة ويفسد عليهم دينهم، وقد وقع ما خافه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- * للعالِم أن يحذّر مَن يجالسه مِن فتنة المال، وينبّههم على مواضع الخوف عليهم.
459
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ رضيَ اللهُ عنه أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ تَعالى مُسْتَخْلِفُكُم فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْملُونَ، فاتَّقُوا الدُّنْيَا، واتَّقُوا النِّسَاءَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- حلوة خضرة: أي جامعة للوصفين المحبوبين للذوق والبصر.
- مستخلفكم فيها: أي جعلكم الله خلفاء فيها، جعل بعضكم يخلف بعضًا، فلا تتصرفوا بما لم يأذن لكم به.
- * فاتقوا الله: افعلوا أوامره واتركوا نواهيه.
- * واتقوا النساء: احذروا فتنة النساء وكيدهن.
فوائد الحديث
- * ليس معنى الحديث أن يتخلى الإنسان عن الدنيا ولا يعمرها، وإنّما المعنى: احذروا من ان تغركم الدنيا.
- * إذا فسدت المرأة، فسد المجتمع، وإذا تبرجت المرأة، واستعرضت بزينتها فعلى المجتمع السلام.
- * الإنسان يجب عليه أن يقوم بما أمره الله ويترك ما نهى عنه ولا يغتر بالحياة الدنيا.
460
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «اللهُمَّ لا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- * تحقير عيش الدنيا لِما يعرض له من التكدير وسرعة الفناء.
- * أن العاقل لا يفرح بما يسره من الدنيا لانقضائها، وأن يكون اهتمامه بما يفرح به في آخرته، لأن حياتها هي الدائمة الأبدية.
461
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أنسٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ: أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى وَاحدٌ: يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- * أن ما يبقى مع الميت بعد دفنه إنما هو عمله، فيكون مرتهنًا به.
- * ما يقدمه الإنسان من عمل صالح خير له مما يخلفه وراءه من مال وولد.
462
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يُؤْتَى بَأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِن أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يا ابْنَ آدَمَ؛ هَلْ رَأَيْتَ خيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعيمٌ قَطُّ؟ فيقولُ: لا وَاللهِ يا رَبِّ، وَيُؤْتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ؛ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيقولُ: لا وَاللهِ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- بأنعم أهل الدنيا: أي بأكثرهم نعمة فيها.
- فيصبغ: يغمس.
- بؤسًا: شدّة.
فوائد الحديث
- * الترغيب في نعيم الجنّة الدائم، والترهيب من عذاب النار الأليم.
- * البشارة بما أعدّ الله للعاملين خيرًا والإنذار بما أعدّ الله للعاصين.
463
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عَن المُسْتَوْرِدِ بْنِ شدَّادٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحدُكُمْ أُصْبُعَهُ في الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ما الدنيا: أي ما مثلها أو نعيمها أو زمانها
- في الآخرة: أي في جانبها أو بالنظر إليها.
- اليَمّ: البحر.
- بم يرجع: أي بأي شيء يرجع أحدكم إصبعه من الماء.
فوائد الحديث
- * بيان قيمة الدنيا أمام نعيم الآخرة، وأن نسبة ما ذكر من نعيم الدنيا وزمانها إلى نعيم الآخرة ليس إلا مثل نسبة الماء اللاصق بإصبع أحدكم إذا غمسها في البحر.
- * إيراد المثل يفيد أكثر مما يفيد المعنى المجرد.
464
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن جَابِرٍ رضِيَ اللهُ عنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ بِالسُّوقِ وَالنَّاسُ كنَفَتَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ، فَأَخَذَ بَأُذُنِهِ ثُمَّ قال: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَن يكون هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟» فَقالوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قال: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟» قَالُوا: وَاللهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا، أَنَّهُ أَسَكُّ، فكَيْفَ وَهو مَيَّتٌ؟ فقالَ: «فَوَاللهِ؛ للدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلى اللهِ مِنْ هذا عَلَيْكُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- كنفتيه: أي عن جانيه.
- أسكّ: صغير الأذن.
- الجدي: الذكر من أولاد المعز، والأنثى عناق.
- أيكم؟: استفهام إرشاد وتنبيه.
- كان عيبًا: أي معيبًا.
- أهون على الله: أي أذل وأحقر.
فوائد الحديث
- * الدنيا أذل وأحقر عند الله من هذا الجدي الميت عند الناس، فكيف ينشغلون بها عن الله مع أنّ هذا هو حالها وهذه حقيقتها؟
- * المسلم لا بد أن تكون الدنيا في عينه حقيرة، فلا يحمِل همّها ولا يكون أحرص عليها من الآخرة.
- * حرص النبي على اغتنام الفرص والمناسبات في توجيه أمته.
465
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي ذرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في حَرَّةٍ بالمَدِينَةِ، فَاسْتَقْبلَنَا اُحُدٌ، فقال: «يا أَبَا ذَرٍّ» قُلتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللّهِ، فقالَ: «مَا يَسُرُّني أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هذا ذَهبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَلاثَةٌ أيّامٍ وعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ في عِبَادِ اللّهِ هكَذَا، وَهَكَذا، وهَكَذا» عَنْ يَمِينهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَعَنْ خَلْفِهِ ، ثُمَّ سارَ فقالَ: «إِنَّ الأَكثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَومَ القيامةِ إِلَّا مَنْ قَالَ بالمال هَكَذَا، وهَكَذَا، وَهَكَذَا» عَنْ يمينهِ، وَعَنْ شمالهِ، ومِنْ خَلْفِهِ «وَقَليلٌ مَا هُمْ» ثُمَّ قال لي: «مَكَانَكَ لا تَبْرَحْ حَتَّى آتيَكَ». ثم انْطَلَقَ في سَوَادِ اللَّيْلِ حتَّى تَوَارَى، فسمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ عَرَضَ للنَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ: «لا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ» فلم أَبْرَحْ حَتَّى أَتَاني، فَقُلْتُ: لقدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ لَهُ، فقال: «وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟» قُلتُ: نَعَمْ، قال: «ذَاكَ جِبريلُ أَتانِي فقالَ: مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللّهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قال: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وهذا لفظُ الْبُخَارِيِّ
مفردات الحديث
- حَرّة: أرض ذات حجارة سوداء، وجمعها حِرار.
- أُحدًا: الجبل المعروف، ويقع شمال المدينة المنورة.
- أرصده لدَيْن: أعدُّه وأحفظه لدَيْن.
- إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة: المراد الإكثار من المال والإقلال من الأعمال الصالحة.
- مكانك: أي الزم مكانك.
- لا تبرح: أي لا تترك مكانك.
- توارى: غاب شخصه عن النظر، استتر فلم أعد أراه.
- عرض له: أي تعرض له بسوء.
- لا يشرك بالله: أي لا يشرك في اعتقاده وعبادته إلهًا آخر مع الله.
- دخل الجنة وإن زنى وإن سرق: أي مآله أن يدخل الجنّة، وأنّ هذه المعاصي لا تحجبه عن دخولها لكن قد يتأخر دخوله لها.
فوائد الحديث
- * تواضع النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ مع أصحابه وعدم ترفّعه على أحد منهم.
- * جواز حفظ المال لصاحب دَيْنٍ غائب، أو لأجل وفاء دَيْن مؤجل حين يحل.
- * أن وفاء الدَّيْن مقدم على صدقة التطوع.
- * حث أصحاب الأموال على الإنفاق في سبيل اللّهِ.
- * لا يكره وجود المال ما دام صاحبه ينفق منه في سبيل اللّهِ.
- * أنّ المسلم الموحّد مآله دخول الجنّة سواء بعفو اللّه دون أن يعذّبه على معاصيه، أو بعد تطهيره بدخول جهنّم ثم يخرج إلى الجنّة.
- * المشرك لا يدخل الجنّة وهو خالد مخلد في النار.
466
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه، عنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لو كان لي مِثلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، لَسَرَّني أنْ لا تَمُرَّ علَيَّ ثَلاثُ لَيَالٍ وَعِندِي منهُ شَيءٌ، إلَّا شَيءٌ أُرْصِدُهُ لِدَينٍ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أُرْصِدُه لِدَينٍ: أدّخره لأقضي به ديْنًا.
فوائد الحديث
- * الحث على المسارعة في الإنفاق في وجوه الخير.
- * المسلم يخطط ويهتمّ بوفاء الدَّيْن وأداء الأمانة.
- * جواز استعمال "لو" عند تمني الخير.
- * زهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكرمه، فقد كان ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر.
467
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «انْظُرُوا إلى منْ هوَ أَسفَلَ منْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إلى مَنْ هو فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدرُ أَن لا تَزْدَرُوا نِعمةَ اللهِ عَليْكُمْ» متفقٌ عليه وهذا لفظ مسلمٍ. • وفي رواية البخاريّ: «إِذا نَظَر أَحَدُكُمْ إلى مَنْ فُضِّلَ عليهِ في المالِ وَالخَلْقِ، فلْيَنْظُرْ إلى مَنْ هو أَسْفَل مِنْهُ».
مفردات الحديث
- أسفل منكم: المراد من هو أدنى منكم في أمور الدنيا.
- أجدر: أحق وأولى.
- أن لا تزدروا: أي أن لا تستصغروا وتحتقروا.
- الخَلْق: أي الشكل والصورة التي خُلِق عليها.
فوائد الحديث
- * استحباب نظر المسلم لمن هو أدنى منه في أمور الدنيا، ليزداد اعترافنا بما عندنا من نعم فنشكر الله عليها.
- * نظر الإنسان إلى من هو أعلى منه مالًا ودُنيا يؤدّي إلى التسخّط على ما قدّر الله له والغفلة عن شكر نِعمه عليه.
- * نظر الإنسان إلى من هو أعلى منه دينًا يُحفزه على المزيد من الطاعة والإقبال على الله تعالى بالعبادة.
468
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «تَعِسَ عبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالقَطِيفَةِ وَالخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعطَ لَمْ يَرْضَ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- تعس: من التعاسة ويراد بها هنا: الهلاك.
- القطيفة: نوع من القماش يعرف اليوم بـ "المخمل".
- الخميصة: ثوب من صوف أو نحوه معلّم مخطّط.
فوائد الحديث
- * التحذير من العبودية لغير الله.
- * القطيفة والخميصة والدينار والدرهم هذه أمثلة لما ينشغل به الناس عن عبادتهم لربهم ويُسخّرون لها كل حياتهم وأوقاتهم ويبذلون في سبيل تحصيلها كل شيء.
- * الحث على أن يكون الإنسان معتدل الحال في مراعاة لباسه من غير إكثار ولا إهمال.
- * القناعة غنى وعزّ بالله.
- * من علامات انشغال الإنسان عن ربّه بمثل هذه الأشياء: أنّه إن رزقه الله رزقا يعجبه رضي عن الله وإن رزقه بما لا يعجبه سخط على ربّه.
469
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه، قال: لقَدْ رَأَيْتُ سبعِينَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ ، ما مِنْهُم رَجُلٌ عليه رداءٌ، إِمَّا إِزَارٌ ، وإِمَّا كِسَاءٌ، قدْ رَبطُوا في أَعْنَاقِهِمْ، فَمنْهَا مَا يبْلُغُ نِصفَ السَّاقَيْنِ، ومنْهَا ما يَبْلُغُ الكَعْبينِ، فَيجْمَعُهُ بيدِه كراهِيَةَ أَنْ تُرَى عوْرتُه»
رواه البخاريّ
مفردات الحديث
- أهل الصّفة: الصُّفة سقيفة في آخر مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يجتمع بها فقراء المهاجرين، وكانوا يتفاوتون في العدد يزيدون وينقصون.
- الرداء: ما يستر أعالي البدن فقط.
- الإزار: ما يستر أسافل البدن فقط.
فوائد الحديث
- * الحثّ على حمد الله تعالى على ما أعطانا من نعم الطعام والشراب والملبس.
- * كثرة المال والغنى لا تعني رضى الله تعالى عن من أعطاه هذه النعم؛ فهؤلاء أتقياء المسلمين وفيهم فقر وحاجة.
- * على المسلم أن لا يزدري أحدا بسبب قلّة ماله أو رداءة ثيابه، فما يُدريك لعل له من المنزلة عند الله القدر الكبير.
- * أهل الصّفة لم يكونوا يتقصّدون لبس ثياب بهذه الكيفية، لأنّ فيها احتمال انكشاف العورة، والصحابة منزّهون عن التساهل والتهاون في هذا، ولكن كان هذا اضطرارًا فهم لا يجدون غير هذا من الثياب.
- * المطلوب التأسي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقد كان أزهد النّاس وأنظفهم وأسترهم وأجملهم صلّى الله عليه وسلّم.
470
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكَافِرِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الدنيا سجن المؤمن: أي بالنسبة والمقارنة لما أعدّ الله له من النعيم الدائم في الآخرة.
- جنّة الكافر: أي بالنسبة لما أعد الله من العذاب المقيم في الآخرة.
فوائد الحديث
- * أنّ المؤمن ممنوع من شهوات الدّنيا فكأنه في سجن.
- * أنّ شقاء الكافر في الدنيا بالنسبة لعذاب الآخرة جنّة.
- * حثّ المؤمن على الإعراض عن محبة الدّنيا وعدم الانغماس في متاعها، وتشوقه إلى الدار الآخرة.
471
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن ابنِ عمرَ، رضيَ اللهُ عنهما، قال: أَخَذ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَنْكِبَيَّ، فقال: «كُنْ في الدُّنْيا كأَنَّكَ غريبٌ أَوْ عَابِرُ سبيلٍ». وَكَانَ ابنُ عمرَ، رضيَ اللهُ عنهما، يقول: إِذَا أَمْسيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وإِذَا أَصْبحْتَ فَلا تنْتَظِرِ المَساءَ، وخُذْ منْ صِحَّتِكَ لمرضِكَ، ومِنْ حياتِك لِموتكَ.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أخذ: أمسك.
- بمنكبيّ: المنكِب مجتمع رأس العضد والكتف.
- إذا أمسيت: أي دخلت في المساء.
- إذا أصبحت: دخلت في الصباح.
فوائد الحديث
- * قالوا في شرح هذا الحديث: معناه: لا تَركَنْ إلى الدُّنْيَا، ولا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا، ولا تُحدِّثْ نَفْسكَ بِطُولِ الْبقَاءِ فِيهَا، وَلا بالاعْتِنَاءِ بِهَا، ولا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا إلَّا بِما يَتَعَلَّقُ بِه الْغَرِيبُ في غيْرِ وطَنِهِ، ولا تَشْتَغِلْ فِيهَا بِما لا يشتَغِلُ بِهِ الْغرِيبُ الَّذِي يُريدُ الذَّهابَ إلى أَهْلِهِ
- * أخذ النبي بمنكبي عبد الله بن عمر؛ دليل على محبته له وتنبيهه إلى أهمية ما يقوله له.
- * الحثّ على المبادرة لعمل كل شيءٍ في وقته.
- * الحذر من طول الأمل؛ وهو أن يكون المسلم غافلًا عن حقيقة الموت الذي يأتي بغتة فينساه منشغلًا بأحداث الحياة وبالتالي لا يستعد له بل يؤجل العمل الصالح والتوبة إلى وقتٍ لا يعلمه هو حتى.
- * توقّع الموت في أي لحظة من ليل أو نهار لأن ذلك يدعو إلى صلاح العمل وينجي من التراخي والكسل.
- * الحث على اغتنام الفرص للمزيد من الطاعة وعدم التباطؤ فيها.
- * الصحة والحياة غنيمتان للمؤمن يجب أن يستفيد منهما بأعمال الخير، فلا ينبغي له أن يفرط فيهما بما لا ينفعه في آخرته.
472
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي الْعبَّاس سَهْلِ بنِ سعْدٍ السَّاعديِّ رضيَ اللهُ عنه، قال: جاءَ رجُلٌ إلى النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقالَ: يا رسولَ اللهِ دُلَّني عَلى عمَلٍ إِذا عَمِلْتُهُ أَحبَّني اللهُ وَأَحبَّني النَّاسُ، فقال: «ازْهَدْ في الدُّنيا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحبَّكَ النَّاسُ»
حديثٌ حسنٌ رواه ابن مَاجَه وغيره بأَسانيد حسنةٍ
مفردات الحديث
- ازهد: الزهد ترك الشيء رغبةً عنه، أي أعرض عنها استصغارًا واحتقارًا لشأنها.
فوائد الحديث
- * التعفف عن الحرام والاحتياط للشبهة والشكر على الحلال وإنفاقه في الوجوه المشروعة.
- * أن يكون ما في هذه الحياة من مال ومتاع في يد الإنسان لا في قلبه، وأن جميع ما فيها وسيلة لا غاية.
- * ليس الزهد بالتفقّر والاستجداء والتذلّل والكسل، وإنما هو بغنى النفس والتعفف، والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله.
- * على المسلم ألا يطمع في أملاك النّاس وحاجاتهم فهذا خُلق مذموم وبه تحصل البغضاء والكراهة والشحناء.
- * يكون حب الدنيا مذمومًا إذا كان إيثارًا لشهوة النفس وانشغالًا بغير الحق سبحانه وتعالى، أما حبها لفعل الخير وإعانة الخلق فليس بمذموم، بل هو عبادة وطاعة لله تعالى.
473
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن النُّعْمَانِ بنِ بَشيرٍ، رضيَ اللهُ عنهما، قالَ: ذَكَر عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب رضيَ اللهُ عنه ما أصابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا، فقال: لَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوي ما يَجِدُ من الدَّقَلِ يمْلأُ بِهِ بطْنَهُ.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يظلّ: يمضي عليه النّهار كله.
- يلتوي: كناية عن الجوع الشديد.
- الدَّقَلُ: رَدِيء التَّمْرِ.
فوائد الحديث
- * رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو أحب الخلق إلى الله ومع ذلك تمر عليه أيامٌ وليالٍ لا يجد فيها حتى رديء الطعام.
- * أنّ الدنيا لا تساوي عند الله شيئا إذ لم تكن هنيئةً لأحبّ عباده إليه، فكيف ننشغل بها عنه سبحانه.
- * الحثّ على الصبر على مُرّ الدّنيا والبلاء فيها.
- * على المسلم ألا يغتر بالدنيا، بل يتذكر حال سادات المسلمين وأتقيائهم.
- * النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أسوة للأغنياء في التقلّل من متاع الدّنيا، وأسوة للفقراء في الصبر على قليل نصيبهم فيها.
474
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن عائشةَ، رضيَ اللهُ عنها قالت: تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وما في بَيْتي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرُ شَعيرٍ في رَفٍّ لي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَال علَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- ذو كبد: أي صاحب حياة، وعُبّر بالكبد عن الحياة، لأنه من الأعضاء الرئيسة في الجسم.
- شَطْرُ شَعيرٍ: أَي شَيْء مِنْ شَعيرٍ.
- ففَنِيَ: أي فرغ ونفد.
فوائد الحديث
- * الحرص على كيل الطعام وعدّه وإحصائه قد يذهب بالبركة.
- * البركة أكثر ما تكون في المجهولات والمبهمات.
- * من معجزاته صلى الله عليه وسلم تكثير الطعام القليل.
475
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عنْ عَمْرِو بنِ الحارِثِ أَخي جُوَيْرِية بنْتِ الحَارثِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضيَ اللهُ عنهما، قال: مَا تَرَكَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، ولا عَبْدًا وَلا أَمَةً، وَلا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ الَّتي كَان يَرْكَبُهَا، وَسِلاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا لابْنِ السَّبيِلِ صَدَقَةً»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- سلاحه: من نحو سيف ورمح.
- أرضًا: هي حصته في أرض فدك.
- ولا عبدًا ولا أمةً: أي باقيين على الرق فقد وردت الأخبار بأنّهم إما ماتوا قبله صلّى الله عليه وسلّم أو أنّه أعتقهم قبل موته.
فوائد الحديث
- * ما ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مال فهو صدقة لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "إنا معشر الأنبياء لا نُورث ما تركناه صدقة".
- * زهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الدنيا مع حرصه على المتاع النافع الضروري للجهاد في سبيل الله.
476
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ رضيَ اللهُ عنه قال: هَاجَرْنَا مَعَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ تعالى، فَوَقَعَ أَجْرُنا عَلى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ ولَمْ يأْكُلْ مِنْ أَجرِهِ شَيْئًا، مِنْهُم مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ رضي اللهُ عنه، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رجْلاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بها رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلى رجْليهِ شَيْئًا مِنَ الإِذْخِرِ، ومِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدِبُهَا. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- نلتمس وجه الله: أي نسعى للإخلاص لله تعالى.
- فوقع أجرنا: ثبت وكتب.
- لم يأكل من أجره: أي لم يصب من المال، وعبّر بالأكل لأنه المقصود الأهم من تحصيل المال، وهذا كناية عن الغنائم التي حصل عليها من إدراك الفتوح.
- النَّمِرَة: كسَاء مُلَوَّنٌ منْ صُوفٍ.
- الإذخر: نبات طيب الرائحة.
- أينَعَت: أَي نَضِجَت.
- يَهْدِبُهَا: أَي يَقْطِفُهَا وَيجْتَنِيهَا؛ لمَا فُتِحَ عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّنْيَا وَتَمَكنُوا فيهَا.
فوائد الحديث
- * بيان فضل الهجرة، وثواب المهاجرين المخلصين في هجرتهم لله تعالى.
- * فضل مصعب بن عمير رضي الله عنه، هو أبو عبد الله من السابقين إلى الإسلام وإلى الهجرة، ترك الغنى والدلال والترف رغبةً فيما عند الله، أرسله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة مع عبد الله بن أم مكتوم، فكانا يقرآن القرآن ويعلمان الناس الإسلام، شهد بدرًا وقتل يوم أحد شهيدًا سنة ثلاث من الهجرة، وكان صاحب لواء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
- * جزاء المتقين إما أن يكون عاجلًا في الدّنيا، أو آجلًا في الآخرة، أو فيهما معًا.
477
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعديِّ رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ، مَا سَقَى كَافرًا منْها شَرْبَةَ مَاءٍ»
رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- تعدل: تساوي وتزن.
- بعوضة: هو ما يعرف بالناموس.
فوائد الحديث
- * هوان الكافر على الله تعالى وسقوطه عنده.
- * الدنيا ليس لها أي قيمة أو قدر إذا قصدت لنفسها، وإنما قيمتها إذا جعلت طريقًا للآخرة ومزرعة للأعمال الصالحة.
- * الأعمال الصالحة ليست من الدنيا المحتقرة.
478
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي هُرَيْرَة رضيَ اللهُ عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلعونٌ مَا فيها، إِلَّا ذِكْرَ اللهِ ومَا وَالَاهُ، وَعالمًا وَمُتَعلِّمًا»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- ملعونة: مبغوضة لا خير فيها، وأصل اللّعن الطرد.
- ملعون ما فيها: ممّا يشغل عن الله من الأموال والأمتعة والشهوات وغيرها.
- وما والاه: وما كان قريبًا من أعمال البرّ.
فوائد الحديث
- * لا يجوز لعن الدنيا مطلقًا، ولكن يجوز لعن ما يبعد منها عن الله تعالى ويشغل عن طاعته.
- * الحثّ على عدم الركون إلى الدّنيا والانشغال بها عن العمل الصالح.
- * كل علم يقرب إلى مرضاة الله تعالى وينفع عباده فهو مطلوب ومحمود.
- *فضل العالم والمتعلم وشرف العلم من بين جميع الطاعات.
479
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن عَبْدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيا»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- الضيعة: العقار ومال الرجل من النّخل وغيرها، وما يكون منه معاش الرجل كالصنعة والتجارة والزراعة.
- فترغبوا في الدنيا: أي في صلاحها، فتنشغلوا بذلك عن صلاح الآخرة.
فوائد الحديث
- * النهي عن الاستكثار من الضياع والانصراف إليها بالقلب لأن ذلك يفضي بصاحبه إلى الركون إلى الدنيا، أما الذي يتخذ من العقار ما يسد كفايته فليس بمنهي عنه.
480
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهما قال: مَرَّ عَلَيْنَا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَنحنُ نُعالِجُ خُصًّا لَنَا فقال: «ما هذا؟» فَقُلْنَا: قَدْ وَهَى، فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ، فقال: «ما أَرَى الأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذلكَ»
رواه أَبو داود، والترمذيُّ بإِسناد البخاريِّ ومسلم، وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- نعالج: نصلح.
- خصًا: هو بيت يعمل من خشب وقصب ويُصلح بالطين، سمي به لما فيه من الخِصاص وهي الفُرج والأثقاب.
- وهي: ضعف وهم بالسقوط.
- ما أرى: أي ما أعلم.
- الأمر: أي الأجل.
- إلا أعجل: أي أسرع.
فوائد الحديث
- * على الإنسان أن يضع الموت نصب عينيه، وأن يعتقد أنه أقرب شيء إليه.
- * على الإنسان ألا ينشغل من الدنيا بما يشغله عن الآخرة وينسيه مصيره المحتوم وليس المقصود إهمال الدنيا، وإنما المذموم جعل الدنيا هي الغاية والهم الأكبر.
481
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن كَعْبِ بنِ عِيَاضٍ رضيَ اللهُ عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فتنةً، وفِتنَةُ أُمَّتي المَالُ»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- فتنة: أي امتحان واختبار.
- وفتنة أمتي: أي ما تمتحن به في دنياها.
فوائد الحديث
- * جعل الله المال من زينة الحياة الدنيا، وجعل في فطرة الإنسان ميلًا إلى المال وحبًا في جمعه، ليميز الخبيث من الطيب.
- * الحذر من تعلق القلب بالمال والشهوات.
- * الحرص على اكتساب الحلال الطيب.
482
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي عَمْرٍو، ويقالُ: أَبو عبدِ اللهِ، ويقال: أَبو لَيْلى عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ رضيَ اللهُ عنه، أَنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَيْسَ لابْن آدَمَ حَقٌّ في سِوى هَذِهِ الخِصَال: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الخُبزِ وَالمَاءِ»
رواه الترمذي وقال: حديث صحيح
مفردات الحديث
- الخصال: جمع خصلة، وهي الصفة المتأصلة في النفس.
- يواري: يستر.
- جلفُ الخبز: الخُبزُ لَيْس مَعَهُ إِدَامٌ، وقيل هُوَ غَلِيظُ الخُبْزِ، وقيل المُرَادُ بِهِ هُنَا وعاء الخبز.
فوائد الحديث
- * الاقتصار على حد الكفاية في هذه الحياة الدنيا من بيت يسكنه وثوب يستر عورته والخبز والماء.
- * عورة المرأة جميع جسمها أو ما عدا الوجه والكفين خلاف بين أهل العلم، وعورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته، والمراد ما يحتاج إلى ستر جسمه وكمال مظهره، لأنه يعتبر من حظوظ النفس.
483
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عنْ عبْدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ بكسر الشين والخاءِ المشددةِ المعجمتين رضيَ اللهُ عنه، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وهُوَ يَقْرَأُ: أَلهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قال: «يَقُولُ ابنُ آدَم: مَالي، مَالي، وَهَل لَكَ يَا ابن آدمَ مِنْ مالِكَ إِلَّا مَا أَكَلتَ فَأَفْنَيْتَ، أو لبِستَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضيْتَ؟»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- فأفنيت: أذهبت وأتلفت.
- فأمضيت: أنفذت الصدقة ودفعتها إلى من يستحقها.
فوائد الحديث
- * ما يجمعه الإنسان في هذه الحياة زائدًا عن حاجته فإنما هو بمنزلة الخادم الخازن لغيره.
- * التحريض على الزهد عن جمع الأموال والأمتعة، والاقتصار على ما تدعو إليه الضرورة والحاجة.
- * الإكثار من الصدقة وإعانة المحتاج، وبذل المال فيما يرضي الله.
- * عدم اكتساب المال إلا من حلال.
484
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ، رضيَ اللهُ عنه، قال: قال رجُلٌ للنَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: يا رسولَ اللهِ، واللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، فقال له: «انْظُرْ ماذا تَقُولُ؟» قال: واللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فقال: «إِنْ كُنْتَ تُحبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا، فإِنَّ الفَقْرَ أَسْرَعُ إلى من يُحِبُّني مِنَ السَّيْلِ إلى مُنْتَهَاهُ»
رواه الترمذي وقال حديث حسن
مفردات الحديث
- تِجْفَاف: هُوَ شَيْءُ يُلْبَسُهُ الفَرسُ لِيُتَّقَى بِهِ الأَذَى، وَقَدْ يَلْبَسُهُ الإِنْسَانُ.
- إلى منتهاه: إلى مكان وصوله.
فوائد الحديث
- * الزهد في الدنيا وعدم الانغماس فيها دليل على صدق محبة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
- * المحب الصادق يجب عليه أن يتصف بصفات محبوبه.
- * كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر، والمقصود عدم المبالغة في جمع الدنيا والاشتغال عن الآخرة.
485
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن كَعبِ بنِ مالكٍ، رضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا ذِئْبَانِ جَائعَانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ على المالِ وَالشـَّرفِ لِدِينهِ»
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- بأفسد لها: بأكثر فسادًا للغنم.
- الشّرف: الجاه.
فوائد الحديث
- * الحرص على جمع المال، والحرص على الوصول إلى الجاه والرفعة يفسد الدين، لأن تفضيل الدنيا على الآخرة ظاهر فيهما.
- * لم ينه الإسلام قطّ عن كسب المال الحلال، وإنّما نهى عن الحرص على شهوتي المال والجاه.
486
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رضيَ اللهُ عنه قال: نَامَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم على حَصيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ لوِ اتَّخَذْنَا لكَ وِطَاءً! فقالَ: «مَا لي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا»
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- وطاء: أي فراشًا ليّنًا تستريح عليه.
فوائد الحديث
- * زهد النبي صلى الله عليه وسلم.
- * الحياة الدّنيا دار ممرّ وعبور يقطعها السائر إلى الدار الآخرة.
- * الاهتمام بعمارة الآخرة بالأعمال الصالحة.
- * الاستعانة بالتشبيه والتمثيل لتوضيح الغرض
487
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَدْخُلُ الفُقَراءُ الجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِ مِئَةِ عَامٍ»
رواه الترمذي وقال: حديث صحيح
فوائد الحديث
- * فضل الفقراء مع العمل الصالح على الأغنياء مع العصيان.
- * الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء لحبس الأغنياء في الموقف حتى يحاسبوا عن المال من أين اكتسبوه وأين وضعوه وأنفقوه.
- * لا يُتوهّم أنّ الغنى في نفسه معصية لأنّ الأغنياء الصالحين يُطوى عليهم الزمان فلا يجدون الكلفة كما يجد أهل المعاصي في المحشر.
- * الحذر من اكتساب المال من حرام.
488
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن ابنِ عَبَّاسٍ وعِمْرَانَ بنِ الحُصَيْنِ رضيَ اللهُ عنهم، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهلِهَا الفُقَراءَ، وَاطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّساءَ »
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- اطّلعت: أشرفت وتأملت.
- فرأيت: علمت ويحتمل أن يكون هذا الاطلاع قد تم في ليلة الإسراء، ويحتمل أن يكون لما كشف له في صلاته في الكسوف.
فوائد الحديث
- * الفقراء في الجنة أكثر من الأغنياء.
- * الفقير لم يدخل الجنة بسبب فقره، وإنما دخلها بعمله الصالح مع فقره وصبره.
- * ليس المعنى أنّ الفقير أفضل من الغنيّ مطلقًا، إنّما معناه أنّ الفقراء في الدنيا أكثر من الأغنياء فأخبر بذلك.
- * التحريض على ترك التوسع في الدنيا والاستزادة من متاعها.
- * المقصود بالنساء هنا: اللواتي يعصين الله تعالى، ولا يؤدين حقوقه سبحانه، ويُنكرن الجميل والإحسان.
- * حض النساء على الأعمال الصالحة ليحفظن أنفسهن من النار.
489
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أُسامةَ بنِ زيدٍ رضيَ اللهُ عنهما، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «قُمْتُ عَلى بَاب الجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّة مَنْ دَخَلَهَا المَساكينُ، وأَصَحَابُ الجَدِّ محبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصحَابَ النَّارِ قَد أُمِرَ بِهمْ إلى النَّارِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- عامة من دخلها: أي أغلب وأكثر.
- الجَدّ: الحَظّ والغِنَى.
- محْبُوسُونَ: أي لَمْ يُؤذَنْ لهُمْ بَعْدُ فِي دُخُول الجَنَّةِ.
فوائد الحديث
- * إخبار النبي صلّى اللهُ عليه وسلّم عن المُغيَّبات كأحوال أهل الجنة وأهل النار.
- * أغلب أهل الجنّة يوم القيامة هم المساكين أصحاب الأعمال الصالحة.
- * المراد بالمساكين من أهل الجنة الذين كانوا مستضعفين مع الصلاح والتقوى والتزام شرع الله تعالى.
- * المراد بأهل النار أصحاب الجَدّ الأغنياء وأهل البطر الذين طغَوا وعصَوا أوامر الله تعالى.
- * العبرة بالأعمال الصالحة لا بالجاه والمال.
490
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شيْءٍ ما خَلا اللهَ بَاطِلُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- كلمة: المراد بها جملة مفيدة مطابقة للواقع.
- لبيد: هو لبيد بن ربيعة بن مالك العامري أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية من أهل عالية نجد، أدرك الإسلام ووفد على النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ويعد من الصحابة، ترك الشعر بعد إسلامه، سكن الكوفة وعاش عمرًا طويلًا.
- ما خلا الله: أي ما عدا الله وصفاته.
- باطل: هالك، زائل أي يقبل البطلان والهلاك.
فوائد الحديث
- * استشهاد النبي صلّى الله عليه وسلّم بشعر لبيد وشهادته له بأنه شاعر.
- * أن إنشاد الشعر ليس بممنوع في الإسلام إذا كان لغرض شريف.
- * نقصان الحياة الدنيا وقلتها مهما طالت إلى جنب الآخرة، لأن مصيرها إلى الفناء والهلاك.
491
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: «ما شَبعَ آلُ مُحمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم» متفقٌ عليه . • وفي رواية: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مُنْذُ قَـدِمَ المَدِينةَ مِنْ طَعامِ البرِّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ».
مفردات الحديث
- آل محمد: المراد بهم هنا أزواجه ومن يعولهم من خَدَمِه.
- البر: القمح.
فوائد الحديث
- * إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدنيا وزهده فيها مع أنّه كان يمكنه طلبها ويصير أغنى النّاس.
- * خبز الشعير والقمح ونحوهما مما يعد عندنا اليوم من أيسر الأشياء، فمن منّا يحمد الله تعالى على نعمة الخُبْز؟
- * فضل التعفّف والتقشّف وتجنّب السؤال رغم الجوع.
- * على المسلم ألا يتضجر من ضيق العيش أحيانًا، فالدنيا لها حلو ومر، يومٌ سعيد ويومٌ شديد وهذا حصل لأحب الخلق إلى الله.
492
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن عُرْوَةَ رضي الله عنه، عَنْ عائشة رضيَ اللهُ عنها، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: «وَاللهِ يا ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إلى الهِلالِ ثمَّ الهِلالِ، ثُمَّ الهلالِ: ثلاثةَ أَهِلَّةٍ في شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ في أَبْيَاتِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نارٌ، قُلْتُ: يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُم؟ قالتْ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لرسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم جِيرانٌ مِنَ الأَنْصَـارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائحُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إلى رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِنْ أَلبانها فَيَسْقِينَا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الهلال: هو القمر إذا كان ابن ليلتين، وكذلك إذا صار ابن ست وعشرين وسبع وعشرين.
- الأنصار: المسلمون من أولاد الأوس والخزرج.
- منائح: جمع منيحة، وهي الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها لغيره، ليشرب لبنها ثم يردَّها إذا انقطع لبنها.
فوائد الحديث
- * جواز الإخبار عن حال الإنسان في بيته إذا لم يترتب على ذلك محظور، وكان في ذلك بيان حكم شرعي، ولا يعتبر هذا من قبيل الشكوى.
- * ضرب الأمثلة بأهل الفضل والصلاح في كيفية عيشهم وتفاصيل حياتهم ليتأسّى بهم النّاس ويكونوا القدوة الحسنة.
- * بيان صبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وآل بيته على أمور الدنيا.
- * فضل الأنصار وحسن جوارهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
493
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ رضي الله عنه، عَنْ أبي هُرَيرةَ رضيَ اللهُ عنه أَنه مَرَّ بِقَومٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ فَأَبى أَنْ يَأْكُلَ، وقال: "خَرج رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم من الدُّنيا ولَمْ يشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ"
رواه البخاري
مفردات الحديث
- مصليّة: مشويّة.
فوائد الحديث
- * ربما رأى أبو هريرة رضي الله عنه من هؤلاء احتفاءً مبالغًا فيه بهذا الطعام فأراد نصحهم وتوجيههم بذكره لحال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
- * أنّ أبا هريرة استحضر حينئذ ما كان النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فيه من شدّة العيش، فزهد في أكل الشاة.
- * هذا لا ينافي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه كانوا يشبعون أحيانًا، لكن الغالب من حالهم الإقلال من الطعام، وإيثار الجوع على الشبع.
494
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أَنسٍ رضيَ اللهُ عنه، قال: لمْ يأْكُلِ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم على خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبزًا مرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ.
رواه البخاري. • وفي روايةٍ له: وَلا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قطّ
مفردات الحديث
- خوان: ما يوضع عليه الطعام عند الأكل، وكان من عادة المترفين آنذاك.
- خُبزًا مرققًا: هي الأرغفة الواسعة الرقيقة اللّينة.
- شاة سميطًا: مشوية؛ هي الشاة التي ذُبحت وأزيل شعرها بماء ساخن وشويت بجلدها، وإنما يفعل ذلك بالشاة الصغيرة السن، وهو من فعل المُترفين.
فوائد الحديث
- * لقد ضرب الرسول صلّى الله عليه وسلّم أروع المثل في التزهد والإعراض عما عليه المترفون من أهل الدنيا.
- * مواساة النبي صلّى الله عليه وسلّم للفقراء وتطييب قلوب المساكين بترك طلب مثل هذا الطعام والاكتفاء بأوسط الطعام وأيسره.
- * ليس واجبًا على الناس أن يتركوا لذيذ المطاعم والمشارب ما دامت حلالًا، لكن يستحب للمسلم أن يتخفف من ذلك قدر المستطاع.
495
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن النُّعمانِ بن بشيرٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: لقد رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وما يَجِدُ مِنْ الدَّقَلِ ما يَمْلأُ به بَطْنَهُ.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الدَّقَلُ: تمْرٌ رَدِيءٌ.
فوائد الحديث
- * أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كانت تصادفه أحيانٌ لا يجد فيها كفايته.
- * معرفة الصحابة رضي الله عنهم بأحوال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهذا يبيّن فضلهم ونبلهم وحسن معاشرتهم له صلّى الله عليه وسلّم فلم يكونوا مهملين له غير مبالين بحاله.
496
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن سهلِ بنِ سعدٍ رضيَ اللهُ عنه، قال: ما رَأى رَسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم النَّقِيَّ منْ حِينِ ابْتعَثَهُ اللهُ تعالى حتَّى قَبَضَهُ اللهُ تعالى، فقيل لَهُ: هَلْ كَانَ لَكُمْ في عهْدِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مَنَاخلُ؟ قال: ما رأى رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مُنْخُلًا مِنْ حِينِ ابْتَعثَهُ اللهُ تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ ، فَقِيلَ لهُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غيرَ منْخُولٍ؟ قال: كُنَّا نَطْحَنُهُ ونَنْفُخُهُ، فَيَطيرُ ما طارَ، وما بَقِي ثَرَّيْناهُ.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- النقي: الخالص من النخالة.
- مناخل: جمع منخل وهو الغربال.
- ثَرَّيْنَاه: أي بَلَلْناهُ وعَجَنَّاهُ.
فوائد الحديث
- * ما كان عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم من ترك التكلّف بشأن الطعام، وإعراضه عما كان عليه المترفون.
- * الاهتمام الشديد بتتبع أحوال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد البعثة.
497
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ذاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذا هُوَ بِأَبي بكْرٍ وعُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما، فقال: «ما أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُما هذِهِ السَّاعَةَ؟» قالا: الجُوعُ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: «وَأََنا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لأَخْرَجَني الَّذِي أَخْرَجَكُما، قُوما» فقَاما مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ في بيتهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ المَرْأَةُ قالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فقال لها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَيْنَ فُلانٌ؟» قالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الماءَ، إِذْ جاءَ الأَنْصَاريُّ، فَنَظَرَ إلى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلهِ، ما أَحَدٌ اليَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيافًا مِنِّي، فانْطَلقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ ورُطَبٌ، فقال: كُلُوا، وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فقال لَهُ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِيَّاكَ وَالحَلُوبَ» فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذلكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فلمَّا أَنْ شَبعُوا وَرَوُوا قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لأَبي بكرٍ وعُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هذَا النَّعيمِ يَوْمَ القِيامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هذا النَّعِيمُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- مرحبًا: أي وجدت منزلًا رحبًا واسعًا فانزل.
- وأهلًا: أي وصادفت أهلًا فَأْنَس بهم.
- يَسْتَعْذبُ: أَي يَطْلبُ الماءَ العَذْبَ الطَّيبُ.
- العِذْقُ: الغُصْنُ.
- بسر: المتلوّن من ثمر النخل.
- تمر: اليابس من ثمر النخل.
- الرطب: ثمر النخل قبل أن يجف.
- المُدْيةُ: هي السِّكِّينُ.
- الحلُوبُ: ذاتُ اللبَن.
- السؤالُ عَنْ هذا النعِيم: سُؤالُ تَعدِيد النِّعَم لا سُؤالُ توْبيخٍ وتَعْذِيبٍ.
- الأنصارِيُّ الَّذِي أَتَوْهُ هُوَ أَبُو الهَيْثمِ بنُ التَّيِّهانِ رضيَ اللهُ عنه.
فوائد الحديث
- * أنّ الصحابة في أول هجرتهم بالمدينة كانت تمرّ على بعضهم أوقات وليس عندهم ما يأكلونه، وكانوا يتعاونون فيما بينهم وبين الأنصار، وأحيانًا يكونون في سعة يأكلون ويتنعمون، ويستعذب بعضهم الماء ويجني الثمر.
- * جواز الذهاب إلى بيوت المتآخين في الله للاستعانة بهم إذا كان يُعلم رضاهم.
- * إكرام الضيف وحمد الله على النعمة.
- * جواز القسم للتأكيد.
- * استقبال المرأة ضيوف زوجها إذا لم تكن خلوة ولا فتنة، وكان قدوم زوجها مرتقبًا.
498
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن خالدِ بنِ عُمَيْرٍ العَدَويِّ قال: «خَطَبَنَا عُتْبَةُ بنُ غَزْوانَ، وكانَ أَمِيرًا عَلى البَصْرَةِ، فَحمِدَ اللهَ تعالى وأَثْنى عليْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا بعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بصُرْمٍ، ووَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ منها إلَّا صُبَابَةٌ كَصُبابةِ الإِناءِ يتصابُّها صاحِبُها، وإِنَكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْها إلى دارٍ لا زَوالَ لهَا، فانْتَقِلُوا بِخَيْرِ ما بِحَضْرَتِكُم، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنا أَنَّ الحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِير جَهَنَّمَ فَيهْوي فِيهَا سَبْعِينَ عامًا، لا يُدْركُ لَها قَعْرًا، واللهِ لَتُمْلأَنَّ، أَفَعَجِبْتُمْ؟! ولَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ما بَيْنَ مِصْراعَيْنِ مِنْ مَصاريعِ الجَنَّةِ مَسيرةَ أَرْبَعِينَ عامًا، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيها يَوْمٌ وهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحامِ، وَلَقَدْ رأَيتُني سابعَ سبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ما لَنا طَعامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، حتى قَرِحَتْ أَشْداقُنا، فالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فشَقَقْتُها بيْني وَبَينَ سَعْدِ بنِ مالكٍ، فَاتَّزَرْتُ بنِصْفِها، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بنِصفِها، فَمَا أَصْبَحَ اليَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إلَّا أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلى مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ، وإِني أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكْونَ في نَفْسي عَظِيمًا، وعِنْدَ اللهِ صَغِيرًا»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- آذَنَت: أَعْلَمَت.
- بِصُرْمٍ: بانْقطاعِها وَفَنائِها.
- ووَلَّتْ حَذَّاءَ: أي أدبرت سَريعَة.
- الصُّبابةُ: البقِيَّةُ اليَسِيرَةُ.
- يَتَصابُّها: أي يجْمَعُها.
- شفير جهنم: حرفها.
- قعرًا: القعر أسفل الشيء.
- مصاريع الجنّة: الباب من أبوابها.
- الكَظِيظُ: الكثيرُ المُمْتَلئُ.
- قَرِحَتْ: أَي صارَتْ فِيهَا قُرُوحٌ.
- أشداقنا: جمع شدق وهو جانب الفم.
- بُردة: شملة أو كساء.
فوائد الحديث
- * مشروعية النصيحة للإخوان، وترغيبهم بالخير، وتخويفهم من الآخرة.
- * اقتراب الساعة، وفناء الدنيا فما مضى من أيّامها أكثر ممّا بقي.
- * بيان عظمة الله تعالى في عظم خلق النار والجنة.
- * كثرة الداخلين الجنة بعموم رحمة الله تعالى ومزيد فضله.
- * صبر الصحابة على ما كان يصيبهم من الفقر واتساع الحال عليهم بعد ذلك، وذلك تحقيقًا لوعد الله لهم بالنصر والتمكين في الأرض.
- * الالتجاء إلى الله والاعتصام به تعالى من غرور النفس وزخرفة الشيطان.
- * ثبات الصحابة رضي الله عنهم على ما رباهم عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم من كريم الأخلاق وعظيم الشمائل رغم انفتاح الدنيا عليهم وتسلمهم إمرة الناس.
499
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي بُرْدَةَ بنِ أَبِي موسى الأَشْعَريِّ رضيَ اللهُ عنه قال: أَخْرَجَتْ لَنا عائِشَةُ رضيَ اللهُ عنها كِساءً وَإِزارًا غَلِيظًا، قالَتْ: قُبِضَ رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في هذَيْن. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- كساء: ثوب يستر أعلى البدن.
- إزار: ثوب يستر الجسم من السرة إلى الأسفل.
- غليظًا: ثخينًا.
فوائد الحديث
- * أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يلبس أحيانًا الغليظ من الثياب، وهذا لا ينافي أنه كان له لباس غير هذا.
- * كان يلبس صلّى الله عليه وسلّم ويأكل من غير تكلف.
500
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عنْ سَعد بن أبي وَقَّاصٍ رضيَ اللهُ عنه قال: «إِنِّي لأَوَّلُ العَربِ رَمَى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ما لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ، وَهذا السَّمُرُ، حَتّى إِنْ كانَ أَحَدُنا لَيَضَعُ كما تَضَعُ الشاةُ، ما لَهُ خِلْطٌ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الحُبْلَةِ والسَّمُرُ: نَوْعانِ مَعْروفانِ مِنْ شَجَرِ البَادِيَة له ثمر وشوك.
- خِلْطٌ: لا يختلط بعضه ببعض لشدة جفافه.
فوائد الحديث
- * فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وأنه أول من رمى بسهم في سبيل الله.
- * تحمل جيل الصحابة المشاق في سبيل نشر دين الله عز وجل.
501
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْ رزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- قُوتًا: أَي مَا يَسدُّ الرَّمَقَ
فوائد الحديث
- * تفضيل النبي صلّى الله عليه وسلّم حال الكفاف.
- * المسلم يحرص على الدعاء بما هو خير له ولأهله ولو كان في ظاهره ابتلاء وشدّة.
- * حد الكفاف أو "رزق اليوم باليوم" يحتاج إلى صبر وتوكل على الله تعالى فعلى من كان رزقه كفافًا أن يدعو الله بهما حتى لا يتسخط على رازقه سبحانه، ويستفاد هذا من أحوال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
502
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنه قال: وَاللهِ الذي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي على الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحجَرَ على بَطْني منَ الجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يوْمًا على طَرِيقِهِمُ الذي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي، وعَرَفَ ما في وجْهي ومَا في نَفْسِي، ثُمَّ قال: «أَبا هِرٍّ» قلتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ، قال: «الْحَقْ» ومَضَى فَاتَّبَعْتُهُ، فدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لي فدَخَلْتُ، فوَجَدَ لَبَنًا في قَدحٍ فقال: «مِنْ أَيْنَ هذَا اللَّبَنُ؟» قالوا: أَهْداهُ لَكَ فُلانٌ أَو -فُلانةٌ- قال: «أَبا هِرٍّ» قلتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ، قال: «الحَقْ إِلى أَهْل الصُّفَّةِ فادْعُهُمْ لي» قال: وأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضيَافُ الإِسْلام، لا يَأْوُون عَلى أَهْلٍ، ولا مَالٍ، ولا على أَحَدٍ، وكان إِذَا أَتَتْهُ صدقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ ولَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وإِذَا أَتَتْهُ هديَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فيها، فسَاءَني ذلكَ، فَقُلْتُ: وما هذَا اللَّبَنُ في أَهْلِ الصُّفَّةِ؟! كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ أُصِيبَ منْ هذا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذا جاؤوا وأَمَرنِي فكُنْتُ أَنا أُعْطِيهِمْ، وما عَسَى أَن يَبْلُغَني منْ هذا اللَّبَنِ، ولمْ يَكُنْ منْ طَاعَةِ اللهِ وطَاعَةِ رسوله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بدٌّ، فأَتيتُهُم فدَعَوْتُهُمْ، فأَقْبَلُوا واسْتأْذَنُوا، فَأَذِنَ لهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، قال: «يا أَبا هِرٍّ» قلتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ، قال: «خذْ فَأَعْطِهِمْ» قال: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عليَّ الْقَدَحَ، فَأُعطِيهِ الآخرَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يروَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَليَّ الْقَدحَ حتَّى انْتَهَيتُ إِلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وََقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ على يَدِهِ، فَنَظَرَ إِليَّ فَتَبَسَّمَ، فقال: «أَبا هِرّ» قلتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ، قال: «بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ» قلتُ: صَدَقْتَ يا رسولَ اللهِ، قال: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ» فَقَعَدْتُ فَشَربْتُ، فقال: «اشرَبْ» فشَربْتُ، فما زالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ» حَتَّى قُلْتُ: لا وَالَّذِي بعثَكَ بالحَقِّ ما أَجِدُ لَهُ مسْلَكًا، قال: «فَأَرِني»
فأَعطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فحمِدَ اللهَ تعالى، وَسَمَّى وَشَرِبَ الفَضْلَةَ. رواه البخاري
مفردات الحديث
- أعتمد بكبدي على الأرض: ألصق بطني بالأرض.
- الصفّة: الصُّفّة هي سقيفة في آخر مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يجتمع بها فقراء المهاجرين، وكانوا يتفاوتون في العدد يزيدون وينقصون.
- القدح: آنية تروي الرجلين.
- مسلكًا: مكانًا يسلك فيه مني.
فوائد الحديث
- * تكريم الرسول صلّى الله عليه وسلّم للفقراء من أصحابه واعتناؤه بهم.
- * ثبوت معجزة تكثير الطعام لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد وقع له مرارًا.
- * حرمة الصدقة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وجواز الهدية له.
- * استحباب الجلوس عند الشرب، وتسمية الله وحده عند البدء.
- * جواز شرب السُّؤْر، وهو الفضلة الباقية بعد الشراب.
- * استحباب الإلحاح على الضيف للاستزادة من الطعام أو الشراب.
- * جواز الأكل والشرب حتى الشبع من غير إسراف، ولا ينافي هذا استحباب التخفيف، لأن التخفيف هو الأفضل.
- * تواضع النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث شرب بعدهم جميعًا، وهو أشرف القوم ومع ذلك شرب فضلتهم فدل ذلك على أن هذا الفعل ليس فيه منقصة.
- * البعض اليوم يرْوَى ويشبع هو أولًا ثم يعطي الفضلة لأطفال البيت أو الفقراء بحجة أنّ هذا من احترام الكبير ويأنف أن يأكل باقي طعام أهل بيته فضلًا عن باقي طعام إخوانه.
- * من كان ينفر من شرب الفضلة ويعاف ذلك، دون أن يشعر الآخرين بترفّعه عنهم فلا شيء عليه لأنّ هذا شعور جبلّي وليس كل النّاس على درجة واحدة.
503
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن مُحَمَّدِ بنِ سِيرينَ، عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: لَقَدْ رأَيْتُني وإِنِّي لأَخِرُّ فِيما بَيْنَ مِنْبَرِ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم إلى حُجْرَةِ عائِشَةَ رضيَ اللّهُ عنها مَغْشِيًّا عَلَيَّ، فَيجِيءُ الجَائِي، فيَضَعُ رِجْلَهُ عَلى عُنُقي وَيرَى أَنِّي مَجْنونٌ، وما بي مِن جُنُونٍ، ما بي إِلَّا الجُوعُ.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أخرّ: أسقط.
- مغشيًّا عليّ: مغمى عليّ، وهو زوال الشعور مع فتور في الأعضاء.
- يضع رجله على عنقي: هكذا كانت العادة فيمن يُظن أنه سقط بسبب الجنون حتى يفيق.
فوائد الحديث
- * بيان ما كان عليه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من التعفف وعدم سؤال الناس والصبر مع ما هم عليه من الفقر في أول الأمر.
- * جواز تحدث الإنسان عن أحواله السيئة لا على سبيل الشكوى وإنما للتصبر والاعتبار.
504
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قَالَتْ: تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ودِرْعُهُ مرْهُونَةٌ عِندَ يهودِيٍّ في ثَلاثِينَ صاعًا منْ شَعِير. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- درعه: الدرع ما يُلبس في الحرب، وهو من حديد.
- مرهونة: الرهن في اللغة: الحبس، وفي الشرع: وضع عين ماليةٍ وثيقةً عند الدائن ليأخذ حقه منها إذا عجز المدين عن الوفاء.
فوائد الحديث
- * زهد النبي صلّى الله عليه وسلّم في الدنيا وعدم استكثاره منها.
- * جواز معاملة أهل الكتاب، وإنما استدان النبي صلّى الله عليه وسلّم من اليهودي ولم يستدن من مياسير أصحابه، وذلك إما لبيان الجواز، أو لأنه لم يكن عندهم مال حين استدانته، أو أنه خشي أن لا يأخذوا ثمنًا أو عوضًا منه صلًى الله عليه وسلّم.
- * جواز الاستدانة لمن نوى الوفاء.
- * فضيلة أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم لصبرهنّ معه على ضيق العيش.
505
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أَنسٍ رضيَ اللهُ عنه قال: رَهَنَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم دِرْعهُ بِشَعِيرٍ، ومشيتُ إِلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِخُبْزِ شَعيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ سمِعْتُهُ يقُولُ: «ما أَصْبَحَ لآلِ مُحَمَّدٍ إلّا صــاعٌ ولا أَمْسَى»
وَإِنَّهُم لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ. رواه البخاري
مفردات الحديث
- إِهَالَة: الشَّحْمُ الذَّائِبُ.
- سَنِخَة: تغيرت رائحتها.
- صاع: وحدة لقياس الحجم، والصاع النبوي يساوي أربعة أمداد، والمُدّ يساوي ملء اليدين المعتدلتين، وتقديره بالوزن يختلف حسب نوع الطعام المكيل.
فوائد الحديث
- * كمال تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم وزهده في الدنيا مع قدرته عليها، وكرمه الذي أفضى به إلى عدم الادخار حتى احتاج إلى رهن درعه.
- * بيان ما كان عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم من التقلل من الدنيا باختياره.
- * على الزوج ورب الأسرة أنّ يقوم بمهامه من توفير القوت ومستلزمات الأسرة ولو اضطر لرهن شيء من حاجياته
- * في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أَصْبحَ لآلِ مُحَمَّدٍ إلّا صــاعٌ ولا أَمْسَى» إشارة لغيره أن يصبروا فهذا رسول الله وعنده تسعة بيوت ورغم ذلك أمسى وأصبح وما عنده إلا صاع من الطعام، فيا من له بيت واحد ولك ألوان من الطعام على ماذا تتسخط؟
506
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنه قال: لَقدْ رَأَيْتُ سبْعينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، ما مِنْهُم رَجلٌ عَلَيهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزارٌ وإِمَّا كِسَاءٌ قَدْ ربطُوا في أَعْنَاقِهم، فمِنهَا ما يَبْلُغُ نِصفَ السَّاقيْنِ، وَمِنهَا ما يَبلُغُ الكَعْبَينِ، فيجمعُهُ بِيَدِهِ كَراهِيَةَ أَن تُرَى عَوْرَتُهُ.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أهل الصّفة: الصُّفة سقيفة في آخر مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يجتمع بها فقراء المهاجرين، وكانوا يتفاوتون في العدد يزيدون وينقصون.
- الرداء: ما يستر أعالي البدن فقط.
- الإزار: ما يستر أسافل البدن فقط.
فوائد الحديث
- * الحثّ على حمد الله تعالى على ما أعطانا من نعم الطعام والشراب والملبس.
- * كثرة المال والغنى لا تعني رضى الله تعالى عمن أعطاه هذه النعم؛ فهؤلاء أتقياء المسلمين وفيهم فقر وحاجة.
- * على المسلم ألا يزدري أحدا بسبب قلّة ماله أو رداءة ثيابه، فما يُدريك لعل له من المنزلة عند الله القدر الكبير.
- * أهل الصّفة لم يكونوا يتقصّدون لبس ثياب بهذه الكيفية، لأنّ فيها احتمال انكشاف العورة، والصحابة منزّهون عن التساهل والتهاون في هذا، ولكن كان هذا اضطرارًا فهم لا يجدون غير هذا من الثياب.
- * المطلوب التأسي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقد كان أزهد النّاس وأنظفهم وأسترهم وأجملهم صلّى الله عليه وسلّم.
507
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: كَانَ فِرَاشُ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِن أَدَمٍ حشْوُهُ لِيفٌ.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أدَم: جمع أديم، وهو الجلد.
- ليف: قشر النخل الرقيق.
فوائد الحديث
- * إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن متع الدنيا ورضاه باليسير منها.
- * الحال الذي عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ينافي ما درج عليه الكثير من المسلمين من السرف والترف والمباهاة في الأثاث والفرش وخاصة في مناسبات الزواج ونحوها.
508
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن ابن عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قال: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، إِذْ جاءَ رَجُلٌ مِن الأَنْصارِ، فسلَّم علَيهِ، ثُمَّ أَدبرَ الأَنْصَارِيُّ، فقال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَا أَخَا الأَنْصَارِ، كَيْفَ أَخِي سعْدُ بنُ عُبادةَ؟» فقال: صَالحٌ، فقال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ يعُودُهُ مِنْكُمْ؟» فَقام وقُمْنا مَعَهُ، ونَحْنُ بضْعَةَ عشَرَ ما علَينَا نِعالٌ، وَلا خِفَافٌ، وَلا قَلانِسُ، ولا قُمُصٌ، نمشي في تلكَ السِّبَاخِ، حَتَّى جِئْنَاهُ، فاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حولِه حتَّى دنَا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَأَصْحابُهُ الَّذِين مَعهُ.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يعوده: العيادة زيارة المريض.
- بضعة عشر: البضع ما بين الثلاثة إلى العشرة.
- خفاف: جمع خُف، وهو حذاء من جلد يلبس في الرِّجل، ويكون ساترًا للكعبين.
- قلانس: جمع قلنسوة، وهي ما يلبس على الرأس.
- السّباخ: الأرض التي تعلوها ملوحة فلا يكاد ينبت فيها إلا بعض الشجر.
- فاستأخر قومه من حوله: ابتعد أصحاب سعد وأهله من حوله قليلًا ليفسحوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقترب منه.
فوائد الحديث
- * كمال تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم ومزيد فضله، وسؤاله عن أصحابه وتكريمهم بقوله عن سعد: كيف أخي؟ وفي هذا شهادة لسعد بالإيمان.
- * يستحب لمن سئل عن مريض أن يقول: صالح، وذلك من باب الاستبشار.
- * استحباب عيادة المريض وحث الإخوان على ذلك وهي مطلوبة على الفرض الكفاية.
- * صبر الصحابة رضي الله عنهم على ما قُدّر عليهم من خشونة العيش في تلك الأيام ومع هذا يقومون بحق الأُخوّة من عيادة المريض وغيرها.
- * توسعة المكان للزوّار وأهل الفضل منهم.
509
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن عِمْرانَ بنِ الحُصَينِ رضيَ اللهُ عنهما، عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «خَيْرُكُمْ قَرنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يلوُنَهم، ثُمَّ الَّذِينَ يلُونَهُم» قال عِمرَانُ: فَمَا أَدري قال النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مَرَّتَيْنِ أو ثَلاثًا «ثُمَّ يَكُونُ بَعدَهُمْ قَوْمٌ يشهدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهمُ السِّمَنُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- قرني: القرن مائة سنة، والمقصود بقرنه صلى الله عليه وسلم أهل زمانه أي أصحابه.
- الذين يلونهم: قرن التابعين، ثم قرن أتباع التابعين.
- يخونون: الخيانة نقص الحقوق، أو تضييعها على أصحابها، والأمانة عكسه.
- ينذرون: النذر التزام قربة ليست واجبة في أصل الشرع.
- السِّمَن: كثرة اللحم.
فوائد الحديث
- * فضل أهل القرون الثلاثة الأولى على غيرهم من المسلمين بشهادة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو تفضيل من حيث الجملة والمجموع لا من حيث كل فرد من الأفراد.
- * ظهور النقص في المسلمين بعد القرون الثلاثة الأولى، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، حيث ظهر في المسلمين الإغراق في النعيم، والإسراف في الشهوات وظهور السِّمَن من كثرة الطعام وليس المقصود السِّمن الذي يكون وراثيًا ونحوه.
- * ذمّ التسرّع في إبداء الشهادة بدون سابق علم بما يشهد عليه الإنسان أو عدم التأكد مما يشهد عليه، فضلًا عن أن يشهد على شيء لم يره أو يسمعه فهذه شهادة زور.
- * حرمة الخيانة وتضييع الأمانات سواء كانت للّه أو للناس.
- * صحّة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزَم به طاعة.
510
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي أُمامةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يا ابْنَ آدمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الفَضلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَن تُمْسِكَهُ شرٌّ لَكَ، ولا تُلامُ عَلى كَفَافٍ، وَابدأ بِمنْ تَعُولُ»
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- الفضل: الزائد عن الحاجة.
- لا تلام: لا يلحقك لوم ولا عتاب من الشرع.
- كفاف: إمساكٌ قدرَ الحاجة.
- من تعول: الذين تجب لهم النفقة عليك.
فوائد الحديث
- * عدم ذمّ ادخار الإنسان قدر حاجة عياله من المال.
- * الترغيب في إنفاق الزائد عن الحاجة في وجوه الخير والبر، وإمساك هذا الزائد قد يكون شرًا للإنسان إذا كان في الناس من يحتاج إليه لسد رمقه.
- * الواجب على الإنسان أن يبدأ أولًا بالنفقة الواجبة على عياله، لأن النفقة عليهم فرض عين، وهي على غيرهم إما فرض كفاية أو مستحبة.
511
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن عُبَيدِ اللهِ بِن مِحْصَنٍ الأَنْصارِيِّ الخَطْمِيِّ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «منْ أَصبحَ مِنكُمْ آمِنًا في سِرْبِهِ، معافًى في جَسدِه، عِندهُ قُوتُ يَومِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بحَذافيرِهَا»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- في سِرْبِه: في نَفْسِه، وقِيلَ: في قَومِه، وقيل: في طريقِه.
- قوت يومه: ما يحتاج إليه من طعام وشراب وغيرهما.
- حيزت: جمعت.
- بحذافيرها: أي بأسرها، وأعاليها، ونواحيها.
فوائد الحديث
- * أن من تحقق لـه الأمن والكفاية والعافية فقد تحقق له خير ما في الدنيا.
- * طلب الزيادة على ما ذُكر في الحديث استكثار قد لا يستطيع العبد أن يؤدي شكره، وقد يصرفه عن ربه.
- * على المسلم أن يشكر الله تعالى على النعم بأن يصرفها في طاعة الله المنعِم لا في معصيته.
512
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهما: أَن رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «قَدْ أَفَلَحَ مَن أَسلَمَ، وكَانَ رِزقُهُ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أفلح: فاز.
- كفافًا: قدر الحاجة.
- قنعه: رضاه.
فوائد الحديث
- * رأس الخير والفلاح الإسلام، وهو أساسٌ لقبول الأعمال.
- * الرزق إذا كان على قدر الحاجة يصون الإنسان من المذلّة ويحميه من الطغيان غالبًا.
- * القناعة هي حقيقة الغنى والسعادة.
- 🕋
513
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي مُحَمَّدٍ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ رضيَ اللهُ عنه: أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إِلى الْإِسلامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا، وَقَنَعَ»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيح
مفردات الحديث
- طوبى: كلمة مدح، وهي المنزلة العظيمة والغاية من الطيب أو الجنة أو شجرة في الجنة وكله في نفس المعنى.
فوائد الحديث
- * أنّ القناعة بما رزق الله مع الهداية إلى الاستقامة على الإسلام منزلة عظيمة ينبغي للمسلم الحرص على الوصول إليها.
- * سعادة المرء في كمال دينه ورضاه بما آتاه الله.
514
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن ابن عباسٍ رضي اللهُ عنهما قال: كان رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَبِيتُ اللَّيَالِيَ المُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا، وَأَهْلُهُ لا يَجِدُونَ عَشاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْز الشَّعِيرِ.
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح
مفردات الحديث
- طاويًا: خالي البطن جائعًا لم يأكل.
فوائد الحديث
- * بيان زهد النبي صلى الله عليه وسلم وكفاف عيشه.
- * الرجل يتقاسم مع أهله وأولاده ما يجد من طعام قلّ أو كثُر.
515
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن فضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ رضي اللهُ عنه، أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كَانَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ في الصَّلاةِ مِنَ الخَصَاصَةِ -وَهُمْ أَصْحابُ الصُّفَّةِ- حَتَّى يَقُولَ الأَعْرَابُ: هُؤُلاءِ مَجَانِينُ، فَإِذَا صَلّى رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم انْصَرفَ إِلَيْهِمْ، فقال: «لَوْ تَعْلَمُونَ ما لَكُمْ عِنْدَ اللهِ تعالى، لأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- من قامتهم: من قيامهم.
- الخَصاصَة: الْفَاقَةُ والجُوعُ الشَّديدُ.
- الأعراب: جمع أعرابي، وهو كل من سكن البادية.
- فاقة: حاجة وفقر.
فوائد الحديث
- * مواساة أصحاب الفاقة وتبشيرهم بالثواب على صبرهم وتعففهم وحسن مجاهدتهم.
- * لا يدل الحديث على إعراض الصحابة عن مساعدة الفقراء منهم، وإنما يدل على تعفف هؤلاء الفقراء وعدم علم الناس بحالهم.
- * لا يدل الحديث على ترغيبهم بالبقاء على الفقر، وإنما يدل على أنّ ما أعده الله لهم في الآخرة من الأجر خير مما يعطي الإنسان في هذه الدنيا من العرض الزائل.
516
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي كَريمَةَ المِقْدامِ بن معْدِ يكرِبَ رضي اللهُ عنه قال: سمِعتُ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «مَا ملأَ آدمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإِنْ كَانَ لا مَحالَةَ، فَثُلُثٌ لطَعَامِهِ، وثُلُثٌ لِشرابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ»
رواه الترمذي وقال: حديث حسن
مفردات الحديث
- بحسب: كافيه.
- أُكُلات: أَيْ لُقَمٌ.
- صلبه: ظهره.
- لا محالة: لا بد.
فوائد الحديث
- * الإرشاد إلى الإقلال من الطعام، فإن كثرة الطعام تسبب الخمول وتفسد الصحة.
- * من مظاهر الزهد في الدنيا التخفف والتقليل من الطعام والشراب، ولا يعني هذا الإعراض بالكلية عن لذيذ المطاعم والمشارب.
- * في الحديث إشارة لطريقة مجاهدة النفس وتربيتها، فالمسلم يمنع نفسه من شيء هو يرغب فيه بشدة وهو الشبع وأخذ أكبر قدر من لذيذ الطعام وهذا يساعد في التحكم بالنفس ورغباتها وتطويعها فيما يرضي الله تعالى.
517
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي أُمَامَةَ إِيَاسِ بنِ ثَعْلَبَةَ الأَنْصَارِيِّ الحارثيِّ رضي اللهُ عنه قال: ذَكَرَ أَصْحابُ رَسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يوْمًا عِنْدَهُ الدُّنْيَا، فقال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَلا تَسْمَعُونَ؟ أَلا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَان، إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» يعْني التَّقَحُّلَ»
رواه أبو داوُود
مفردات الحديث
- البَذاذَة: أي التَّقحُّل، ورَثاثَةَ الهَيْئَةِ، وخُشُونَةَ الْعَيْش، وَتَرْكَ فاخر اللباس والتَّرَفُّه.
فوائد الحديث
- * الترغيب في بساطة العيش، والتقليل من زينة الدنيا والتنعم فيها، فإنّ الاسترسال في الملذّات يُقعد الإنسان غالبًا عن طلب الكمال في الدِّين، ويضعفه عن مجاهدة نفسه في ذات الله.
- * حمل النفس أن تعتاد على خشونة العيش لا يعني هذا ترك النظافة، فإن النظافة من دواعي الإيمان ولا يعني ترك التجمل إذا لم يخالطه كبر وخيلاء.
- * ليس المراد بالبذاذة تقصّد خرق الثياب ثمّ ترقيعها، أو ترك اللباس المعتدل مع القدرة عليه، وإنما المراد ألّا ينشغل المسلم بهذا، ويشهد لذلك حال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يلبس المعتدل الجميل النظيف من الثياب وهو أكمل الناس إيمانًا.
518
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أبي عبدِ الله جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بَعَثَنَا رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَأَمَّرَ عَلَينَا أَبَا عُبَيْدَةَ رضي الله عنه نتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدةَ يُعْطِينَا تَمْرةً تَمْرَةً، فَقِيل: كَيْف كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قال: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيهَا مِنَ المَاءِ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلى اللَّيْلِ، وكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنا الخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالمَاءِ فَنَأْكُلُهُ، قال: وانْطَلَقْنَا على ساحِلِ البَحْرِ، فرُفعَ لنَا على ساحِلِ البَحْرِ كهَيْئَةِ الكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتيْنَاهُ فَإِذا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعى العَنْبَرَ، فقال أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قال: لا، بلْ نحْنُ رُسُلُ رسُولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وفي سبيلِ اللهِ، وقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا، فَأَقَمْنَا علَيْهِ شَهْرًا، وَنَحْنُ ثَلاثُ مِئَةٍ، حتَّى سَمِنَّا، ولقَدْ رَأَيتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بالْقِلالِ الدُّهْنَ، ونَقْطَعُ منْهُ الفِدَرَ كَالثَّوْرِ -أَو كقَدْرِ الثَّوْرِ- ولَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبيْدَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فأَقْعَدَهُم في وقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا منْ أَضْلاعِهِ فأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا، فمرَّ منْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلمَّا قدِمنَا المديِنَةَ أَتَيْنَا رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَذكْرَنَا ذلكَ له، فقال: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ معَكمْ مِنْ لحْمِهِ شَيْءٌ فَتطْعِمُونَا؟»
فَأَرْسلْنَا إلى رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِنْهُ فَأَكَلَهُ. رواه مسلم
مفردات الحديث
- عيرًا: العير القافلة من الجمال التي تحمل الطعام.
- جِرَابًا: وِعاء مِنْ جِلْد.
- الخَبط: وَرَقُ شَجَرٍ، تَأْكُلُهُ الإِبلُ.
- الكَثِيب: التَّلُّ مِنَ الرَّمْل.
- العنبر: سمكة يبلغ طولها خمسين ذراعًا.
- وَقْب عينه: نُقْرَةُ العيْن.
- القِلالُ: الجِرَار.
- الفِدَر: القِطع.
- وشَائِق: اللَّحْمُ الذي يقدَّد، أي يجفَّف.
فوائد الحديث
- * ما كان عليه الصحابة من قوّة الإيمان، والزهد في الدنيا والتقلّل منها، والصبر على الجوع وخشونة العيش.
- * أنّ البركة تكون سببًا في الشبع بالأكل القليل.
- * جواز الاجتهاد للعالم ومن له الأهلية، وقد يتغير اجتهاد العالِم فقد نهاهم أبو عبيدة أولًا عن الأكل من السمكة ثم تغير اجتهاده فأمرهم بالأكل منها، وسبب اجتهادهم أنهم لم يكونوا قد علموا بحل ميتة البحر.
- * رعاية الله للصحابة وإكرامه لهم بأن ساق لهم هذا الرزق لما علم حاجتهم وإخلاصهم.
- * حل ميتة البحر سواء مات بنفسه أو بالاصطياد.
- * حسن معاشرة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وملاطفته لهم، بسؤاله لهم عن شيء من اللّحم ليطعموه منه.
519
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أَسْمَاءَ بنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها قالت: كانَ كُمُّ قمِيصِ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِلى الرُّصْغِ
رواه أبو داود ، والترمذي وقال: حديث حسن
مفردات الحديث
- الرُّصغ: هوَ المَفْصِلُ بينْ الكَفِّ والسَّاعِدِ.
فوائد الحديث
- * أن تطويل أكمام الثياب ربما أدى إلى الخيلاء أو المنع من الحركة السريعة، وتقصيرها يؤدي إلى التأذي بالبرد أو الحر، وخير الأمور الوسط، وهو ما كان عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
- * دل الحديث على استحباب تقصير أكمام الثياب إلى الرسغ.
- * إشارة إلى زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه ما لا حاجة له من اللباس وكل ما يؤدي للخيلاء من اللباس.
520
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن جابر رضي الله عنه قال: إِنَّا كُنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرضَتْ كُدْيَةٌ شَديدَةٌ، فجاؤُوا النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ في الخَنْدَقِ، فقال: «أَنَا نَازِلٌ» ثُمَّ قَامَ وبَطْنُهُ معْصوبٌ بحَجرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم المِعْولَ، فَضرَبَ، فعاد كَثيبًا أَهْيَلَ أو أهيم، فقلتُ: يا رسولَ الله ائْذَن لي إِلى البيْتِ، فقلتُ لامْرَأَتي: رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم شَيْئًا ما في ذلكَ صبْرٌ، فَعِنْدَكِ شَيءٌ؟ فقالت: عِندِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ ، فَذَبَحْتُ العَنَاقَ، وطَحَنْتُ الشَّعِيرَ، حَتَّى جَعَلْنَا اللحمَ في البُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَالعجِينُ قَدِ انْكَسَرَ، والبُرْمَةُ بيْنَ الأَثَافِيِّ قَد كَادَتَ تَنْضِجُ، فقلتُ: طُعَيِّمٌ لي، فَقُمْ أَنْت يا رسولَ الله وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ، قال: «كَمْ هُوَ؟» فَذَكَرتُ له فقال: «كثِيرٌ طَيِّبٌ، قُل لَهَا لا تَنْزِعِ البُرْمَةَ، ولا الخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتيَ» فقال: «قُومُوا» فقام المُهَاجِرُون وَالأَنْصَارُ، فَدَخَلْتُ عليها فقلت: وَيْحَكِ جَاءَ النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصارُ وَمن مَعَهم ! قالت: هل سأَلَكَ؟ قلتُ: نعم، قال: «ادْخُلوا وَلا تَضَاغَطُوا» فَجَعَلَ يَكْسِرُ الخُبْزَ، وَيجْعَلُ عليهِ اللَّحمَ، ويُخَمِّرُ البُرْمَةَ والتَّنُّورَ إِذا أَخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَ مِنْهُ، فقال صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كُلِي هذَا وَأَهْدِي، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتهُمْ مَجَاعَةٌ» متفقٌ عليه. • وفي روايةٍ: قال جابرٌ: لمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ رَأَيتُ بِالنّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم خَمَصًا، فَانْكَفَأْتُ إِلى امْرَأَتي فقلتُ: هل عِنْدَكِ شَيْء، فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم خَمَصًا شَدِيدًا؟ فَأَخْرَجَتْ إِليَّ جِرابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ داجِنٌ فَذَبحْتُهَا، وَطَحنت الشّعير، فَفَرَغَتْ إلى فَرَاغِي، وَقَطَّعْتُهَا في بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إلى رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَقَالَتْ: لا تفضحْني برسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ومن معَهُ، فجئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فقلتُ: يا رسول الله ذَبَحْنا بُهَيمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: «يَا أَهْلَ الخَنْدَق إِنَّ جابرًا قدْ صنَعَ سُؤْرًا فَحَيَّهَلا بكُمْ» فقال النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلا تَخْبِزُنَّ عجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ» فَجِئْتُ، وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقْدُمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتي فقالتْ: بِكَ وَبِكَ! فقلتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ. فَأَخْرَجَتْ عَجِينًا، فَبسَقَ فِيهِ وبارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلى بُرْمَتِنا فَبَصَق وَبَارَكَ، ثُمَّ قال: «ادْعِي خَابزَةً فلْتَخْبِزْ مَعكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُم وَلا تُنْزِلُوها» وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِالله لأَكَلُوا حَتَّى تَركُوهُ وَانَحرَفُوا، وإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَز كَمَا هُوَ.
مفردات الحديث
- غزوة الخندق: كانت في السنة الخامسة بعد الهجرة، وقيل السنة الرابعة.
- كُدْيَةٌ عرضَت: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ صُلْبَةٌ مِنَ الأَرْضِ لا تَعْمَلُ فيها الْفَأْسُ.
- لا نذوق ذواقًا: لا نأكل طعاما.
- كَثِيبًا أَهْيَلَ: أَصْلُهُ تَلُّ الرَّمْلِ، والمُرَادُ هُنَا: صَارت الصخرةْ تُرابًا ناعِمًا.
- البرمة: قدر من حجارة.
- الأَثَافيُّ: الأَحْجَارُ الَّتي تَكُونُ عَلَيْهَا القِدرُ.
- تَضَاغَطُوا: تَزَاحَمُوا.
- مَجاعَة: جُوع.
- خَمصًا: جُوعًا.
- انْكَفَأْتُ: انْقَلَبْتُ وَرَجَعْتُ.
- بهيمة: عناق من أولاد المعز أتت عليها سنة.
- داجن: ألفت البيت.
- السُّؤْر: الطّعَام الَّذِي يُدْعَى النَّاسُ إليْه.
- حَيَّهَلا: أي تَعَالَوْا.
- قَوْلها بكَ وَبكَ: أي خَاصَمَتْهُ وَسَبَّتْهُ لأَنَّهَا اعْتَقْدَت أَنَّ الَّذي عِنْدَهُمْ لا يَكفيهِمْ، فَاسْتَحْيَتْ، وَخَفِيَ علَيْهَا مَا أَكَرَم اللهُ سُبحانَهُ وتعالى بِهِ نَبِيَّهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِنْ هذِهِ المُعْجِزَةِ الظَّاهِرةِ والآيَةِ الْبَاهِرَةِ.
- بَسقَ وبصَقَ وَيُقَالُ أَيضًا بَزقَ ثَلاثُ لُغَاتٍ.
- عمد: قصد.
- اقدحي: اغرفي.
- تغطّ: أي تغلي ولغليانها صوت.
فوائد الحديث
- * مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في العمل وفي الجوع والتعب، وحبه لهم وعطفه عليهم.
- * بيان مدى تحمل الصحابة الجوع وصبرهم على التعب، وحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
- * من أعلام النبوّة تفتيته صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم الكدية التي عجز عنها غيره.
- * معجزة تكثير الطعام، وقد حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة.
- * على المسلم ألّا يزدري ما عنده من نعمة ولو كانت قليلة أو صغيرة، فالبركة تكثّر القليل وتعظّم الصغير.
- * استحباب الهديّة المناسبة للحال، وخاصة أيام الحاجة والمجاعة فيهدى ما يسدّ الجوع والحاجة.
521
باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
عن أَنس رضي الله عنه قال: قال أَبو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْم: قَد سَمعتُ صَوتَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ضَعِيفًا أَعرِفُ فِيهِ الجُوعَ، فَهَل عِندَكِ مِن شيءٍ؟ فقالت: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِن شَعيرٍ، ثُمَّ أَخَذَت خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتِ الخُبزَ بِبَعضِه، ثُمَّ دسَّتْهُ تَحْتَ ثَوبي وَرَدَّتْني بِبَعضِه، ثُمَّ أَرْسلَتْنِي إِلى رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَذَهَبتُ بِهِ، فَوَجَدتُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، جالِسًا في المَسْجِدِ، ومَعَهُ النَّاسُ، فَقُمتُ عَلَيهِمْ، فقالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟» فقلت: نَعم ، فقال: «أَلِطَعَامٍ؟» فقلت: نَعَم ، فقال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «قُومُوا» فَانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيديِهِم حَتَّى جِئتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخبَرتُهُ، فقال أَبُو طَلْحَةَ: يا أُمَّ سُلَيمٍ، قَد جَاءَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا ما نُطْعِمُهُمْ؟ فقالت: اللهُ ورسُولُهُ أَعْلَمُ. فَانطَلَقَ أَبُو طَلْحةَ حتَّى لَقِيَ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فأَقبَلَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مَعَه حَتَّى دَخَلا، فقال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «هَلُمِّي ما عِندَكِ يا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَأَتَتْ بِذلكَ الخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففُتَّ، وعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَآدَمَتْهُ، ثُمَّ قال فِيهِ رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ما شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُم ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثم قال: «ائذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذنَ لهُم، فَأَكَلُوا حتَّى شَبِعُوا، ثم خَرَجوا، ثُمَّ قال: «ائذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لهم حتّى أَكلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعونَ رَجُلًا أَوْ ثَمَانُونَ. متفق عليه. • في روايةٍ: فما زال يَدْخُلُ عشَرَةٌ ويَخرُجُ عَشَرَةٌ، حتّى لم يَبْقَ مِنهم أَحَدٌ إِلّا دَخَلَ، فَأَكَلَ حتَّى شَبِعَ، ثُمَّ هَيَّأَهَا فَإِذا هِي مِثلُهَا حِينَ أَكَلُوا مِنْها. • في روايةٍ: فَأَكَلُوا عَشَرَةً عَشَرةً، حتَّى فَعَلَ ذلكَ بثَمانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بعد ذلكَ وََأَهْلُ البَيت، وَتَركُوا سُؤرًا. • وفي روايةٍ: ثُمَّ أفضَلُوا ما بَلَغُوا جيرانَهُم. • وفي روايةٍ عن أَنسٍ قال: جِئتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يوْمًا، فَوَجَدتُهُ جَالِسًا مع أَصحابِهِ وَقد عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصابَةٍ، فقلتُ لِبَعضِ أَصحَابِهِ: لِمَ عَصَبَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بطْنَهُ؟ فقالوا: مِنَ الجُوعِ، فَذَهَبْتُ إِلى أبي طَلحَةَ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ سُليْمٍ بنتِ مِلحانَ، فقلتُ: يَا أَبتَاهُ، قد رَأَيْتُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَصبَ بطنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلتُ بَعْضَ أَصحَابِهِ، فقالوا: مِنَ الجُوعِ. فَدَخل أَبُو طَلحَةَ على أُمِّي فقال: هَل مِنْ شَيءٍ؟ قالتْ: نعم عِندِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ، فإِنْ جَاءَنَا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَحْدَهُ أَشبَعنَاه، وإِنْ جَاءَ آخَرُ معه قَلَّ عَنْهمْ، وذَكَرَ تَمَامَ الحَديث.
مفردات الحديث
- خمار: غطاء الرأس.
- دسّته: أدخلته وخبّأته.
- وردّتني ببعضه: لفّتني ببعض الخمار، أي جعلته رداءً.
- هلمّي ما عندك: احضري وهاتي ما عندك.
- عكّة: وعاء من جلد مستدير مختص بالسمن والعسل، وهو بالسمن أخص.
- آدَمَته: خلطت الخبز بالسمن.
- هيّأها: جمعها بعد أكلهم جميعًا.
- سؤرًا: السّؤر هو الفضلة والمراد هنا بقّية من طعام.
- أفضَلوا: أبقَوا من الطعام.
- ما بلغوا جيرانهم: أوصلوه هدية إليهم.
- عصب: ربط.
- يا أبتاه: ناداه بذلك تأدبًا، وإلا فأبو طلحة زوج أم أنس وليس أباه.
- كِسَر: قِطع.
فوائد الحديث
- * ابتلاء الأنبياء واختبارهم بالجوع، وتعدد أحوالهم، ليتأسّى بهم أصحابهم.
- * قصة أخرى في أيام الخندق، ومعجزة أيضًا من معجزاته صلى الله عليه وسلم.
- * ما كان عليه الصحابة من الاعتناء بأحوال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
- * منقبة لأمّ سُليم رضي الله عنها ودلالة على فقهها ورجحان عقلها.
- * ضيق حال الصحابة يومئذ وصبرهم على ذلك.
- * الاكتفاء بالقوت وترك ما زاد عليه من شهوة النفس وحظها.
- * يستحب لصاحب الطعام وأهله أن يكون أكلهم بعد فراغ الضيفان.
522
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه، عَنِ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَيس الْغِنَى عَنْ كثْرَةِ العَرَضِ، وَلكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- العَرَض: أي المَال والمتاع.
- غنى النفس: الاستغناء والقناعة بما قسم الله، وعدم الإلحاح في طلب المزيد.
فوائد الحديث
- * الحث على الرضا بما قسم الله تعالى.
- * عدم الحرص على الازدياد لغير حاجة.
- * عدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين.
523
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما: أَنّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «قَدْ أَفلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بما آتَاهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أفلح: فاز وظفر.
- كفافًا: مقدار حاجته من غير زيادة ولا نقص، سمي به لأنه يكف عن سؤال الناس ويستغني عنهم.
- قنّعه: رضَّاه.
فوائد الحديث
- * رأس الخير والفلاح الإسلام، وهو أساسٌ لقبول الأعمال.
- * فضل من رضي بإغناء الله تعالى له عن سؤال الناس ولو بالقليل.
- * فضل الكفاف على الغنى والفقر، لأن الغنى قد يؤدي إلى البطر وكما قد يكون في الفقر المذلة.
524
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن حَكيم بن حِزَامٍ رضي اللهُ عنه قال: سَأَلْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَأَعطَاني، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعطَاني، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعطَاني، ثُمَّ قال: «يا حَكيمُ، إِنَّ هذا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُوركَ لَهُ فِيه، وَمَن أَخَذَهُ بِإِشرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لهُ فيهِ، وكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ، واليَدُ العُلَيا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى» قال حَكيمٌ فقلتُ: يا رسول اللهِ، وَالَّذِي بَعثَكَ بالحَقِّ لا أَرْزَأُ أَحدًا بَعدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنيَا. فَكَانَ أَبُو بكرٍ رضي اللهُ عنه يَدْعُو حَكيمًا لِيُعطيَهُ العَطَاءَ، فَيَأْبَى أنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ عُمر رضي اللهُ عنه دَعَاهُ لِيُعطيهُ، فَأَبَى أَنْ يَقْبلَهُ، فقال: يا مَعشَرَ المُسْلمينَ، أُشْهِدُكُمْ عَلى حَكيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيه حَقَّهُ الَّذِي قَسَمه اللهُ لَهُ في هذا الْفيْءِ، فيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكيمٌ أَحدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حَتَّى تُوُفِّيَ. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- سألت: أي طلبت منه مالًا.
- خضر حلو: يشبه في الميل عليه ورغبة النفس فيه الفاكهة الخضرة الحلوة.
- بورك فيه: أي أغناه القليل منه عن الكثير.
- العليا: المعطية.
- السفلى: السائلة.
- يرْزَأ: أي لمْ يأْخُذْ مِنْ أَحدٍ شَيْئًا.
- إِشْرَافُ النَّفسِ: تَطَلُّعُها وطَمعُهَا بالشَّيْءِ.
- سَخَاوَةُ النَّفْسِ: أي بغير طمَعٍ ولا شرهٍ.
- أشهدكم على حكيم: أشهد عليه عمر لأنه أراد ألا ينسبه أحد إلى منع حكيم من حقه، بل حكيم رضي الله عنه هو الذي أبى.
فوائد الحديث
- * الحث على العطاء بسخاوة وعدم البخل والشح، ولا سيما إذا كان في العطاء تآلفٌ للقلوب.
- * حرص الإنسان على المال لغير حاجة يحمله على مسؤولية المال من غير فائدة ولا حاجة.
- * أخذ المال وجمعه بطرق مشروعة لا يتعارض مع الزهد في الدنيا، لأن الزهد سخاوة نفس وعدم تعلق القلب بالمال.
- * التنفير من مسألة الناس ولا سيما لغير حاجة والحرص على أن يكون المرء معطيًا لا سائلًا آخذًا.
- * فضيلة حكيم وغيره من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومدى التزامهم العهد مع الله عزّ وجل ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.
- * من واجب الحاكم إيصال الحقوق لأصحابها.
- * ضرب المثل بما هو معروف لتقريب المعنى إلى نفس السامع.
525
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن أبي بُردَةَ، عنْ أبي موسى الأشعَريِّ رضي اللّه عنه قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في غَزَاةٍ، ونحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ ، فَنَقِبَتْ أَقدامُنا وَنَقِبَتْ قَدَمِي، وَسَقَطَتْ أَظْفاري، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلى أَرْجُلِنا الخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ غَزوَةَ ذَاتِ الرِّقاعِ لِما كُنَّا نَعْصُبُ عَلى أَرْجُلِنَا الخِرَقَ، قالَ أَبو بُردَةَ: فَحَدَّثَ أَبو مُوسَى بِهَذا الحَدِيثِ، ثُمَّ كَرِهَ ذلكَ، وقالَ: ما كنْتُ أَصْنَعُ بِأَنْ أَذْكُرَهُ! قالَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَفْشاهُ. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- غزاة: المرة من الغزو.
- نعتقبه: نتعاقبه في الركوب واحدًا بعد واحد.
- فنقبت: رقّت جلود القدمين من المشي.
- نعصب: نربط.
- ما كنت أن أصنع بأن أذكره : أي ما الذي استفدته بذكر ذلك؟.
فوائد الحديث
- * بيان ما كان عليه الصحابة من التقشف وخشونة العيش وصبرهم على ذلك مع الرضا.
- * كراهة أن يذكر الإنسان ما فعله من عمل صالح، خشية الوقوع في الرياء.
- * سبب تسمية الغزوة بذات الرقاع.
526
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن عمرو بن تَغْلِبَ رضي اللّهُ عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أُتِيَ بمالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقسَّمهُ، فَأَعْطَى رجالًا، وتَرَكَ رِجالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتبُوا، فَحَمِدَ اللهَ تعالى ثُمَّ أَثْنَى عَلَيهِ ثُمَّ قال: «أَمَّا بَعدُ، فَوَاللهِ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ، والَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إليَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلكِنِّي إنّما أُعْطِي أَقوَامًا لِما أَرى في قُلُوبِهِمْ مِن الجَزعِ والهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوامًا إِلى ما جعَلَ اللهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنى والخَيْرِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ» قال عَمرو بن تَغْلِبَ: فَواللهِ ما أُحِبُّ أَنَّ لي بِكلِمةِ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حُمْرَ النَّعَمِ.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- سبي: الأسرى وما يؤخذ نهبًا من نساء وأولاد الأعداء.
- أدع: أترك إعطاءه.
- الجزع: الحزن والخوف وعدم التحمل والصبر.
- الهلَع: هُو أَشَدُّ الجَزَعِ، وقِيل: الضَّجرُ.
- أَكِل: أترك وأعتمد.
- الغنى والخير: المراد الرضى النفسي والإيمان.
- أن لي بكلمة: أي بدلًا عنها.
- حمر النّعم: كرائمها، وهو مثل يضرب في كل نفيس.
فوائد الحديث
- * المال والمتاع ليس مقياس كرامة الإنسان ومكانته.
- * حكمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تأليف القلوب وإنقاذها من الهلاك.
- * التصرف في المال والعطاء حسب تحقيق المصلحة العامة.
- * الحث على الرضا بما يأتي المسلم من رزق دون سؤال أو إلحاح.
- * سرور المؤمن وفرحه بما يبدو منه من خير وشهادة أهل الصلاح والفضل له بذلك.
527
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن حَكيمِ بن حِزامٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «اليدُ العُليَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وابْدَأ بمنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عنْ ظَهْرِ غِنًى، ومَنْ يَسْتعْفِفْ يُعِفّهُ اللهُ، ومَنْ يَسْتغْنِ يُغْنِهِ اللهُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- اليد العليا: هي اليد المنفقة.
- بمن تعول: من زوجة أو أهل أو نحو ذلك، وعال أهله: إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت أو كسوة.
- خير: أفضل.
- ظهر غنى: غير محتاج إليه.
- يستعفف: يكف عن سؤال الناس.
- يعفه الله: أي يُصيِّرهُ الله تعالى بعونه وتوفيقه عفيفًا.
- ومن يستغن: يقنع ويظهر الغنى.
- يغنه الله: يجعل الله في نفسه القناعة والرضا.
فوائد الحديث
- * الحثّ على الإنفاق في وجوه الخير.
- * كراهة التصدق بما يحتاجه أو بكل ما يملك حتَّى لا يضطر إلى سؤال الناس.
- * مَن استعان بالله تعالى على حصول شيء مع بذل أسبابه أُعِين عليه.
- * أن العفّة والقناعة من أهم صفات المؤمن الصالح.
- * أفضل الصدقات ما أخرجه الإنسان من ماله بعدما يستبقي منه قدر الكفاية لنفسه وعياله.
- * فضل الإنفاق على العيال على غيره من النفقات.
- * العفة عن السؤال والاستغناء بالله مجلبة للرزق الحسن وطريق لعزة النفس والكرامة.
528
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن معاويةَ ابن أبي سُفيانَ صَخْرِ بنِ حَرْبٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تُلْحِفُوا في المسأَلَةَ، فوَاللهِ لا يَسْأَلُني أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَتُخرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنا لَهُ كارِهٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فيما أَعْطَيْتُهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- لا تلحفوا: لا تلحوا في المسألة، وهو كثرة الطلب.
- كاره: أي لدفع هذا الشيء له.
فوائد الحديث
- * النهي عن مضايقة الآخرين وحملهم على العطاء بالإلحاح في الطلب.
- * ما يعطى عن غير رضا نفس كرهًا أو حياء فهو منزوع البركة
- * ما أخذ بسيف الحيا فهو حرام، يلزم رده.
529
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن أبي عبدِ الرحمنِ عَوْفِ بن مالكٍ الأَشْجَعِيِّ رضي اللهُ عنه قالَ: كُنَّا عِنْدَ رسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم تِسَعْةً أَوْ ثمانيةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَال: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» وكُنَّا حَدِيثي عَهْدٍ بِبيْعَةٍ، فَقُلْنا: قَدْ بايعْناكَ يا رسُولَ اللهِ! ثُمَّ قال: «ألا تبايعونَ رسولَ اللهِ؟» فَبَسَطْنَا أيْديَنا وقُلْنَا: قد بايعناك يا رسولَ اللهِ، فَعَلام نُبَايِعُكَ؟ قال: «على أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، والصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَتُطيعُوا» وَأَسرَّ كلمَةً خَفِية،ً «وَلا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا» فَلَقَدْ رَأَيتُ بَعْضَ أُولِئكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحدِهِمْ، فَما يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- حديث عهد ببيعة: قد بايعنا من قريب.
- فعلام: فعلى أي شيء.
- سوط: ما يستخدم للتأديب أو سَوْق البهائم ورعيها.
فوائد الحديث
- * استحباب تجديد العهد مع الله عزّ وجل على صدق الإيمان به والإخلاص في عبادته والتزام شريعته.
- * الحث على مكارم الأخلاق، ومنها الترفع عن تحمل مِنَّة الخلق بالاستغناء عنهم وعزة النفس.
- * اعتماد المسلم على نفسه وتوليه كل شؤونه، وعدم اتكاله على غيره.
- * تنزه هؤلاء النفر من الصحابة عن كل ما يسمى سؤالًا ولو في أمرٍ صغير لا قيمة له يدل على شدّة تعظيمهم لما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- * يدل على مكانتهم العظيمة في الصبر والتحمل وهذا مثال يُحتذى به في اعتماد المسلم وتوكله على ربه مستغنيا عن الناس.
- * تعاون الناس فيما بينهم وتبادل المنافع بأن يعاون ويطلب الجار من جاره والصديق من صديقه ليس من الأعمال المذمومة ولكن المذموم أن يسأل الناس عطاءً من دون حاجة أو عِوض.
530
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن ابن عمر رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا تَزَالُ المَسأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ تعالى ولَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- المسألة: طلب العطاء من الآخرين.
- يلقى الله: يحشر يوم القيامة.
- مُزْعَة: قِطْعَة.
- وليس في وجهه مزعة لحم: قيل: هو على ظاهره عقوبة له وعلامة على ذنبه إذ أراق ماء وجهه وكرامته في الدنيا.
فوائد الحديث
- * التنفير من السؤال من غير حاجة والإلحاح فيه، لما يورثه من ذل في الدنيا وعذاب في الآخرة.
- * من الطرق اللطيفة في التنبيه على خطأ عام عدم توجيه الكلام لشخص بعينه أو فئة بعينها، بل التحذير من نفس الفعل ببيان عاقبته، وكان هذا من هديه صلّى الله عليه وسلّم.
531
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال وَهُوَ على المِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدقَةَ والتَّعَفُّفَ عَنِ المسأَلَةِ: «اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وَاليَدُ العُليا هِيَ المُنْفِقَة، والسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَة»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- * الحثّ على الإنفاق في وجوه الخير والطاعة.
- * أن العفّة والقناعة من أهم صفات المؤمن الصالح.
- *وصف اليد المنفقة بأنّها اليد العليا، وهذا يدل على أنّ رفعتها لم تكن بالغنى أو الجاه أو الوظيفة والمكانة المجتمعية، بل بالإنفاق لله حتى لو كان صاحب اليد المنفقة فقيرًا أو محتاجًا.
- * وصف اليد السائلة بأنّها اليد السفلى، يدل على التزهيد في ذلك وأن يحرص المسلم أن لا يكون صاحب هذه اليد ما أمكن، وربما تجد شخصا له ما يكفيه من المال لكنّه اعتاد السؤال ورضي بالذلة وسفول اليد في سبيل أن يُعطى مالًا.
- * لا بد من غنى النفس وترفعها عن سؤال الناس، لأنّ مجرد الغنى وكثرة المال لا يمنع الإنسان من السؤال.
532
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ سَأَلَ النَّاس تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- تكثّرا: ليكثر ماله مما يزيد عن حاجته، لا لأنّه فقير محتاج.
- جمرًا: ما يعاقب عليه بالنار.
فوائد الحديث
- * الأصل أن مال المسلم لا يجوز أخذه بدون وجه حق، ولا بدون رضاه، لذا يلجأ بعض النّاس إلى التحايل بأن يُظهر للناس فقره وحاجته ليعطفوا عليه ويعطوه من أموالهم، وفي الحقيقة هو غير فقير وإنّما يسأل النّاس ليزيد ماله أو لأنّه كسب سهل بالنسبة له، وقد يتضمن هذا الفعل غشًا وخداعًا وتحايلًا، وربما يجره للكذب أحيانا والحلف على ذلك ليصدقه الناس ولهذا كانت عقوبة من يفعل ذلك عظيمة.
- * تحريم السؤال لغير حاجة.
- * تخويف لمن يتّخذ سؤال النّاس مهنةً وسبيلًا للتكسّب والعيش وهو قادر على العمل.
533
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن سمُرَةَ بنِ جُنْدبٍ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلّى الله عليه وسَلَّم: «إِنَّ المَسأَلَةَ كَدٌّ يكُدُّ بها الرَّجُلُ وجْهَهُ، إِلّا أَنْ يَسأَلَ الرَّجُلُ سُلْطانًا أَو في أَمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ»
رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- كَدّ: جهد وخَدْش وَنحوُه.
- سلطانًا: ولي الأمر يطلب منه ما استحقه من بيت المال من زكاة أو نحوه.
- أمر لا بد منه: حاجة لا يستطيع الاستغناء عنها.
فوائد الحديث
- * جواز سؤال السلطان للحاجة، وكذلك سؤال الناس، وجواز قبول العطايا ما لم يعلمها حرامًا، والنهي عن ذلك في غيرها.
- * جواز المسألة عند الحاجة والضرورة، بل تجب في بعض الأحيان.
534
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن ابن مسعودٍ رضيَ الله عنه قال: قال رسُولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: « مَنْ أَصابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلها باللهِ فَيُوشِكُ الله لَهُ بِرِزقٍ عاجِلٍ أَوْ آجِلٍ»
رواهُ أبو داوُود، والترمذي وقال: حديث حسن
مفردات الحديث
- فاقة: حاجة.
- أنزلها بالناس: طلب منهم رفعها عنه بإعانتهم له.
- لم تسدّ: لم تقض.
- يُوشك: أي يُسرِعُ.
فوائد الحديث
- * الحثّ على سؤال الله عز وجل، والالتجاء إليه عند الشدائد فهو الذي يقضيها.
- * المقصود أنّ من اعتمد في قضاء حاجاته على النّاس وأغفل اعتماده على من أعطى هؤلاء النّاس وأغناهم،) لن يجد سدًّا لحاجته بل ربما وجد ذلًا وإهانةً.
- * النهي والتزهيد في سؤال الناس وإن كان محتاجًا حقيقةً.
- * لا مانع من سؤال الناس مع الاعتقاد بأن الله تعالى يسخرهم لقضاء حاجته.
535
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن ثوبان رَضِيَ اللهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «منْ تكفَّلَ لي أَنْ لا يَسألَ النّاسَ شيئًا وأَتكفَّلُ له بالجنَّةِ؟»
فقلت: أنا. فكانَ لا يَسأَلُ أحدًا شيئًا. رواه أبو داود بإسناد صحيح
مفردات الحديث
- تكفّل: ضمِن والتزم.
فوائد الحديث
- * البشارة بحسن الخاتمة لمن التزم ألّا يسأل الناس شيئًا.
- * الحثّ على عدم سؤال الناس، وأن يقتصر المرء على سؤال الله تعالى وحده.
- * فضيلة التعفّف عن سؤال الناس، وهذه منزلة عالية في الصبر والتوكل على الله تعالى، ويستثنى منه إذا خاف على نفسه الموت.
- * فضيلة ثوبان رضي الله عنه.
536
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن أبي بِشْرٍ قَبِيصَةَ بن المُخَارِقِ رضي الله عنه قال: «تَحمَّلْتُ حمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَسْأَلُهُ فيها، فقال: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنأْمُرَ لكَ بِها» ثُمَّ قال: «ياَ قَبِيصَةُ، إِنَّ المَسأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلّا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حمالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَها ثُمَّ يُمْسِكُ، ورجُلٌ أَصابَتْهُ جائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مالَهُ، فَحَلَّتْ لهُ المَسأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عيْشٍ -أَوْ قال: سِداداً مِنْ عَيْشٍ- ورَجُلٌ أَصابَتْهُ فاقَةٌ، حَتى يقُولَ ثلاثَةٌ مِنْ ذَوي الحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ، فحلَّتْ لَهُ المسْأَلَةُ حتَّى يُصِيبَ قِوامًا مِنْ عَيْشٍ -أَوْ قالَ: سِدادًا مِنْ عَيْشٍ- فَمَا سِواهُنَّ مِنَ المَسأَلَةِ يا قَبِيصَةُ سُحْتٌ، يأَكُلُها صاحِبُها سُحْتًا»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- حمَالَة: أَنْ يَقَعَ قِتَالٌ وَنحوُهُ بَين فَرِيقَينِ، فَيُصلحُ إِنْسَانٌ بيْنهمْ عَلى مالٍ يَتَحَمَّلُهُ ويلْتَزِمُهُ عَلى نفسِه.
- يصيبها: يقضي دينه الذي تحمله لأجلها.
- جائِحَة: الآفَةُ تُصِيبُ مالَ الإِنْسان.
- اجتاحت: استأصلت.
- قوام: هوَ ما يقومُ بِهِ أَمْرُ الإِنْسانِ مِنْ مَالٍ ونحوِه.
- سِداد: مَا يَســُــدُّ حاجةَ المُعْوِزِ ويَكْفِيه.
- فَاقَة: فَقْر.
- الحِجَى: العقل.
- الصدقة: المراد بها هنا الزكاة، لأنه غارم فيعطى منها.
- سحت: مال حرام، وأصل السحت الإهلاك، فيذهب ببركة المال ويُعقِب عذابًا يوم القيامة.
فوائد الحديث
- * جواز المسألة لمن وجدت فيه إحدى القرائن الثلاثة المذكورة في الحديث.
- * جواز إعطاء من ألزم نفسه بتحمّل مالٍ يحصل به الصلح بين المتخاصميْن، من أصابت ماله جائحة، من أصابه فقر وحاجة شديدة، من مال الزكاة لأن الأول غارم والآخرين من الفقراء.
- * من جازت له المسألة لا يسأل أكثر مما يسد حاجته، فلو وجد ما يكفيه في يومه من قوت وحاجة فإنّه لا يجلس ويستمر في المسألة.
- * هذه الحالات حالات اضطرارية فلا ينبغي أن تكون هي حال المسلم الأساسية، بل لابد أن يسعى للعمل والتكسب.
- يشترط في الشاهد التيقُّظ، فلا تقبل الشهادة من مغفّل.
537
باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.
عن أبي هريرة رضيَ الله عنه أَنَّ رسُولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَيْسِ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ ، وَالتَّمْرَةُ والتَّمْرتَانِ ، وَلَكِنَّ المِسْكِينَ: الَّذِي لا يجِـدُ غِنًى يُغنِيهِ ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصدَّقَ عَلَيْهِ ، وَلاَ يَقُومُ فَيسْأَل النَّاسَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ترده: أي يكتفي بأقل ما يعطى.
- يغنيه: يكفيه.
- يفطن: ينتبه ويلتفت إليه.
فوائد الحديث
- * الحث على تفقد المساكين المتعففين عن السؤال، ويمكن ذلك بطرق منها: صلة الرحم، فمن يصل رحمه وأقرباءه يطلع على أحوالهم فلو وجد قريبًا محتاجًا فهذا أولى الفقراء بالصدقة، وتفقد الجيران، فبعض الجيران قد يملكون بيتًا ويبيتون لا طعام لهم وتمنعهم العفّة عن السؤال، فضلًا عن جارٍ معلوم فقره وحاجته، وسؤال أهل الفضل والاستفسار منهم عن فقراء وأسر محتاجة لضمان وصول الصدقة لأحق النّاس بها عن طريق منافذ الخير والبر.
- * من إشكالات التصدّق عدم مبالاة كثير منّا في التفكير لمن سيعطي صدقته والنظر لأقرب سائل على الطريق، ونظنّ بأننا هكذا أدينا الصدقة.
- * نفى صلى الله عليه وسلم المسكنة عن السائل الطوَّاف لأنه تأتيه الكفاية، وقد تأتيه الزكاة زيادة عليها فتزول خصاصته.
538
باب جواز الأخذ من غير مَسألة ولا تطلُّع إليه
عَنْ سالمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبيهِ عبدِ الله بنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنهم قال: «كان رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُعْطِيني العطَاءَ فَأَقُولُ: أَعطهِ مَن هو أَفقَرُ إِلَيهِ مِنِّي، فقال: «خُذهُ، إِذَا جاءَكَ مِن هذا المَالِ شَيءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ولا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، فتَموَّلْهُ، فَإِنْ شِئتَ كُلْهُ، وإِنْ شِئْتَ تَصْدَّقْ بِهِ، وَمَا لا، فَلا تُتبِعْهُ نَفْسَكَ»
قال سالمٌ: فَكَانَ عَبدُ الله لا يسأَلُ أَحدًا شَيْئًا، وَلا يَرُدُّ شَيئًا أُعْطِيَه. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أفقر: أحوج.
- مُشْرِف: أي متَطَلِّعٌ إِلَيْه.
- فتموّله: اجعله لك مالًا.
- وما لا..: وما لم يأتك على الحال المذكورة.
- فلا تُتبعه نفسك: أي لا تتعلق به.
فوائد الحديث
- * الإرشاد لقبول المال وأخذه إن جاء من غير مسألة ولا تعلق نفس، كهدية أو عطاء مثلًا، وقد يكون في ردّه وعدم قبوله إيذاء لمن أهداه وأعطاه.
- * في بعض الأحوال قد يترجح للمسلم أن لا يقبل المال أو الهدية لظنٍّ غالبٍ بلحاق أذى به، كأن يمنّ عليه صاحب الهدية أو العطاء، أو لكونه من وجهة غير حلال.
- * النهي عن تطلُّع النفس والتشوُّف إلى ما في أيدي الناس.
- * الحث على إيثار المسلم غيره بالمال إن كان ليس في حاجة إليه.
539
باب الحثِّ على الأكل من عمل يَده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.
عنْ أبي عبدِ الله الزُّبَيْرِ بنِ العوَّامِ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُم أَحْبُلَهُ ثُمَّ يَأْتِيَ الجَبَلَ، فَيَأْتِيَ بحُزْمَةٍ مِن حَطَبٍ عَلى ظَهِرِهِ فَيَبيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بها وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَن يَسأَلَ النَّاسَ، أَعطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أحبله: حباله، جمع حبل.
- فيكفّ الله بها وجهه: يغنيه بثمنها عن سؤال الناس، والتعبير بالوجه لأن السؤال يكون به وهو أشرف جزء بالإنسان.
- منعوه: ردوه ولم يعطوه.
فوائد الحديث
- * الحث على العمل لتحصيل الرزق ولو امتهن المكلف حرفة بسيطة وحقيرة في نظر الناس فهي خير من ذلّ المسألة، والأنبياء رعوا الأغنام.
- * إجهاد النفس في تحصيل الرزق الحلال وترك الحرام طاعة لله تعالى.
- * كره وقبح مسألة النّاس في الإسلام لما تُدخله على السائل من الذل وعلى المسؤول من الضِّيق.
- * حرص الإسلام على كرامة المرء وفضل التكسب باليد على سؤال الناس.
540
باب الحثِّ على الأكل من عمل يَده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.
عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لأَنْ يحتَطِبَ أَحَدُكُم حُزمَةً على ظَهرِه، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسأَلَ أَحَدًا، فَيُعُطيَه أَو يمنَعَهُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- حزمة: أي حزمة من حطب.
- على ظهره: أي يأتي بها على ظهره.
فوائد الحديث
- * كراهية المسألة.
- * الحضّ على التعفّف عن المسألة.
- * استحباب التكسب باليد ولو لحقته مشقّة في ذلك.
541
باب الحثِّ على الأكل من عمل يَده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «كان دَاوُودُ عليهِ السَّلامُ لا يَأْكُلُ إِلَّا مِن عَملِ يَدِهِ»
رواه البخاري
فوائد الحديث
- * الحثّ على العمل، وأن يكون رزقه من كسبه وثمرة جهده، كما كان يفعل داوود عليه السلام.
- * التأسّي بالأنبياء في تحصيل رزقهم بالعمل لا بالسؤال.
542
باب الحثِّ على الأكل من عمل يَده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «كَانَ زَكَرِيَّا عَليْهِ السَّلامُ نجَّارًا»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- * الاقتداء بسلوك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
- * الحثّ على العمل والتكسّب الحلال، فالنجارة مهنة شريفة.
- * لابد للمجتمع المسلم من احترام أصحاب المهن، فها هم الأنبياء وصفوة النّاس وأحبّهم إلى الله تعالى عملوا بها وتكسّبوا منها ولم يعبْهم ذلك أو يُنقصهم شيئًا.
- * على المسلم ألّا ينشغل عن حقائق الأشياء بمظاهرها، فربّ عمل مُتعبٍ مُضنٍ في ظاهره يكون أنفع لصاحبه في راحة باله وقوت عياله وحساب ربّه من عمل سهلٍ ميسور في ظاهره، بأن يكون الأول حلالًا والثاني حرامًا.
543
باب الحثِّ على الأكل من عمل يَده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.
عن المِقدَامِ بن مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبيَّ اللهِ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلام كان يَأْكلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»
رواه البخاري
فوائد الحديث
- * أن أطيب الطعام وأهنأ العيش ما كان نتيجة السعي وحصيلة الجهد في عمل حلال.
- * الحث على الأخذ بالأسباب، وأن ذلك لا يتعارض مع التوكل على الله عز وجل.
- * ضرورة الاعتماد على النفس في قضاء شؤون الحياة، وأن لا يذل الإنسان نفسه إلى غيره، وأن لا يركنوا إلى الكسل والاستجداء، فالإسلام دين الحياة والعمل الصالح للدنيا والآخرة.
544
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنِ ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا حَسَدَ إِلَّا في اثنتينِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُها»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا حسد: أصل معنى الحسد تمني الإنسان زوال النعمة من غيره، وهو حرام، والمراد به هنا الغبطة، وهي تمني المرء أن يكون له مثل هذه النعمة مع بقائها لصاحبها، وهذا مباح.
- فسلَّطه: أي مكّنه الله من إنفاقه في وجوه الخير.
- هلكته: وجوه إنفاقه ومجالات صرفه.
- في الحق: في أنواع البر ونواحي الخير.
- حِكمة: أي علمًا، وقيل: العلم بأحكام الشرع.
- يقضي بها: يحكم ويفتي بين الناس بمقتضاها.
فوائد الحديث
- * فضل الغني الذي لا يبخل بما آتاه الله.
- * الحث على العلم بأحكام الدين وتعليم ذلك للناس.
- * يَنْبَغِيِ ألَّا يُغبَطَ أَحَدٌ إِلَّا على إحدَى هَاتَينِ الخَصْلَتَيْنِ.
545
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَن ابن مسعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِليهِ مِنْ مَالهِ؟» قالُوا: يا رَسولَ الله، ما مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِليه، قال: «فَإِنَّ مَالَهُ ما قَدَّمَ، وَمَالَ وَارِثهِ ما أَخَّرَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- فإن ماله ما قدّم: بأن تصدّق بالمال أو أنفقه في الأكل واللبس.
- وَمَالَ وَارِثهِ ما أَخَّرَ: أي المال الذي لم ينفقه أو يستهلكه ولم يتصدق به بل مات وتركه، فصار ملكًا لمن يرثه.
فوائد الحديث
- * بلاغة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الحثّ على الصدقة.
- * حرص الإسلام على تصحيح المفاهيم والمبادئ السائدة.
- * أن المال الذي يكون لك حقيقة وتنتفع به هو ما أنفقته وانتفعت به أو تصدّقت به أو عملت به وقفًا وصدقة جارية، أمّا المال الذي تموت وتتركه هو في الحقيقة ليس مالك هو لورثتك، فلنحرص على أن نستثمر مالنا في حياتنا ليبقى نفعه مستمرا لنا بعد مماتنا.
- * أن يحرص المسلم على العمل الصالح بنفسه لا أن يجعل نفسه مرهونة بورثته هل يقيمون له وقفا أو صدقة جارية بعد موته أم لا، فالمال فتنة وربما طمعت نفوسهم فيه وتناسوا والديهم.
- * صاحب المال لا ينبغي له أن يضر ورثته بأن يتصدق بأكثر من ثلث ماله بل الأفضل أن يكون أقل من الثلث.
546
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَن عَدِيِّ بْنِ حاتمٍ رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- اتّقوا النار: اجعلوا بينكم وبينها من العمل الصالح ما يحفظكم من دخولها.
- ولو بشقّ تمرة: ولو أن تتصدّقوا بنصف تمرة.
فوائد الحديث
- * الحثّ على الصدقات بقدر الإمكان ولو بالشيء اليسير والتخلّق بالخصال الحميدة.
- * مسؤولية الإنسان عن عمله، فليحرص على العمل الصالح الذي ينفعه يوم القيامة ويستره من النار.
547
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: ما سُئِل رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم شَيئًا قَطُّ فقالَ لا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- * أن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا سئل شيئًا وكان موجودًا عنده أعطاه، ولا ينطق بالمنع أو الرد، وهذا ما يدلّ على سخائه ومزيد كرمه وحسن أخلاقه.
- * الحثّ على الاقتداء بالنَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم في سخائه وكرمه وبملاطفته في التعامل مع الغير.
548
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ أبي هُريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبِحُ العِبادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعطِ مُمْسِكًا تَلَفًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أعط منفقًا: أي في سبيل الخير وهو يعم الواجب والمندوب.
- خلفًا: أي بدلًا وعوضًا، ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا أو في الأخرة.
- ممسكًا: ممتنعًا عن الإنفاق في الواجب والمندوب.
- تلفًا: هلاكًا، ويحتمل الدعاء بهلاك المال وذهابه أو ذهاب بركته أو هلاك نفس الممسك.
فوائد الحديث
- * الحضّ على الإنفاق الممدوح، وهو الإنفاق في الطاعات وعلى العيال والضيفان وسائر أعمال البرّ الواجب والتطوع.
- * إشعار المنفق أن الله سبحانه وتعالى يعوضه خيرًا ممّا أنفق.
- * أنّ للملائكة دعاءً مستجابًا
549
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قـال: «قالَ اللهُ تعالى: أنفِقْ يا ابنَ آدمَ يُنْفَقْ عَلَيْكَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أَنفق: أي أنفق المال أيها المؤمن في وجوه الخير بالطريق المأذون به شرعًا إيمانًا واحتسابًا.
- يُنفق عليك: يوسّع الله عليك ويخلف عليك عوض ما تنفقه.
فوائد الحديث
- * الحثّ على الإنفاق في وجوه الخير.
- * أنّ الجزاء من جنس العمل.
- * أنّ الله تعالى يجازي على القليل الكثير، فإنفاقنا مهما كثر وعظم فهو قليل بجانب إنفاق الله علينا ومجازاته لنا.
550
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: أَيُّ الإِسلامِ خَيْرٌ؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لم تَعْرِفْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أيُّ الإسلام: أيْ، أيُّ خصاله، أو أيُّ أهله وذويه أفضل.
- تطعم الطعام: على وجه الصدقة أو الهدية أو الضيافة ونحو ذلك.
- وتقرأ السلام: المراد به إفشاء السلام.
فوائد الحديث
- * الحضّ على بذل الطعام وإفشاء السلام استئلافًا للقلوب واستجلابًا لودها.
- * حرص الصحابة على السؤال عن أكثر الأعمال ثوابًا ليلتزموا بها فيفوزوا بالقرب من ربهم.
- * عدم التفريق بين النّاس في أداء الحقوق المشتركة بينهم، والسلام من حقوق المسلم على المسلم، فينبغي إفشاؤه حسب ما شرعه الله لنا لا أن نحصر ذلك في المعارف والأصدقاء ونترك السلام على من لا نعرفهم.
551
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما قال: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَرْبَعونَ خَصْلَةً أَعلاهَا مَنِيحَةُ العَنْزِ، ما مِنْ عَاملٍ يعْملُ بخَصلَةٍ منها رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الجَنَّةَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
مفردات الحديث
- أربعون خصلة: وفي رواية: أربعون حسنة.
- منيحة العنز: المنيحة العطية، وكانت مخصوصة في عرفهم بالناقة أو الشاة تعار ليُنتفع بلبنها أو وبرها، ثم تُرد إلى صاحبها.
فوائد الحديث
- * حاول بعض العلماء عدّ الأربعين خصلة، والأولى أن لا نحرص على تعدادها وحصرها لأنّه صلّى الله عليه وسلّم ترك ذلك ولعلّ الحكمة في إبهامها ألّا يحتقر الناس شيئًا من وجوه البرّ وإن قلّ، فربما كان تعيينها والترغيب فيها سببًا للزهد في غيرها من أبواب الخير.
- * من أفضل أعمال الخير ما كان نفعها متعديًا إلى الغير.
- * فضل الله تعالى ورحمتُه بتكثيره أعمال الخير وتنويعها، وقبوله ما قلَّ منها وما صغرَ مع صدق النية والقصد.
- * أنَّ هذا الأجرَ إن كان مترتِّبًا على منيحة العنزِ فما دونَها، فما الظَّنُّ بما هو أعظَمُ منها.
552
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ أبي أُمَامَةَ صُدَيِّ بنِ عَجْلانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يا بْنَ آدَمَ، إِنَّكَ أنْ تَبْذُلَ الفَضْلَ خَيرٌ لَكَ، وأنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلا تُلامُ عَلى كَفَافٍ، وَابْدأْ بِمَنْ تَعُولُ، واليَدُ العُليَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- تبذل الفضل: أي تعطيه، والفضل ما زاد على ما تدعو إليه حاجة الإنسان لنفسه ولمن يعوله.
- تمسكه: تمنعه وتبخل به.
- كفاف: ما تكف به الحاجة.
- بمن تعول: من زوجة وقريب وعبد ودابة، لأن حقهم واجب، وهو أفضل من المندوب.
- اليد العليا: المنفقة، وقيل: المتعففة عن السؤال.
فوائد الحديث
- * الحض على الكسب والعمل والإنفاق، والتنفير من المسألة.
- * من كان يعيش على حدّ الكفاف فإنّه لا لوم عليه ولا عتاب، وليس هذا عيب يخجل منه الإنسان.
- * عدم ذمّ ادخار الإنسان قدر حاجة عياله من المال.
- * الترغيب في إنفاق الزائد عن الحاجة في وجوه الخير والبر، وإمساك هذا الزائد قد يكون شرًا للإنسان إذا كان في الناس من يحتاج إليه لسد رمقه.
- * الواجب على الإنسان أن يبدأ أولًا بالنفقة الواجبة على عياله، لأن النفقة عليهم فرض عين، وهي على غيرهم إما فرض كفاية أو مستحبة.
553
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: ما سُئِلَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَلَى الإِسْلامِ شَيئًا إِلَّا أَعْطاهُ، وَلَقَد جَاءَهُ رَجُلٌ، فَأَعطَاهُ غَنَمًا بَينَ جَبَلَينِ، فَرَجَعَ إِلى قَومِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لا يَخْشَى الفَقْرَ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يَلْبَثُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَكُونَ الإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- فَأَعطَاهُ غَنَمًا بَينَ جَبَلَينِ: أعطاه غنمًا كثيرةً تملأ ما بين جبلين.
- عَطَاءَ مَنْ لا يَخْشَى الفَقْر: كناية عن شدّة جوده وكرمه.
فوائد الحديث
- * جواز إعطاء السائل الواحد مالًا كثيرًا إذا ترتب على ذلك فائدةٌ كبيرة، ففي هذا الحديث كان من الفوائد العظيمة دعوة هذا الرجل قومَه بصدق للدخول في الإسلام.
- * معرفة النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم بدواء النفوس ومعالجتها بشكل يقلبها إلى ضدها من حبّ الدّنيا إلى حبّ الآخرة ، ومن حبّ المال إلى حبّ الإسلام.
- * لا ينبغي للمسلم أن يسيء الظنّ بمن دخل الإسلام، فحتى لو بدا أنّه أراد بهذا مصلحة دنيوية فلعلّ وعسى أن يحسن إسلامه بعد إطّلاعه على سماحة هذا الدين ولو حصل ذلك بعد حين.
554
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قَسَمَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَسْمًا، فَقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، لَغَيْرُ هَؤُلاَءِ كَانُوا أَحَقَّ بهِ مِنْهُمْ؟ قال: «إِنَّهُمْ خَيَّرُوني أَنْ يَسأَلُوني بالْفُحْشِ، أَوْ يُبَخِّلُوني، وَلَستُ بِبَاخِلٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخّلوني: أي ألحّوا عليّ في السؤال لضعف إيمانهم، فإمّا أن يسألوه بطريقة فظّة فاحشة، فإن امتنع عن إعطائهم نسبوه إلى البخل، فاختار صلّى الله عليه وسلّم أن يعطيهم مداراةً وتألفًا لهم، إذ ليس البخل من خلقه.
فوائد الحديث
- * ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق والصبر والحلم والإعراض عن الجاهلين.
- * ذم الإلحاح في السؤال.
- * جواز دفع المال مداراة لأهل الجهالة ولتألّفهم حتى تتشرب قلوبهم حقيقة الإيمان، ولا تَحملنا سوء أخلاقهم على ترك دعوتهم والصبر عليهم، لعل الله يهديهم.
555
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قال: بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ الأَعْرَابُ يسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: «أَعْطُوني رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ لي عَـدَدُ هذِهِ العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُوني بَخِيلًا وَلا كَذَّابًا وَلا جَبَانًا»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- مَقْفَلَه: أي حَالَ رُجُوعِه.
- حُنَين: اسم واد يقع على مقربة من مكة وفيه جرت معركة حنين بعد فتح مكة في السنة الثامنة.
- فعلقه: بمعنى نشبوا وتعلقوا به.
- السَّمُرَة: شَجَرَة.
- العِضَاه: شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ.
فوائد الحديث
- * ذم الخصال المنفية عنه صلّى الله عليه وسلّم ومنها البخل والكذب والجبن.
- * أن إمام المسلمين لا ينبغي أن تكون فيه خصلة من خصال الذم .
- * ما كان عليه صلّى الله عليه وسلّم من الحلم وحسن الخلق وسعة الجود والصبر على جفاء الأعراب وغلظتهم.
- * جواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة التي يتخلق بها عند الحاجة، لخوف ظنّ أهل الجهل به خلاف ذلك، ولا يكون ذلك من الفخر المذموم.
556
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ عَزَّ وجلَّ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- صدقة: المراد بها هنا ما يُخرجه المسلم من المال تقربًا إلى الله تعالى.
- بعفو: أي بالصفح والمسامحة.
- عزًّا: أي سيادة وعظمة في القلوب وكرامة.
فوائد الحديث
- * الحثّ على الإنفاق في وجوه البرّ، وعلى العفو عن الناس، وعلى التواضع.
- * أن الصدقة لا تُنقص المال إنّما هي سبب لنمائه وحصول البركة فيه، فأجر الصدقة وثوابها في الآخرة يجبر نقصه الظاهر في الدنيا.
- * أن من عُرف بالصفح والمسامحة والتواضع يكسب في الدنيا احترام الناس ومحبتهم، ويكسب في الآخرة رفع درجاته في الجنة فضلًا من الله.
- * التواضع لعِباد الله طاعة لله، فالله يحب التواضع من عباده ويكره التكبّر.
557
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ أبي كَبْشَةَ عُمرَ بْنِ سَعْدٍ الأَنمَاريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سمِعَ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُم حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ باب فَقْرٍ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوه» قال: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُو يَتَّقي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا، فَهذَا بأَفضَلِ المَنازلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لي مَالًا لَعمِلْتُ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا، وَلَمْ يرْزُقْهُ عِلْمًا، فهُوَ يَخْبِطُ في مالِهِ بِغَيرِ عِلْمٍ، لا يَتَّقي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يرْزُقْهُ اللهُ مَالًا وَلا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ نِيَّتُهُ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال : حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- ثلاثة: أي ثلاث خصال.
- مَظلِمة: هي ما أُخذ منك ظلمًا.
- نفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة.
- يعلم لله فيه حقًا: سواء كان واجبًا عينيًا أو كفائيًا أو مندوبًا.
- بأفضل المنازل: من الجنة.
- فهو بنيته: المراد بالنية هنا العزم، لأنه هو الذي يثاب عليه أو يعاقب.
فوائد الحديث
- * يظهر أثر العفو والصفح عزًّا ورفعةً في الدنيا والآخرة.
- * من كان غنيًا بكسبه أو بما عنده من مال ومد يده يسأل الناس ليستكثر من أموالهم أو جعل المسألة هي عمله وشغله مع قدرته على التكسب أفقره الله في الدنيا والآخرة.
- * من عجز عن الإنفاق لضيق ذات اليد وشدة فقره فلا يعجز عن النيّة الصادقة أن لو أعطاه الله مالًا سينفقه في سبيله لا في معصيته.
- * الحثّ على العلم والعمل مع الإخلاص فيهما وذمّ الجهل لأنّه يوقع في الحرام ويبعد المرء عن سبيل الطاعة والإحسان.
558
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها: أَنَّهُمْ ذَبحُوا شَاةً، فقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا بَقِيَ مِنها؟» قالت: ما بَقِيَ مِنها إِلَّا كَتِفُهَا، قال صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيرَ كَتِفِهَا»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- ما بقي منها إلَّا كتفها: أي تَصَدَّقُوا بها إلَّا كَتِفَهَا، فقال: بَقِيَتْ لَنا كلّها في الآخِرةِ إِلاَّ كَتِفَهَا.
فوائد الحديث
- * الحثّ على الصدقة والاهتمام بها، وأن لا يستكثر الإنسان ما أنفقه فيها ويندم على بذله لها.
- * إرشاد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى أنّ الذي يبقى حقيقة هو ما بذلته لله تعالى، وليس ما تدّخره، وحفظ المال حقيقةً يكون بإيداعه صحائف الحسنات.
559
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ أَسماءَ بِنْتِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالت: قال لي رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ». • وفي روايةٍ «أَنفِقِي، أَوِ انْفَحِي، أَوِ انْضِحِي، وَلا تُحْصِي فَيُحْصي الله عَلَيكِ، وَلا تُوعِي فَيُوعِي اللهُ عَلَيْكِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا توكي: لا تدخري وتشدي ما عندك وتمنعي ما في يدك.
- فيوكى عليك: أي يمنعك الله ويقطع الرزق عنك.
- انْفَحِي: أي أنفقي وأعطي.
- انْضِحِي: أي رشّي وأعطي.
- ولا تحصي: أي لا تمسكي ولا تعدّي.
- فيحصي: أي يمسك ويقلّل رزقك، ويناقشك الحساب يوم القيامة.
- ولا توعي: أي لا تجمعي وتدّخري وتمنعي ما فضل وزاد عنك.
- فيوعي الله عليك: أي يصيبك الله بالشدّة، أو يمنع عنك فضله وجوده.
فوائد الحديث
- * الحثّ على الإنفاق، والتخويف من البخل والإمساك.
- * التنفير من إحصاء النفقة التي قد تكون سببًا لذهاب البركة.
- * من عدل الله تعالى أن جعل الجزاء من جنس العمل.
- * ترك الجزع والهلع في إحصاء الطعام والشراب والخوف من نقصه أو فنائه خاصة عند إرادة التصدّق.
- * أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لأسماء كلامًا لطيفًا فيه لفتة وتنبيه إيمانيّ.
560
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «مَثَلُ البَخِيلِ والمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَديدٍ مِنْ ثُدِيِّهِما إِلى تَرَاقِيهمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ، فَلا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ، أَوْ وَفَرَتْ على جِلدِهِ حتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ، فَلا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا فَلا تَتَّسِعُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- جُنَّتان: أي درعان يحميانه.
- تراقيهما: جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين.
- سبغت أو وفرت: امتدت وكملت وَطَالَتْ حتَّى تجُرَّ وَرَاءه وتُخْفِيَ رِجْلَيْهِ وأَثَرَ مَشْيِهِ وخُطُواتِه.
- بنانه: مفاصل الأصبع.
- تعفو أثره: أي تغطي أثره حتى لا يظهر.
- لزقت: انقبضت.
فوائد الحديث
- * الصدقة تستر الخطايا كما يغطي الثوب الذي يجر على الأرض أثر صاحبه بمرور الذيل عليه.
- * الكريم إذا همّ بالصدقة انشرح لها صدره وطابت نفسه، والبخيل إذا حدّث نفسه بالصدقة شحّت نفسه وضاق صدره وانقبضت يداه.
- * مشروعية ضرب المثل، وقد مثّل النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم للبخيل والمتصدق فإن المثل أبلغ في الإفهام والتأثير.
561
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ -ولا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ- فَإِنَّ اللهَ يقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبلِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بعدل: أي بقيمة كذا أو بما يساوي.
- من كسب طيب: أي من رزق حلال خال من الغش والخديعة.
- يقبلها بيمينه: نؤمن بها من غير تشبيه ولا نقول كيف بل نثبتها لله كما أثبتها لنفسه سبحانه على الوجه اللائق به عزّ وجل.
- فَلُوَّه: مُهْره.
فوائد الحديث
- * لا يقبل الله الصدقة إلّا من الحلال الطيب، لأن المتصدق بالحرام لا يملكه وهو ممنوع من التصرّف فيه.
- * إذا تصدق المسلم صدقةً من كسب طيب فإن الله تعالى يُكسبها الكمال حتى تزيد بالمضاعفة إلى أن تصبح مثل الجبال.
- * الله منزه عن مشابهة المخلوقات وما وصف الله تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم نؤمن به من غير تعطيل ولا تشبيه.
562
باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
عَن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «بيْنَما رَجُلٌ يَمشِي بِفَلاةٍ مِن الأَرض، فَسَمِعَ صَوتًا في سَحَابَةٍ: اسقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذلكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ في حَرَّةٍ، فإِذا شَرْجَةٌ من تِلْكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوعَبَتْ ذلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فإِذا رَجُلٌ قَائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ المَاءَ بمِسْحَاتِهِ، فقال له: يا عَبْدَ اللهِ، ما اسْمُكَ؟ قال: فُلانٌ، للاسْمِ الَّذِي سَمِعَ في السَّحَابَةِ، فقال له: يَا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَال: إنِّي سَمِعْتُ صَوتًا في السَّحَابِ الَّذِي هذَا مَاؤُهُ يقُولُ: اسقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ لاِسْمِكَ، فما تَصْنَعُ فِيها؟ فقال: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإنِّي أَنْظُرُ إِلى ما يَخْرُجُ مِنها، فَأَتَّصَدَّقُ بثُلُثِهِ، وآكُلُ أَنا وعِيالي ثُلُثًا، وأَردُّ فِيها ثُلثَهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- بفلاة: هي الأرض التي لا ماء فيها.
- حَرَّة: الأَرضُ المُلْبَسَةُ حِجَارَةً سُودًا
- شرجَة: هِيَ مسِيل الماء من الحرة إلى السهل.
- مسحاته: مجرفته.
- حديقة: أي بستان.
- ما يخرج منها: من حب وثمر.
فوائد الحديث
- * فضل التقرّب إلى الله تعالى بالإنفاق في سبيل الله غير محدد، وإنّما تحدّده الحاجة أو الإنسان نفسه طواعيةً واختيارًا.
- * أنّ من الملائكة من هو موكل بالأرزاق.
- * أنّ لله جنود السماوات والأرض يسخّر ما يشاء لما يشاء.
- * ربما يمكّن الله تعالى سمع الإنسان وبصره حتى يرى ما لا يراه غيره ويسمع ما لا يسمعه غيره وكل ذلك لحكمة يعلمها الله تعالى.
563
باب النّهي عن البخل والشح.
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلمَاتٌ يوْمَ القِيامَة، واتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ منْ كانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ على أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهمْ واستحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- اتقوا: احذروا واجتنبوا.
- الظلم: هو مجاوزة الحد وعدم إيصال الحق إلى صاحبه.
- الشّحّ: البخل الشديد مع الحرص.
- حملهم: كان سببًا لفعلهم.
- سفكوا دماءهم: قتل بعضهم بعضًا ليأخذ ماله.
- استحلوا محارمهم: استباحوا نساءهم أو ما حرّم الله تعالى عليهم من أموالهم وغيرها.
فوائد الحديث
- * الحثّ على اجتناب الظلم والبخل.
- * الحثّ على سلوك سبيل العدل والكرم والسخاء.
- * أنّ الظلم من الذنوب الكبيرة التي تجعل فاعلها في كربات شديدة وعقاب أليم يوم القيامة.
- * أنّ الحرص على الدنيا والبخل كثيرًا ما يجرُّ الناس إلى المعاصي والآثام ويوقعهم في الفواحش والمنكرات.
564
باب الإيثار والمواساة.
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: إني مَجْهُودٌ، فأَرسَلَ إِلى بَعْضِ نِسائِهِ، فَقَالتْ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما عِندِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثلَ ذَلِكَ: لا وَالَّذِي بعثَكَ بِالحَقِّ ما عِندِي إِلَّا مَاءٌ، فقال النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «من يُضِيفُ هَذا اللَّيْلَةَ؟» فقال رَجُلٌ مِن الأَنْصارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلى رَحْلِهِ، فَقَال لامْرَأَتِهِ: أَكرِمِي ضَيْفَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. • وفي رواية: قال لامرَأَتِهِ: هل عِنْدَكِ شَيءٌ؟ قَالَتْ: لا، إِلَّا قُوتَ صِبيانِي، قال: عَلِّلِيْهِمْ بِشَيءٍ وإِذا أَرَادُوا العَشَاءَ فَنَوِّميهِمْ ، وإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطفِئي السِّرَاجَ، وأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَقَعَدُوا، وأَكَلَ الضَّيفُ وبَاتا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبح، غَدَا على النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالَ: «لَقَد عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيفِكُمَا اللَّيْلَةَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- إني مجهود: أي أصابني الجَهْد وهو المشقة والمراد هنا الجوع وضيق العيش.
- إلى رَحْلِه: أي منزله ومأواه.
- إلا قوت صبياني: أي طعامهم الذي يعتادون الاقتيات به في العشاء.
- علِّلِيهم بشيء: أي أَشغِليهم بشيء يُنسيهم التفكير في وجبة العشاء.
- طاويين: جائعين.
- غدا: جاء في الصباح.
فوائد الحديث
- * بداية النبي صلّى الله عليه وسلم بنفسه وأهل بيته سعيًا في إطعام الرجل وإكرامه وضيافته، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم فلا يكتفي بتوجيه النّاس لفعل الخيرات بل يبادر هو بذلك أولًا.
- * عجب الله تعالى من فعل الأنصاري وامرأته دليل على أنهما أحسنا وأجملا وفيه حثٌّ على الإيثار وبيان فضله ورضا الله عن فاعله.
- * فضيلة الإيثار الذي هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية، ولا يكون التقديم إيثارًا إلا مع الحاجة.
- * كفاية النفس والعائلة أمر واجب وهو مقدّم على واجب إكرام الضيف إلا في حال عدم الحاجة الشديدة وهذا يرجع لتقدير الإنسان لحاله وحال أولاده وهو محمول على أن هؤلاء الصغار لن يصيبهم ضرر حقيقي بسبب تفويت العشاء.
565
باب الإيثار والمواساة.
عَن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «طَعَامُ الاثْنَينِ كافي الثَّلاثَةِ، وطَعامُ الثَّلاثَةِ كافي الأَربَعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي رواية لمسلمٍ: عن جابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكفي الاثْنَيْنِ، وطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفي الأربَعَةَ، وطَعَامُ الأرْبعةِ يَكفي الثَّمَانِيَةَ».
فوائد الحديث
- * الحثُّ على المكارم، والقناعة بالكفاية، وإيثار الإنسان غيره ولو بجزء من نصيبه.
- * ليس المراد من العدد الحصر وإنما المراد أن المشاركة سبب في حصول البركة، وأنه لا ينبغي للاثنين أن يمنعا إدخال ثالثٍ لطعامهما وهكذا، ويتأكد هذا عند حدوث مجاعة أو نقص عام للأطعمة.
566
باب الإيثار والمواساة.
عَنْ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: بينَمَا نَحْنُ في سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذ جَاءَ رَجُلٌ على رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَليَعُدْ بِهِ على مَن لا زَادَ لَهُ»
فَذَكَرَ مِن أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأحدٍ مِنَّا في فَضْلٍ. رَوَاهُ مُسْلِم
مفردات الحديث
- راحلة: هي المركب من الإبل.
- فضل ظهر: مركوب زائد عن حاجته.
- فَجَعَلَ يَصْرفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا: أي يلتفت باحثا عمن يطعمه، أو يعينه، أو نحو ذلك، بحسب حاجته.
- زاد: ما يُتزود به من طعام وغيره.
فوائد الحديث
- * الحثّ على التعاون والتكافل في الأزمات وأوقات الشدّة.
- * عدم اقتصار التعاون في الأزمات على الطعام فقط بل كل ما يمكن مشاركته من المركب والملبس والمسكن ونحوه.
- * تميّز الإسلام عن غيره من النُّظم في توجيه المسلمين إلى التعاون وبذل الزائد عن الكفاية أوقات الحاجة والأزمات.
- * حسن تلطُّف النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في معاملته لأصحابه فقد عرف حاجتهم ولم يحرجهم بذكر صاحب الحاجة، بل وجّه الكلام بصورة عامّة.
567
باب الإيثار والمواساة.
عَنْ سَهلِ بنِ سعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ امرَأَةً جَاءَتْ إِلى رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِبُردةٍ مَنسُوجَةٍ، فقالت: نَسَجتُها بِيَديَّ لأكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مُحتَاجًا إِلَيهَا، فَخَرَجَ إِلَينا وَإِنَّهَا لإزَارُهُ، فقال فُلانٌ: اكسُنِيهَا، مَا أَحسَنَها! فَقَالَ: «نَعَمْ» فَجلَس النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في المجلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَواهَا، ثُمَّ أَرسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: ما أَحسَنْتَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مُحتَاجًا إِلَيها، ثُمَّ سَأَلتَهُ وَعَلِمتَ أَنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلًا، فَقَالَ: إني وَاللهِ ما سَأَلْتُهُ لألْبَسَها، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتكُونَ كَفَنِي. قال سَهْلٌ: فَكانتْ كَفَنَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- ببردة: هي كساء أو ثوب مخطط يلتحف به.
- وإنّها لإزاره: أي اتخذها إزارًا بأن لفَّها على جسمه من الأسفل.
فوائد الحديث
- * استحباب المبادرة لأخذ الهدية وقبولها جبرًا لخاطر مهديها.
- * كرم النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم وإيثاره لغيره، وأنه لا يرد سائلًا.
- * جواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه وقدوم وقته.
568
باب الإيثار والمواساة.
عَنْ أبي موسى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْملُوا في الْغَزْوِ، أَو قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِم بالمَدِينَةِ، جَمَعُوا ما كَانَ عِندَهُم في ثَوبٍ وَاحدٍ، ثُمَّ اقتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إِنَاءٍ وَاحِدٍ بالسَّويَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنهُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الأشعريّون: قبيلة من قبائل اليمن وهم قوم أبي موسى الأشعري.
- أرملوا: فَرَغَ زَادُهُم، أَو قَارَبَ الفَرَاغَ ولم يبقَ عندهم شيء، وكأن الإنسان الذي صار إلى هذه الحال لم يبق عنده إلا الرمل، ولهذا يقال للمرأة التي فقدت زوجها أرملة لأن عائلها قد مات.
- في الغزو: أي وقت الخروج لقتال العدو.
- فهم مني: قريبون منِّي خلقًا وهديًا.
- وأنا منهم: مبالغة في اتحاد طريقتهم مع طريقته وهديه صلّى الله عليه وسلّم والتوافق في طاعة الله تعالى.
فوائد الحديث
- * بيان فضيلة الأشعريين.
- * بيان فضل مواساة المقتدرين للمعدمين بدون أن يُشعروهم بالحرج.
- * فضيلة وبركة خلط الأزواد في السفر عند قلتها وجمعها في وعاء ثم قسمتها.
569
باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يُتبرّك به
عَنْ سهلِ بنِ سعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ وَعَنْ يسارِهِ الأَشْيَاخُ، فقال لِلْغُلامِ: «أَتَأْذَنُ لي أَنْ أُعْطِيَ هُؤلاءِ؟» فَقَالَ الغُلامُ: لا وَاللهِ يا رسُولَ اللهِ، لا أُوثِرُ بِنَصيبي مِنكَ أَحَدًا، فَتَلَّهُ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في يَدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- شراب: لبن أو نحوه.
- تَلَّهُ: أَيْ وَضَعَهُ، وَهَذَا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.
- الأشياخ: هم فضلاء القوم وكبارهم ممّن تقدم بهم السنّ.
- بنصيبي منك: أي بما يحصل لي من أثر بركتك وفضلك.
فوائد الحديث
- * أنّ الإسلام جمع بين الترغيب في الإيثار في أمور الدنيا والتنافس والحرص على السبق في أمور الآخرة.
- * حرص الصحابة رضوان الله عليهم على ما ينفعهم ومنها تبركهم بآثاره صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ ابن عباس لم يتنازل عنه لأنّه سؤر النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم وفضلة شرابه.
- * البدء في الضيافة بأفضل من في المجلس أو أكبرهم سنًّا ثم من على يمينه ولو كان أصغر سنًّا ممّن كان على شماله.
- * الحثّ على أداء الحقوق لأهلها وحسن الأدب في المعاملة مع الناس مهما كبروا أو صغروا.
- * للأطفال حقوق لا بد من تقديرها ولا يجوز ظلمهم فيها لصالح الكبار بداعي أنهم صغار، بل يُستأذن الصغير في حقه ولا ينتزع منه بغير رضاه.
- * استحباب توقير الكبار وإنزال الناس منازلهم في الفضل والكرامة.
570
باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يُتبرّك به
عَنْ أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «بيْنَا أَيُّوبُ عليهِ السَّلامُ يَغتَسِلُ عُريَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي في ثَوبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجلَّ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عمَّا تَرَى؟ قال: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلكِنْ لا غِنَى بي عَنْ بَرَكَتِكَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- بينا: أي بينما.
- فخرَّ: فسقط.
- جراد من ذهب: قطع ذهب تشبه الجراد من حيث الشكل والكثرة.
- يحثي: يأخذ ذلك ويرميه في ثوبه.
- لا غنى لي عن بركتك: أي عن فضلك، ومقصوده عليه السلام لا آخذه شرهًا وحرصًا على الدّنيا، بل حرصًا على بركتك.
فوائد الحديث
- * الحثّ على التِماس ما يزداد الإنسان به بركةً وفضلًا.
- * الحثّ على طلب العطاء من الله تعالى والشعور بالحاجة والافتقار إليه مهما جمع الإنسان من المال والمتاع.
- * جواز الاغتسال عريانًا إذا كان في خلوة ولا يراه أحد، والتستر هو الأفضل.
571
باب فضل الغنيّ الشاكر وهو من أخذ المال من وجهٍ وصرفه في وجهه المأمور بها.
عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا حَسَدَ إِلَّا في اثَنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فُهو يَقضِي بِها وَيُعَلِّمُهَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا حسد: أصل معنى الحسد تمني الإنسان زوال النعمة من غيره، وهو حرام، والمراد به هنا الغبطة، وهي تمني المرء أن يكون له مثل هذه النعمة مع بقائها لصاحبها، وهذا مباح.
- فسلَّطه: أي مكّنه الله من إنفاقه في وجوه الخير.
- هلكته: وجوه إنفاقه ومجالات صرفه.
- في الحق: في أنواع البر ونواحي الخير.
- حِكمة: أي علمًا، وقيل: العلم بأحكام الشرع.
- يقضي بها: يحكم ويفتي بين الناس بمقتضاها.
فوائد الحديث
- * فضل الغنيّ الذي لا يبخل بما آتاه الله.
- * الحثّ على العلم بأحكام الدِّين وتعليم ذلك للنّاس.
- * يَنْبَغِي ألَّا يُغبَطَ أَحَدٌ إِلَّا على إحدَى هَاتَينِ الخَصْلَتَيْنِ لعظم نفعهما.
572
باب فضل الغنيّ الشاكر وهو من أخذ المال من وجهٍ وصرفه في وجهه المأمور بها.
عَن ابْنِ عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا حَسَدَ إِلَّا في اثنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرآنَ فهو يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وآنَاءَ النَّهارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا فهوَ يُنْفِقهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهارِ »
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- آتاه القرآن: أي وفَّقَه الله لحفظه وفهمه.
- يقوم به: يقرأه في الصلاة أو يداوم على تلاوته مطلقًا، ويدخل في القيام بالقرآن العمل بأحكامه.
- آناء: هي ساعات وأوقات، من الليل ويجوز إطلاقها على ساعات النهار أيضا، والمراد الانشغال بالقرآن والصدقة في كل الأوقات.
فوائد الحديث
- * فضل تلاوة القرآن الكريم والقيام به، والحثّ على ذلك.
- * الحثّ على كسب المال لإنفاقه في وجوه الخير، والحثّ على تحصيل العلم لينفع الخلق به.
- * شكر نعمة المال بإنفاقه في وجوه الطاعات، وشكر نعمة العلم بالعمل به وتعليمه.
573
باب فضل الغنيّ الشاكر وهو من أخذ المال من وجهٍ وصرفه في وجهه المأمور بها.
عَن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجاتِ العُلَى والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَال: «ومَا ذَاكَ؟» فَقَالُوا: يُصَلُّونَ كمَا نُصَلِّي، ويَصُومُونَ كمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ ولا نَتَصَدَّقُ، ويَعتِقُونَ ولا نَعْتِقُ، فقال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيئًا تُدرِكُونَ بِهِ مَنْ سبَقَكُمْ، وتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلاَ يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُم إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثلَ ما صَنَعْتُم؟» قالوا: بَلَى يا رسولَ اللهِ، قَالَ: «تُسبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وتُكَبِّرُونَ دُبُر كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ مَرَّةً» فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلى رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَقَالُوا: سمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَموَالِ بِمَا فَعلْنَا، فَفَعَلوا مِثْلَهُ! فَقَالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «ذلك فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يشَاءُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- ذهب: المقصود حاز واختص.
- الدثور: المراد هنا المال الكثير.
- بالدرجات العلى: الرفيعة وهي القرب من الله تعالى.
- النّعيم المقيم: نعيم الجنة الذي لا ينقضي أبدًا.
- وما ذاك؟: أي ما هو سبب حيازتهم الفضل.
- من سبَقَكم: أي إلى المنازل العلى.
- من بعدكم: أي من يأتي بعدكم في درجة الاجتهاد.
- بما فعلنا: أي ما ذكرته لنا من التسبيح والتكبير والتحميد.
فوائد الحديث
- * حرص الصحابة رضي الله عنهم على فعل الخيرات وتنافسهم في ذلك.
- * وجوه الخير كثيرة وطرق تحصيل الأجر متعددة ومتنوعة.
- * عظيم فضل الله عز وجل حيث أعطى وأثاب، ووفق للعمل وأجزل الأجر.
- * فضيلة الأذكار الواردة دُبر الصلوات والحثّ على التزامها.
- * حثّ الأغنياء على العبادة وأنواع الطاعة، وعدم اعتمادهم على الإنفاق فحسب.
- * حثّ الفقراء على اكتساب المال ليحصلوا فضيلة الإنفاق .
- * العطاء من الله تعالى امتحان والمنع منه سبحانه ابتلاء واختبار، فالمؤمن يصبر حال المنع ويشكر عند العطاء.
574
باب ذكر الموت وقصر الأمل.
عَنْ ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قال: أَخَذَ رَسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمنكِبَيَّ فَقَالَ: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَو عابرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يقولُ: إِذا أَمسَيتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وخذْ مِنْ صِحَّتِكَ لَمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوتِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- أخذ: أمسك.
- بمنكبيّ: المنكِب مجتمع رأس العضد والكتف.
فوائد الحديث
- * أخذ النّبيّ بمنكبيّ عبد الله بن عمر، دليل على محبته له وتنبيهه إلى أهمية ما يقوله له.
- * الحثّ على المبادرة لعمل كل شيءٍ في وقته.
- * الحذر من طول الأمل، وهو أن يكون المسلم غافلًا عن حقيقة الموت الذي يأتي بغتة.
- * توقّع الموت في أيّ لحظة من ليل أو نهار لأنّ ذلك يدعو إلى صلاح العمل وينجي من التراخي والكسل.
- * الصحة والحياة غنيمتان للمؤمن يجب أن يستفيد منهما بأعمال الخير، فلا ينبغي له أن يفرط فيهما بما لا ينفعه في آخرته.
- * الحثّ على أن لا تَركَنَ إلى الدُّنْيَا، ولا تَتَّخِذهَا وَطَنًا، ولا تُحدِّث نَفْسكَ بِطُولِ الْبقَاءِ فِيهَا، وَلا بالاعْتِنَاءِ بِهَا، ولا تَتَعَلَّق مِنْهَا إلَّا بِما يَتَعَلَّقُ بِه الْغَرِيبُ في غيْرِ وطَنِهِ، ولا تَشْتَغِلْ فِيهَا إلا بِما يشتَغِلُ بِهِ الْغرِيبُ الَّذِي يُريدُ الذَّهابَ إلى أَهْلِهِ.
575
باب ذكر الموت وقصر الأمل.
عَن ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «ما حَقُّ امْرِئٍ مُسلِمٍ لَهُ شَيءٌ يُوصِي فِيهِ، يبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي روايةِ مسلمٍ: «يَبِيتُ ثَلاثَ لَيَالٍ». قال ابْنُ عمر: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنذُ سَمِعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال ذلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.
مفردات الحديث
- ما حق: أي من الحق اللازم عليه.
- له شيء: وفي رواية "له مال".
- مكتوبة عنده: أي مسجلة ومبيَّن فيها الحق.
فوائد الحديث
- * استحباب المبادرة إلى كتابة الوصية، لأن المرء لا يعلم متى يأتيه الموت، وهذا في الوصية المتبرع بها، أما كتابة الوصية بوفاء الدين ورد الأمانات التي عليه فواجبة، ما لم تكن هناك أوراق مثبتة لهذا الحق الذي عليه.
- * كتابة الوصية لا تقتصر على المريض أو من شعر بقرب أجله، لكنّها تتأكد في حقهما.
- * ينبغي للمؤمن أن يكون ذاكرًا للموت ومستعدًا له في كل وقت.
- * ذكر الليلتين أو الثلاث في الحديث لرفع الحرج بسبب المشاغل، وكان ابن عمر لا يبيت ليلة إلا ووصيته مكتوبة عنده.
- الأمل: أي أمل الإنسان بطول الحياة.
- فبينما هو كذلك: أي في أمل وغفلة.
576
باب ذكر الموت وقصر الأمل.
عَنْ أَنس رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: خَطَّ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم خُطُوطًا فقال: «هَذا الْأَمَلُ، وَهَذا أَجَلُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ الخَطُّ الأَقْرَبُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- الأمل: أي أمل الإنسان بطول الحياة.
- فبينما هو كذلك: أي في أمل وغفلة.
- الخط الأقرب: أي الأجل.
فوائد الحديث
- * استعمال النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم الرسم كوسيلة تعليمية.
- * مباغتة الموت الإنسان، فلا يعلم أحد متى أجله.
- * ينبغي على العاقل مداومة ذكر الموت والتأهّب له بالأعمال الصالحة.
577
باب ذكر الموت وقصر الأمل.
عَنْ ابْنِ مسعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: خَطَّ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم خَطًّا مُرَبَّعًا، وخَطَّ خَطًّا في الْوَسَطِ خَارِجًا منْهُ ، وَخَطَّ خُططًا صِغَارًا إِلى هَذَا الَّذِي في الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي في الوَسَطِ، فَقَالَ: «هَذَا الإِنسَانُ ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطًا بِهِ -أو قَد أَحَاطَ بِهِ- وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الُخطَطُ الصِّغَارُ الأَعْراضُ ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذا نَهَشَهُ هَذا»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- محيطًا به: أي يحاصره من كل الجهات.
- أمله: مرجوّه الذي يظن أنّه يدركه قبل حلول أجله.
- الأعراض: جمع عرض والمراد به ما يعترض الإنسان في حياته من مرض أو حوادث أو مصائب أو غيرها.
- نهشه: أصابه وأهلكه، وأصل النهش اعتداء السباع على فريستها وهذا التشبيه من البلاغة النبوية.
فوائد الحديث
- * النَّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم وهو المربي الناجح يصور المعاني المجردة في أشكال محسوسة، ليسهل على أصحابه إدراكها.
- * على المؤمن أن يسارع للتوبة والعمل الصالح وألّا يغتر بطول الأمل.
- * الأمل المذموم هو الذي يحمل صاحبه على البطر والفتور عن الأعمال الصالحة.
- * يظن الإنسان غالبًا أنّ آماله سوف تتحقق قبل انقضاء أجله، ولكن أجله الذي يحيط به شاء أم أبى قد يكون أقرب إليه من الآمال كلها أو بعضها.
- * يموت الإنسان ولم يُنجز كثيرًا من آماله في الدنيا، نسأل اللّه حُسن العمل وحُسن الختام.
578
باب ذكر الموت وقصر الأمل.
عَنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا، هَل تَنْتَظِرُونَ إلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَو غِنًى مُطغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفسِدًا، أو هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَو مَوتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ والسَّاعَةُ أَدْهَى وأَمَرُّ؟»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- بادروا بالأعمال سبعًا: أي سارعوا واحرصوا على إنجاز ما ترغبون فيه من عمل الخير قبل أن تدرككم واحدة من هذه السبعة.
- فقرًا منسيًا: نسبة النسيان إلى الفقر مجازية، لأنه سبب من أسباب الذهول والنسيان.
- غنًى مطغيًا: أي غنًى يحمل الإنسان على الطغيان وهو مجاوزة الحد.
- هرمًا: عجزًا خلقيًا يحصل عند الكبر لا دواء له
- مفندًا: الفند ضعف العقل والفهم وهو الخرف، والتخليط في الكلام من الهرم.
- مجهزًا: سريعًا.
- أدهى: أشد.
فوائد الحديث
- * أن صحيح الجسم المقصّر في العبادات المفرّط في تعمير الوقت بصالح العمل مغبون في أمره ندمان في صفقته
- * الحثّ على المبادرة بالعمل الصالح قبل أن ينزل بالإنسان من الموانع ما يقعده عن القيام بها.
- * الحذر من الغفلة عن الأمور التي تصيب الإنسان.
- * من كان منتبها لهذه السبعة فإن قلبه يصبح قويا إذا أصابه شيء منها فلا يتضرر بها.
579
باب ذكر الموت وقصر الأمل.
عَنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنْه قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ»
يَعني المَوْتَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- هاذم اللذات: أي قاطعها، ومزيلها من الأصل.
فوائد الحديث
- * يسنّ لكل مسلم صحيح أو مريض ذكر الموت بقلبه ولسانه، والإكثار منه حتى يكون نَصْب عينيه، لأنّ ذلك أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة.
580
باب ذكر الموت وقصر الأمل.
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعْبٍ رضيَ اللهُ عنْهُ قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذا ذَهَبَ ثُلثُ اللَّيْلِ قامَ فقالَ: «يا أَيُّهَا النَّاسُ، اذْكُرُوا الله، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جاءَ المَوْتُ بما فِيهِ، جاءَ المَوْتُ بما فِيهِ» قلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لكَ مِن صَلاتي؟ فقال: «ما شِئْتَ» قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قال: «ما شئْتَ، فَإِنْ زِدتَ فَهُوَ خَيْرٌ لكَ» قُلُتُ: فَالنِّصْفَ؟ قال: «ما شِئْتَ، فإِنْ زِدْتَ فهو خَيرٌ لكَ» قُلْتُ: فَالثُّلُثَينِ؟ قالَ: «ما شِئْتَ، فإِنْ زِدْتَ فهو خَيرٌ لكَ» قُلْتُ: أَجْعَلُ لكَ صَلاتي كُلَّها، قال: «إذًا تُكْفى هَمَّكَ، ويُغُفَرَ لكَ ذَنْبُكَ »
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- اذكروا الله: أي بالقلب واللسان.
- الراجفة: النفخة الأولى التي تضطرب عندها الجبال.
- الرادفة: النفخة الثانية.
- من صلاتي: من دعائي.
- تكفى همّك: أي المتعلق بالدارين.
فوائد الحديث
- * فضل الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم والدعاء له.
- * حرص النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في إرشاد أمّته إلي الطريق الموصلة إلى مرضاة الله تعالى.
- * جواز ذكر الإنسان ما عمله من أعمال صالحة إذا كان لغرض صحيح وكان يأمن على نفسه من العجب ونحوه.
581
باب استحباب زيارة القبور للرجل وما يقول الزائر
عن بُرَيْدَةَ رضيَ اللهُ عنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا»
رواهُ مُسْلِمٌ . • وفي رواية «فمن أراد أن يزور القبور فليزُر فإنها تذكرنا بالآخرة»
فوائد الحديث
- * مشروعية زيارة القبور، وهي على الاستحباب لأداء حق الوالدين والأقارب والأصدقاء.
- * الأمر بزيارة القبور للعموم كما كان النهي للعموم، للرجال والنساء.
- * الحثّ على زيارة القبور لما فيها من تذكير بالآخرة، وترقيقٍ للقلوب بذكر الموت وأحواله، مع التقيّد بالضوابط الشرعيّة للزيارة.
- * جواز النسخ في الشريعة الإسلامية، فقد نهى صلّى الله عليه وسلّم زيارة القبور أول الأمر لقرب عهد الناس بالجاهلية وما كان فيها من وثنية وما كانوا يفعلونه عند القبور من نياحة وغيرهما مما حرِّمه الإسلام، ثم نُسخ التحريم بعد أن اتضحت عقيدة التوحيد ورسخت قواعد الإسلام واستبانت أحكامه.
- * على المؤمن أن يُذكِّر نفسه بالموت، وأنه سيكون في عداد الموتى عاجلًا أو آجلًا.
582
باب استحباب زيارة القبور للرجل وما يقول الزائر
عَنْ عائشَةَ رضيَ اللهُ عنْهَا قالت: كان رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كُلَّما كان لَيْلَتُهَا مِنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلى البَقِيعِ، فَيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤمِنينَ، وأَتَاكُمْ ما تُوعَدُونَ، غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ»
رواهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أتاكم ما توعدون: أي جاءكم ما كنتم توعدون من الموت.
- البقيع: المكان المتسع والمراد به مقبرة أهل المدينة.
- غدًا مؤجّلون: أي وأنتم مؤخّرون وممهلون إلى يوم القيامة، والمراد بالتأجيل هنا مدة ما بين الموت إلى النشور.
- الغرقد: نوع من شجر الشوك وسميت مقبرة المدينة بذلك لأنّ هذا النوع من الشجر كان موجودًا فيها.
فوائد الحديث
- * استحباب السلام على أهل القبور والدعاء لهم، وما قاله صلّى الله عليه وسلّم من الاستغفار لهم.
- * جواز زيارة المقابر في الليل.
- * يدلّ قوله صلّى الله عليه وسلّم: "السلام عليكم" على أنّ الأرواح بأفنية القبور.
583
باب استحباب زيارة القبور للرجل وما يقول الزائر
عَنْ بُرَيْدَةَ رضيَ اللهُ عنْهُ قال: كَانَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُعَلِّمُهُمْ إِذا خَرَجُوا إِلى المَقابِرِ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُم: «السَّلامُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العافِيَةَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- العافية: محو الأسقام والمراد به هنا محو الذنوب والأمن من المكروه.
فوائد الحديث
- * استحباب الدعاء للموتى وإشراك الإنسان نفسه بالدعاء لها والبدء بها وتخصيص السلام و الدعاء بأهل الإيمان.
- * دلّ الحديث دلالة واضحة على أن الموتى محتاجون لدعاء الأحياء لهم، وأنهم ينتفعون بذلك.
584
باب استحباب زيارة القبور للرجل وما يقول الزائر
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنْهُما قال: مَرَّ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِقُبورٍ بالمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بوَجْهِهِ فقالَ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنا وَلَكُمْ، أَنْتُم سَلَفُنا ونحْنُ بالأَثَرِ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسن
مفردات الحديث
- سلفنا: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح.
- نحن بالأثر: أي تابعون لكم عن قرب.
فوائد الحديث
- * أنّ من آداب زيارة الموتى استقبالهم بالوجه عند السلام عليهم.
- * التقيد بالآداب النبويّة في زيارة القبور والدعاء لأهلها بالمغفرة.
- * ليس لزيارة القبور وقت محدد من أيام السنة.
- * الميّت أهل للخطاب يعرف من يأتي ومن لا، لأنّ روحه وإن كانت في أعلى علّيّين لها مزيد تعلُّق بالقبر.
585
باب كراهية تمنّي الموت بسبب ضُرّ نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدّين.
عنْ أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ إِمَّا مُحسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظُ الْبُخَارِيّ. • وفي روايةِ مُسْلِمٍ: عنْ أبي هُريْرةَ رضيَ اللهُ عنْهُ، عَنْ رسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ، وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذا ماتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لا يَزيدُ المُؤْمِنَ عُمُرُهُ إِلَّا خَيرًا».
مفردات الحديث
- لا يتمنّ: المقصود منه النهي.
- محسنًا: مطيعًا لله.
- يستعتب: يرجع إلى الله تعالى بالتوبة ورد المظالم، وطلب رضا الله تعالى.
فوائد الحديث
- * النهي عن تمني الإنسان الموت وطلبه من الله تعالى قبل أن ينزل به، لأنّ زيادة العمر في تقوى الله تعالى فيها زيادة في الحسنات.
- * على المسلم أن يغتنم حياته في الدنيا ليتزود منها بالأعمال الصالحة، وإن قصّر حينًا فيستدرك حينًا آخر، حتى ولو آخر لحظة من عمره.
- * الحثّ على الصبر عند نزول المصائب وعدم تمنّي الموت إلا إذا خاف المرء أن يفتن في دينه.
- * الأصل ألّا يتمنّى الإنسان الموت لأنّه يفوِّت على نفسه الخير المرجوّ كالتوبة والاستغفار.
586
باب كراهية تمنّي الموت بسبب ضُرّ نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدّين.
عَنْ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كانْ لا بُدَّ فاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِني ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لي، وتَوَفَّني إِذا كانَتِ الوفاةُ خَيرًا لي»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لضرّ أصابه: أي في دنياه كالفقر والمرض والمشاكل والهموم.
فوائد الحديث
- * يسنّ لمن أراد أن يتمنّى الموت أن يدعو بما أرشد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من كلمات فيها التسليم التام لله تعالى، أمّا إن خاف ضررًا في دينه كالفتنة فإنه لا حرج من تمني الموت وهو جائز.
- * يُكره للمسلم أن يتمنى الموت، بل عليه أن يصبر ويستعين بالله تعالى، ويسأل الله تعالى أن يفرّج عنه ما هو فيه من الهمّ، ويكون ذلك خيرًا له، أمّا إن تمنى الموت فإنّه لا يدري ربما يكون الموت شرًّا عليه لا يحصل به راحة.
- * الإنسان ربما يموت فينتقل إلى عقوبة وإلى عذاب قبر، وإذا بقي في الدنيا فربما يستعتب ويتوب ويرجع إلى الله، فيكون خيرًا له.
587
باب كراهية تمنّي الموت بسبب ضُرّ نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدّين.
عن قَيسِ بنِ أبي حازمٍ قال: دَخَلْنَا عَلى خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ رضيَ اللهُ عنهُ نَعُودُهُ وَقَدِ اكْتَوى سَبْعَ كَيَّاتٍ فقال: إِنَّ أَصْحابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا ولَم تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا، وإِنَّا أَصَبْنَا ما لا نجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلّا التُّرابَ، ولَوْلا أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نهانَا أَنْ نَدْعُوَ بالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وهُوَ يَبْني حائطًا لَهُ فقال: إِنَّ المُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ في كُلِّ شَيءٍ يُنْفِقُهُ إِلّا في شَيءٍ يَجْعَلُهُ في هذا التُّرَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
مفردات الحديث
- اكتوى سبع كيات: أي في سبع مواضع من جسمه.
- سلفوا: ماتوا وذهبوا إلى الله عز وجل.
- ولم تنقصهم الدنيا: أي لم يتمتعوا بشي من ملذات الدنيا، فيكون ذلك منقصًا لهم ما أعد لهم في الآخرة.
- لا نجد له موضعًا إلّا التراب: أي جمعنا مالًا زائدًا عن الحاجة لا نجد مكانًا نحفظه فيه إلّا التراب ندفنه فيه، أو المراد البناء به ليحصل ريع ذلك بالأجور ونحوها.
فوائد الحديث
- * النهي عن تمني الموت
- * فضل خبّاب بن الأرت رضي الله عنه، ومزيد عرفانه بمولاه، وشدّة اتهامه لنفسه ومحاسبته لها حتى في المباحات.
- * ثبوت أجر المسلم في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب، أو الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة سواء احتاجه للسكن أو البيع أو التأجير.
588
باب الورَع وترك الشبهات
عَن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: سمِعْتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إِنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وإِنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهما مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَن اتَّقى الشُّبُهاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشبُهاتِ وقَعَ في الحَرامِ، كالرَّاعي يرْعى حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ في الجسَدِ مُضغَةً، إذا صلَحَتْ صَلَحَ الجسَدُ كُلُّهُ، وَإِذا فَسَدَتْ فَسدَ الجَسَدُ كُلُّهُ: أَلَا وَهِيَ القَلْبُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بيِّن: ظاهر حكمه لمن عنده معرفة عامة بالشريعة.
- مشتبهات: متماثلات، يشتبه على الناس حكمها، لما فيها من مشابهة للحلال في بعض الجوانب ومشابهة للحرام في جوانب أخرى.
- لا يعلمها: لا يعلم حكمها.
- فمن اتقى الشبهات: أي ابتعد عن هذه المشتبهات واحترز عنها.
- استبرأ لدينه: حقق البراءة لدينه بالبعد عما قد يكون حرامًا أو يقود إلى الحرام بالتدريج.
- وعرضه: العِرض: هو حال الإنسان الذي يُمدح به أو يذم، والغالب استعماله في جوانب الأخلاق والشرف.
- وقع في الشبهات: تساهل في الأمر وفعل بعض ما فيه شُبهة.
- الحمى: هو ما يحدده الحاكم من الأراضي وغيرها بحيث لا يُسمح لعموم الناس بالاقتراب منه، وأصله في كل شيء خاص يمنع الإنسان غيره من التصرف فيه.
- محارمه: حدود الله وشعائره وأحكامه التي شرعها أمرا أو نهيا.
- مضغة: قطعة من اللحم.
فوائد الحديث
- * الحث على تعلُّم دين الله وشرعه وما فيه من حلال وحرام.
- * الحث على أخذ الحلال والبعد عن الحرام.
- * الأمور المشتبهة لا تشتبه على كل الناس، فالعلماء تقل عندهم جدًا.
- * فضيلة التورع عن الشبهات، والورع الممدوح هو ما يمنع الإنسان عن مقدِّمات الحرام دون تشديد على النفس بما لا تطيق أو دخول في الوسوسة.
- * الدعوة إلى إصلاح النفس من داخلها وهو القلب، فعبادات القلب أعظم العبادات ومعاصيه أعظم المعاصي.
- * التساهل في الشبهات في الكسب والمعاش وغير ذلك يعرض صاحبه للوقوع في المحرمات بالتدريج أو اتهام الناس له.
- * التأسيس لقاعدة سد الذرائع، بإغلاق الأبواب التي يمكن أن يتسبب التساهل فيها في الوقوع في الخطأ الصريح.
589
باب الورَع وترك الشبهات
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَجَدَ تَمْرَةً في الطَّرِيقِ فقالَ: «لَوْلا أَنِّي أَخافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُها»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- * من خصائص النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه لا يحل له أخذ الصدقة الواجبة التي هي الزكاة، ويشاركه في هذا الحكم آل بيته الكرام، لأن في ذلك شيء من ذلّ الآخذ وعز الباذل لا يليق بمقامه صلّى الله عليه وسلّم.
- * جواز الانتفاع بما يجده الإنسان في الطريق من الأشياء الحقيرة التي يُعرِض الناس عنها غالبًا.
- * على الإنسان إذا شكّ في إباحة شيء ألا يفعله.
590
باب الورَع وترك الشبهات
عَن النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، وَالإِثمُ ما حاكَ في نفْسِكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- البرّ: كلمة جامعة لجميع أفعال الخير وخصال المعروف.
- حسن الخلق: المراد به طلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل الخير، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه.
- الإثم: كلمة جامعة لجميع أفعال الشر والقبائح.
فوائد الحديث
- * الحث على حسن الخلق في الإسلام.
- * للإثم علامتان: أن يتردد الأمر في النفس ويترك فيها قلقًا ونفورًا، وأن يكره اطلاع الناس عليه.
- * في الحديث دليل على أنّ للنّفس السوية شعورًا من أصل الفطرة بالحُسن أو السوء في الأقوال والأفعال، ثم جاءت الشريعة بالتوضيح المفصَّل.
- * إذا بقي الإثم خاطرًا ولم يعمل الإنسان أو يتكلّم به فلا إثم عليه.
- 🕋
591
باب الورَع وترك الشبهات
عَنْ وابصةَ بنِ مَعْبِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: أَتَيْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: «جِئْتَ تسأَلُ عنِ البِرِّ؟» قلت: نعم، فقال صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البِرُّ: ما اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، واطْمَأَنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، والإِثمُ ما حاكَ في النَّفْسِ، وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوكَ»
حديثٌ حسنٌ، رواهُ أحمدُ والدَّارَمِيُّ في "مُسْنَدَيْهِما"
مفردات الحديث
- استفت قلبك: أي اطلب الفتوى من قلبك ما دام على صفاء فطرته لم تدنسه مفسدات الفطرة أو آفات الهوى.
- وتردد في الصدر: أي لم ينشرح له.
- وإن أفتاك الناس: أي ولو اطلعت على بعض الفتاوى من أهل الفساد التي تبيح لك ما وجدت في نفسك ترددًا وقلقًا فيه، ما لم تكن الفتوى من أهل العلم والورع.
فوائد الحديث
- * معجزة عظيمة للنبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حيث أخبر وابصة رضي الله عنه بما في نفسه قبل أن يتكلم.
- * سياق الحديث في الشبهات التي تحصل للنفوس خشية أن تكون حرامًا، أما الحرام الذي جاءت به الأدلة فلا استفتاء للنفس فيه.
- * الحذر من مفسدات الفطرة التي كثُرت في هذا الزمان والتي جعلت بعض الناس يطمئن وتنشرح نفسه للحرام الصريح بل لبعض الكبائر أحيانا.
592
باب الورَع وترك الشبهات
عَنْ أبي سِرْوَعَةَ -بِكَسْرِ السِّيْنِ المُهْمَلَةِ- عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأبي إِهابِ بنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فقالتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتي قَدْ تَزَوَّجَ بها ، فقال لَها عُقبةُ: ما أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرضَعْتِني وَلاَ أَخْبَرتِني، فَرَكِبَ إِلى رسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بالمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فقال رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟!»
ففَارقَهَا عُقْبَةُ ونكَحَتْ زَوْجًا غيرَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- فركب: أي سافر راكبًا من مكة إلى المدينة .
- كيف: سؤال استنكار أي كيف تستمر العلاقة الزوجية بينكما.
- وقد قيل: أي وقد قيل إنكما أخوان من الرضاعة.
فوائد الحديث
- * لما كان كلام المرأة غير كافٍ في إثبات الرضاعة هنا كان في إشارة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم له بمفارقتها توجيه له بالأخذ بالأحوط إغلاقا لباب الوسوسة والشك.
- * قول بعض العلماء بقبول شهادة المرأة الواحدة على الرضاعة.
- * "كيف وقد قيل" أصبحت مثلا يُضرب في الحثّ على ترك كل أمر يكثر اللغط والكلام حوله.
593
باب الورَع وترك الشبهات
عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إِلى مَا لا يرِيبُكَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- دع ما يريبك: أي اتْرُكْ ما تَشُكُّ فِيهِ، وخُذْ ما لا تَشُكُّ فِيهِ.
فوائد الحديث
- * هذا الحديث أصل في باب الأخذ باليقين، وترك الأمور المشكوك فيها.
- * الأمر فيه للندب والإرشاد للتحلي بمكارم الأخلاق والتورع عن الشبه.
- * أن ما اشتبه حاله على الإنسان فتردَّد بين كونه حلالًا أو حرامًا، فاللائق بحاله تركُه، والذهابُ إلى ما يعلم حاله ويعرف أنه حلال، سواء أكان في أمور الدنيا أم في أمور الآخرة.
594
باب الورَع وترك الشبهات
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا قالتْ: كانَ لأبي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وكانَ أَبو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَومًا بِشَيءٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هَذا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ومَا هُوَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ في الجاهِلِيَّةِ، ومَا أُحْسِنُ الكَهَانَةَ إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي، فَأَعْطَاني بِذلكَ هَذَا الَّذي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ في بَطْنِهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ.
مفردات الحديث
- يخرج له الخراج: أي يأتيه بما يكسبه.
- الخَراجُ: شَيءٌ يَجْعَلُهُ السَّيِّدُ عَلى عَبْدِهِ، يُؤدِّيهِ إلى السيِّدِ كُلَّ يَومٍ، وَبَاقي كَسْبِهِ يَكُونُ للعَبْدِ.
- تكهّنتُ: من الكهانة وهي الإخبار عما سيكون في المستقبل من غير دليل شرعي.
- فقاء: أي أخرج بالقيء واستفرغ ما في بطنه.
فوائد الحديث
- * فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وورعه وتنزهه عن أن يدخل جوفه شيء فيه أدنى شبهة، مع أنه لا يلزمه ذلك شرعّا.
- * مشروعية إخبار أهل الورع بتفاصيل بعض الأمور التي قد يتورع عنها.
- * بطلان الكهانة، وحرمتها، وحرمة كسبها.
595
باب الورَع وترك الشبهات
عَنْ نافِعٍ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ فَرَضَ للْمُهاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَربَعَةَ آلافٍ، وفَرَضَ لابْنِهِ ثلاثةَ آلافٍ وخَمْسَ مئةٍ، فَقِيلَ لَهُ: هُوَ مِنَ المُهاجِرِينَ فَلِم نَقَصْتَهُ؟ فقال: "إِنَّما هَاجَر بِهِ أَبُوهُ" يَقُولُ: لَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ.
مفردات الحديث
- كان فرض: عيّن من مال بيت المال.
- أربعة آلاف: أربعة آلاف درهم لكل واحد من المهاجرين كل عام من المغانم ومن الفيء ونحو ذلك، وذلك لما كان لهم من دور كبير في أول الإسلام
- لابنه: أي عبد الله، وكان قد هاجر مع أبيه وأمه وعمره إحدى عشرة سنة.
فوائد الحديث
- * ورع الفاروق عمر رضي الله عنه حينما لم يعامل ولده كما عامل سائر المهاجرين، وإنما أنقصه خمسمائة درهم.
- * لم تعرف الدنيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حاكمًا ورعًا وزاهدًا في مال الأمّة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.
- * فضل المهاجرين الأوّلين لسبقهم إلى الإسلام ونصرتهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
596
باب الورَع وترك الشبهات
عَنْ عطِيَّةَ بنِ عُرْوةَ السَّعْدِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ، حَذرًا لِمَا بِهِ بأْس»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حديثٌ حسن
مفردات الحديث
- من المتقين: أي الموصوفين بكمال التقوى.
- يدع: يترك.
فوائد الحديث
- * من التقوى وقاية النفس عن الشبه والإعراض عنها.
- * الحذر من الشبه، وترك ما يشك فيه، من أمارات المتقين وأصل عظيم في الورع.
597
باب استحباب العزلة عند فساد النّاس والزّمان أو الخوف من فتنة في الدِّين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها.
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الْخَفِيَّ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- التقيّ: الممتثل للأوامر، المجتنب للنواهي.
- الغَنِيّ: المقصود غنيّ النفس، أي من استغنى بما أوتي، وقنع به ورضي.
- الخفيّ: الذي لا يُعرَف بين الناس، البعيد عن الاختلاط بهم فيما لا ينفع، الحريص على إخفاء طاعاته.
فوائد الحديث
- * المراد بالعبد الإنسان المكلف ذكرًا أم أنثى، والعبودية لله أفضل أوصاف المكلف وهي أقصى درجات الخضوع والانقياد.
- * اعتزال الناس مع لزوم الطاعة لله تعالى قسمان:
- 1- اعتزال عام مطلق وهذا لا يكون إلا عند الفتن العامة كخوف ذهاب الدّين أو خوف القتل ونحو ذلك.
- 2- اعتزال نسبيّ جزئي وهذا كاعتزال المسلم لأهل المعصية وأماكن الفسق والفجور ومجالس الغيبة والنميمة.
- * الحثّ على التقوى والإخلاص وتجنّب الرياء للفوز بمحبة الله تعالى.
- * اعتزال النّاس والانقطاع عن مخالطتهم أمر يختلف باختلاف الأحوال، فالمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ.
- * إنْ كَانَ فِي الخلطة مع النّاس تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، فَهِيَ مَأْمُورٌ بِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا تَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ، فَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْها.
598
باب استحباب العزلة عند فساد النّاس والزّمان أو الخوف من فتنة في الدِّين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها.
عَنْ أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رَجُلٌ: أَيُّ النَّاسِ أفضَلُ يا رسولَ اللهِ؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: «مُؤْمِنٌ مجَاهِدٌ بِنَفسِهِ وَمَالِهِ في سبيلِ اللهِ» قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «ثُمَّ رَجُلٌ مُعتَزِلٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعبُدُ رَبَّه». • وفي روايةٍ: يتَّقِي الله ويَدَعُ النَّاسَ مِن شَرِّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- شِعْب: الطريق في الجبل وما انفرج بين الجبلين وما يكون منه سيل الماء.
- مُعتَزِل: منقطع عن النّاس.
فوائد الحديث
- * أهمية السؤال عما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين.
- * بيان فضل الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال.
- * اعتزال النّاس لا يمدح مطلقا، فكما بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا أن اعتزال النّاس يمدح إذا كان عوناً للمسلم على تقوى الله، وكفّ الشرّ عن النّاس.
- * يفهم من الحديث أنّ من استطاع فعل هذين الأمرين وهو بين النّاس فليس له أن يعتزلهم واعتزاله مذموم.
599
باب استحباب العزلة عند فساد النّاس والزّمان أو الخوف من فتنة في الدِّين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها.
عَنْ أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِم غَنَمٌ يَتَّبعُ بهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وموَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدينِهِ مِنَ الفِتَنِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- شَعَفَ الجِبَال: أَعْلاَهَا.
- مواقع القطر: أماكن نزول المطر حيث تكثر الأعشاب.
فوائد الحديث
- * اعتزال الناس يكون في حال خوفه على نفسه من فساد دينه بسبب الفتن، و محافظة الإنسان على رأس ماله وهو الدين أولى من مخالطته لهم.
- * إذا فسد الزمان ورأيت أن اختلاطك مع الناس لا يزيدك إلا شرًا وبعدًا من الله، فعليك بالاعتزال، أما إذا لم يكن الأمر كذلك، فاختلط مع الناس، وأمر بالمعروف، وانْه عن المنكر، واصبر على أذاهم.
600
باب استحباب العزلة عند فساد النّاس والزّمان أو الخوف من فتنة في الدِّين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها.
عَنْ أبي هُريرة رضيَ الله عنْه، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «ما بَعَثَ الله نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ» فَقَال أَصْحابُه: وَأَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، كُنْت أَرْعَاهَا عَلى قَرارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- قراريط : جمع قيراط، والمراد به هنا: جزء قليل من أجزاء الدينار.
فوائد الحديث
- * تواضع الأنبياء حيث لم يترفعوا عن العمل الشريف، وفيه شرف لرعاة الأغنام.
- * الترغيب بالكسب الحلال وإن قل الكسب الحاصل منه.
601
باب استحباب العزلة عند فساد النّاس والزّمان أو الخوف من فتنة في الدِّين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها.
عَن أبي هُريرة رضيَ الله عنْه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنّه قال: «مِنْ خَير مَعَاشِ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرسِهِ في سَبِيلِ الله، يَطيرُ عَلى مَتنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً، طارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتلَ، أَو المَوْتَ مظَانَّه، أَوْ رَجُلٌ في غُنَيمَةٍ في رَأْسِ شَعَفَةٍ مِن هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطنِ وادٍ مِن هَذِهِ الأَوديَةِ، يُقِيم الصَّلاةَ ويُؤتي الزَّكاةَ، ويَعْبُد رَبَّهُ حتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ ليَسَ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ في خَيْرٍ »
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- عنان: سير اللجام الذي تمسك به الدابة.
- يَطِيرُ: أَي يُسْرِعُ.
- على متنه: على ظَهْره.
- الهَيْعَة والفَزْعَة: الصَّوْتُ لِلْحَرْبِ.
- يبتغي القتل: يطلبه من الكفار في الجهاد.
- مَظَانُّ الشَّيء: الْمَوَاضِعُ الَّتِي يُظَنُّ وجودُهُ فيها.
- والغُنَيمَةُ: تصغيرُ الْغَنَمِ.
- الشَّعَفَةُ: وَهيَ أَعْلى الجبَل.
- اليقين: المقصود الموت.
- ليس من الناس إلا في خير: أي لا يخالط الناس إلا في خير.
فوائد الحديث
- بيان فضيلة الجهاد والاستعداد له وترقبه.
- التكسب الحلال برعي الأغنام بعيدًا عن الناس إذا كان ذلك لا يفوت عليه صلاة ولا حقًا من حقوق الناس كالزكاة ونحوه من الواجبات.
- عدم مخالطة الناس إلا بخير والصبر على البعد عن الفتن حتى يأتي الموت.
- فضل الاختلاط بالناس إذا كان للتأسي والتعاون معهم على الخير أو إيصال الخير لهم دينيا أو دنيويا
602
بابُ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
عَنْ عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ الله أَوحَى إِليَّ أَنْ تَواضَعُوا حتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحدٍ، ولا يَبغِيَ أَحَدٌ على أَحَدٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أوحى: الوحي الإعلام الخفي السريع، ويطلق على الإلهام وإلقاء المعنى في القلب.
- تواضعوا: التواضع عدم الاستكبار، والخضوع للحق، وترك الاعتراض على حكم الله.
- لا يفخر: لا يتباهى ويتعاظم بمكارمه ومناقبه من حسب ونسب.
- لا يبغي: لا يظلم ولا يعتدي.
فوائد الحديث
- وجوب التواضع وعدم التفاخر والاعتداء على الناس والحرص على ذلك إلى أن يكون هذا هو السائد والشائع في المجتمع المسلم.
- التواضع الواجب المحمود هو ما كان لله ولرسوله، ولعلماء الأمة وأفراد الناس، إذا قصد بذلك وجه الله تعالى، ومن كان كذلك أعلى الله قدره وطيّب ذكره، أما التواضع لأهل الظلم فذلك الذلّ الذي لا عز فيه وينبغي مقابلتهم بالعزة وليس المقصود جواز التكبر على الظالمين.
- من عقوبة المتكبر المتفاخر على النّاس، أنّ النّاس لا يقدّرونه بل يمقتونه.
603
بابُ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
عَنْ أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «ما نَقَصَتْ صَدقَةٌ من مالٍ، وما زادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلَّا عِزًّا، ومَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ما نقصت صدقة من مال: أي ما قلَّلت ولا أنقصَت شيئًا منه.
فوائد الحديث
- استحباب الصدقة والعفو عن المسيء، والتواضع للمؤمنين.
- الصدقة لا تنقص المال بل تزيده بركة ونماء.
- التواضع لعباد الله طاعة لله، يزيد الإنسان رفعة عند الله وعند الناس، أمّا التواضع لعباد الله رغبةً في الدنيا فهذا يورث الذلّة والمهانة.
- عظيم فضل النيّة الصادقة في العمل، فإن من فعل شيئًا يؤدي إلى النقص في المال أو المكانة في نظر الناس وكان الباعث عليه ابتغاء وجه الله أعطاه الله مقابل ذلك زيادة ورفعة وبركة.
- لو قيل لك أن شخصان يتقاتلان على بعوضة لسخرت من عقليهما !!
- فكيف والعالم بكل أطرافه يتقاتل على هذه الدنيا والتي لا تساوي عند الله جناح بعوضة
604
بابُ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبيانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وقال: كان النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- تواضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولين جانبه ورحمته بالصبيان وشفقته عليهم ومحبته لهم.
- تأسي الصحابة بالنبي الكريم صلّى الله عليه وسلّم في أفعالهم، وبيانهم ذلك لمن حولهم ليتأسوا أيضا
605
بابُ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَتْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- الأمة: الجارية المملوكة غير الحرّة.
- من إماء المدينة: أيًّا كانت.
- فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَتْ: أي بسبب إنصاته صلّى الله عليه وسلّم لها واهتمامه بموضوعها يمشي معها حيث توجهت وانطلقت.
فوائد الحديث
- تواضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولين جانبه مع الجميع.
- الدعوة إلى العناية بالضعفاء من الناس، فالناس كلهم عبيد لله
- حرص الرسول صلّى الله عليه وسلّم على قضاء حاجات الناس وحل مشكلاتهم.
606
بابُ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
عَن الأسوَدِ بنِ يَزيدَ قال: سُئِلَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: ما كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَصنعُ في بَيْتِهِ؟ قالت: كان يَكُونُ في مِهْنَةِ أَهْلِهِ، يَعني: خِدمَةَ أَهلِهِ فإِذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، خَرَجَ إِلى الصَّلاةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ.
فوائد الحديث
- كمال تواضع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبرُّه بأهله.
- المحافظة على الصلاة في أول أوقاتها، وعدم الاشتغال بغيرها.
- إعطاء كل عمل وقته، ففي البيت يكون في شأن أهله وعند حضور وقت الصلاة يتفرغ لربه.
607
بابُ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
عَنْ أبي رِفَاعَةَ تَميم بن أُسَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: انْتَهَيْتُ إِلى رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وهو يَخْطُبُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، رجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عنْ دِينِهِ، لا يَدري مَا دِينُهُ؟ فَأَقْبَلَ عَليَّ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وتَركَ خُطْبتَهُ حتَّى انتَهَى إِليَّ، فَأُتِيَ بِكُرسِيٍّ، فَقَعَدَ عَلَيهِ، وجَعَلَ يُعَلِّمُني مِمَّا عَلَّمَه اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ، فأَتمَّ آخِرَهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- يخطب: أي خطبة الجمعة.
- يسأل عن دينه: أي عن أحكام دينه.
فوائد الحديث
- كمال تواضع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ورفقه بالمسلمين، وكمال شفقته عليهم وخفض جناحه لهم.
- المبادرة إلى جواب المستفتي، وتقديم أهم الأمور على ما دونها، وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وجبت إجابته وتعليمه على الفور.
- جواز قطع الخطبة عند وجود الحاجة لذلك.
608
بابُ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصابِعهُ الثَّلاثَ، قال: وقال صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذَا سَقطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْها الأَذى، ولْيَأْكُلْها، وَلا يَدَعْها للشَّيْطَانِ» وَأَمَر أَنْ تُسْلَتَ القَصْعَةُ، قالَ: «فَإِنَّكُمْ لا تدْرُونَ في أَيِّ طَعامِكُمُ البَركَةُ»
رَوَاهُ مُسْلِم
مفردات الحديث
- لعق أصابعه: أي لحس بقايا الطعام ومصَّه منها.
- أصابعه الثلاث: الوسطى و السبابة و الإبهام
- فليمط: فليُزِل.
- الأذى: الوسخ.
- تُسْلَت: يتتبّع ما بقي فيها من طعام وتُمسح بالأصبع ونحوها.
- القصعة: اسم لإناء يسع أن يأكل عليه عشرة أشخاص، والمراد أيّ إناء ولو كان أصغر.
- البركة: الزيادة وثبوت الخير والانتفاع.
فوائد الحديث
- استحباب لعق الأصابع قبل غسلها، وتتبع ما علِق فيها حتى لا يبقى فيها طعام يُلقى، فتحفظ النعمة من الضياع.
- مشروعية أخذ ما وقع من الطعام وإزالة ما علق عليه إذا لم يصعُب ذلك، لأن في ذلك حفظًا للنعمة.
- حرص الإسلام على المحافظة على المال وعدم ضياعه مهما كان قليلًا، وما أكثر ما يخالف الناس هذا الهدي النبوي في المحافظة على النعم وتراهم يلقون بالأطعمة في القمامة وعلى الطرقات وهناك ملايين من البشر يعانون المجاعة والفاقة.
- هذا الصنيع من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدل على تواضعه وعلى المسلمين التأسي به في ذلك
609
بابُ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «ما بعثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رعى الغنَمَ» قالَ أَصحابهُ: وَأَنْتَ؟ فقال: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا على قَرارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
مفردات الحديث
- قراريط: جمع قيراط، والمراد به هنا: جزء قليل من أجزاء الدينار.
فوائد الحديث
- تواضع الأنبياء حيث لم يترفعوا عن العمل الشريف، وفيه شرف لرعاة الأغنام.
- الترغيب بالكسب الحلال وإن قل الكسب الحاصل منه.
- في رعي الغنم تأهيل على رعاية الناس وحسن معاشرتهم، لما يتحمله الإنسان برعي الغنم من الصبر عليها والسهر على مصالحها ودفع الأذى عنها وهذا من الحِكم في أنّ الأنبياء جميعًا قد رعوا غنمًا.
610
بابُ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَوْ دُعِيتُ إِلى كُراعٍ أَوْ ذِرَاعٍ لأجبتُ، وَلَوْ أُهْديَ إِليَّ ذِراعٌ أَو كُراعٌ لَقَبِلْتُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
مفردات الحديث
- الكراع: ما تحت الركبة من الساق في البقر والغنم وهو عار من اللحم فيعتبر من الطعام الذي تقل رغبة الناس فيه.
- الذراع: ما في اليد من رؤوس الأصابع إلى المرفق، وهو من أفضل أنواع اللحم، فجمع صلى الله عليه وسلم بين النوع الأدنى والأعلى.
فوائد الحديث
- إجابة الدعوة ولو إلى شيء قليل ويسير من الطعام، لما في ذلك من التواضع وإيجاد الألفة بين الناس.
- قبول الهدية مهما قلَّت لما في ذلك من تأليف القلوب وإيجاد الصلات الاجتماعية الصالحة.
611
بابُ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: كَانَتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم العَضْبَاءُ لاَ تُسبَقُ، أوْ لا تكَادُ تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرابيٌّ عَلى قَعُودٍ لهُ، فَسبقَهَا، فَشَقَّ ذلكَ عَلى المُسْلمِينَ حَتَّى عَرفَهُ، فَقَالَ: «حَقٌّ عَلى اللهِ أَلَّا يَرْتَفِعَ شَيءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ وَضَعَهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
مفردات الحديث
- العضباء : المشقوقة الأذن وهي اسم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- أعرابي: ساكن البادية من العرب.
- قَعُود: هو الفتيُّ من الإبل الذي استحق أن يركب، وأقل ذلك أن يكون سنه ما بين السنتين إلى أن يدخل في السادسة، فإذا دخل السادسة صار جملًا.
- حتى عرفه: أي عرف النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم أن السبق قد شق على أصحابه.
- حق على الله: واجب أوجبه على نفسه سبحانه.
- وضعه: خفضه وأنزله.
فوائد الحديث
- بيان هوان الدنيا عند الله وأنها لا تساوي شيئا.
- ترك المباهاة والمفاخرة، والحث على التواضع وطرح رداء التكبر.
- بيان أن أمور الدنيا ناقصة وغير كاملة.
- بيان ما كان عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم من التواضع وتطييب نفوس أصحابه.
612
باب تحريم الكِبر والإعجاب
عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ مسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عن النَّبِيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مثْقَالُ ذَرَّةٍ مَنْ كِبرٍ » فقال رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟ قال: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ»
مفردات الحديث
- مثقال: وزن.
- ذرة: صغار النمل، أو الجزء من أجزاء الهباءة وهو ما لا يراه الإنسان إلا بالضوء من أجزاء الغبار.
- إن الله جميل: أي له الجمال المطلق، جمال الذات والصفات والأفعال.
- يحبّ الجمال: يحبّ التجمّل منكم فى الهيئة والأقوال والأفعال.
- بَطَرُ الحقّ: إنكار الحقّ ودفْعُهُ وردُّهُ على قائِلِهِ.
- غَمْطُ النَّاس: احْتِقَارُهُمْ.
فوائد الحديث
- تحريم الكِبر، وأن المتكبر لا يدخل الجنة إن قاده كبرُه إلى رفض الإيمان، أو لا يدخل الجنة إلا بعد عذاب إن كان كبره تعاليًا على الناس وتفاخرًا عليهم سواء كان بلباس أو بمال أو جاه أو غير ذلك.
- التحذير من رفض الحقّ بسبب أنّه جاء من إنسان تراه أنقص وأدنى منزلة منك، وما أكثر هذا في زماننا.
- جواز التجمّل من غير خيلاء، وأن هذا من الخصال التي يحبّها الله في عباده أن يتجملوا ويظهروا بهيئة حسنة نظيفة.
- أنّ التزهّد والتعبّد والتخشّع لا يكون في الظهور بهيئة سيئة من سوء اللباس وعدم التنظّف وهو يقدر على التجمّل والتطيّب.
613
باب تحريم الكِبر والإعجاب
عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رجُلًا أَكَل عِنْدَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بشِمالِهِ، فقالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ» قالَ: لا أَسْتَطِيعُ! قال: «لا اسْتَطَعْتَ»
مَا مَنَعَهُ إِلَّا الكبْرُ. قال: فما رَفَعها إِلى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لا أستطيع: لا أقدر مع أنّه لَم يَكن به بأس ولا عِلَّة، ولو كان به عِلَّة، للاحظ ذلك النّبيّ ﷺ وما أمره بما لا يستطيع، لأنه ﷺ الأرحم بالأمة.
- لا اسْتَطَعت: دعاء عليه، لاستِكباره عن اتباع الحقّ والعمل بالسنة بلا عذر.
فوائد الحديث
- استحباب الأكل باليمين، وكراهية الأكل بالشمال إلَّا لعذر، كمرض أو قطع.
- الواجب أن الإنسان ينصح وينبّه ولو بطريقة خفية.
- التكبُّر عن امتثال الشرع يوجب العقوبات العظيمة على صاحبه.
- وجوب العناية بالسنة والعمل بها والحذر من مخالفتها.
- جواز الدعاء على من خَالف الحُكم الشرعيّ بلا عذر.
- استحباب تعليم الآكل آداب الأكل إذا خالفها.
- لا يتناول النَّهي من كانت في يده جراحةٌ أو إصابةٌ أو نحو ذلك، فيُرخّص له الأكل أو الشرب بيده الأخرى.
- الضرورات تبيح المحظورات.
- قبح الكبر و عاقبة من اتصف به.
614
باب تحريم الكِبر والإعجاب
عَنْ حَارثَةَ بنِ وهْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ»
مفردات الحديث
- بأهل النار: المراد معظم أهلها لا كلهم.
- عُتلّ: أي الْغَلِيظُ الجافِي.
- جَوَّاظ: أي هُو الجَمُوعُ للدّنيا المَنُوعُ من إنفاقها، وَقِيلَ: الضَّخْمُ المُخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ.
فوائد الحديث
- النهي عن الغلظة والخُيَلاء.
- استحباب التواضع والتذلل للمسلمين.
615
باب تحريم الكِبر والإعجاب
عَنْ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: « احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: فيَّ الجَبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ، وقالَتِ الجنَّةُ: فيَّ ضُعَفاءُ النَّاسِ ومَسَاكِينُهُمْ. فَقَضَى اللهُ بيْنَهُمَا: أَنَّكِ الجَنَّةُ رَحْمَتي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وأَنَّكِ النَّارُ عذَابي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، ولِكِلَيْكُما عليَّ مِلْؤُها»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- احتجّت: أي تخاصمت وأقامت كل واحدة منهما الحُجّة على الأخرى.
- فِيَّ: أي يَدخُلني.
- الجبارون: الذين يتجبرون على الناس ويقهرونهم.
- ضعفاء الناس: المتواضعون منهم، أو المستضعَفون لفقرهم.
- مساكينهم: المحتاجون.
- لكليكما عليّ ملؤها: أي لكل من الجنة والنار ما يملؤها.
فوائد الحديث
- أن الله تعالى شاء أن يترك الناس أحرارًا يختار كلٌّ العمل الذي يريده بعد أن بيّن لهم طريق الحقّ من الباطل، وقد علم سبحانه أن فريقًا سيختار طريق الشرّ ويكون مصيره النار فيملؤها، وأن فريقًا سيختار طريق الخير فيكون مصيره الجنّة فيملؤها.
- بشارة المؤمنين المستضعَفين بالجنّة، ووعيد المتكبّرين والجبّارين بالنار.
- المقصود من الضعفاء المساكين الذين سلمت فطرتُهم من المكر أو الخداع، ولا يسلكون طرق الشرّ، وليس المقصود المتظاهرين بالضعف والمسكنة لاستجرار عطف الناس عليهم وهم أهل حيلة ومكر وخداع.
616
باب تحريم الكِبر والإعجاب
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيامةِ إِلى مَنْ جَرَّ إِزارَهُ بَطَرًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا ينظر: أي نظر رحمة.
- إزاره: وهو ما يستر به النصف الأسفل من الجسم، والمراد هنا الثوب.
- بطرًا: تكبُّرًا وخُيلاءً.
فوائد الحديث
- حرمة تطويل الرجل لثوبه وجرّه تكبُّرًا وخُيلاءً.
- أمور المظهر ليست أمورًا سطحية شكلية بل لها وزنها في الشريعة ويترتب عليها الثواب أو العقاب الأخروي.
- بيان بغض الله لكل مظاهر التكبر والخيلاء.
617
باب تحريم الكِبر والإعجاب
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «ثَلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كَذَّابٌ، وعائلٌ مُسْتَكْبِرٌ»
رَوَاهُ مُسْلٍمٌ
مفردات الحديث
- لا يكلمهم: أي لا يكلمهم كلامًا ينفعهم ويسرُّهم ويرضى به عنهم.
- ولا يزكيهم: لا يطهرهم من الذنوب، ولا يقبل أعمالهم فيمدحهم بها.
- شيخ: هو من تقدمت به السن.
فوائد الحديث
- حرمة الزنى ويشتد قبحه من كبير السن وهو منه أشنع، لأن إقدامه عليه مع كبر سنه دليل على فساد طبعه وضعف دينه.
- حرمة الكذب وهو من الملك أشنع لاستغنائه بجاهه وسلطانه، فهو غير مضطرٍ إليه، فإذا كذب دل ذلك على قلة مروءته وفساد دينه
- حرمة الكِبْر وهو من الفقير أبشع لأنه ليس لديه ما يدعوه إلى الكبر والترفُّع فاستكباره دليلٌ على فساد مستحكم في نفسه والعياذ بالله.
- سبب تخصيص هؤلاء بهذا الوعيد أنّ كلًا منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعدها منه عادةً وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يعذر أحد بذنب لكن من هؤلاء أقبح.
618
باب تحريم الكِبر والإعجاب
عَن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: « قال الله عزّ وجلّ: العِزُّ إِزاري، والكِبْرياءُ رِدَائي فَمَنْ يُنَازعُني عذَّبتُهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- العزّ: القوّة والغلبة.
- الكبرياء: غاية العظمة والترفُّع.
- فمن ينازعني: يحاول أن يتصف بهما أو يدَّعيهما لنفسه ليكون كالمشارك لله فيهما.
فوائد الحديث
- ينبغي للمسلم أن يتخلَّق بالتواضع، واستصغار النفس، وعدم التشبه بالجبارين.
- استحقاق العذاب لكلّ من يتظاهر بصفات العزّة على الناس والتكبّر عليهم لأنّهما لا يليقان بشأن الإنسان الضعيف.
- العزة بالإسلام وبطاعة الله ليست مقصودة هنا ولا يُنهى عنها المسلم، لكن المقصود التكبر على عباد الله والاعتزاز عليهم تكبرًا وتجبرًا سواء بجاهٍ أو قبيلة أو نسب وحسب ونحو ذلك.
- على المسلم البعد عن العبارات والجُمل التي تُنمّي في النفوس أمر الكبر والأنفة.
619
باب تحريم الكِبر والإعجاب
عَن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «بيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي في حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نفْسُهُ، مُرَجِّلٌ رَأْسَهُ، يَخْتَالُ في مَشْيَتِهِ، إِذْ خَسَفَ اللهُ بِهِ، فهوَ يَتَجَلْجَلُ في الأَرْضِ إلى يوْمِ القِيامةِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حُلَّة: إزار ورداء، ولا تسمى حلّة إلّا إذا كانت جديدة.
- مُرجّلٌ رَأْسهُ: أَيْ مُمَشّطُه، المقصود اهتمامه بشعر رأسهُ.
- يَتَجلْجَل: أَيْ يغُوصُ وينْزِلُ.
فوائد الحديث
- حرمة الكبر والخيلاء والتحذير من مظاهرهما.
- سوء عاقبة من اتصف بالكبر والخيلاء وربما يعاقب على ذلك في الدنيا.
- نهى الإسلام عن الخيلاء في اللّبس والكلام والمشية وفي أيّ شيء، وتوعد على ذلك بالعذاب الأليم.
- لا تعارض بين حديث التجمّل وحبّ الله تعالى للجمال واللباس والطيب والمظهر الحسن وبين هذا الحديث، فكل ذلك جائز لكن بدون كبر أو خيلاء أو مخالفة شرعية أخرى.
620
باب تحريم الكِبر والإعجاب
عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا يزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ في الجَبَّارينَ، فَيُصِيبَهُ ما أَصابَهمْ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ: أَي يَرْتَفعُ وَيَتَكَبَّرُ.
- الجبّارين: أي المتكبّرين.
فوائد الحديث
- أن من تشبّه بقوم كتب معهم، ويناله من العذاب ما نالهم.
- على المسلم أن يراعي في صُحبته المتواضعين حتى يُلزم نفسه خلق التواضع ويبتعد عن المتكبّرين والمختالين.
621
باب حُسن الخلق
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: كانَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَحْسنَ النَّاسِ خُلُقًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- ما كان عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من كمال الخُلق، ولقد كان خُلقه القرآن يُحل حلاله ويُحرم حرامه ويتأدب بآدابه.
- من كان حسن الخلق فإنّ من حوله يشهدون له بذلك ويلمسونه منه.
622
باب حُسن الخلق
عَن أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: مَا مَسسْتُ دِيباجًا ولاَ حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وَلاَ شَممْتُ رائحَةً قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وَلَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عشْرَ سِنينَ، فَما قالَ لي قَطُّ: أُفٍّ، وَلا قالَ لِشَيْءٍ فَعلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ ولا لشيءٍ لَمْ أفعَلْهُ: أَلا فَعَلْتَ كَذا؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- ديباجًا: ثوبًا متخذًا من الحرير.
- أفّ: اسم فعل مضارع بمعنى أتضجّر.
فوائد الحديث
- كمال أخلاق الرسول صلّى الله عليه وسلّم وحسن معاملته لخادمه وأصحابه، وفي هذا تعليم لأمته وتأديب لهم.
- الاعتناء بوضع الطيب والنظافة الشخصية تأسيًا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
- شهادة أنس هذه شهادة عظيمة مقدّرة فهي شهادة قريبٍ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد عاش معه يخدمه عشر سنين! ولم يرَ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما يكره، خاصّة وأنّ من يقوم على الخدمة يرى ما لا يرى غيره من النّاس.
623
باب حُسن الخلق
عَنِ الصَّعبِ بنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: أَهْدَيْتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عليَّ، فلمّا رأَى مَا في وَجْهي قالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حُرُم: محرمون بحج أو عمرة.
فوائد الحديث
- مشروعية قبول الهدية، والاعتذار عن قبولها إذا كان في ذلك محظور شرعي، وتطييب قلب المُهدي عند الاعتذار.
- عدم جواز ذبح الصيد للمحرم إذا أهدي إليه وهو حيّ، كما لا يجوز للمحرم أن يأكل من الصيد إذا علم أنه صِيد من أجله.
- الشعور بمن حولك من النّاس ومعرفة ما يجلب الحزن لهم وما يجلب السعادة يُعدّ من حسن الخلق وليس تكلّفًا أو مثالية زائدة.
- مراجعة المسلم لنفسه وتصرفاته والنظر في آثارها دليل على سمّو نفسه ويؤدّي لطيب المعشر وحسن الخلق.
624
باب حُسن الخلق
عَنِ النَّوَّاسِ بنِ سمعانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سأَلتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عنِ البِرِّ والإِثْمِ فقالَ: «البِرُّ: حُسنُ الخُلُقِ، والإِثمُ: ما حاكَ في صَدْرَكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- البِرّ: الخير والطاعة.
- الإثم: الشرّ والمعصية.
- حاك: تردد في نفسك تفعله أو لا تفعله، لكراهة النفس السويّة له.
فوائد الحديث
- أن الخير في حسن الخلق، لأن صاحبه تبادر نفسه إلى محاسن الأفعال وترك رذائلها.
- الحث على حسن الخلق في الإسلام.
- من علامات معرفة أنّ هذا الأمر شرٌّ أو معصية أن تضِيق به نفس الإنسان سليم الفطرة، وألّا يحب أن يراه عليه أحد من الناس مخافة الملامة والتعيير.
- إذا بقي الإثم خاطرًا ولم يعمل الإنسان أو يتكلّم به فلا إثم عليه.
625
باب حُسن الخلق
عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قال: لمْ يكُنْ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَاحِشًا ولا مُتَفَحِّشًا، وكانَ يَقُولُ: «إِنَّ مِن خِيارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- فاحشًا: المراد ما يشتد قبحه من الأقوال والأفعال.
- متفحشًا: مبالغًا ومتعمدًا للفحش.
فوائد الحديث
- ما كان عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حسن الخلق والبعد عن سيئه، وترغيبه في حسن الخلق.
- من كان حَسَن الأخلاق كان بلا شك من خيار الناس، ولا زال النّاس يستدلون على صلاح الإنسان وطِيبه بما يرون من حُسن خلقه.
- النهي عن الفحش ولو كان على سبيل المزاح.
- من درجات السوء في الأخلاق أن يكون الإنسان فاحشًا في القول والفعل وأشدّ منها أن يكون متفحّشًا قاصدًا ومتحريًّا للفحش قولًا وعملًا، فالكلام البذيء على طرف لسانه، والفعل المستقبح أمر مشهور به، وهذا بلا شك من شرار النّاس.
626
باب حُسن الخلق
عَنْ أبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «ما مِنْ شَيءٍ أَثْقَلُ في ميزَانِ المُؤمِنِ يَومَ القِيامةِ منْ حُسْنِ الخُلُقِ، وإِنَّ اللهَ يُبغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- الْبَذِيُّ: هوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بالفُحْشِ وَرَدِيءِ الكلامِ.
فوائد الحديث
- حسن الخلق ينفع في الآخرة إذا انضم إليه الإيمان.
- الفاحش البذيء مكروه من الله تعالى ومُبغضٌ بين النّاس، فهو خاسر في الدنيا والآخرة.
- حسب المسلم من فضائل حسن الخلق أنّ الله يحبّه، وحسبه من آثار سوء الخلق أن الله يبغضه، والمسلم يأتي ما يحبه الله ويترك ويدع ما يبغضه الله.
627
باب حُسن الخلق
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سُئِلَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أَكثرِ مَا يُدْخلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، قال: «تَقْوى اللهِ تَعَالَى وَحُسنُ الخُلُقِ» وَسُئِلَ عن أَكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسن صحيح
فوائد الحديث
- الترغيب في التقوى وحسن الخلق، والترهيب من الكفر والكذب والزنى.
- جمع الحديث بين التقوى وحسن الخلق، لأن التقوى تُصلح ما بين الإنسان وربه، وحسن الخلق يُصلح ما بين الإنسان والناس إضافة لحب الله له.
- الجمع بين الفم والفرج في كونهما أهم سببين للشر، لأن الفم يصدر منه فحش القول كالكفر والغيبة والنميمة وإبطال الحق وقذف الخلق ونحوه، والفرج يصدر منه الزنى، فهما سببان للبلاء وطريقان للنار.
628
باب حُسن الخلق
عَن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَكْمَلُ المُؤمِنِينَ إِيمَانًا أَحسَنُهُمْ خُلُقًا، وخِيارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهمْ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- أحسنهم خُلُقًا: حُسنُ الخُلُق أي بَذلُ المعروف، وكفّ الأذى، وطلاقة الوجه.
فوائد الحديث
- الحضُّ على معاملة الزوجة والأم والأخت والبنت والقريبة بطلاقة الوجه وكفّ الأذى والإحسان إليهن والصبر عليهن وإكرامهن.
- من أهمّ علامات الخيريّة تعامُل الإنسان الحَسن داخل بيته حيث لا يطّلع عليه سائر النّاس.
- أنّ هناك تلازمًا بين الإيمان والخلق الحسن، فكلما كان العبد أحسن خلقًا كان أكمل إيمانًا، وكلما أحسن للناس بالبشاشة وطلاقة الوجه وطيب المعاملة وكفّ الأذى، كان أفضل عند ربه.
- أنّ مكانة المرأة في الإسلام مكانةٌ معتبرة مقدّرة.
629
باب حُسن الخلق
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «إِنَّ الُمؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ درَجةَ الصَّائمِ القَائمِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
فوائد الحديث
- ثواب العابد وما أعد الله لصائم النهار وقائم الليل من درجات في الجنّة.
- أنّ من اتصف بحسن الخلق، بلغ في الأجر والثواب درجة الصائم القائم.
- كمال دين الإسلام حيث جعل لحسن التعامل مع الناس هذه المنزلة العظيمة من الأجر، فليس كل النّاس يقدر على نوافل الصيام أو قيام الليل.
630
باب حُسن الخلق
عَنْ أبي أُمَامَةَ الباهِليِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِراءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإِنْ كَانَ مازِحًا، وَبِبَيْتٍ في أعلى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسنادٍ صحيح
مفردات الحديث
- زعِيم: ضامِن.
- ربض الجنة: أطرافها، والربض ما حول البيوت.
- المراء: المجادلة.
فوائد الحديث
- الترغيب في ترك المجادلة إذا لم تُجْدِ نفعًا.
- التحذير من الكذب ولو كان مازحًا غير قاصد للجدّ.
- أنّ حُسن الخُلق سبب لنيل أعلى المراتب في الجنّة لأنّه يجمع كل الفضائل في علاقة العبد بربّه وتعامل العبد مع النّاس.
631
باب حُسن الخلق
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِليَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجلسًا يَومَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُمْ أَخلاقًا، وإِنَّ أَبَغَضَكُم إِليَّ وَأَبْعَدكُمْ مِنِّي يومَ الْقِيامة،ِ الثَّرْثَارُونَ والمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ» قالوا: يا رسولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا المُتَفيْهِقُونَ؟ قال: «المُتَكَبِّرُونَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسن. • وروى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ المُباركِ رحِمهُ اللهُ في تَفْسيرِ حُسْنِ الخُلُقِ قال: هُوَ طَلاقَةُ الوجهِ، وبذلُ المَعرُوفِ، وكَفُّ الأَذَى.
مفردات الحديث
- الثَّرثَار: هُوَ كَثِيرُ الكَلامِ تَكلُّفًا.
- المُتَشَدِّقُ: المُتَطاوِلُ عَلى النَّاسِ بِكَلامِهِ، وَيتَكَلَّمُ بِملءِ فيهِ تَفَاصُحًا وَتَعْظِيمًا لكلامِهِ.
- المُتَفَيْهِق: أَصلُهُ مِنَ الفَهْقِ وهُو الامْتِلاءُ، وَهُوَ الَّذي يَمْلأُ فَمَهُ بِالكَلامِ، وَيَتَوَسَّعُ فيه،ِ تَكَبُّرًا وَارتِفَاعًا وإِظْهَارًا للفَضِيلَةِ عَلى غيَرِهِ.
فوائد الحديث
- إخبار النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمحبّته لذوي الأخلاق الحسنة ورفعة مكانتهم في الجنّة، وبغضه لذوي الأخلاق السيّئة وبعد منزلتهم عنه.
- الحثّ على الابتعاد عن التكلّف والتفاصح في الكلام ليُظهر المتكلم نفسه بمظهر البليغ، وتجنُّب الترفّع على الآخرين.
- رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحب المؤمنين كافّة من حيث هم مؤمنون، وحبّه لأحسنهم خلقًا أشدّ، ويُبغض العصاة من حيث هم عاصون، وبغضه لأسوئهم أخلاقًا أشدّ. * قد يجتمع في المسلم خلق حسن وخلق سيء، فيكون محبوبًا بقدر ما فيه من حسن الخلق ومُبغَضًا بقدر ما فيه من سوء خلقه.
632
باب الحلم والأناة والرفق
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لأَشَجِّ عبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ، وَالأَنَاةُ»
رَواهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أشجّ عبد قيس: هو المنذر بن عائذ، وقيل اسمه منقذ بن عائذ.
- خصلتين: خلقين وصفتين.
- الحلم: التعقّل في الأمور وعدم الاستفزاز بالغضب.
- الأناة: التأنّي هو التثبت وترك العجلة.
فوائد الحديث
- جواز مدح الرجل في وجهه بما فيه، إذا أمن منه الغرور وكان فيه ترغيب لغيره بمثل صفاته.
- الترغيب في الحلم والأناة والتثبت في الأمور وترك الاستعجال، والتنفير من عكسهما من الاستعجال وسرعة الغضب والطيش.
- حبّ الله تعالى لهاتين الخصلتين يدلّ على شرف المتصف بهما، وكثير من النّاس يملّ الإنسان المتأني غير المستعجل ويتهمون الحليم الذي يضبط نفسه عند الغضب بأنّه عاجز أو ضعيف، وحسبه أنّ الله يحبّ هاتين الصفتين.
633
باب الحلم والأناة والرفق
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا قالتْ: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأَمْرِ كُلِّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- حبّ الله تعالى للرفق واتصافه به فيه ترغيب بالاتصاف به وجعله من صالح أخلاقنا، وأساسًا في تعاملاتنا، لما فيه من لين الجانب والله رفيق بعباده.
- اختيار الأسهل والألطف من الأقوال والتعاملات لما في ذلك من تواصل وتآلف، خاصّة مع الأطفال في التربية، فلا يكون العقاب والضرب والشدّة الطريقة الشائعة في تعاملنا معهم.
634
باب الحلم والأناة والرفق
عَن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفْقِ ما لا يُعطي عَلى العُنْفِ وَما لا يُعْطِي عَلى ما سِوَاهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- تفضيل الرفق على كثير من الأخلاق، لذلك كان ما يعطيه الله لصاحبه من الثناء الحسن في الدنيا والأجر الجزيل في الآخرة أكثر مما يعطيه على غيره.
- كل ما في الرفق من الخير ففي العنف ضده من الشر.
- كل هدف ومقصود يريد الإنسان تحقيقه فإنّ طلبه بطريق الرفق يكون خيرًا وأنفع وأكثر بركة من طلبه بطريق الشدّة ولو كان طريق الرفق أطول.
- ٦٣٥َ- عَن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلاَّ شَانَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
636
باب الحلم والأناة والرفق
عَنْ أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: بَال أَعْرَابيٌّ في المسجِدِ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْه لِيَقَعُوا فِيهِ، فقال النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّما بُعِثتُمْ مُيَسِّرِينَ ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
مفردات الحديث
- ليقعوا فيه: ليشتدوا في لومه وتعنيفه.
- دعوه: اتركوه.
- أريقوا: صُبّوا.
- السَّجْل: الدَّلوُ المُمْتَلِئَةُ ماءً، وكَذلِكَ الذَّنُوب.
- معسِّرين: مشدّدين.
فوائد الحديث
- حسن خلق النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ورأفته بالناس، وخاصة بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف.
- الرفق بالجاهل وأخذه باليسر، وعدم أذيته على إساءته، وتعليمه ما يصلحه.
- وجوب تطهير الأرض وتعيين الماء لإزالة النجاسة.
- الرفق في مثل هذا الحال أشد ما يكون تأثيرا في تقبل الدعوة والنصيحة، وأما العنف والشدة فربما تُسيء وتُنفِّر.
637
باب الحلم والأناة والرفق
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «يسِّرُوا وَلا تُعَسِّروا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يسروا : سهلوا
- لا تعسروا: لا تضيقوا ولا تشدّدوا.
- بشروا: حببوا الناس بالخير وأخبروهم به.
- لا تنفروا: ولا تباعدوهم عن الخير وتصرفوهم عنه.
فوائد الحديث
- واجب المؤمن أن يحبب الناس إلى الخير ويرغبهم فيه، ويحذر من صرفهم عنه أو تنفيرهم بالقسوة عليهم والغلظة معهم.
- بيان يسر الإسلام في تكاليفه، ويظهر هذا التيسير لنا تلقائيًا إذا امتثلنا الأحكام والأخلاق الشرعية فهي ميسّرة سهلة مستطاعة.
- ليس من الدين التشدد والأخذ بالأصعب والأشد مما قد يفضي إلى الحرج والتضييق.
638
باب الحلم والأناة والرفق
عَنْ جريرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخيْرَ كُلَّهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- من يحرم الرفق: من لا يوفق له ولا يكون من عادته، بل يكون فيه العنف والقسوة.
- يحرم الخير كله: أي يخسر كل الخير الناشئ عن الرفق، لأنّ الله يعطي على الرفق ويثيب عليه، فمن فقده فقد كل ثوابه.
فوائد الحديث
- فضيلة الرفق وأهمية تربية النفس عليه.
- على المسلم أن يتحرّى الرفق في أموره كلّها كي لا يحرم من بركته وخيره.
- الجزاء من جنس العمل، فلما حرم الناس من خيره ورفقه بهم، كان مستحقًا لأن يُحرم من الخير.
639
باب الحلم والأناة والرفق
عَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا قال للنَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: أَوْصِني، قال: «لا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا قال: «لا تَغْضَبْ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
مفردات الحديث
- أوصني: أي قل لي وصية تجمع خَيرَي الدُّنيا والآخرة.
فوائد الحديث
- الوصية بالحذر من الغضب مفتاح لتحقيق خُلق الحِلم الذي يحتاج إلى بذل مجهود في تعويد النفس عليه.
- خطورة الغضب الذي يغيب معه عن الإنسان عقله فيقع فيما لا تُحمد عقباه.
- إسْداءُ النبيِّ النصيحَة الجامعَة لكل خير، وهي النهي عن الغضب، لِما يترتب على حالة الغضب من شرور ومفاسد.
640
باب الحلم والأناة والرفق
عَنْ أبي يعلَى شدَّادِ بنِ أَوسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عن رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّ الله كَتَبَ الإِحسَانَ على كُلِّ شَيءٍ، فإِذا قَتلتُم فَأَحسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحةَ، وليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرتَهُ، وَليُرِحْ ذَبيحَتَهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- كتب: فرض.
- الإحسان: إتقان العمل، ويأتي بمعنى التفضُّل والإنعام.
- شفرته: سِكِّينه.
فوائد الحديث
- وجوب الإحسان والرفق في الأمور كلها، حتى عند ذبح الحيوان حتى قتل المؤذيات.
- الإحسان يشمل القتل والحدود والقصاص.
- رحمة الإسلام للمخلوقات من إنسان وحيوان ونبات.
641
باب الحلم والأناة والرفق
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالتْ: مَا خُيِّرَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَينَ أَمْرينِ قَطُّ إِلّا أَخذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثمًا، فإنْ كانَ إِثمًا كَانَ أَبعدَ النَّاسِ مِنْهُ، ومَا انتَقَمَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لِنَفْسِهِ في شَيءٍ قَطُّ، إِلّا أَن تُنتَهكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَينتَقِمَ للَّهِ تعالى.
مفردات الحديث
- بين أمرين: دينيين أو دنيويين.
- أيسرهما: أسهلهما، مثل أن يخير بين عقوبتين، فإنه يختار الأخف منهما، أو يخير بين فريضتين، فيختار الأخف منهما، أو يخير بين الحرب والصلح، فيختار الصلح.
- ما لم يكن إثمًا: ما لم يكن الأيسر معصية لله.
- انتقم: عاقب وانتصر لنفسه.
- إلّا أن تُنتهك حرمة الله: إلا أن ترتكب المحرمات.
فوائد الحديث
- يسر الإسلام الذي هو أحد جوانب كماله.
- رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته.
- مشروعية الغضب لله تعالى بشرط أن يكون من عالم بالشرع وحدوده حتى لا يغضب لنفسه ويدَّعي أنه يغضب لله.
- اتخاذ الأسهل بين الأمور التي تعترض المرء في حياته الخاصة أو العامة.
- أخذ الأمر الأسهل مقيَّد بما لم يترتب عليه محظور شرعي، وطريق معرفة المحظور الشرعي هو الدليل الصحيح وليس مجرد الذوق.
- بيان ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الخلق العظيم في عدم الانتقام لنفسه وإنما كان ينتقم لله تعالى، وهذا من خلق الأنبياء.
- أهمية العلم الشرعي إذ به يميِّز الإنسان الحلال من الحرام فلا يقع في الحرام ولو كان ظاهره أنه أيسر.
642
باب الحلم والأناة والرفق
عَن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَلا أَخْبرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلى النَّارِ، أَوْ بِمَنْ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ تَحْرُمُ على كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ ليِّنٍ سَهْلٍ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- كل قريب: أي محبب إلى الناس لحسن معاملته لهم، وهذا لا ينشأ إلا من الإيمان الصحيح.
- هين لين سهل : المقصود بهذه الألفاظ التواضع والليونة وحُسن المعاملة للناس وقضاء حوائجهم.
فوائد الحديث
- مكانة الأخلاق وأنها منجاة من النّار، وأنّ حُسن معاملة الناس من الإيمان.
- إثارة انتباه السامع قبل البدء بالحديث إذا كان ما ستحدثه به من الأمور التي لها شأن.
643
باب العفو والإعراض عن الجاهلين
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: أَنَّها قالتْ للنَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: هل أَتى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشدَّ مِنْ يوْمِ أُحُدٍ؟ قال: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَومِكِ، وكَان أَشدَّ ما لَقِيتُ مِنْهُمْ يوْمَ العقَبَةِ، إِذْ عرَضتُ نَفسِي على ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بنِ عبْدِ كُلالٍ، فلَمْ يُجبْنِي إِلى ما أَردْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ على وَجْهِي، فلَمْ أَسْتَفِقْ إِلّا وَأَنا بقرنِ الثَّعالِبِ، فَرفَعْتُ رأْسِي، فَإِذا أَنَا بِسحابَةٍ قَدْ أَظلَّتْني، فنَظَرتُ فَإِذا فِيها جِبريلُ عليه السلام، فنَاداني فقال: إِنَّ اللهَ تعالى قَد سَمِعَ قَولَ قومِكَ لَكَ، وَما رَدُّوا عَلَيكَ، وَقدْ بعثَ إِلَيك ملَكَ الجبالِ لِتأْمُرَهُ بما شِئْتَ فِيهم، فَنَادَانِي ملَكُ الجِبَالِ، فَسلَّمَ عَليَّ ثُمَّ قال: يا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ، وأَنَا مَلَكُ الجِبالِ، وقَدْ بَعَثَني رَبِّي إِلَيْكَ لِتأْمُرَني بِأَمْرِكَ، فَمَا شئتَ؟ إِنْ شئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيهمُ الأَخْشَبَيْنِ » فقال النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «بلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلابِهِم منْ يعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يوم أحد: يوم غزوة أحد، وهو جبل قريب من المدينة، كانت عنده الغزوة التي شُجَّ فيها وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكُسرت بعض أسنانه، وقُتِل فيها عمه حمزة، رضي الله عنه... وشُوِّهت جثته.
- من قومك: يعني كفار قريش.
- يوم العقبة: أي عند جمرة العقبة.
- عرضت نفسي: قدمت له نفسي طالبًا منه النصر والإعانة على إقامة الدين.
- ابن عبد ياليل: زعيم من أكبر أهل الطائف من ثقيف.
- مهموم: محزون.
- لم أستفق: لم أنتبه لنفسي.
- قرن الثعالب: اسم موضع قرب مكة ويسمى أيضًا قرن المنازل.
فوائد الحديث
- بيان شفقة الرسول صلّى الله عليه وسلّم على قومه، وصبره على أذاهم، وعفوه عمن أساء إليه منهم.
- جواز وقوع الهمِّ الذي هو من الأوصاف البشرية على الأنبياء، وهذا همٌّ شريف لأنه في أمر ديني.
- ما كان صلّى الله عليه وسلّم يغضب لنفسه أو ينتقم لأذى يصيبه في جسده بل كان يتحمل الأذى في سبيل الدعوة ويحتسب ذلك عند الله، وفي ذلك قدوة للدعاة في كل زمان ومكان.
- حرص النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على تبليغ دعوته.
644
باب العفو والإعراض عن الجاهلين
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالتْ: ما ضرَبَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، ولا امْرأَةً ولا خادِمًا، إِلّا أَنْ يُجَاهِدَ في سَبِيل اللهِ، وما نِيلَ منْهُ شيءٌ قَطُّ فَيَنتَقِمَ مِنْ صاحِبِهِ، إِلّا أَنْ يُنتَهَكَ شَيءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تعالى، فَيَنْتَقِمَ للَّهِ تعالى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- نِيل منه: ناله الكفار بأذى كشج رأسه.
- ينتهك شيء من محارم الله: يتعدى على محارم الله.
فوائد الحديث
- بيان حلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعفوه عما أصيب بنفسه وإن كان مباحًا للتأديب لأنّ تركه أفضل.
- غضب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لله، وإقامته حدود الله على من يستحقها من غير هوادة، وقتاله أعداء الله في الجهاد إعلاءً لكلمة الله تعالى.
- الحثّ على العفو والحلم واحتمال الأذى، والانتصار لدين الله تعالى ممّن فعل محرَّمًا.
- الكمال البشري أن يكون الإنسان لينًا في موضع اللين، وشديد البأس في موضع البأس والشدّة.
645
باب العفو والإعراض عن الجاهلين
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: كُنتُ أَمْشِي مَعَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعليهِ بُردٌ نَجْرَانيٌّ غلِيظُ الحَاشِيةِ، فأَدركَهُ أَعْرَابيٌّ، فَجبذهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدَةً، فَنظرتُ إلى صفحةِ عاتِقِ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وقَدْ أَثَّرَتْ بِها حَاشِيةُ الرِّداءِ مِنْ شِدَّةِ جَبذَتِهِ، ثُمَّ قال: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لي مِنْ مالِ اللهِ الَّذي عِندَكَ، فالتَفَتَ إِلَيْهِ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فضحِكَ، ثُمَّ أَمرَ لَهُ بعَطَاءٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- بُرد: ثوب مخطط.
- نجراني: منسوب إلى نجران وهي بلدة في جنوب الجزيرة العربية.
- غليظ الحاشية: خشن الجانب.
- جبذة :جذبة.
- عاتق: العاتق الجانب وهو ما بين العنق والكتف.
فوائد الحديث
- بيان حسن خلقه صلّى الله عليه وسلّم، فإنه عفا عمن أساء إليه وزاد على العفو بالبشر والإحسان.
646
باب العفو والإعراض عن الجاهلين
عنْ عبْدِ الله بنِ مسْعُودٍ رضي الله عنه قَال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يحْكي نَبيًّا من الأَنْبِياءِ، صلواتُ اللهِ وسَلاَمُهُ عَليْهم، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وهُو يمْسحُ الدَّمَ عنْ وجْهِهِ، يقُولُ: «اللَّهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمي فإِنَّهُمْ لا يعْلمُونَ»
متفقٌ عَلَيْه
مفردات الحديث
- يحكي نبيًّا: أي يصوِّر حالة نبيٍّ من الأنبياء، قيل إنّ هذا النبي هو نوح عليه السلام.
- أدموه: أجروا دمه بالجراحات.
فوائد الحديث
- صبرُ الأنبياء وتحملُهم الأذى في سبيل تبليغ دعوتهم للناس.
- من أخلاق الأنبياء مقابلة الجهل بالغفران والمسامحة.
- عدم معاملة الجاهلين بمثل أعمالهم.
- التأسي بأخلاق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في تحمُّل الأذى، فقد شُجَّ وجهه وسال الدم منه يوم أحد، ولم يزد على أن قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
647
باب العفو والإعراض عن الجاهلين
عنْ أَبِي هُريرةَ رضي الله عنه أَن رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لَيْسَ الشديدُ بالصُّرَعةِ إِنمَّا الشديدُ الَّذي يمْلِكُ نَفسَهُ عِنْد الْغَضَبِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الصُّرَعَةُ: أي المبالغة في الصِّراع، وأصْلُهُ عنْد العربِ مَنْ يصرَعُ النَّاسَ كثيرًا.
- يملك نفسه: يكظم غيظه.
فوائد الحديث
- تغيير الإسلام لمفهوم القوة الجاهلِّي إلى معنًى خُلقيّ واجتماعيّ نبيل.
- مجاهدة النفْس وامتلاك زمامها أشدّ من مجاهدة العدوّ.
- الابتعاد عن الغضب، لِمَا فيه من الأضرار الجسمية والنفسية والاجتماعية.
648
باب احتمال الأذى
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله، إِنَّ لي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقطَعوني، وَأُحسِنُ إِليهِم ويُسِيئُونَ إليَّ، وأَحلُمُ عَنهمْ ويجهَلُونَ عَلَيَّ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «لَئِن كُنتَ كَمَا قُلتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الملَّ، ولا يزَالُ معكَ منَ اللهِ تعالى ظَهيرٌ عَلَيهِمْ ما دُمْتَ عَلى ذلكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أحلم: أصبر وأصفح.
- يجهلون عليّ: يسيئون إليّ.
- تُسِفُّهُمْ: تُطْعِمُهُمْ.
- المَلُّ: الرَّمادُ الحارُّ.
- ظهير: مُعِين.
فوائد الحديث
- الحثّ على الإحسان إلى المسيء، لأنه ربّما يرتدع فيعود إلى الإحسان.
- حصول العون والتأييد من الله تعالى لمن يصل رحِمه رغم قطعهم له.
- ينبغي لمن فُضِّل على أقاربه أن يتواضع لهم ويرفق بهم، فعداوة الأقارب صعبة لذا يُستحبّ الصبر على إيذائهم.
649
باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشّرع والانتصار لدين الله تعالى
عَنْ أبي مسعودٍ عُقبةَ بنِ عمرٍو البدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالَ: إنِّي لأتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ أجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فمَا رأيتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَضِبَ في موعِظَةٍ قَطُّ أَشدَّ ممَّا غَضِبَ يَومئذٍ، فقالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ مِنكمْ مُنَفِّرينَ، فأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَليُوجِزْ، فإنَّ مِنْ ورائِهِ الكَبيرَ والصَّغيرَ وذا الحَاجَةِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- فليوجز: فليخفف بما يتناسب مع مَن خلفه.
فوائد الحديث
- مشروعية الغضب من أجل الدين.
- جواز إظهار الشكوى من أمْرٍ فيه تضييق على الناس.
- مشروعية التخفيف في صلاة الجماعة، إذا كان الإمام يصلي لقوم غير محصورين، أو غير راضين بالتطويل، أو فيهم صغار وضعاف.
- التخفيف الوارد الأمر به هو ما كان فيه أداء لأركان الصلاة وسننها بطمأنينة بخلاف صلاة بعض المستعجلين في زماننا.
- عدم فعل ما يحصل به تنفير للناس عن أداء العبادات.
- تسمية صلاة الفجر بالصبح.
650
باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشّرع والانتصار لدين الله تعالى
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: قدِمَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِنْ سفَرٍ وقَدْ سَتَرْتُ سَهْوةً لي بقِرامٍ فَيهِ تَمَاثيلُ، فَلمَّا رآهُ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم هتكَهُ وتَلَوَّنَ وجهُهُ وقال: «يَا عائِشَةُ، أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِند اللهِ يومَ القيامةِ الَّذينَ يُضاهُونَ بِخَلقِ اللهِ»
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- سهْوَة: هي شبيهة بالخزانة الصغيرة.
- بقِرام: سترٌ رقيقٌ.
- هَتَكَهُ: نزعه، وأفسدَ الصورةَ الَّتِي فيهِ.
- تماثيل: صور مرسومة على هذا الستر القماشي الرقيق.
- يضاهون: يشبِّهون ما يصنعونه بما يصنعه الله.
فوائد الحديث
- مشروعية الغضب لوقوع مخالفة لأمور الدين.
- حمل فريق من العلماء الحديث على عمومه، فحرَّموا كل نوع من أنواع الرسم لما كان له روح، سواء كان رسما مسطَّحا على الورق ونحوه، أو تماثيل منحوتة أو مصنوعة، وخصَّ بعضهم التحريم بالنوع الثاني.
- التصوير الفوتوغرافي مما وقع فيه الخلاف بين العلماء المعاصرين فينبغي على الإنسان ألا يتوسع فيه إلا لحاجة.
- لا يحرم تصوير غير ذي روح
- يستثنى من التحريم لعب البنات، لورود الترخيص فيه.
651
باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشّرع والانتصار لدين الله تعالى
عَن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ قُريشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المرأةِ المَخزُومِيَّةِ الَّتي سَرقَت، فقالوا: منْ يُكلِّمُ فيها رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ فقالوا: مَن يجتَرِئُ عليهِ إلّا أُسامةُ بنُ زيدٍ حِبُّ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ فَكَلَّمهُ أُسامةُ، فقالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَتَشفعُ في حدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟» ثمَّ قامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قال: «إِنَّمَا أهْلَكَ الَّذِينَ قبلكُم أنَّهُم كانُوا إذَا سرقَ فِيهِمُ الشَّريفُ تَركُوهُ، وإذا سرقَ فِيهمُ الضَّعِيفُ أَقامُوا عليهِ الحدَّ! وايْمُ اللهِ، لوْ أنَّ فاطمَةَ بنتَ مُحَمَّدٍ سرقَتْ لقَطَعْتُ يَدهَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حِبّ: محبوب.
- فاختطب: قام فيهم خطيبا.
- حدّ: الحدّ عقوبة مقدّرة من الشرع.
فوائد الحديث
- أن الشفاعة في الحدود بعد بلوغها الإمام منهي عنها شرعا.
- التفريق بين الناس في المعاملة ظلم يجلب الهلاك للأمة
- شرف الجاني لا يسقط الحد عنه، لأن أحكام الشرع يستوي فيها الشريف والوضيع.
- قضى الإسلام على الفوارق الاجتماعية والعصبيات القبلية فلا فرق أمام القضاء بين الناس ولو كان بعضهم قريبًا لحاكم أو لذي منصب، فتقام الحدود على من تثبت إدانته دون تفريق.
652
باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشّرع والانتصار لدين الله تعالى
عَنْ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم رَأَى نُخامَةً في القِبلةِ، فشقَّ ذلكَ عَلَيهِ حتَّى رُئِيَ في وجهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بيَدِهِ فقال: «إنّ أحَدكمْ إذا قَامَ في صَلاتِهِ فَإنَّهُ يُنَاجِي ربَّهُ، أَوْ إنَّ ربَّهُ بَينَهُ وبَينَ القِبْلَةِ، فلا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُم قِبَلَ القِبْلَةِ، ولكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أوْ تَحْتَ قدَمِهِ» ثُمَّ أخَذَ طرفَ رِدائِهِ فَبصقَ فِيهِ، ثُمَّ ردَّ بَعْضَهُ على بعْضٍ فقال: «أَو يَفْعَلُ هكذا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- نخامة: ما يخرجه الإنسان من صدره، قيل ما يخرجه من طريق فمه، وقيل ما يخرجه من أنفه.
- في القبلة: في الجدار الذي يستقبلونه جهة القبلة.
- فشق: فاشتدَّ عليه وصعُب.
- فحكه: أزاله.
- يناجي ربه: يخاطبه، لقراءته القرآن والأذكار في الصلاة.
- وأن ربه بينه وبين القبلة: لأن العبد في الصلاة يقف بين يدي ربه سبحانه يناجيه ويسأله ويستغفره، فيقتضي من العبد أن يكون على أحسن حال كما قال صلى الله عليه وسلم : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
- ردَّ بَعْضَهُ على بعْضٍ: أي جمع طرفي الثوب على البصاق.
فوائد الحديث
- والأمرُ بالبُصاقِ عنْ يسَارِهِ أو تحتَ قَدمِهِ هُوَ فيما إذا كانَ في غَيْرِ المَسجِدِ، فَأَمَّا في المسجِدِ فَلا يَبصُقُ إلاَّ في ثوبِهِ.
- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإزالته باليد إن أمكن.
- حرمة المساجد وأنه لا يجوز تلويثها أو إلقاء الأوساخ فيها.
- احترام جهة القبلة فلا يبصق إليها، فهو حرام سواء كان في المسجد أم لا، وجواز البصاق في ثوب الصلاة إذا اضطر لذلك.
653
باب أمر وُلاة الأمور بالرّفق برعاياهم ونصيحتهم والشّفقة عليهم والنّهي عن غشهم والتّشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
عن ابن عمَر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مسؤولٌ عنْ رعِيَّتِهِ، والإِمَامُ رَاعٍ، ومسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ ومسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والمرْأَةُ راعِيةٌ في بيْتِ زَوْجِهَا ومسؤولَةٌ عنْ رعِيَّتِهَا، والخَادِمُ رَاعٍ في مالِ سيِّدِهِ ومسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وكُلُّكُمْ راعٍ ومسؤولٌ عنْ رعِيَّتِهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- كُلُّكُم راعٍ: أي مكلّف بعمل، حافظ له، مؤتمن عليه، مطلوب منه الاهتمام والعدل فيه.
- رعيته: هم من كُلِّف بالقيام عليهم كزوج وولد أو غيرهم.
- الإمام: أي الأمير ذو الأمر، فيشمل سائر الحكام، الحاكم الأعلى ومن دونه.
فوائد الحديث
- لا يخلو فرد من أفراد المجتمع على اختلاف مكانتهم من المسؤولية حتى إن المرء مسؤول عن نفسه وعن كل من له صلة به.
- مسؤولية المرأة في رعاية بيت الزوج بكل ما يحتاج إليه من إشراف وتربية وأمانة وعفّة وإشاعة لروح المودّة والراحة فيه.
- الرجل والمرأة شريكان في الحياة الزوجية، ويجب على كل منهما أن يقوم بواجبه نحو الآخر.
- المسؤولية في الإسلام دينية يحاسَب المرء على التقصير فيها يوم القيامة، كما أنها دنيوية، فيحاسَب كل مقصّر على تقصيره أمام القضاء.
- رعاية الأب لأولاده وتوجيههم من أهم ما يجب أن يقوم به.
654
باب أمر وُلاة الأمور بالرّفق برعاياهم ونصيحتهم والشّفقة عليهم والنّهي عن غشهم والتّشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
عَنْ أبي يَعْلَى مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «ما مِنْ عبدٍ يسترعِيهِ اللهُ رعيَّةً، يَمُوتُ يومَ يَموتُ وهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللهُ علَيهِ الجَنَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي روايةٍ: «فَلَم يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ لمْ يجِدْ رَائحَةَ الجَنَّةِ ». • وفي روايةٍ لمسـلمٍ: «ما مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أُمورَ المُسلِمينَ، ثُمَّ لا يَجهَدُ لَهُم، ويَنْصحُ لهُمْ إلَّا لَم يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ».
مفردات الحديث
- يسترعيه: يُفوّض إليه رعاية وسياسة رعيته.
- غاش: خائن لهم ومضيع لحقوقهم.
- حرم الله عليه الجنة: أي حرم الله عليه دخولها مع الفائزين أول الأمر، أو حرمها عليه مطلقاً إن استحل غش المسلمين وخيانتهم .
- لم يحطها: لم يصنها ويحافظ على حقوقها ويحفظها.
- لا يجهد لهم: لم يبذل غاية جهده وطاقته من أجلهم.
فوائد الحديث
- تحذير الحكام من التفريط في حق رعاياهم وإهمال قضاياهم وتضييع حقوقهم.
- بيان واجب الحكام في بذل أقصى جهودهم فيما يُصلح أمر رعاياهم، وأن من فرط في ذلك حرم الجنّة مع الفائزين.
- بيان عظيم مسؤولية تولّي شؤون الغير سواء كانت تلك المسؤوليّة كبيرة أم صغيرة.
655
باب أمر وُلاة الأمور بالرّفق برعاياهم ونصيحتهم والشّفقة عليهم والنّهي عن غشهم والتّشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ في بيْتي هذا: «اللَّهمَّ، منْ وَلِيَ منْ أمرِ أُمَّتي شيئًا فشقَّ عليهمْ فاشْقُقْ عليْهِ، ومنْ وَلِيَ منْ أمْرِ أُمَّتِي شيئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ»
رَوَاهُ مُسْلِم
مفردات الحديث
- شقّ عليهم: ضيّق وشدّد عليهم بغير حق.
- فرفق بهم: عطف عليهم وكان ليِّنا معهم ورعى حقوقهم.
فوائد الحديث
- أنّ الجزاء من جنس العمل، فإذا شقّ الحاكم على أمّته وضيّق عليهم أوقعه الله في المشاقّ في الدنيا بتسليط الأعادي والناقمين عليه، وفي الآخرة بأنواع التعذيب.
- اهتمام النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بأمور أمته.
656
باب أمر وُلاة الأمور بالرّفق برعاياهم ونصيحتهم والشّفقة عليهم والنّهي عن غشهم والتّشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
عَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كَانَتْ بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، وسَيَكُونُ بَعدِي خُلَفَاءُ فَيَكثُرُونَ» قالوا: فَما تَأْمُرُنَا؟ قال: «أَوفُوا بِبَيعَةِ الأَوَّلِ فالأَوَّل، ثُمَّ أَعطُوهُمْ حَقَّهُمْ، وَاسأَلوا اللهَ الَّذي لَكُم، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى سائِلُهمْ عمَّا استَرْعاهُمْ»
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- إسرائيل: هو لقب يعقوب بن إسحاق عليهم السلام وأبناؤه هم قبائل اليهود، وإسرائيل اسم عبراني معناه عبد الله.
- تسوسهم: تؤدبهم وترعاهم كلما مات رسول خلفه رسول يقيم أمرهم وينصر مظلومهم.
- فيَكثرون: أي يكثر عددهم.
- فأوفوا ببيعة الأول: الزموا بيعته وأدوا حق طاعته.
فوائد الحديث
- أنه لا بد للناس من نبي أو خليفة يقوم بأمرهم ويحملهم على الطريق المستقيم ويكفيهم شر الظالمين.
- الحكام القائمون بالعدل من بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم هم خلفاؤه ما داموا قائمين على الحق.
- يجب على الرعية النصح للحكام والطاعة لهم، والمحافظة على بيعة الأول منهم.
- للرعية الحق أن يسألوا حكامهم الرفق بهم، وبذل الجهد في رعاية مصالحهم.
- من معجزات النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم إخباره عن المغيبات التي ستقع في المستقبل وأنه جاء وفق ما أخبر به.
657
باب أمر وُلاة الأمور بالرّفق برعاياهم ونصيحتهم والشّفقة عليهم والنّهي عن غشهم والتّشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
عَنْ عائِذِ بنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ دَخَلَ على عُبيدِ اللهِ بْنِ زِيادٍ، فقال: أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «إنَّ شَرَّ الرِّعاءِ الحُطَمةُ»
فإيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُم. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الرعاء: جمع راع وهو من كلّف بالرعاية من الأمراء والخلفاء.
- الحطمة: الفظّ القاسي الذي يظلم الناس ولا يرقّ لهم ويضرب بعضهم ببعض.
فوائد الحديث
- تحذير الحكّام من القسوة على رعاياهم والظلم لهم.
- وجوب مناصحة الحكّام وتذكيرهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
658
باب أمر وُلاة الأمور بالرّفق برعاياهم ونصيحتهم والشّفقة عليهم والنّهي عن غشهم والتّشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
عَنْ أبي مريمَ الأَزدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ لمعَاوِيةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «منْ ولَّاهُ اللهُ شَيئًا مِنْ أُمورِ المُسلِمينَ، فَاحَتجَبَ دُونَ حَاجتهِمْ وخَلَّتِهمْ وفَقرِهمُ احتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ وخَلَّتِهِ وفَقرِهِ يومَ القِيامةِ»
فَجعَلَ مُعَاوِيةُ رجُلًا على حَوَائجِ الناسِ. رواهُ أبُو داوُودَ والتِّرْمِذِيّ
مفردات الحديث
- فاحتجب: أي أعرض عن مصالحهم وتوارى عن مطالبهم، وذلك بمنعه أصحاب الحاجات من الوصول إليه.
- خلتهم: حاجتهم وفقرهم.
- احتجب الله دون حاجته: أي لم يجب له دعاء ولم يحقق له أملًا.
فوائد الحديث
- الجزاء من جنس العمل، فمن أعرض من الحكام عن حاجات شعبه منع الله عنه فضله، ولم يعطه حاجاته.
- تحذير الحكام من الاحتجاب دون الناس والإعراض عن تحقيق مصالحهم ومنعهم من الوصول إليهم.
- الحاكم العادل لا يأنف عن النصيحة وإذا ذُكِّر بشرع الله تعالى استجاب وأناب وقام بما يقتضيه ذلك.
659
باب الوالي العادل
عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «سبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمامٌ عادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجلَّ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مَعلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلان تَحَابَّا في اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فقال: إِنِّي أَخافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- سبعة: أي سبعة أصناف من الناس.
- في ظله: في ظل عرشه.
- إمام: الإمام صاحب الولاية العظمى، ويلحق به من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه.
- قلبه معلق في المساجد: أي مُحبٌّ لها منتظرٌ للصلاة فيها.
- ذات منصب: أي أصل وشرف.
- فاضت عيناه: بَكَتا وسال دمعهما.
فوائد الحديث
- فضل الإمام العادل ورعاية الله له، وإنما قُدم على من بعده لكثرة المصالح المتعلقة به.
- فضل الشاب الذي لم يزاول المعاصي وجاهد نفسه فنشأ على طاعة ربه.
- فضل من يرتاد المساجد ويهفو قلبه إليها كلما خرج منها حبًّا في الصلاة وأنواع العبادة فيها.
- فضل الحب في الله الذي يجمع بين الإخوان لا على عَرَض دنيوي.
- فضل العفّة عند توفر دواعي المعصية خشية من الله.
- فضل صدقة السرّ التي لا تجرح شعور الفقير ولا تدعوا إلى الرياء.
- فضل مراقبة الله في السر وخشيته في الوحدة المفضية إلى البكاء ندمًا وتوبةً.
- ﴿ وجعلني مباركًا أين ما كنت ﴾
- كن معلِّمًا للخير، داعيًا إلى الله،
- مذكِّرًا به، مرغِّبًا في طاعته، حتى تكون مباركاً أين ما كنت.
- لا تجمع على نفسك غدا ظُلْمتين،
- ظلمة القبر وظلمة السيئات.
- بل بدِّد ظلام القبر بركعات في جوف الليل، وأذهب السيئات بالحسنات والعفو. غدا تضيء هذه قبرك، وتُريك في الجنة قصرك.
660
باب الوالي العادل
عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إنَّ المُقسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلى مَنابِرَ مِنْ نورٍ، الَّذِينَ يعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأَهليهِمْ وما وَلُوا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- عند الله: المراد به يوم القيامة.
- المقسطين: المقسط هو العادل.
- في حكمهم: أي في قضائهم وقسمتهم للمال والحقوق وتعاملهم.
- وما ولوا: ما جُعل تحت سلطانهم وتصرفهم.
فوائد الحديث
- فضل العدل والحثّ عليه في أي نوع من أنواع الولاية والمسؤوليّة.
- بيان منزلة العادلين يوم القيامة
- لما كان العدل شاقًا على النفس لاسيما إذا كان للإنسان سلطة، جاء الحثّ عليه بهذا الفضل العظيم.
661
باب الوالي العادل
عَنْ عوفِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال : سمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذينَ تُحِبُّونهُمْ ويُحبُّونكُمْ ، وتُصَلُّونَ علَيْهِمْ ويُصَلُّونَ علَيْكُمْ ، وشِرَارُ أَئمَّتِكُمُ الَّذينَ تُبْغِضُونهُمْ ويُبْغِضُونَكُمْ ، وتَلْعَنونَهُمْ ويَلْعَنُونَكُمْ» قال: قُلْنا: يا رسُولَ اللهِ، أَفَلا نُنابِذُهُمْ؟ قالَ: « لا، ما أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا، ما أَقَامُوا فيكُمُ الصَلاةَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- خيار: جمع خير بمعنى أفضل.
- أئمتكم: جمع إمام والمراد ولاة أمركم سواء السلطان الأعلى أو من دونه.
- تحبونهم: أي لحسن سيرتهم وعدلهم.
- ويحبونكم: لامتثالكم.
- تُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ: تَدْعونَ لهُمْ.
- تلعنونهم: أي تسبُّونهم وتدعون عليهم لما وقع عليكم من ظلم منهم.
- ننابذهم :ننقض بيعتهم ونخالفهم ونخرج عليهم ونقاتلهم.
فوائد الحديث
- حثّ ولاة الأمور على العدل في الرعية، لتتحقق الألفة بينهم.
- حثّ الناس على طاعة ولاة الأمر في غير معصية.
- المناصحة بين الحكام والرعية تجلب المودة والألفة وبها يسود الأمن والرخاء.
- عدم الخروج على طاعة الحكام ما داموا يقيمون شعائر الإسلام ولا يجاهرون بالكفر.
- سب الظالم والتسخط منه هو نتيجة طبيعية لظلمه، ولا يعتبر منابذة له، حيث دل الحديث على أن المنابذة أمر زائد عن مجرد السب والتسخط.
- عظمة الشريعة في مراعاتها للمصالح الكبري، لأن منابذة الحاكم المتسلِّط تجرُّ إلى تسلُّط أشد وتفويت لمصالح أخرى.
662
باب الوالي العادل
عَنْ عِيَاضِ بن حِمارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «أَهْلُ الجَنَّةِ ثَلاثَةٌ: ذُو سُلْطانٍ مُقْسِطٌ مُوَفَّقٌ، ورَجُلٌ رَحِيمٌ رَقيقُ القَلْبِ لِكُلِّ ذِى قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيالٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أهل الجنة: أي من أهل الجنة.
- ذو سلطان: صاحب ولاية.
- موفق: يوفقه الله تعالى لما فيه مرضاته من العدل وغيره.
- رقيق القلب: أي لديه حنان وشفقة.
- عفيف متعفّف: لديه عفّة عن السؤال ويبالغ في تركه، ومجتنب لما لا يحلّ.
- ذو عيال: كثير العيال وهم من يعولهم الإنسان من زوجة وأبناء وربما آباء.
فوائد الحديث
- أن من أراد الله تعالى به خيرًا من الولاة وفَّقه للعدل بين الرعيّة والإحسان إليها.
- الحثّ على معاملة الناس برفق ولطف.
- التعفّف عن السؤال وتحصيل الرزق بالاكتساب.
- من أمارات أهل الجنّة أن يتحلى المرء بمثل هذه الصفات الطيبة، فيحرص على الخير.
663
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَنْ ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «عَلى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ والطَّاعَةُ فِيما أَحَبَّ وكِرِهَ، إِلَّا أنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإذا أُمِرَ بِمعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طاعَةَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- السمع والطاعة: القبول والانقياد، لقول ولي الأمر وأمره، فيما لم يكن معصية.
فوائد الحديث
- لمّا كانت النفوس تميل إلى الراحة والتخفّف من المسؤوليات إذا كانت لا توافق رغباتها جاءت الشريعة بالتأكيد على وجوب الطاعة لتستقيم أمور الأمّة وتتحقق مصالحها.
- طاعة الله أهم من كلّ طاعة، فمتى وقع تعارض بينهما كانت طاعة الله هي المقدَّمة، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
664
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: كُنَّا إذا بايَعْنا رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَلى السَّمْعِ والطَّاعةِ يقُولُ لَنَا: «فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- فيما استطعتم: أي خصصوا المبايعة بقولكم فيما استطعنا.
فوائد الحديث
- رحمة الشريعة حيث لم توجب على الإنسان الالتزام بما هو فوق طاقته البدنية أو النفسية أو غيرها.
- طاعة ولي الأمر تجب إذا أمر بما يطيقه المأمور ويدخل في إمكانه.
665
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «مَنْ خلَعَ يَدًا منْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يوْمَ القيامَةِ ولاَ حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ ماتَ وَلَيْس في عُنُقِهِ بيْعَةٌ مَاتَ مِيتةً جَاهِلِيَّةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • وفي روايةٍ لهُ: «ومَنْ ماتَ وَهُوَ مُفَارِقٌ للْجَماعةِ، فَإنَّهُ يمُوتُ مِيتَةً جَاهِليَّةً»
هذا لفظ أحمد في المسند
مفردات الحديث
- خلع يدًا من طاعة: أبطل بيعته بخروجه عن طاعة الحاكم بغير سبب شرعي.
- لا حجة له: لا عذر له في نقض عهده.
- ليس في عنقه بيعة: لم يبايع.
- مفارق للجماعة: مخالف للمسلمين في البيعة والطاعة للإمام الحاكم على السمع والطاعة.
- ميتة جاهلية: أي كميتة أهل الجاهلية على الضلال، حيث إنهم كانوا لا يدخلون تحت طاعة أمير ويرون ذلك عيبًا.
فوائد الحديث
- حرص النبي صلّى الله عليه وسلّم على اجتماع المسلمين ووحدة صفوفهم.
- وجوب البيعة للإمام العادل والتزام جماعة المسلمين.
- النهي عن عصيان الإمام المسلم إذا لم يأمر بمعصية، وتحريم الخروج عليه مادام مقيمًا للصلاة وللدين بين الناس.
666
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اسْمَعُوا وأَطِيعُوا وإنِ اسْتُعْمِلَ علَيْكُمْ عبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
مفردات الحديث
- استُعمل: تم وضعه عاملًا أي مسؤولًا عليكم مسؤولية خاصة أو عامة.
- عبد حبشيّ: مملوك لا ينظر إليه في المجتمع نظرة احترام وتعظيم.
- كأن رأسه زبيبة: أي شعره مجعَّد مفلفل يشبه الزبيب.
فوائد الحديث
- وجوب طاعة وليّ الأمر أو من يولِّيه وليّ الأمر على مسؤوليّة فيما ليس بمعصية دون النظر إلى لونه أو جنسه أو وضعه الاجتماعي.
- ذكر العبد في الحديث من أجل المبالغة في وجوب الطاعة، رغم تعذُر ذلك في العادة لأنّ من كان مملوكًا في نفسه لا يمكن أن يكون أميرًا أو حاكمًا أو مسؤولًا.
- ليس المقصود من الحديث إقرار العنصرية أو الانتقاص، وإنما هو إخبار عن واقع حال العرب في ذلك الوقت حيث كان أغلب المماليك يُجلبون من الحبشة، وإلّا فإنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد مدح النجاشيّ وأمر أصحابه أن يهاجروا إلى بلاده.
- طراز مآذن إسلامية.
- قيلَ لرجلٍ صالِح
- إذا كان الدجّالُ مكتوبٌ على جبينِه كافِر
- فَـ لا أعتقِد أن يتبعَه أحد
- قال: علبةُ الدخانِ مكتوبٌ عليها (الدخانُ قاتل) ومع ذلك يُدمِن عليه الكثيرُ مِن الناس
- العِبرةُ بالبصيرةِ، ﻻ بالبَصَر، ومَن لمْ يَجعلْ اللهُ له نوراً فَمالهُ مِن نور
667
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «عليْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ في عُسْرِكَ ويُسْرِكَ، وَمنْشَطِكَ ومَكْرهِكَ، وأَثَرَةٍ عَلَيْكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- عسرك ويسرك: أي في الحالتين الشدّة والرخاء، الضرّاء والسرّاء.
- منشطك: ما تنشط له نفسك وترغب في فعله، أي في حالة نشاطك.
- مكرهك: أي ما يكرهه الإنسان ويشق عليه.
- أثرة عليك: أي استئثارهم بالخيرات والمناصب والمكاسب لأنفسهم أو لمن يحابونهم، ويحرمونكم منها رغم استحقاقكم.
فوائد الحديث
- على وليّ الأمر أن يعدل ويتحرَّى العدل، ويتحرى الحقَّ، ويُنفّذ أوامر الشرع، فعليه واجبه، وعلى الرعية واجبهم.
- وجوب الطاعة في جميع الأحوال، ولو كان في ذلك مشقة على المكلف أحيانًا، أو ضياع لبعض المكاسب، تقديمًا للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
- العاقل من يُغلِّب المصلحة العامة ودفع الضرر العام على الضرر الخاص الذي يصيبه في نفسه.
668
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَنْ عبدِ اللهِ بن عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: كُنَّا مَعَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في سَفَرٍ ، فَنَزَلْنا منْزِلًا، فَمِنَّا منْ يُصلحُ خِباءَهُ، ومِنَّا منْ ينْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ في جَشَرِهِ، إذْ نادَى مُنَادِي رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "الصَّلاةَ جامِعةً" فاجْتَمعْنَا إلى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالَ: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلي إلّا كَانَ حَقًّا علَيْهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلى خَيرِ ما يعْلَمُهُ لهُمْ، ويُنذِرَهُمْ شَرَّ ما يعلَمُهُ لهُمْ، وإنَّ أُمَّتَكُمْ هذِهِ جُعِلَ عَافيتُها في أَوَّلِها، وسَيُصِيبُ آخِرَهَا بلاءٌ وأُمُورٌ تُنكِرُونَهَا، وتجيءُ فِتَنٌ يُرقِّقُ بَعضُها بَعْضًا، وتجيءُ الفِتْنَةُ فَيقُولُ المُؤمِنُ: هذِهِ مُهْلِكَتي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وتجيءُ الفِتنَةُ فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: هذِهِ هذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عنِ النَّار،ِ ويُدْخَلَ الْجنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، ولْيَأْتِ إلى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤتَى إلَيْهِ، ومَنْ بَايعَ إمامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يدِهِ، وثمَرةَ قَلْبهِ، فَليُطِعْهُ إنِ اسْتَطَاعَ، فَإنْ جَاءَ آخَرُ ينازِعُهُ، فاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- منزلًا: هو موضعًا ننزل ونستريح فيه.
- خباءه: ما يَختبئ فيه وهو الخيمة أو ما شابهها.
- ينْتَضِلُ: أي يُسابِقُ بالرَّمْي بالنَّبْلِ والنُّشَّابِ
- الجَشَر: هي الدَّوابُّ التي تَرْعَى وتَبيتُ مَكانَها.
- الصلاة جامعة: أي احضروا لتصلوا مجتمعين.
- عافيتها: سلامتها من الفتن.
- يُرقٍّقُ بعْضُهَا بَعضًا: يُصيِّرُ بعضُها بعضًا رقِيقًا، أيْ خَفِيفًا لِعِظَمِ ما بعْدَهُ، فالثَّاني يُرقِّقُ الأَوَّلَ.
- أمور تنكرونها: أي مستحدثة ومبتدعة ومخالفة للشرع.
- مُهلكتي: أي فيها هلاكي.
- يُزحزح: يُنحَّى ويُبعد.
- فلتأته منيته: فليحرص أن يأتيه الموت وهو يؤمن بالله واليوم الآخر.
- ليأت إلى الناس: أي ليتعامل مع الناس.
- صفقة يده: ضرب اليد على اليد والمراد أنه قد أكَّد البيعة.
- ثمرة قلبه: عقد قلبه على الإخلاص في طاعته.
- ينازعه: يخرج عن طاعته ويريد الملك لنفسه.
- فاضربوا عنق: فاقتلوا.
فوائد الحديث
- استحباب جمع الناس من أجل إخبارهم بما يهمهم.
- من واجب الحكّام والعلماء تنبيه الأمّة وتحذيرها من الأخطار.
- معجزة النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم بإخباره عن حدوث فتن متوالية يجر بعضها بعضًا، وكل فتنة أشدّ وأكثر تعقيدا من سابقتها، وكل هذا وقع كما أخبر بذلك صلّى الله عليه وسلّم، فنسأل الله العافية منها.
- التحذير من الخوض في الفتن والدخول فيها.
- التزام الإيمان، وسلوك سبل الهداية، والمعاملة الحسنة والخلق الطيّب مع الناس من أهم المعينات على الوقاية من شرّ الفتن التي تقود إلى الوقوع في جهنم.
- الوفاء بالعهد للحاكم المسلم والتزام السمع والطاعة فيما يستطيع في غير معصية.
- وجوب القتال مع الإمام العادل على من خرج عليه من البغاة، وفق شروط وتفاصيل في كتب الفقه والسياسة الشرعيّة.
- حرص الشريعة على المحافظة على وحدة صفّ المسلمين وعدم تفريق كلمتهم.
- ٦٦٨- عَنْ عبدِ اللهِ بن عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: كُنَّا مَعَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في سَفَرٍ ، فَنَزَلْنا منْزِلًا، فَمِنَّا منْ يُصلحُ خِباءَهُ، ومِنَّا منْ ينْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ في جَشَرِهِ، إذْ نادَى مُنَادِي رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "الصَّلاةَ جامِعةً" فاجْتَمعْنَا إلى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالَ: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلي إلّا كَانَ حَقًّا علَيْهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلى خَيرِ ما يعْلَمُهُ لهُمْ، ويُنذِرَهُمْ شَرَّ ما يعلَمُهُ لهُمْ، وإنَّ أُمَّتَكُمْ هذِهِ جُعِلَ عَافيتُها في أَوَّلِها، وسَيُصِيبُ آخِرَهَا بلاءٌ وأُمُورٌ تُنكِرُونَهَا، وتجيءُ فِتَنٌ يُرقِّقُ بَعضُها بَعْضًا، وتجيءُ الفِتْنَةُ فَيقُولُ المُؤمِنُ: هذِهِ مُهْلِكَتي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وتجيءُ الفِتنَةُ فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: هذِهِ هذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عنِ النَّار،ِ ويُدْخَلَ الْجنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، ولْيَأْتِ إلى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤتَى إلَيْهِ، ومَنْ بَايعَ إمامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يدِهِ، وثمَرةَ قَلْبهِ، فَليُطِعْهُ إنِ اسْتَطَاعَ، فَإنْ جَاءَ آخَرُ ينازِعُهُ، فاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
669
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَنْ أبي هُنَيْدةَ وائِلِ بنِ حُجْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سأَلَ سَلَمةُ بنُ يزيدَ الجُعْفيُّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فقالَ: يا نبيَّ اللهِ، أرَأَيْتَ إنْ قَامَتْ علَيْنَا أُمراءُ يَسأَلُونَا حقَّهُمْ، ويمْنَعُونَا حقَّنا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرضَ عنهُ، ثُمَّ سألَهُ، فَقَال رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اسْمَعُوا وأطِيعُوا، فَإنَّما علَيْهِمْ ما حُمِّلُوا، وعلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ما حُمِّلوا: أي عليهم إثم ما قصروا به، وسيقفون أمام الله يوم القيامة فيسألهم عن تقصيرهم.
- حُمِّلتم: أي ما كُلَّفتم به من السمع والطاعة رغم تقصيرهم في حقوقكم.
فوائد الحديث
- وجوب الطاعة للحاكم ولو قصَّر في واجبه، حفاظًا على الاستقرار والمصلحة العامة للأمة المسلمة، وليس رضا بالظلم وإقرارا له.
- تقصير الحكّام في واجبهم لا يبرر تقصير الناس بالمقابل في واجباتهم، لأن الخطأ لا يعالج بالخطأ.
- الجميع مسؤول عن عمله ومؤاخذ عن تقصيره، ولا يعفيه من المساءلة تقصير الآخرين تجاهه
670
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إنَّهَا ستَكُونُ بعْدِي أَثَرَةٌ وأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا» قالوا: يا رسُولَ اللهِ، كَيفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْركَ مِنَّا ذلكَ؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أثرة: أي استئثار بالخيرات والمناصب والمكاسب من طرف من كان الأمر بيده، أو تفضيله لمن حوله على بقية الناس رغم تساويهم في الاستحقاق.
فوائد الحديث
- يجب على الحكام أن يعدلوا، وأن يوصلوا الحقوق إلى أصحابها.
- الإشارة إلى أن الغالب في من كان ظالما أنه لا يستجيب لمطالب الناس برد حقوقهم، فكان التوجيه الرفيق الشفيق منه صلى الله عليه وسلم أن يتوجهوا إلى مالك الملك سبحانه أن ييسر لهم حقوقهم أو يرزقهم الصبر ويخلفهم خيرًا وأبقى في دار الخلود.
671
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ أَطَاعَني فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَاني فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأمِيرَ فَقَدْ أطَاعَني، ومَنْ يعْصِ الأمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الأمير: كل من له ولاية سواء الإمام أو من دونه.
فوائد الحديث
- حرص الشريعة على استقامة أمور المسلمين الدينية والدنيوية، حيث جعلت طاعة من ولي من أمر المسلمين شيئًا جزءًا من طاعة الله وطاعة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ترغيبًا فيها وتعظيمًا لأجرها وترهيبًا من مخالفتها.
- الطاعة المقصودة هنا هي فيما لم تكن معصية أو تؤدي إلى معصية وكانت في حدود استطاعة الإنسان، لأنّ طاعته تابعة لطاعة الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم فلا يمكن أن تعارضهما.
672
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَن ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما: أنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شيْئًا فَليَصبِرْ، فإنَّهُ مَنْ خَرجَ مِنَ السُّلطَانِ شِبرًا مَاتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- * الصبر على أخطاء الحكام، مع إسداء النصح لهم بالطرق الشرعية المناسبة، ويستثنى من ذلك إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته.
- * التنفير من الخروج عن طاعة الأمير المسلم، لما يترتب عليه من مفسدة عامة للمسلمين.
- * الإنكار على السلطان إذا لم يؤدّ الى شقّ العصا والخروج عليه مطلوب.
673
باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
عَنْ أبي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «مَنْ أهَانَ السُّلطَانَ أَهَانَهُ الله»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- أهان السلطان: أي استخف بمن يتولى شيئًا من أمور المسلمين.
- أهانه الله: أذله الله في الدنيا وعذبه في الآخرة.
فوائد الحديث
- الحث على توقير واحترام من يتولون أمور المسلمين ويقيمون دين الله بينهم، لتصبح لهم هيبة في النفوس، فيسمع قولهم ويطاع أمرهم.
- كمال السياسة الشرعية القائمة على أمر الحاكم بإقامة الدين والعدل وترهيبه من الفساد والجَوْر، وأمر الرعية بالطاعة ولو كان في نفوسهم كراهة لها أو وقع عليهم ظلم خاص، حرصا على المصلحة العامة واجتماع المسلمين لا إقرارا للظلم ولا رضا به.
674
باب النّهي عن سؤال الإمارة، واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين عليه أو تدْعُ حاجةٌ إليه.
عَنْ أبي سعيدٍ عبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمُرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ لي رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَا عَبدَ الرَّحمنِ بنَ سَمُرَةَ، لا تَسأَلِ الإمارَةَ، فَإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَها عَنْ غَيْرِ مسأَلَةٍ أُعنتَ علَيها، وإنْ أُعطِيتَها عَنْ مسأَلةٍ وُكِلتَ إلَيْها، وإذَا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ، فَرَأَيتَ غَيرهَا خَيرًا مِنهَا فَأتِ الَّذي هُوَ خيرٌ، وكفِّرْ عَنْ يَمينِكَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا تسأل الإمارة: لا تطلب الولاية والمنصب.
- أُعنت عليها: أعانك الله بالتسديد والتوفيق للصواب.
- وُكلت إليها: فقدت إعانة الله لك عليها.
- حلفت على يمين: أقسمت على شيء أن تفعله أو تتركه، وليس المراد الحلف لتأكيد أو نفي خبر معيَّن.
- فرأيت غيرها خيرًا منها: تبين لك أن الخير في غير ما حلفت عليه.
- فأتِ: فافعل.
- كفّر: أدِّ كفّارة اليمين.
فوائد الحديث
- النهي عن طلب الإمارة وتولي المسؤوليات، حفظا للنفس عن إدخالها فيما قد تعجز عن القيام بحقه.
- جواز قبول الإمارة والتكليف لمن أُعطيها من غير طلب.
- استحباب فعل الإنسان خلاف ما حلف عليه وذلك إن كان مخالفة ما حلف عليه أكثر نفعًا.
- من حنث في يمينه وجبت عليه الكفارة، وهي: إعتاق رقبة أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن كان فقيرًا لا يملك هذا صام ثلاثة أيام، ولا يجوز لمن كان قادرًا ماليًا أن ينتقل للصيام.
- تُستثنى من الحديث بعض الحالات كما لو لم يكن هناك كفؤ غيره فإنّه يُعان عليها ولو كان قد طلبها.
675
باب النّهي عن سؤال الإمارة، واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين عليه أو تدْعُ حاجةٌ إليه.
عَن أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال لي رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يا أبا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضعِيفًا، وإِنِّي أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لِنَفْسِي، لا تَأَمَّرنَّ على اثْنيْنِ ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتِيمٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ضعيفًا: المقصود لا قدرة لديك على القيام بأعباء الولاية، وذلك لما كان عليه من صفات شخصية لا تناسب حال الإمارة وما تحتاج إليه من شدة وحسم وحزم.
- لا تَأَمَّرنّ: أي لا تقبل أن تكون حاكمًا ولا أميرًا.
- ولا تولَّينّ: أي لا تكن وصيًا ولا ترض ولايةً.
فوائد الحديث
- معرفة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه وصفاتهم وتوجيههم للأصلح لهم.
- تحريم طلب أو قبول الولاية لمن علم من نفسه الضعف عن القيام بأعبائها.
- الحثّ على حفظ مال اليتيم وعدم الأكل منه بغير حق أو تضييعه.
- حرص الإسلام على المصلحة العامة في أن لا يتولى إلا من كان قويًا قادرًا على أعباء الولاية.
676
باب النّهي عن سؤال الإمارة، واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين عليه أو تدْعُ حاجةٌ إليه.
عَن أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ألا تَستعمِلُني؟ فضَربَ بِيدِهِ على مَنْكِبِي ثُمَّ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنَّهَا أَمانةٌ، وإنَّها يومَ القيامَةِ خِزْيٌ ونَدَامةٌ، إلّا منْ أخَذَهَا بِحقِّها، وَأَدَّى الَّذِي عليهِ فِيها»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- تستعملني: تجعلني عاملًا، أي تجعل لي مسؤوليّة على عمل.
- منكبي: كتِفي.
- وإنّها خزي وندامة: أي الإمارة فضيحة قبيحة لمن لم يقم بحقها فتجعله يندم على تولِّيها.
- بحقها: أي كان أهلًا لها.
فوائد الحديث
- من طلب الولاية لا يُولَّى، وأحقّ الناس بها من كان كفؤا لها.
- الولاية أمانة عظيمة ومسؤولية خطيرة، فعلى من ولِيَها أن يرعاها حقّ رعايتها وأن لا يخون عهد الله فيها.
- فضل من تولى الولاية وكان أهلًا لها، سواء كان إمامًا عادلًا، أو خازنًا أمينًا أو عاملًا متقنًا.
- لا يكفي لحصول الفضل أن يكون الإنسان مؤهلًا لهذه الولاية، بل لا بد أن يكون مستمرًا في أداء متطلباتها، ومتى وجد نفسه عاجزًا عن القيام بحقها أصبح من أمانته أن يُفسح المجال لغيره.
677
باب النّهي عن سؤال الإمارة، واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين عليه أو تدْعُ حاجةٌ إليه.
عَن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إنَّكمْ ستحرِصونَ على الإمارةِ، وستَكُونُ نَدَامَةً يوْمَ القِيامَةِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- ستحرصون: سيكون من بعضكم حرص بالطلب وغيره.
فوائد الحديث
- التنفير من الحرص على المراتب والمناصب، وخاصة ممّن لا تتوفر فيه الأهلية، أو لمس من نفسه التقصير في واجباتها.
- لما كانت الإمارة جميلة في ظاهرها تستشرف لها النفوس ناسب أن يُبيّن عاقبتها الأخروية لمن لم يقم بها على الوجه الأكمل.
- الحرص المذموم هو أن يطلب ما هو قائم لغيره، أما إن حرص على القيام بأمر ضائع من أمور المسلمين، أو على سدّ خلّة فيهم فلا بأس.
678
باب حثّ السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير صالح وتحذيرهم من قرناء السوء والقبول منهم.
عن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ ولا استَخْلَفَ مِنْ خَليفَةٍ إلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتحُضُّهُ عليهِ، وبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وتحُضُّهُ عليهِ، والمَعصُومُ: منْ عَصَمَ اللهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- خليفة: حاكم أو ذو ولاية.
- بطانتان: فئتان من الأعوان، وبطانة الرجل صاحب سره الذي يشاوره في أحواله.
- تأمره بالمعروف: تشير عليه بما عُرف واستحسن شرعًا من إقامة الدين والعدل بين الناس، وتشير عليه بالأصلح في أمور الدنيا.
- تحضّه: تحثّه.
- تأمره بالشر: تدعوه إليه وتزيِّنه له.
- المعصوم: المحفوظ من تأثير بطانة الشر.
- من عصمه الله: حفظه الله، بالاهتداء إلى شرع الله تعالى وصرفه عن قرناء السوء واتباع الهوى.
فوائد الحديث
- من واجب الحاكم أن يختار من عُرف بالتقوى والأمانة والخبرة والنصح، ويقربهم إليه ويستشيرهم في أموره، وأن يبعد عنه من عرف بالشر والفساد ويكون منهم على حذر.
- طاعة الله عزّ وجلّ واتباع شرعه عصمة من الزلل، فعلى الحاكم أن يعتصم به ويطبق أحكامه، ليقي نفسه من التأثُّر ببطانة السوء.
679
باب حثّ السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير صالح وتحذيرهم من قرناء السوء والقبول منهم.
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالتْ: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إذا أرَادَ اللهُ بالأمِيرِ خيرًا جَعَلَ له وزيرَ صِدْقٍ، إنْ نَسِي ذكَّرَهُ، وَإنْ ذَكَرَ أعَانَهُ، وَإذا أَرَادَ بهِ غَيرَ ذلكَ جعَلَ لهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إنْ نَسيَ لمْ يُذَكِّرْهُ، وَإنْ ذَكَرَ لم يُعِنْهُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسْنَادٍ جَيِّدٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ
مفردات الحديث
- وزير: الوزير هو الصاحب المؤازر الذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره ويحمل عنه شيئًا من أثقاله.
- صدق: صادق ناصح.
- إن نسي: أي شيئًا مما يجب فعله ويحقق مصلحة الأمة.
- وزير سوء: وزير سيّئ يميل إلى الشر والفساد ويرغب في ظلم الحاكم للرعية.
فوائد الحديث
- وجود فئة صالحة حول الحاكم ترشده إلى الخير وتعينه عليه دليل توفيق الله تعالى له ورضاه عنه، وفي ذلك عون على إقامة العدل.
- تحذير الحكام من بطانة الشر، فإنها سبب للإفساد والطغيان.
- التاريخ حافل بالوقائع المؤلمة في انهيار دول بسبب بطانة الشر التي كانت تحيط بالحكام.
680
باب النّهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما من الولايات لمن سألها أو حرص عليها فعرّض بها.
عنْ أبي موسى الأَشْعريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: دخَلتُ على النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَا وَرَجُلانِ مِنْ بني عَمِّي، فقال أحَدُهُمَا: يا رسولَ اللهِ أمِّرنَا عَلى بعضِ مَا ولَّاكَ اللهُ عزَّ وجلَّ، وقالَ الآخرُ مِثْلَ ذلكَ، فقال: «إنَّا واللهِ لا نُوَلِّي هذَا العَمَلَ أحدًا سَأَلَهُ، أوْ أحَدًا حَرَصَ عليْهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- من بني عمي: من أقاربي وقبيلتي.
- أمِّرنا: اجعلنا أمراء.
- هذا العمل: الولاية على شيء من أمور المسلمين.
- حرص عليه: رغب به واهتم اهتمامًا شديدًا.
فوائد الحديث
- كراهة الحرص على تولّي إدارة شؤون الناس وتمنّي الإمارة، خوفًا من عدم وجود القدرة والمؤهّلات الضروريّة لذلك.
- لا يجوز تولية من طلب منصبًا، أو حرص عليه، لأنّ ذلك يشعر بأنّه يريده غالبًا لنفع نفسه لا للمصلحة العامة، وفي ذلك ضرر للأمة.
- على الحاكم أن لا يولي أحدًا منصبًا إلّا إذا كان كفؤًا له.
- كتاب الأدب
681
باب الحياء وفضله والحثّ على التخلّق به
عنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ في الحَيَاءِ، فَقَالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «دَعْهُ فإِنَّ الحياءَ مِنَ الإِيمانِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يعظ في الحياء: يبين له ما يناله من ضرر بسبب ملازمته له، والظاهر أنه كان مفرطًا فيه.
- الحياء: صفة كريمة تقوم في النفس فتمنعها من فعل ما يستقبح.
- من الإيمان: جزء من الإيمان ومن صفات المؤمنين.
فوائد الحديث
- فضل الحياء، وأنه من كمال الإيمان، لأن المستحي ينقطع عن فعل المعاصي، فيحمله حياؤه هذا على فعل الطاعات.
- الحياء فطرة وغريزة في الإنسان، ولكنه ينمو ويزداد بالتخلُّق والاكتساب والتزام آداب الشريعة.
682
باب الحياء وفضله والحثّ على التخلّق به
عَنْ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الْحَيَاءُ لا يَأْتي إلَّا بِخَيْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . • وفي روايةٍ لمسلم: «الحَياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» أوْ قَالَ: «الحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ».
فوائد الحديث
- الحثّ على التخلُّق بخلق الحياء، وأنه خير للفرد والمجتمع، لما يحمل عليه من فعل الحسن وترك القبيح.
- ترك إنكار المنكر وعدم الجهر بالنصح وترك المطالبة بالحقوق ضعف وجُبن وليس من الحياء في شيء.
683
باب الحياء وفضله والحثّ على التخلّق به
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «الإيمَانُ بِضْعٌ وسبْعُونَ، أوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبةً، فَأَفْضَلُها قوْلُ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَأدْنَاها إمَاطةُ الأَذَى عنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بِضْع: هُو مِنَ الثَّلاثةِ إلى الْعَشَرَةِ.
- شُعبة: قِطْعَة وخَصْلَة.
- فأفضلها: أكثرها ثوابًا وأعلاها مكانةً عند الله تعالى.
- أدناها: أقلها ثوابًا ودرجةً.
- إماطَة: إزَالَة.
- الأَذَى: مَا يُؤذِي، كَحجَرٍ وَشَوْكٍ وَطينٍ وَرَمَادٍ وَقَذَرٍ وَنحوِ ذلكَ.
فوائد الحديث
- أنّ الإيمان درجات ومراتب، وأنّ الحياء درجة من درجاته، وصفة من صفاته، لما له من أثر في النفس والسلوك.
- ألّا نحتقر شيئًا من الأعمال ولو كان صغيرًا فى أعيننا، فإنّ إماطة الأذى عمل يسير، ولكنه من الإيمان.
684
باب الحياء وفضله والحثّ على التخلّق به
عَنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: كان رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، فَإذَا رأى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ في وَجْهِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- العذراء: البكر وهي الأنثى التي لم تتزوج بعد.
- الخدر: ناحية مخفية في البيت يترك عليها ستر.
- عرفناه من وجهه: أي تغير وجهه ولم يتكلم لشدة حيائه.
فوائد الحديث
- حَقِيقَةُ الحَياءِ خُلُقٌ يبْعثُ على تَرْكِ الْقَبِيحِ، ويمْنَعُ منَ التَّقْصيرِ في حَقِّ ذِي الحَقِّ.
- الحثّ على التخلّق بالحياء، اقتداءً به صلّى الله عليه وسلّم.
- الحياء صفة ذاتية للأنثى، لذلك كانت قلة الحياء في النساء دليل قرب الساعة.
- بيان ما اشتمل عليه النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم من الحياء، وهو من الخلق العظيم.
685
باب حفظ السر
عَنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ الرَّجُلَ يُفضِي إلى المَرْأَةِ وَتُفضِي إلَيهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يفضي: هو كناية عن ما يكون بين الرجل وامرأته من مباشرة وجماع.
- ينشر سرّها: يذكر للناس ما يجري بينه وبين زوجته في خلوتهما من أمور بالغة الخصوصية مما يجب ستره.
فوائد الحديث
- الوعيد الشديد لمن ينشر سر زوجته، أو يتكلّم للناس ما جرى بينهما، وهذا يقتضي كون هذا العمل من كبائر الذنوب.
- من حقوق الزوجة على زوجها عدم إفشاء أسرارها، وذلك بأن يذكر عيبًا من عيوبها الباطنة، أو يذكر من محاسنها مما يجب ستره.
- أنّ المرأة كالرجل يحرم عليها ذلك أيضًا.
- ٦٨٦عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أنَّ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حينَ تَأَيَّمتْ بِنْتُهُ حفْصةُ قالَ: لقيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعَرَضْتُ علَيْهِ حفصةَ فَقُلتُ: إنْ شِئتَ أنكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمرَ؟ فقالَ: سَأَنْظُرُ في أمْرِي، فَلبِثْتُ ليَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَني، فقال: قد بدا لي أن لا أَتَزَوَّجَ يوْمي هذا، فَلَقِيتُ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فقلتُ: إنْ شِئْتَ أَنكَحْتُكَ حَفْصةَ بنْتَ عُمَرَ، فصمتَ أبو بكْرٍ، فَلَمْ يرْجِعْ إليَّ شَيْئًا، فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوجَدَ مِنِّي على عُثْمانَ، فَلَبثْتُ ليَالِيَ، ثُمَّ خطَبهَا النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَأَنْكَحْتُهَا إيَّاهُ، فلَقِيَنَي أبُو بكْرٍ فقالَ: لَعَلَّكَ وجَدْتَ علَيَّ حِينَ عَرضْتَ علَيَّ حفْصةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْك شَيْئًا؟ فقلتُ: نَعمْ، قالَ: فَإِنَّهُ لمْ يَمْنعْني أنْ أرْجِعَ إِلَيْكَ فيما عرضْتَ عليَّ إلَّا أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ذَكرَها، فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولوْ تَركَهَا النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لقَبِلْتُهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
687
باب حفظ السر
عَنْ عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها قالتْ: كُنَّ أَزْواجُ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عنْدهُ، فَأْقْبلتْ فَاطِمةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا تَمْشِي، مَا تُخْطئ مِشْيتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم شَيْئًا، فَلَمَّا رآها رَحَّبَ بها وقالَ: «مرْحبًا بابنَتي» ثُمَّ أَجْلَسهَا عنْ يمِيِنِهِ أَوْ عنْ شِمالِهِ، ثُمَّ سارَّها فَبَكتْ بُكَاءً شديدًا، فلَمَّا رَأى جَزَعَها، سَارَّها الثَّانِيةَ فَضَحِكَت، فقلتُ لهَا: خصَّكِ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِن بيْنِ نِسائِهِ بالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِين! فَلَمَّا قَام رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم سأَلْتُهَا: ما قال لكِ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ قالتْ: ما كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلى رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم سِرَّهُ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قلتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لي عَلَيْكِ مِنَ الحَقِّ، لَمَا حدَّثْتنِي ما قالَ لكِ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ فقالتْ: أَمَّا الآنَ فَنعمْ، أَما حِينَ سَارَّني في المَرَّةِِ الأولى فَأخْبرني «أَنَّ جِبْرِيلَ كَان يُعارِضُهُ القُرْآن في كُلِّ سَنَةٍ مرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وأَنَّهُ عَارَضهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنِّي لا أُرَى الأجَلَ إلاَّ قدِ اقْتَرَبَ، فاتَّقِي اللهَ واصْبِرِي، فَإنَّهُ نِعْم السَّلَفُ أَنَا لكِ» فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذي رأيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزعِي سَارَّني الثَّانيةَ، فقالَ: «يَا فَاطمةُ، أَما تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُوني سيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ، أوْ سَيِّدةَ نِساءِ هذهِ الأُمَّةِ؟»
فَضَحِكتُ ضَحِكي الَّذي رأَيْتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وهذا لَفْظُ مُسْلِمٍ
مفردات الحديث
- جزعها: شدّة حزنها وضعفها عن تحمل ما سمعت.
- عزمت عليك: أقسمت بالذي لي عليك من الحق.
- يعارض القرآن: يقرأ النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم ويسمع جبريل عليه السلام، ثم يقرأ جبريل ويسمع النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، والمراد بالقرآن ما اجتمع منه إلى حين تدارسهما، وقد تم نزول القرآن قبل وفاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بوقت قليل.
- الأجل: آخر مدة الحياة.
- فاتقي الله: عند حلول الموت، ولا تفعلي محرمًا من النياحة وغيرها.
- فإنه نعم السلف أنا لك: السلف من يسبق ويتقدّم، والمراد أنّه صلّى الله عليه وسلّم سيكون أمامها في الجنّة حتى تصبر على فراقه.
فوائد الحديث
- جواز البكاء الخالي من الإثم.
- فضل فاطمة رضي الله عنها وأنها أفضل نساء هذه الأمة.
- لا ينبغي إفشاء السرّ ولا يلزم كتمانه بعد وفاة صاحبه إلا إن كان فيه ضرر عليه.
- يستحبّ للإنسان إذا شعر بقرب أجله أو نحو ذلك أن يأمر أهله بالصبر وعدم الجزع على المصيبة والنياحة.
- استحباب مدارسة القرآن الكريم وتكثير العبادة وخاصة في آخر العمر.
688
باب حفظ السر
عَنْ ثابتٍ، عنْ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: أَتى عليَّ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وأَنا ألْعبُ مع الْغِلْمانِ، فسلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثني في حاجةٍ، فَأبْطأْتُ على أُمِّي، فَلَمَّا جِئتُ قالتْ: ما حَبَسَكَ؟ فقُلتُ: بَعَثَني رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لحَاجَةٍ، قالتْ: ما حَاجتُهُ؟ قلتُ: إِنَّهَا سرٌّ، قالتْ: لا تُخِبرَنَّ بسِرِّ رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحدًا، قال أَنَسٌ: واللهِ لوْ حدَّثْتُ بِهِ أحَدًا لحدَّثْتُكَ بِهِ يَا ثابِتُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وروى الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ مُخْتصَرًا.
مفردات الحديث
- فأبطأت: تأخرت وطالت غيبتي.
- ما حبسك: ما منعك.
فوائد الحديث
- فضل أنس بن مالك رضي الله عنه، وعظيم لطفه، وصدق أمانته ووفائه، وكتمانه سرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيًا وميتًا.
- حسن تربية أم أنس لابنها، فإنها أوصته بعدم التحدث بسرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
- كتم سرّ الإخوة وعدم إفشائه من كرم الأخلاق والآداب الإسلامية.
689
باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدَّث كَذبَ، وإذا وَعدَ أخلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • زاد في روايةٍ لِمُسْلِمٍ: «وإنْ صَامَ وصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مسلِمٌ».
مفردات الحديث
- آية المنافق: أي علامة المنافق.
- المنافق: الّذي يخالف ظاهرُه باطنَه.
- أخلف: لم يفِ بوعده.
فوائد الحديث
- شمول الإسلام لجوانب التعامل الصادق مع الناس في الحديث والوعد والأمانة.
- تحذير النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم المسلمين من مرض النفاق وبيان علاماته لِبيان شدّة خطره.
- من اجتمعت فيه هذه الصفات دل ذلك على تأصُّل الشر فيه حتى وُصِف بالنفاق ونُفي عنه الإسلام، وهذا وعيد شديد.
- أن اجتماع هذه الصفات قد يكون سببًا يقود صاحبه للخروج من الإسلام.
- ضرورة محاسبة الإنسان نفسه لسلامة إيمانه.
- بيان أن هذه الصفات أكثر ما تظهر من المنافقين نفاقًا أكبر.
690
باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد
عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «أرْبع مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومنْ كَانَتْ فِيهِ خَصلَةٌ مِنْهُنَّ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إذا اؤْتُمِنَ خَانَ، وإذَا حدَّثَ كذَبَ، وَإذا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإذا خَاصَمَ فَجَرَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- المنافق: هو من يضمر الكفر ويتظاهر بالإسلام، وهو سيء الباطن حسن الظاهر.
- الخصلة: الصفة المتأصّلة.
- غدر: نقض ما اتفق عليه وفعل خلافه.
- فجر: بالغ في الخصومة، وفي الميل عن الحق.
فوائد الحديث
- الأخلاق الفاضلة وثيقة الصلة بالإيمان.
- النفاق خسة في الطبع، ويؤدي إلى الضرر بالفرد والمجتمع وظاهرة النفاق كثيرًا ما أضرت أكبر الضرر بحياة الأمم والجماعات.
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر ". رواه البخاري ومسلم
691
باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ لي النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لو قدْ جاءَ مالُ الْبَحْرَيْنِ أعْطَيْتُكَ هكَذا وهكذا وَهَكَذا» فَلَمْ يَجئْ مالُ الْبحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَنَادى: مَنْ كَانَ لَهُ عنْدَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عِدَةٌ أوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأتَيتُهُ وقُلْتُ لَهُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال لي كَذَا وَكَذَا، فَحثَى لي حَثْيَةً، فَعدَدْتُها، فَإذا هِيَ خَمْسُ مِئَةٍ، فقال لي: خُذْ مِثْلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- مال البحرين: أي أموال الزكاة ونحوها التي يتم جلبها من هناك إلى المدينة النبوية.
- هكذا وهكذا وهكذا: التكرار كناية عن كيفية الأخذ وأنه كان ثلاث مرات، وفي رواية للبخاري زيادة "فبسط يديه ثلاث مرات".
- قُبض: توفاه الله تعالى إليه.
- عِدَة: أي شيء وعده به.
- فحثى لي حثية: أي غرف له من المال بيديه.
فوائد الحديث
- بيان كرمه صلّى الله عليه وسلّم وبذله لصحابته الكرام رضي الله عنهم.
- جواز أن يعِد الإنسان غيره بعطاء معلَّق على أمر ليس في يده.
- من تولى مسؤولية معينة مطالب بأن يوفي بالتزامات المسؤول السابق ووعوده وألَّا يتجاهلها.
692
باب المحافظة على ما اعتاده من الخير
عَن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قال: قال لي رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يا عبْدَ اللهِ، لا تَكُنْ مِثلَ فُلانٍ، كَانَ يقُومُ اللَّيْلَ فَترَكَ قيَامَ اللَّيْلِ!»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يقوم الليل: يصلي صلاة التهجد.
فوائد الحديث
- استحباب المداومة على فعل الخير دون تفريط أو إفراط.
- الاتعاظ بمن انقطع عن طاعة، ليحرص الداخل فيها على اتخاذ ما يعينه على الاستمرار.
- جواز ذكر الشخص بما فيه من عيبٍ إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه.
- كراهية ترك العبادة وإن قلّت، ولو لم تكن واجبة.
- الحضّ على صلاة اللّيل وتشمل الوتر.
693
باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوَجه عند اللقاء.
عَن عَدِيِّ بنِ حَاتمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يجدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- اتقوا النار: اجعلوا بينكم وبينها وقاية من العمل الصالح ما يحفظكم من دخولها.
- ولو بشقّ تمرة: ولو أن تتصدّقوا بنصف تمرة.
فوائد الحديث
- استحباب الصدقة ولو بالقليل.
- استحباب رد السائل بالكلام اللين والوعد الجميل إن لم يكن مع الإنسان ما يعطيه.
694
باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوَجه عند اللقاء.
عَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «…والكلِمةُ الطَّيِّبَةُ صدَقَةٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهوَ بَعْضُ حديثٍ تقدَّمَ بطولِهِ (برقم ١٢٢)
فوائد الحديث
- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتحسين الكلام للمخاطب بغير الكلام الحرام يعدُّ صدقة.
- بيان شمول الصدقة لأنواع الخير، وإن كانت تغلب في المال ولكنها تكون في غيره، كالتبسم ولطيف القول وغير ذلك.
695
باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوَجه عند اللقاء.
عَنْ أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ لي رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تحْقِرَنَّ مِنَ المعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لا تَحقِرنَّ: لا تُهِنْ قَدرَه عندك، أو لا تَستقلَّه.
- المعروف: هو المستحسن في الشرع وفي عُرف النفوس السوية.
- طلق: متهلل بالابتسام والبِشْر.
فوائد الحديث
- طلب التوادِّ والتحابِّ بين المؤمنين، وطلاقة الوجه وابتسامته هي التعبير الظاهر عمّا في القلب من محبة وودّ.
- التحذير من احتقار شيء من أعمال البرّ ولو كان في الظاهر يسيرًا.
- يدخل في عموم هذا الحديث ما لا يُحصى من الأعمال الصالحة التي ينبغي على المسلم أن يحرص على فعلها بنفسه، أو الإعانة على فعلها.
- استحضار نيّة الخير في كل عمل مُعين على عدم احتقاره.
696
باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك.
عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كانَ إذا تَكَلّم بِكلِمَةٍ أعَادها ثَلاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنهُ، وإذا أَتَى عَلى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ علَيْهِمْ ثَلاثًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ.
فوائد الحديث
- تكرار السلام والكلام عند خشية عدم السماع أو الفهم أمر مندوب.
- التكرار ثلاث مرات مظنة لوقوع التوضيح والتبيين به.
- في الحديث توجيه المعنيين بتعليم الناس وتوجيههم إلى أسلوب الخطاب والكلام.
697
باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك.
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالتْ: كان كلامُ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كلامًا فَصْلًا يفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُود.
مفردات الحديث
- فصلًا: أي بينًا ظاهرًا، أو فاصلًا بين الحق والباطل.
فوائد الحديث
- فصاحة النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم ومخاطبته للناس بما يفهمون.
- وجوب الاقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم في طريقة بيانه وتعليمه.
698
باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الّذي ليس بحرام واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه
عن جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال لي رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في حجَّةِ الْوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» ثمَّ قالَ: «لا ترْجِعُوا بعْدِي كُفَّارًا يضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- استنصت الناس: اطلب منهم السكوت والاستماع.
- لا ترجعوا بعدي: لا تصيروا بعد فراقي.
- كفّارًا: أي كفعل الكفّار.
فوائد الحديث
- أهمية تهيئة الناس لاستماع الكلام المهم وطلب التركيز والاهتمام منهم.
- النهي عن الأسباب المؤدّية إلى التقاطع والتقاتل من التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر.
699
باب الوعظ والاقتصاد فيه
عنْ أبي وائِلٍ شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ قالَ: كَانَ ابْنُ مسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُذكِّرُنَا في كُل خَمِيسٍ، فَقَالَ لهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عبْدِ الرَّحْمنِ، لوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فقالَ: أمَا إِنَّهُ يَمنَعُني مِنْ ذَلكَ أنِّي أكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُمْ وإِنِّي أتخَوَّلُكُمْ بِالموْعِظةِ كَمـَا كَانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخافَةَ السَّآمَةِ علَيْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- يذكرنا: أي يعقد لنا مجلسا في الوعظ وبيان أحكام الدين.
- لوددت: لأحببت وتمنّيت.
- يَتَخَوَّلُنَا: يَتَعهَّدُنا.
فوائد الحديث
- الاقتصاد في الوعظ والإرشاد، لأنّ من طبع النفوس الملل مما يُداوم عليه وإن كان محبوبًا لها.
- استحباب استثمار أوقات النشاط في التعليم والموعظة.
- حرص الصحابة على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ومنهجه.
700
باب الوعظ والاقتصاد فيه
عن أبي الْيَقظانِ عَمَّارِ بنِ ياسرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: سمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «إنَّ طُولَ صلاةِ الرَّجُلِ وَقِصرَ خُطْبَتِه مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ، وَاقْصُرُوا الخُطْبةَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- طول صلاة الرجل: أي طولها بالنسبة للخطبة.
- مَئِنَّة: أي علامة دَالَّة على فِقْهِهِ.
فوائد الحديث
- استحباب إطالة الصلاة وقصر الخطبة، لأنّ خير الكلام ما قلّ ودلّ.
- الصلاة في الجمعة مقصودة لذاتها، وفيها إظهار العبودية لله، والخطبة توطئة لها وتذكير، ولذلك يُصرف الاهتمام والعناية بما هو أهم.
- ألّا يبالغ الإمام في تطويل الخطبة ثم تكون صلاته سريعة خفيفة.
701
باب الوعظ والاقتصاد فيه
عنْ مُعاوِيَةَ بنِ الحَكمِ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: بينما أَنا أُصَلِّي مَعَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إذْ عَطَسَ رجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقُلتُ: يرْحَمُكَ اللهُ، فَرَماني الْقَوْمُ بأبْصارِهمْ! فقلتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ! ما شَأْنُكُمْ تنظرون إليَّ؟! فجعلُوا يضربونَ بأيدِيهِم على أفخاذِهِمْ! فلمَّا رأيتُهُمْ يُصَمِّتُونَني لَكِنِّي سكتُّ، فَلَمَّا صلَّى رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَبِأَبِي هُوَ وأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ ما كَهَرنِي ولا ضَرَبَني وَلا شَتَمَني، قالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ، وقرَاءَةُ الْقُرْآنِ» أوْ كمَا قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عهْدٍ بجَاهِليَّةٍ، وقدْ جاءَ اللهُ بِالإِسْلامِ، وإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ؟ قالَ: «فَلا تأْتِهِمْ» قلتُ: وَمِنَّا رجالٌ يَتَطيَّرونَ؟ قالَ: «ذَاكَ شَيْء يَجِدونَهُ في صُدورِهِم، فَلا يصُدَّنَّهُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فرماني القوم بأبصارهم: أي نظروا إليَّ نظر المستنكر لما فعلته.
- وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ: أي ما أشدَّ ألم أمي عليَّ بسبب فقدها لي، وهو أسلوب عربي لبيان شدة الأمر.
- يصمّتونني: يسكّتونني باستخدام الإشارة لأنّهم في صلاة لا يستطيعون الكلام.
- ما كَهَرني: مَا نهرَني.
- الكُهان: جمع كاهن وهو من يدعي معرفة الضمائر ويخبر عن المستقبل.
- يتطيرون: من الطِيَرة وهو التشاؤم بالشيء.
- فلا يصدّنّهم: أي فلا يمنعهم ذلك عن وجهتهم وقرارهم، لأنه لا يؤثر لا نفعًا ولا ضرًا.
فوائد الحديث
- بيان جمال أسلوب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في التوجيه والتعليم.
- عدم بطلان الصلاة باستخدام الإنسان للإشارة المفهومة لغيره وإذا كان لحاجة.
- تحريم الكلام في الصلاة إلا لحاجة التنبيه.
- النهي عن إتيان الكهان والعرافين، وإنما نُهي عن إتيانهم لما عندهم من ادعاء الغيب الذي يؤثر على الناس في صحة معتقدهم فقد يحدث بعضها موافقًا لكلامهم مصادفة فيفتتن الناس بهم.
- النهي عن التطير والطيرة، والنهي محمول على العمل بها، لا على ما يوجد في النفس من غير عمل بمقتضاه.
702
باب الوعظ والاقتصاد فيه
عَنِ العِرْباضِ بنِ سَاريةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: وَعظَنَا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنهْا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْها العُيُون …) وَذَكَرَ الحدِيثَ ، وَقدْ سَبق بِكَمالِهِ في باب الأمرِ بالمُحافَظةِ عَلَى السُّنَّةِ، وذَكَرْنَا أَنَّ التِّرْمِذيَّ قال: إِنَّهُ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
مفردات الحديث
- موعظة: من الوعظ وهو النصح والتذكير بالعواقب.
- بليغة: مؤثرة تبلغ سويداء القلب وتؤثر فيه.
- وجلت: خافت.
- ذرفت: سالت.
فوائد الحديث
- أن أحسن المواعظ ما كان جزلًا جامعًا بليغًا نافعًا.
- رقة قلوب الصحابة رضوان الله عليهم.
- لزوم تقوى الله تعالى، وهي امتثال أوامر الشرع واجتناب نواهيه.
703
باب الوقار والسّكينة.
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالتْ: مَا رَأَيْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حتَّى تُرى مِنْهُ لَهَوَاتُهُ، إِنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- مستجمعًا: مبالغًا في الضحك.
- لهَوَاتُه: هِيَ اللَّحُمةُ الَّتِي في أقْصَى سَقْفِ الْفَمِ.
فوائد الحديث
- استحباب الإقلال من الضحك، لأن كثرة الضحك من مظاهر الغفلة عن الله، وربما أدى إلى ذهاب هيبة الرجل ووقاره بين إخوانه.
- التبسُّم يحصل به المقصود من إظهار البِشر والترحاب وسماحة النفس فعلى المسلم أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولا يكون غالب حاله القهقهة وكثرة الضحك بل يكتفي بالتبسم ما أمكن.
704
باب النّدب إلى إتيان الصّلاة والعِلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار
عَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوهَا وأنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تمْشُونَ، وعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَما أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • زاد مسلمٌ في روايةٍ لهُ: « فَإنَّ أحدَكُمْ إذا كانَ يعمِدُ إلى الصَّلاةِ فَهُوَ في صلاةٍ».
مفردات الحديث
- تسعون: تسرعون في المشي.
- تمشون: أي بلا إسراع.
- السكينة: التأني في الحركات واجتناب العبث.
- الوقار: كغض البصر وخفت الصوت وعدم الالتفات.
- يعمد: يقصد.
فوائد الحديث
- كراهية الإسراع لإدراك الصلاة مع الإمام، لأن في ذلك تشويشًا على المصلين بسبب الحركة وتشويشًا على المُسرع باضطراب نفَسِه بسبب الإسراع في المشي وعدم التأني في دخوله للصلاة.
- يستحب الإتيان إلى الصلاة بخشوع ووقار.
- أنّ فضيلة الجماعة تحصل بإدراك جزء من الصلاة، لكنّ من أدركها من أوّلها تكون درجته أكمل.
- إذا قصد الإنسان الصلاة كتب له فضلها منذ بدء المشي إليها.
- أن ما يصليه الإنسان مع الإمام هو أول صلاته، وما يأتي به بعد ذلك هو آخرها، لأن الإتمام لا يكون إلا لآخر الشيء.
705
باب النّدب إلى إتيان الصّلاة والعِلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار
عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ عرَفَةَ، فَسَمعَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَرَاءهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا وَصوْتًا لِلإِبلِ، فَأَشارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وقالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وروى مُسْلِمٌ بَعْضَهُ
مفردات الحديث
- دفع مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أي انصرف معه من عرفة الى مزدلفة.
- الْبرّ: الطَّاعَة.
- الإِيضَاع: الإِسْرَاع.
فوائد الحديث
- استحباب التأني والخشوع عند أداء العبادات.
- أنّ الهدوء والسكينة أعون على حضور القلب.
- ثواب العبادة إنما يكون بقدر الخشوع وحضور القلب فيها.
- النهي عن الإسراع لأنّه ربّما يفوت بذلك الأجر ويوقع في المعصية.
706
باب إكرام الضّيف
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَنْ كانَ يُؤمنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فليصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يؤمِنُ بِاللهِ وَاليوْمِ الآخِرِ فَلْيَقلْ خَيْرًا أَوْ ليَصْمُتْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- الحث على إكرام الضيف وهو من خُلُق الأنبياء والصالحين.
- صلة الرحم من كمال الإيمان والمراد بهم الأقرباء، وصلتهم تكون بإكرامهم، وزيارتهم، ومساعدة المحتاج منهم.
- التحذير من الخوض في الكلام الباطل كالغيبة والنميمة وغيرها.
- للإيمان آثار وثمار تدل عليه كالإحسان إلى الجوار، وإكرام الضيف، وطِيب الكلام، ولزوم السكوت عندما لا ينفع الكلام.
707
باب إكرام الضّيف
عَنْ أبي شُرَيْحٍ خُوَيْلدِ بنِ عمرٍو الخزاعيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «مَنْ كانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليوْمِ الآخِرِ فَلْيُكرِمْ ضَيفَهُ جَائِزَتَهُ» قالوا: وما جَائِزَتُهُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «يَومُهُ وَلَيْلَتُهُ، والضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، فما كانَ وَرَاءَ ذلكَ فهو صَدَقَةٌ عليهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي روايةٍ: «لا يحِلُّ لِمُسلمٍ أنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حتَّى يُؤْثِمَهُ» قالوا: يا رسولَ اللهِ، وكَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قال: «يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلا شَيءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ».
مفردات الحديث
- جائزته: عطيّته.
- يؤثمه: يوقعه في الإثم.
- يقريه به: يكرمه ويضيفه به.
فوائد الحديث
- أن الضيافة ثلاثة أيام من حقوق الأخوة، والزيادة عن ذلك صدقة وزيادة تفضّل.
- المطلوب من المضيف أن يبالغ في إكرام ضيفه في اليوم الأول وليلته، وفي باقي اليومين يأتي بما تيسر.
- يكره للمسلم أن يقيم ضيفًا عند أخيه وهو يعلم أنه فقير ليس عنده ما يضيفه إلّا بإذنه حتى لا يوقعه في الإثم، كالغيبة له والوقيعة فيه.
708
باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير
عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي أَوْفى رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بَشَّرَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِبيْتٍ في الجنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخبَ فِيهِ ولا نَصبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- الْقَصب هُنا: اللُّؤْلُؤُ المُجوَّف.
- الصَّخب: الصِّياحُ واللَّغَطُ.
- النَّصَب: التَّعبُ.
فوائد الحديث
- استحباب البشارة بالخير لأنّ فيها تطييبًا لقلب المؤمن.
- فضيلة خاصّة بأمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وهي أول زوجة من أزواج الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
709
باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير
عَنْ أبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ تَوضَّأَ في بيتهِ، ثُمَّ خَرَجَ فقال: لألْزَمَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ولأكُونَنَّ معَهُ يوْمِي هذا، فجاءَ المَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فقَالُوا: وَجَّهَ ههُنَا، قال: فَخَرَجْتُ عَلى أَثَرِهِ أَسأَلُ عنْهُ، حتَّى دَخَلَ بئْرَ أريسٍ فجلَسْتُ عِنْدَ الْبابِ حتَّى قَضَى رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حاجتَهُ وتَوضَّأَ، فقُمْتُ إِلَيْهِ، فإذا هُو قَدْ جلَسَ على بِئْرِ أَريسٍ، وتَوسَّطَ قُفَّهَا، وكَشَفَ عنْ ساقَيْهِ ودلَّاهُمَا في الْبِئْرِ، فَسلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرفتُ، فجَلسْتُ عِندَ البابِ فَقُلتُ: لأكُونَنَّ بَوَّابَ رسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم اليوْمَ، فَجاءَ أَبُو بَكْرٍ رضي اللهُ عَنْهُ، فدفَعَ البابَ فقُلْتُ: منْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بكرٍ، فَقلْتُ: على رِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلتُ: يا رسُولَ اللهِ، هذَا أَبُو بَكْرٍ يسْتَأْذِنُ، فَقالَ: «ائْذَنْ لَهُ وبشِّرْهُ بالجنَّةِ» فَأَقْبَلْتُ حتَّى قُلتُ لأبي بكرٍ: ادْخُلْ ورسُولُ اللهِ يُبشِّرُكَ بِالجنَّةِ، فدخلَ أَبُو بَكْرٍ حتَّى جلَسَ عنْ يمِينِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ معَهُ في القُفِّ، ودَلَّى رِجْلَيْهِ في الْبِئْرِ كما صنَعَ رَسُولُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وكَشَف عنْ ساقيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجلسْتُ، وقد ترَكتُ أَخي يتوضَّأُ ويَلْحَقُني، فقُلْتُ: إنْ يُرِدِ اللهُ بِفُلانٍ -يُرِيدُ أَخَاهُ- خَيْرًا يأْتِ بِهِ، فَإِذا إِنْسانٌ يُحرِّكُ البابَ، فقُلتُ: منْ هَذَا؟ فقالَ: عُمَرُ بنُ الخطَّابِ، فقُلْتُ: على رِسْلِك، ثمَّ جئْتُ إلى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَسلَّمْتُ عليْهِ وقُلْتُ: هذَا عُمرُ يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: «ائْذنْ لَهُ وبشِّرْهُ بِالجَنَّةِ» فَجِئْتُ عمرَ، فَقُلْتُ: أَذِنَ، وَيبُشِّرُكَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِالجَنَّةِ، فَدَخَل فجَلَسَ مَعَ رسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في القُفِّ عَنْ يسارِهِ، ودَلَّى رِجْلَيْهِ في البِئْرِ، ثُمَّ رجعْتُ فَجلَسْتُ فَقُلْتُ: إن يُرِدِ اللهُ بِفلانٍ خَيْرًا -يعْني أَخَاهُ- يأْتِ بِهِ، فجاءَ إنْسانٌ فحرَّكَ البابَ، فقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ فقَال: عُثْمانُ بنُ عَفَّانَ، فَقلْتُ: عَلى رسْلِكَ، وجئْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَأْخْبرْتُهُ فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصيبُهُ» فَجئْتُ فَقُلتُ: ادْخلْ وَيُبشِّرُكَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصيبُكَ، فَدَخَل فَوَجَدَ القُفَّ قَدْ مُلِئَ، فَجَلَس وُجاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: فَأَوَّلْتُها قُبُورهمْ. متفقٌ عَلَيْهِ. • وزادَ في روايةٍ عند البخاري: وأمَرني رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بحِفْظِ البابِ. • وَفِيها أَنَّ عُثْمانَ حِينَ بشَّرهُ حمِدَ اللهَ تعالى، ثُمَّ قَالَ: اللهُ المُسْتعَانُ.
مفردات الحديث
- وَجَّه: أي توجَّه.
- فخرجت على أثره: مشيت خلفه وتابعته عن قُرب.
- دخل بئر أريس: أي دخل البستان الذي فيه البئر وهو بستان في المدينة النبوية.
- قُفّها: حافّتها حوْل البِئْر.
- عَلى رِسْلِكَ: على مهلك، ارْفُق.
- دلّاهما: أرخاهما وأنزلهما.
- إن يرد به خيرًا: أي ليَنعم بالحضور مع رسول الله والبشارة بالجنة.
- بلوى: بلية ومصيبة.
- وجاههم: مقابلهم من الجانب الآخر.
- أولتها قبورهم: أي فسَّرتُ جلوسهم على الشكل الذي جلسوا عليه بشكل ما عليه قبورهم، فأبو بكر وعمر دفنا إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجرة، بينما دفن عثمان بالبقيع مقبرة أهل المدينة.
فوائد الحديث
- حرص الصحابة على ملازمة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وخدمته.
- استحباب تصريح المستأذن باسمه، وإذا سئل عنه لزمه أن يذكر اسمه.
- بيان فضل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وأنهم من أهل الجنة.
- بيان معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بما يصيب عثمان قبل وقوعه.
- استحباب الجلوس عن يمين المقيم في المكان، لأنها أشرف الجهات. *جواز رجاء الإنسان الخير لأهله وأخيه.
710
باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير
عَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَمعَنَا أَبُو بكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما في نَفَرٍ، فَقامَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنْ بينِ أَظْهُرِنا، فَأَبْطَأَ علَيْنَا، وخَشِينا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا وَفَزِعْنَا فقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوّلَ منْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتغي رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا للأَنْصَارِ لِبني النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بابًا، فلَمْ أَجِدْ، فإذَا ربيعٌ يدْخُلُ في جوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئرٍ خَارِجَهُ -والرَّبيعُ: الجَدْوَلُ الصّغير-فاحتَفزْتُ، فدَخلْتُ عَلى رسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: «أَبو هُريرةَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رسُولَ اللهِ، قال: «ما شَأنُكَ؟» قلتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فقُمْتَ فَأَبَطأْتَ علَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطعَ دُونَنا، ففَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ منْ فَزعَ، فأَتَيْتُ هذَا الحائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعلبُ، وَهؤلاءِ النَّاسُ وَرَائي، فَقَالَ: «يَا أَبا هريرةَ» وأَعطَاني نَعْلَيْهِ فَقَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هاتَيْنِ، فَمنْ لقيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذا الحائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ مُسْتَيْقنًا بها قَلبُهُ، فَبَشِّرْهُ بالجنَّةِ»
وذَكَرَ الحدِيثَ بطُولِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- نفر: جماعة من الرجال.
- من بين أظهرنا: من بيننا.
- فأبطأ: تأخّر رجوعه.
- فخشينا: خفنا أن يصيبه مكروه من عدوّ أو أسر.
- أن يُقتطع دوننا: أن يصاب بأذى يقطعه عنا ويبعده منا.
- ففزعنا: ذُعرنا، أو نهضنا للبحث عنه.
- أبتغي: أطلب.
- حائطًا: بستانًا.
- فدُرت: سرت حوله.
- رَبيع: النَّهْرُ الصَّغِيرُ، الجدْوَل الصغير.
- فاحْتَفَزْتُ: تَضَامَمْتُ وتصَاغَرْتُ حَتَّى أَمْكَنَني الدُّخُولُ.
- مستيقنًا: مصدقًا.
فوائد الحديث
- دخول الجنّة سواءٌ ابتداءً أو بعد الخروج من النار لا يكون إلّا لمن يشهد أن لا إله إلا اللهُ موقنًا بها قلبه.
- إن الأصل العام في النجاة من النار ودخول الجنّة هو الإيمان بالله تعالى وحده وعدم الإشراك به ومع فقدانه لا ينفع أي عمل مهما كان صالحًا أو كثيرًا، وفي حال وجوده لا تنعدم المسؤولية من التكاليف المبنية على أساسه.
- ضرورة معرفة معنى الشهادة وشروطها، ومعرفة ما ينقضها، ليصل الإنسان إلى أن يكون ممن استيقن قلبه بالإيمان.
- استحباب البشارة بالخير لا سيما إذا كان خيرًا أخرويًا به السعادة الكاملة.
- حب الصحابة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحرصهم على سلامته وحياته.
- من عرف الدنيا حق المعرفة أيقن أنها مجرد ممر لشيء عظيم أعده الله سبحانه وتعالى للمؤمنين... وأن كل ما فيها من نعيم ومتاع لا يساوي جناح بعوضة. قال صلى الله عليه وسلم:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.'' المعنى: لا تجزع لمحنة ولا تغتر بنعمة. الدنيا بأسرها نومة في ظل شجرة، ثم الموعد الجنة.
711
باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير
عَنِ ابنِ شُمَاسَةَ قالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بنَ العاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ في سِيَاقَةِ المَوْتِ، فبَكَى طَويلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلى الجدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بكَذَا؟ أَما بشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بكَذَا؟ فَأَقْبلَ بوَجْههِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نَعُدُّ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وأَنَّ مُحمَّدًا رسُولُ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلى أَطبْاقٍ ثَلاثٍ: لَقَدْ رَأَيْتُني وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِنِّي، وَلا أَحبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ استمْكنْتُ مِنْهُ فقَتلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلى تِلْكَ الحالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِسْلامَ في قَلْبي أَتيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَقُلْتُ: ابْسُطْ يمينَكَ فَلأُبَايِعْكَ ، فَبَسَطَ يمِينَهُ، فَقَبَضْتُ يَدِي، فقال: «ما لكَ يا عمرُو؟» قلتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرطَ، قالَ: «تَشْتَرطُ بِماذَا؟» قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لي، قَالَ: «أَمَا عَلمْتَ أَنَّ الإِسْلامَ يَهْدِمُ ما كَانَ قَبلَهُ، وَأَنَّ الهجرَةَ تَهدِمُ ما كانَ قبلَها، وأَنَّ الحَجَّ يَهدِمُ ما كانَ قبلَهُ؟» وما كان أَحَدٌ أَحَبَّ إِليَّ مِنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَلا أَجَلَّ في عَينيَّ مِنْهُ، ومَا كُنتُ أُطِيقُ أَن أَملأَ عَينيَّ مِنهُ إِجلالًا لهُ، ولوْ سُئِلتُ أَنْ أَصِفَهُ ما أَطَقتُ، لأَنِّي لمْ أَكنْ أَملأُ عَينيَّ مِنهُ، ولوْ مُتُّ على تِلكَ الحَال لَرَجَوتُ أَن أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشيَاءَ ما أَدْري ما حَالي فِيهَا؟ فَإِذا أَنا مُتُّ فلا تصحَبَنِّي نَائِحَةٌ ولا نَارٌ، فإذا دَفَنتمُوني فشُنُّوا عليَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثمّ أَقِيمُوا حولَ قَبرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزورٌ، وَيقْسَمُ لحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بكُمْ، وأَنظُرَ ماذَا أُراجِعُ بِهِ رسُلَ رَبِّي. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- في سياقة الموت: أي حال حضور الموت.
- ثلاثة أطباق: أي ثلاثة أحوال وهي: ١~ حاله قبل الإسلام. ٢~ حاله بعد الإسلام وقبل توليته الإمارة.
- ٣~ حاله حينما وُلِّي الإمارة.
- استمكنت: تمكّنت وقدرت.
- أطيق: أقدر.
- ولينا أشياء: كُلِّفنا بأعمال.
- نائحة: وهي التي تُعدد أوصاف الميت وتبكي عليه.
- شُنُّوا : صبّوا التراب قليلًا قليلًا.
- جزور: هو اسم لما يُذبح من الإبل.
فوائد الحديث
- بكاء الإنسان عند الاحتضار، إشفاقًا من التقصير، ورجاء في عفو الله، ليس منقصة في حق الإنسان بل هو دليل على خوفه وحيائه من الله تعالى.
- ذكر ما كان من الإنسان إذا كان يرجو نصح من يسمع منه أو يزداد في الطاعة.
- الكافر إذا أسلم لا يُسأل عما مضى من الذنوب.
- فضل الهجرة في سبيل الله والحجّ وأثرهما في تكفير الذنوب.
- إجلال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحبهم له.
- شدّة ورع الصحابة رضي الله عنهم واتهامهم لأنفسهم وخوفهم من التقصير مع عظيم منزلتهم وبلائهم الحسن في الإسلام.
- الوصية قبل الموت ومما يوصي به امتثال الشرع والبعد عمّا نهى الله عنه.
- أخذ بعض العلماء من الحديث استحباب المكث عند القبر بعد الدفن مدة من الزمن.
712
باب وَداع الصّاحب ووصيّته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه
حَديثُ زيدِ بنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الَّذِي سبقَ في(بابِ إِكرامِ أَهْلِ بَيْتِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم)، قامَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فِينَا خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قالَ: «أَمَّا بَعْدُ: أَلا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنا بشرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فأُجيبَ، وأَنَا تَاركٌ فيكُمْ ثَقَليْنِ: أَوَّلُهُمَا: كتابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكتابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلى كتابِ اللهِ، ورَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: «وَأَهْلُ بَيْتي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بَيْتي»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وقد سبق بطوله
مفردات الحديث
- يوشك أن يأتي رسول ربي: يَقرُب أن يأتي ملك الموت.
فوائد الحديث
- استحباب وصية الإنسان إذا شعر بدنو أجله لأهله وأصحابه بالخير وأسباب الفلاح.
- أعظم ما تكون الوصية به هو كتاب الله تعالى فهو أفضل ما شغل الإنسان به وقته ووصى به غيره.
- بشرية النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ، وأنّ الموت يأتيه كبقية البشر.
- تأكيد الوصاية بأهل النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ وطلب العناية بشأنهم.
713
باب وَداع الصّاحب ووصيّته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه
عَنْ أبي سُليْمَانَ مَالكِ بنِ الحُويْرثِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: أَتَيْنَا رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَنحْنُ شَبَبةٌ متَقَاربُونَ، فَأَقمْنَا عِنْدَهُ عشْرينَ لَيْلَةً، وكانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَحِيمًا رفِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فقالَ: «ارْجعُوا إِلى أَهْليكُم، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعلِّمُوهُم وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا صَلاةَ كَذا في حِين كَذَا، وَصَلاَةَ كَذَا في حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيؤُمَّكُمْ أَكبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • زادَ الْبُخَارِيُّ في روايةٍ لهُ: «وَصَلَّوا كمَا رَأَيتُمُوني أُصَلِّي».
مفردات الحديث
- شببة: جمع شاب.
- رفيقًا: شفيقًا حليمًا.
فوائد الحديث
- فضل الرحلة في طلب العلم النافع إن لم يتهيأ للإنسان في بلده.
- بيان شفقة النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه.
- وجوب تعليم الناس وتثقيفهم في الدين.
- لما تساوى هؤلاء الشباب في مقدار ما أخذوه من العلم عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان المقدّم فيهم بالإمامة الأكبر سنا، وإلّا فإن الأعلم يُقدَّم.
- حرص الإسلام على إقامة الصلاة جماعة مع الأذان لها في أي مجتمع أو مجموعة من الناس كمدرسة أو مصنع أو رحلة أو غير ذلك.
714
باب وَداع الصّاحب ووصيّته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه
عَنْ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الْعُمْرَةِ، فَأَذِنَ وقالَ: «لا تنْسنَا يَا أُخيَّ مِنْ دُعَائِكَ» فقالَ كَلِمَةً ما يَسُرُّني أَنَّ لي بهَا الدُّنْيَا. • وفي روايةٍ قالَ: «أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ في دُعَائِكَ»
رَوَاهُ أّبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- أشركنا في دعائك: أي اجعلنا معك في دعائك.
- أنّ لي بها الدّنيا: أي كون جميع الدّنيا لي بدلًا منها.
فوائد الحديث
- استحباب طلب المقيم من المسافر ووصيته بالدعاء في مواطن الخير، ولو كان المقيم أفضل من المسافر، لاسيما إذا كان السفر لحج أو عمرة.
- فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
- تواضعه صلّى الله عليه وسلّم.
- فضل الدعاء بظهر الغيب.
- استحباب استئذان التلميذ أستاذه، والمريد شيخه في مهمّاته
715
باب وَداع الصّاحب ووصيّته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه
عَنْ سالمِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ سفرًا: ادْنُ مِنِّي حَتَّى أُوَدِّعَكَ كمَا كَانَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُودِّعُنَا، فيقُولُ: «أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ، وَأَمانَتَكَ، وخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- ادْن: اقترب.
- أستودع الله دينك: أسأل الله تعالى أن يحفظ عليك دينك.
- أمانتك: أي ما ائتمنت عليه من التكاليف الشرعية وغيرها.
- خَوَاتِيمَ عَمَلِكَ: آخر أعمالك.
فوائد الحديث
- استحباب توديع المسافر وأن يكون التوديع بمثل هذه الكلمات.
- الدعاء بحفظ الدِّين لأن السفر مظنّة التساهل فيه بأمر الدين، فناسب الدعاء بحفظه من أجل أن يزداد المسافر حرصًا عليه.
- في الدعاء بحفظ الأمانة تذكير للإنسان بما يلزمه المحافظة عليه من الأمانات الشرعية وغيرها.
- من حفظ دينه وأمانته كان حريًا أن يختم الله له بخاتمة السعادة.
- الاهتمام بخواتيم الأعمال، لأنّ مصير الإنسان مرهون بما يختم له عند موته.
716
باب وَداع الصّاحب ووصيّته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه
عَنْ عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ الخَطْمِيِّ الصَّحَابيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إِذا أَرَادَ أَنْ يُوَدِّعَ الجَيْشَ قالَ: «أَسْتَوْدعُ اللهَ دِينَكُمْ، وَأَمَانَتَكُم، وَخَوَاتِيمَ أَعمَالِكُمْ»
حديثٌ صحيحٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَغَيْرُهُ بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ
فوائد الحديث
- استحباب توديع ولي الأمر جيشه عند ذهابه للقتال وتوصيته بمثل هذه الكلمات اعتناء بدينهم الذي ذهبوا يقاتلون من أجله ورجاء أن يختم لهم بالحسنى.
- طلب حفظ الوديعة من الله تعالى.
717
باب وَداع الصّاحب ووصيّته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فقالَ: يا رسُولَ اللهِ، إِني أُرِيدُ سَفَرًا فَزَوِّدْني، فَقَالَ: «زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى» قالَ: زِدْني، قال: «وَغَفَرَ ذَنْبَكَ» قال: زِدْني، قالَ: «وَيَسَّرَ لكَ الخيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ
فوائد الحديث
- استحباب إخبار وليّ الأمر والرجل الصالح بإرادته السفر ليطلب منه النصيحة والدعاء.
- استحباب أن يدعوا هم له بجوامع الخير.
- استحباب الاستزادة من الدعاء، وأن يجيب المسؤول طلبه تطييبًا لقلبه.
718
باب الاستِخارة والمشاورة
عنْ جابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في الأُمُورِ كُلِّهَا كالسُّورَةِ منَ القُرْآنِ، يَقُولُ: «إِذا هَمَّ أَحَدُكُمْ بالأمرِ، فَليَركعْ رَكعتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفرِيضَةِ، ثُمَّ ليقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بعِلْمِكَ، وأستقدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وأَسْأَلُكَ مِنْ فضْلِكَ العَظِيمِ، فإِنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ، وتعْلَمُ ولا أَعْلَمُ، وَأَنتَ علاَّمُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كنْتَ تعْلَمُ أَنَّ هذا الأمرَ خَيْرٌ لي في دِيني وَمَعَاشي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلهِ- فاقْدُرْهُ لي، وَيَسِّرْهُ لي، ثمَّ بَارِكْ لي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تعْلمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ شرٌّ لي في دِيني وَمَعاشي وَعَاقبةِ أَمْرِي -أَوْ قالَ: عَاجِلِ أَمري وآجِلهِ- فاصْرِفهُ عَنِّي، وَاصْرفني عَنهُ، وَاقدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ»
قالَ: ويُسمِّي حاجتهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- الاستخارة: هي سؤال الإنسان ربه أن يختار له الأفضل في الدين والدنيا.
- كالسورة من القرآن: أي يحرص على دقة تعليمنا لها كحرصه على تعليم القرآن، إشارة إلى الاعتناء التام بها.
- هم: قصد وأراد أمرًا ولم يبدأ بعد.
- فليركع ركعتين: فليصل ركعتين.
- أستقدرك: أطلب منك أن تجعل لي قدرة على ذلك الأمر.
- أو قال: عاجل أمري وآجله: شكٌ من الراوي، ويمكن للداعي أن يذكر الجملتين.
- أرضني به: اجعلني راضيًا بما قدَّرته لي.
- ويسمى حاجته: أي يذكر أثناء الدعاء الأمر الذي يستخير فيه.
فوائد الحديث
- على المؤمن رد الأمور كلها لله تعالى وتفويض كل شيء له إذ هو صاحب الحول والقوة والعالم بحقائق الأمور وما تؤول إليه وعليه الاعتماد والتكلان.
- استحباب صلاة الاستخارة والدعاء المأثور بعدها.
- الاستخارة تكون في الأمور التي يظهر للإنسان فيها خير ولكن لا يعلم باطن الحال ولا عواقبه.
- يجوز أن يكون الدعاء أثناء صلاة الاستخارة قبل السلام أو بعده.
- الأولى في الاستخارة أن تكون عند بداية البحث وإرادة الفعل.
- هذه هي الاستخارة المشروعة ولا يجوز غيرها ممّا يتخذه بعض من لا علم له بأحكام الشريعة، كفتح المصحف وعدِّ آياته والاكتفاء بقراءة أوائل السور، وكضرب الرمل، والذهاب إلى الكهّان والمنجمين، وغير ذلك فهي محظورة وتُدخل الإنسان في البدعة والانحراف عن الحقّ.
719
باب استِحباب الذّهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة.
عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كانَ النَّبِيُّّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- خَالَفَ الطَّرِيق: أي ذَهَبَ في طَرِيقٍ، وَرَجَعَ في طَرِيقٍ آخَرَ.
فوائد الحديث
- استحباب أن يكون الذهاب إلى صلاة العيد من طريق والرجوع من طريق آخر، تأسيًا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
- من الحِكَم التي التمسها العلماء في تغيير الطريق ليشهد له الطريقان يوم القيامة، أو لإشاعة ذكر الله فيهما، أو لتصدقه على فقرائها، أو التفاؤل بتغير الحال، أو التعرض للرحمة.
720
باب استِحباب الذّهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخلُ مِنْ طَريقِ المُعَرَّسِ، وإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُليَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
مفردات الحديث
- من طريق الشجرة : هو طريق من أراد الذهاب إلى مكة من المدينة، كان النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم يخرج منه إلى ذي الحليفة.
- المُعرَّس: هو مسجد ذي الحليفة وهو ميقات أهل المدينة، وسمي بالمعرّس لنزول المسافر ليلًا فيه للنوم والاستراحة.
- الثنية العليا، هي والثنية السفلى موضعان في مكة.
- الثنية: الطريق الضيّق بين الجبلين.
فوائد الحديث
- استحباب الذهاب من طريق والعودة من آخر عند الذهاب للحج أو غيره.
- حرص الصحابة على تفاصيل تحركاته صلّى الله عليه وسلّم من شدّة حبّهم له واعتنائهم بنقل سنّته وأخباره.
- ليست هناك أفضليّة في دخول مكّة أو دخول المسجد الحرام لمدخل معين أو باب محدد بل يدخل من حيث تيسِّر له.
721
باب استحباب تقديم اليَمين في كلّ ما هو من باب التكريم
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالَتْ: كَانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُعْجِبُهُ التَّيمُّنُ في شأنِهِ كُلِّهِ: في طُهُوِرِهِ، وَتَرجُّلِهِ، وَتَنَعُّلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- التّيمّن: استعمال اليمين.
- طُهوره: استعماله الماء للتطهّر.
- ترجّله: تسريحُه لشعر رأسه.
- تنعله: إدخال رجليه في النعل والحذاء.
فوائد الحديث
- استحباب البدء باليمين في كل ما كان من باب التكريم، والبدء باليسرى في كل ما كان عكس ذلك.
722
باب استحباب تقديم اليَمين في كلّ ما هو من باب التكريم
عَن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: كانَتْ يَدُ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اليُمْنى لِطُهُورِهِ وطَعَامِهِ، وكَانَتِ اليُسْرَى لِخَلائِهِ وَمَا كَانَ منْ أَذىً. حديثٌ صحيحٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَغَيْرُهُ بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ.
مفردات الحديث
- لخلائه: أي لما فيه من استنجاء وتناول أحجار وإزالة أقذار.
- أذى: كالبصاق والمخاط ونحو ذلك.
فوائد الحديث
- بيان سنّة النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم في استعمال اليد اليمنى للأمور المشرفة، واستعمال اليد اليسرى لسوى ذلك.
723
باب استحباب تقديم اليَمين في كلّ ما هو من باب التكريم
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: أَن النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ لَهُنَّ في غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: «ابْدَأْنَ بِميامِنهَا وَمَواضِعِ الوُضُوءِ مِنْها»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- ابدأن: الخِطاب لأمّ عطيّة ومن معها ممّن يغسلن ابنته، وكانت أمّ عطيّة تغسل الميّتات في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فوائد الحديث
- استحباب التيامن في غسل الميّت كاستحبابه في غسل الحيّ.
724
باب استحباب تقديم اليَمين في كلّ ما هو من باب التكريم
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إِذا انْتَعَلَ أَحدُكُمْ فَلْيبْدَأْ باليُمْنى، وَإِذا نَزَعَ فَلْيبْدَأْ بِالشِّمالِ، لِتَكُنِ اليُمْنى أَوَّلهُما تُنْعَلُ، وآخِرَهُمَا تُنْزَعُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- انتعل: لَبس النعل.
فوائد الحديث
- استحباب البدء باليمين في كلّ ما كان من باب التكريم أو الزينة.
- بيان آداب لبس النعل ونزعه.
- إكرام الرِّجل اليمنى على اليسرى.
725
باب استحباب تقديم اليَمين في كلّ ما هو من باب التكريم
عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَجْعَلُ يَمينَهُ لطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وثيابهِ، ويَجْعَلُ يَسارَهُ لما سِوى ذلكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وغَيْرُهُ.
فوائد الحديث
- يندب مباشرة الأكل والشرب باليمين.
- تفضيل اليمين على اليسار وتخصيص اليمنى لكريم الأفعال وإفراد اليسرى لغير ذلك.
726
باب استحباب تقديم اليَمين في كلّ ما هو من باب التكريم
عَنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إِذا لَبِسْتُمْ، وَإِذا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدؤُوا بِأَيَامِنِكُمْ»
حديثٌ صحيحٌ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- بأيامنكم: جمع أيمن وهو خلاف الأيسر، فيقدم المتوضىء اليمنى من يديه ورجليه في الوضوء، وكذلك يفعل في ما يلبس وله يمنى ويسرى.
فوائد الحديث
- استحباب البداءة باليمين في الوضوء وهي سُنّة، لو خالفها فاته الفضل وصحّ وضوؤه.
727
باب استحباب تقديم اليَمين في كلّ ما هو من باب التكريم
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَتى مِنًى فَأَتَى الجَمْرةَ فَرماهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلهُ بِمِنًى، ونحَرَ، ثُمَّ قالَ للِْحلاَّقِ «خُذْ» وَأَشَارَ إِلى جَانِبِهِ الأيْمَنِ، ثُمَّ الأيسَرِ، ثُمَّ جعَلَ يُعطِيهِ النَّاسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي روايةٍ: لمَّا رمى الجمْرةَ، ونَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ، نَاوَلَ الحلَّاقَ شِقَّهُ الأَيْمنَ فَحلَقَهُ، ثُمَّ دعَا أَبَا طَلحةَ الأَنصاريَّ فَأَعطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ فقالَ: «احْلِقْ» فَحلَقَهُ فَأَعْطاهُ أَبا طلحةَ فقالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ».
مفردات الحديث
- الجمرة: أي جمرة العقبة وهو الموضع الذي تُرمى الحصى فيه بمنى.
- منزله بمنى: أي مكان نزوله وإقامته المؤقتة أيام التشريق وهو الآن يسمّى مسجد الخَيف.
- خذ: أي خذ الرأس لحلقه.
- نحر نسكه: أي نحر هديه وهي الإبل التي ساقها معه من المدينة والنحر يكون للإبل كما يكون الذبح للغنم.
- أبو طلحة الأنصاري: واسمه زيد بن سهل، زوج أم سليم، أم أنس بن مالك رضي الله عنهم جميعًا، وإعطاؤه الشعر ليوزعه على الناس دليل محبته صلّى الله عليه وسلّم له ولأهل بيته.
فوائد الحديث
- استحباب البدء بيمين المحلوق، وهو شق رأسه الأيمن، وهي السنّة.
- توزيع شعره صلّى الله عليه وسلّم على الناس، ليكون بركة باقية عند الناس بعد موته.
- جواز التبرّك بآثار الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وأنّ شعر الآدميّ طاهر.
- خصوصية التبرّك بآثار النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
- كتاب أدب الطعام
728
باب التسمية في أوّله والحمد في آخره.
عنْ عُمَرَ بنِ أبي سلَمَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: قال لي رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «سَمِّ الله، وكُلْ بِيمِينكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- سمّ الله: أي اذكر اسم الله، أو قل بسم الله.
- كل مما يليك: أي من الجانب الذي أمامك من الصحن.
فوائد الحديث
- الأمر بالتسمية عند الأكل، يأثم الإنسان بتعمُّد تركها، ويقاس عليه الشرب.
- تحصل التسمية بقول: بسم الله.
- الحكمة من التسمية أنّها تجلب البركة وتدعو إلى القناعة وعدم الشره، وتمنع مشاركة الشيطان الإنسان في أكله وشربه.
- الأكل مما يلي الآكل سنة متفق عليها، وهذا خاص فيما إذا كان الطعام صنفا واحدا، فإذا كان متنوعا فله أن يأكل من الأنواع الأخرى ولو كانت بعيدة عنه.
- وجوب تربية الأولاد على الآداب الإسلامية والأخلاق الفاضلة، وتوجيههم وتنبيههم إلى ما يبدر منهم من أخطاء ومخالفات.
729
باب التسمية في أوّله والحمد في آخره.
عَنْ عَائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالَتْ: قالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إذا أكل أَحَدُكُمْ فَليَذْكُرِ اسْمَ الله تعالى، فإنْ نسيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى في أَوَّلِهِ فَليَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
فوائد الحديث
- وجوب ذكر اسم الله عند إرادة الأكل.
- من نسي ذكر اسم الله في بداية الطعام فليذكر اسم الله في أثنائه حتى يوقف مشاركة الشيطان له في طعامه.
- المشروع عند تذكر التسمية في أثناء الطعام هو قول بسم الله أولَّه وآخرَه.
730
باب التسمية في أوّله والحمد في آخره.
عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: «إِذا دخلَ الرَّجُلُ بيْتَهُ، فَذَكَرَ الله تعَالى عِنْدَ دُخُولهِ وعِنْدَ طَعامِهِ قال الشَّيْطانُ: لا مبيتَ لَكُمْ ولا عشَاءَ، وإذا دخَلَ فَلَم يَذكُرِ اللهَ تَعَالى عِنْدَ دخُولِهِ قالَ الشَّيْطَانُ: أَدركتُمُ المبيتَ، وإِذا لَم يَذْكُرِ اللهَ تعَالى عِنْد طَعامِهِ قالَ: أَدركْتُمُ المبيتَ وَالعَشاءَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- قال الشيطان: أي لأعوانه.
فوائد الحديث
- وجوب ذكر الله عند دخول البيت وَعَنْد الطعام.
- تمكُّن الشيطان من المبيت في البيت والمشاركة في الطعام عند ترك ذكر الله تعالى.
- ذكر الله عند الطعام ودخول البيت دليل على حضور ذكر الله في القلب وهو معين على دوام الطاعة والبعد عن اتباع الشيطان في ضلاله.
731
باب التسمية في أوّله والحمد في آخره.
عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كنَّا إِذا حضَرْنَا معَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَعَامًا، لَم نَضَعْ أَيدِيَنَا حتَّى يَبْدأَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَضَعَ يدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا معَهُ مَرَّةً طَعامًا، فجاءَتْ جارِيَةٌ كأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبتْ لتَضعَ يَدهَا في الطَّعامِ، فَأَخَذَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِيدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرابِيٌّ كأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ بِيدِهِ، فَقالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ الشَّيْطانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعامَ أَنْ لا يُذْكَرَ اسمُ اللهِ تَعَالى عليْهِ، وإِنَّهُ جاءَ بهذهِ الجارِيةِ لِيسْتَحِلَّ بِها، فَأَخَذتُ بِيدِهَا، فَجَاءَ بهذا الأَعْرَابِيِّ لِيسْتحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيدِهِ، والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ إِنَّ يدَهُ في يَدِي مَعَ يَدِهِمَا»
ثُمَّ ذَكَرَ اسمَ اللهِ وأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- جارية: الشابة الصغيرة، والمراد بها هنا البنت الصغيرة.
- كأنها تُدفع: أي لشدة سرعتها.
- أعرابي: ساكن البادية.
- يستحل الطعام: يطلب حله ليتمكن منه.
- فأخذتُ بيدها: نحيتها عن الطعام ومنعتها من الأكل منعًا للشيطان ممّا أراد.
فوائد الحديث
- تأدب الصحابة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وانتظاره حتى يبدأ قبلهم بالطعام، وهكذا يكون الأدب مع العالم والكبير.
- استحباب القَسَم لتأكيد الأمر عند السامع.
- استحباب تعليم الناس أدب الأكل والشرب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- بيان مشاركة الشيطان للناس مآكلهم عند عدم التسمية.
732
باب التسمية في أوّله والحمد في آخره.
عَنْ أُميَّةَ بنِ مَخْشِيٍّ الصَّحابيِّ رضيَ اللهُ عَنْهُ قال: كان رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالسًا ورَجُلٌ يأْكُلُ، فَلَمْ يُسمِّ اللهَ حَتَّى لَمْ يبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلاَّ لُقْمةٌ، فَلَمَّا رَفَعها إِلى فِيهِ قال: باسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: «مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلمَّا ذَكَر اسمَ اللهِ اسْتَقَاءَ مَا في بَطنِهِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والنَّسَائِيُّ
مفردات الحديث
- استقاء ما في بطنه: أي أخرج الشيطان ما كان قد شارك فيه صاحب الطعام.
فوائد الحديث
- أن الشيطان يشارك الإنسان في طعامه وشرابه إن لم يذكر اسم الله تعالى.
- إنّ ذكر الله تعالى حصن للمؤمن من الشيطان الرجيم.
- استحباب التسمية آخر الطعام لمن نسي ذلك أوّله.
733
باب التسمية في أوّله والحمد في آخره.
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَأْكُلُ طَعَامًا في سِتَّةٍ مِنْ أَصحَابِهِ، فَجَاءَ أَعْرابِيٌّ، فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فقال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أَمَّا إِنَّهُ لوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
فوائد الحديث
- تواضع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع صحابته الكرام.
- أن الله يبارك في الطعام إذا ذُكر اسمه عليه، وأن البركة ترفع بترك التسمية عليه.
734
باب التسمية في أوّله والحمد في آخره.
عَنْ أبي أُمامةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ النَبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كانَ إِذا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قالَ: «الحَمْدُ للَّهِ كَثيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيرَ مَكْفِيٍّ ولا مُوَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنىً عَنْهُ رَبُّنَا»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- طيبًا: صالحًا خالصًا منزهًا عن سائر ما ينقصه من رياء أو سمعة.
- مباركًا: أي فيه بركة تامة لا تنقطع، والبركة هي الزيادة والنماء.
- غير مكفيّ: أي أنّه تعالى هو المُطعِم والكافي، أو لا نستطيع مكافأته سبحانه على هذه النِّعَم.
- لا مستغنًى عنه: أي أنّ الله تعالى هو الغنيّ الذي لا يُستغنى عنه، أو نحن لا يمكننا أن نستغني عنه.
فوائد الحديث
- استحباب حمد الله تعالى في آخر الطعام اعترافًا بالنعمة والفضل لله وتأسيًا برسوله صلّى الله عليه وسلّم.
- التزام الدعاء المأثور الثابت عنه صلّى الله عليه وسلّم فيه تحقيق الاتباع وتحصيل الأجور ورفعة الدرجات.
735
باب التسمية في أوّله والحمد في آخره.
عَنْ مُعَاذِ بنِ أَنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «منْ أَكَلَ طَعَامًا فقال: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَني هَذَا الطعام، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلا قُوّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقال: حدِيثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- من غير حول منّي: أي من غير حيلة ولا قدرة منّي.
- من ذنبه: أي الصغائر، لأن الكبائر تحتاج إلى توبة خاصة.
فوائد الحديث
- استحباب حمد الله تعالى في آخر الطعام مع التضرع إليه سبحانه، لأنّه هو المنعم والرزّاق ذو القوة المتين.
- بيان سعة كرم الله تعالى، بتكثير أجر الحامد لله تعالى على نعمه، وذلك بتكفير ذنوبه.
736
باب لا يَعيبُ الطّعام واستِحباب مَدْحه.
عنْ أبي هُريرة رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: ما عَابَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- ألا يعيب المسلم الطعام ولا ينفر غيره منه، فإنّ عيب الطعام دليل على الكِبر والتّرف وعدم شكر النّعمة.
- بيان كرم خلق الرسول صلّى الله عليه وسلّم فإنّه لم يعب طعامًا قطّ.
- تمام الأدب في حقّ من لم يعجبه طعام معيّن أن يترك أكله دون أن يتكلم في ذمِّه وعيبه بشيء.
737
باب لا يَعيبُ الطّعام واستِحباب مَدْحه.
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدُمَ فقالوا: ما عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعل يَأْكُلُ ويقولُ: «نِعْمَ الأُدمُ الخلُّ، نِعْمَ الأُدمُ الخَلُّ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- الأُدم: جمع إدام، وهو ما يوضع مع الخبز ونحوه ليؤكل به كالمَرَق والمطبوخات التي تؤكل بالخبز.
- فدعا به: أمر بإحضاره.
فوائد الحديث
- استحباب مدح الطعام ولو كان بسيطًا قليل الكلفة.
- مدح الاقتصاد في الأكل، وأكل الإنسان ممّا تيسَّر له دون تكلُّف أو تسخُّط.
- تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في طعامه.
- يحصل بمدح الطعام من جبر خاطر من طبخته وبذلت من وقتها وجهدها فيه، بما يكون له أوقع الأثر في نشر الألفة والمودة في البيوت.
738
باب ما يقوله من حَضر الطّعام وهو صائِم إذا لم يفطر
عنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ: فَإِنْ كانَ صائمًا فَلْيُصلِّ، وَإنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فليُجب: أي ليحضر إلى هذه الدعوة.
- فليُصلِّ: أي فليدعُ لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك.
- فَلْيطْعَمْ: فلْيَأْكُلْ.
فوائد الحديث
- استحباب تناول الطعام إذا دعي إلى وليمة عرس أو غيرها، والدعاء بالخير إن كان صائمًا.
- الصيام لا يمنع من إجابة الدعوة إلى المناسبات الاجتماعية لعله يدعو لهم بدعوة يستجيب الله لها.
739
باب ما يقوله من دُعي إلى طعام فتبعَه غيره
عنْ أبي مسعودٍ البَدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: دَعا رجُلٌ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لِطعَامٍ صَـنَعَهُ لَهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَتَبِعهُمْ رَجُلٌ، فَلمَّا بَلَغَ الباب، قالَ النَّبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ هذا تبِعَنا، فإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وإِنْ شِئتَ رَجَعَ»
قال: بل آذَنُ لهُ يا رسولَ اللهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- خامس خمسة: أي دعا الرجلُ النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعا معه أربعة آخرين.
فوائد الحديث
- عدم جواز الحضور إلى بيت الوليمة من غير دعوة إلّا إذا سُمح له أو كانت الدعوة عامة.
- في استئذان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم صاحب الدعوة تعليم لنا هذا الأدب الرفيع.
- لا يجوز للضيف أن يأذن لأحد في الإتيان معه إلّا بأمر صريح من صاحب الدعوة.
- من تبعه شخص إلى وليمة فإنّه يستأذن له قبل إدخاله معه إلّا إن كان يعلم من صاحب الدعوة الإذن.
740
باب الأكل ممّا يليه وَوَعظِه وتأديبه مَن يُسيء أكله
عنْ عمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: كُنتُ غلامًا في حِجْرِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وكَانتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فقال ليَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَا غُلامُ سَمِّ اللهَ تعالى، وَكُلْ بيمينِكَ، وكلْ مِمَّا يَلِيكَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- تَطِيش: تتحرّكُ وتمتدُّ إِلى نواحي الصَّحْفَةِ.
- الصَّحْفة: إناء يتَّسع لإطعام خمسة أشخاص، وهو أصغر من القصعة التي تتسع لعشرة.
- وكل مِمَّا يَليك: أي لا تأكل من حافة غيرك.
فوائد الحديث
- من آداب الطعام أن يبدأه بالتسمية، وأن يأكل بيده اليمنى، وألا يأخذ الطعام من جهة من يأكل معه.
- أنّ من سوء الأدب الأكل من حافة الغير وهذا تعدٍّ عليهم.
- حرص النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على تعليم الصغار أدب الطعام في الإسلام.
- تواضع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وطيب نفسه بأكله مع ربيبه الصغير في صحفة واحدة، مع ما يبدو من الصغير غالبًا مما يُزعج الكبير.
741
باب الأكل ممّا يليه وَوَعظِه وتأديبه مَن يُسيء أكله
عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا أَكلَ عِنْدَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بشِمالهِ فقالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ» قال: لا أَسْتطِيعُ، قالَ: «لا اسْتَطَعْتَ»
ما مَنَعَهُ إِلاَّ الكِبْرُ، فَمَا رَفَعَهَا إِلى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- مشروعية أمر من أكل بشماله أن يأكل باليمين، ولا يعدُّ هذا من التدخُّل في خصوصيات الغير.
- دعاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على الرجل، لكذبه وتكبره وإعراضه عن طاعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
- جواز الدعاء على من خَالف الحُكم الشرعيّ بلا عذر.
- لا يتناول النَّهي من كانت في يده جراحةٌ أو إصابةٌ أو نحو ذلك ممّا يمنعه من استخدام يده على الوجه الأكمل، فإنّه يُرخّص له الأكل أو الشرب بيده الأخرى.
- في الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهي استجابة دعائه حيث أصبح الرجل المدعوّ عليه لا يستطيع رفع يده اليمنى إلى فيه.
742
باب النّهي عن القِران بَين تمرتين ونحوهما إذا أكل جماعة إلا بإذن رفقته
عنْ جَبَلَةَ بنِ سُحَيْمٍ قالَ: أَصابَنا عامُ سَنَةٍ معَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فرُزقْنَا تَمْرًا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يمُرُّ بنَا ونحْنُ نأْكُلُ، فيقولُ: لا تُقَارِنُوا، فإِنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهى عنِ الإقْرانِ، ثُمَّ يَقولُ: إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- عامُ سنة: أي عام فيه قحط وجدب نتيجة عدم نزول الأمطار.
- لا تقارنوا: أي لا يأكل الرجل تمرتين في لقمة واحدة.
فوائد الحديث
- النهي عن القران بين تمرتين إذا أكل مع جماعة، لأنّ ذلك دليل على الطمع، ولأنّه يوغر الصدور، ولذلك أبيح عند إذن الرفقة.
- يقاس على التمر ما كان مثله من الفواكه أو كل معدود من المآكل.
743
باب ما يقوله ويَفعَله من يأكل ولا يشبع
عن وَحْشيِّ بنِ حربٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ أَصحابَ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالُوا: يا رسولَ اللهِ، إِنَّا نَأْكُلُ ولا نَشْبَعُ! قالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْترِقُونَ؟» قالُوا: نَعَمْ، قال: «فَاجْتَمِعُوا عَلى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فيهِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
فوائد الحديث
- أنّ الاجتماع للطّعام والتسمية عند الأكل سبب لحصول البركة فيه وحصول الشبع من أكله.
- حرص الإسلام على الجماعة في كلّ الأمور حتى في الطعام، لأنّها سبب للخيرات.
744
باب الأمر بالأكل من جانب القصْعَة والنّهي عن الأكل من وسطها
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عنِ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَّتَيْهِ، ولا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- البركة: هي ما أودعه الله تعالى في الطعام من زيادة وتكثير وانتفاع به.
- حافَّتيه: تثنية حافة، وهي طرف الشيء وجانبه.
فوائد الحديث
- كراهة الأكل من أعلى الطعام أو وسطه، وأن الأدب أن يأكل مما يليه، وخاصة إذا كان يأكل مع غيره، وكذلك بالنسبة للخبز فلا يبدأ الأكل من وسط الرغيف بل من طرفه.
- فيه أنّ الأكل من وسط الطعام يمنع نزول البركة فيه.
745
باب الأمر بالأكل من جانب القصْعَة والنّهي عن الأكل من وسطها
عَنْ عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: كان لِلنَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَصْعَةٌ يُقالُ لها: الْغَرَّاءُ، يحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجالٍ، فَلمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحى أُتِيَ بتِلْكَ الْقَصْعَةِ، يعني وقدْ ثُرِدَ فيها، فالتَفُّوا عليها، فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فقالَ أَعرابيٌّ: ما هذهِ الجِلْسةُ؟ قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ جَعَلني عَبْدًا كَرِيمًا ولَمْ يجْعَلْني جَبَّارًا عَنيدًا»، ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا، وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فيه»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسنادٍ جَيِّدٍ
مفردات الحديث
- أضحوا: دخلوا في وقت الضحى وهو أول النهار.
- سجدوا الضحى: أي صلوا الضحى.
- وقد ثرد فيها: أي جعل فيها الثريد، وهو الخبز المفتوت المبلل بمرق اللحم ومعه أجزاء من اللحم.
- جثا: جلس على ركبتيه واستند على أطراف أصابع رجليه.
- عبدًا كريمًا: متواضعًا شريفًا بالنبوة والعلم.
- جبارًا: متكبرًا.
- حواليها: جوانبها.
- ذِرْوَتَهَا: أَعْلاَهَا.
فوائد الحديث
- بيان كرم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتواضعه.
- استحباب الاجتماع على الطعام، واستحباب الجلسة المذكورة عند ضيق المجلس، وأنها من شأن الكرام.
- التنفير من الكبر والترفع على الآخرين ورد الحق.
746
باب كراهية الأكل متكئا
عن أبي جُحَيْفَةَ وهْبِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا آكُلُ مُتَّكِئًا»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- متكئا: الأقرب أن المراد به الميل إلى أحد الجانبين والاتكاء على اليد اليمنى أو اليسرى.
فوائد الحديث
- كراهة الأكل متكئًا لما فيه من الإشعار بالتكبر والتسبب في تكثير الأكل وما يترتب عليه من أضرار صحية بسبب عدم استقامة مجرى الطعام.
- التواضع على الطعام وعدم الجلوس عليه على هيئة المتعظمين، وعدم الإكثار من الطعام.
747
باب كراهية الأكل متكئا
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: رَأَيْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالسًا مُقْعِيًا يَأْكُلُ تمْرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- مُقْعِيا المُقْعِي هو الَّذي يُلْصِقُ أَلْيَيْهِ بالأرضِ، ويَنْصِبُ ساقَيْهِ.
فوائد الحديث
- الحثّ على التواضع مطلقًا، اقتداءً بالنبي صلّى الله عليه وسلّم.
- اهتمام الصحابة بنقل تفاصيل حياة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
- الحثّ على الزهد، وأن يحرص الإنسان على ما يسدّ حاجته ولا يستكثر
748
باب استِحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة، وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، ومسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرها.
عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذا أَكلَ أَحدُكُمْ طَعَامًا فَلا يَمسحْ أَصابِعَهُ حَتَّى يلعَقَهَا أَو يُلْعِقَها»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- طعامًا: أي فيه أجزاء تَعلَق بالأصابع.
- يَلعقها: يلحس ما عليها من أثر الطعام.
فوائد الحديث
- استحباب لعق الأصابع، وكراهة ترك شيء من آثار الطعام عليها.
- جواز لعق أصابع الآخرين إذا كان ممن لا يتقزز من ذلك، كالأم مع ولدها والزوج مع زوجته.
- الأمر بلعق الأصابع يكون بعد الانتهاء من الطعام، لا أثناء الأكل لأنه يعيد أصابعه في الطعام وهذا هو المستقذر، ولا يشترط لعقها أمام الحضور ممن يأكلون معه.
749
باب استِحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة، وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، ومسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرها.
عَنْ كعْبِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: رَأَيْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْكُلُ بِثلاثِ أَصابِعَ، فَإِذا فَرغَ لَعِقَها. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الحديث
- استحباب لعق الأصابع قبل مسحها أو غسلها محافظة على بركة الطعام، ويكون بعد الفراغ من الطعام، أمّا أثناءه فلا، لأنّه يعيدها إلى الطعام وعليها أثر ريقه فيُتقزز من ذلك.
- استحباب الأكل بثلاث أصابع وهي: الوسطى والسبابة والإبهام، وهو الغالب من فعله صلّى الله عليه وسلّم.
750
باب استِحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة، وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، ومسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرها.
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ والصَّحْفَةِ، وقالَ: «إِنَّكُمْ لا تَدرُونَ في أَيِّ طعَامِكمُ البَركَةُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- الصحفة: إناء الطعام.
- لا تدرون: لا تعلمون.
- في أيّ طعامكم: أي في أي جزء من أجزائه.
فوائد الحديث
- من حِكم استحباب لعق آثار الطعام مع الأصابع تحصيل بركة الطعام، وعدم ازدراء نعم الله تعالى، والاستفادة من جميع أجزاء الطعام والتقوي به على طاعة الله عز وجل.
- لعق الأصابع والإناء بعد الفراغ ليست من الدناءة ومخالفة الأدب الكامل، كما يظن ذلك بعض الناس.
751
باب استِحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة، وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، ومسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرها.
عَن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «إِذا وقعتْ لُقمَةُ أَحدِكُمْ فَليَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ ما كانَ بها منْ أذًى وليَأْكُلْهَا، ولا يدَعْها للشَّيطَانِ، ولا يمسَحْ يَدهُ بِالمِنْدِيلِ حتَّى يَلعقَ أَصَابِعَهُ، فإِنَّه لا يَدْرِي في أَيِّ طعامِهِ البركةُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فليُمط: أي فليُزل وليمسح.
- أذى: ما علق عليها من تراب وغيره.
- لا يدعها للشيطان: لا يتركها للشيطان لأن الشيطان يحضر الإنسان في طعامه فإذا تركها شاركه فيها، وهذا من أمور الغيب التي نؤمن بها ولا نعرف كيفيتها.
فوائد الحديث
- استحباب أخذ ما يسقط من طعام على الأرض وغيرها وأكله بعد إزالة ما علق عليه من الأوساخ، حملًا للنفس على التواضع، وقهرًا للشيطان، وتحصيلًا للبركة، ما لم يترتب على ذلك أذى محقق.
- جواز مسح اليد من الطعام بالمنديل بعد لعقها، وإذا توفر الغسل فهو أفضل.
752
باب استِحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة، وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، ومسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرها.
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إِنّ الشَّيْطَانَ يَحضرُ أَحدَكُمْ عِندَ كُلِّ شَيءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حتَّى يَحْضُرَهُ عِندَ طعَامِهِ، فَإِذا سَقَطَتْ لُقْمةُ أَحَدِكمْ فَليَأْخذْهَا فَلْيُمِطْ ما كانَ بها مِنْ أَذًى، ثُمَّ ليَأْكُلْهَا ولا يَدَعْها للشَّيْطَانِ، فإذا فَرغَ فَلْيَلْعَقْ أَصابِعَهُ، فإِنَّه لا يدْرِي في أَيِّ طعامِهِ البرَكَةُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- شأنه: أمره وحاله
- فَلْيُمِط: فلْيُنحِّ ولْيُزِل.
فوائد الحديث
- أنّ الشيطان ملازم للإنسان في تصرفاته فليحذره، وليحذر من إغرائه بمعصية الله تعالى.
- وجوب التسمية عند الطعام، ليطرد الشيطان عند الأكل.
- أكل ما وقع على الأرض بعد تخليصه من الوسخ، هذا إذا أمكن تخليصه ولم يقع على مكان نجس.
- اللّعق المندوب هو بعد الانتهاء من الطعام والأفضل بعيدًا عن نظر المشاركين له الطعام.
753
باب استِحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة، وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، ومسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرها.
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: كان رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذا أَكَلَ طعَامًا لعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ وقالَ: «إِذا سقَطَتْ لُقمةُ أَحدِكمْ فَلْيُمِطْ عنها الأذى، وليَأْكُلْهَا، ولا يَدعْهَا للشَّيطَانِ» وأَمَرنَا أَنْ نَسْلُتَ القَصْعةَ وقالَ: «إِنَّكمْ لا تدْرُونَ في أَيِّ طَعَامِكمُ البَركةُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- نَسلُتَ: نمسح ونزيل ما فيها من طعام.
- القصعة: اسم لإناء يسع أن يأكل عليه عشرة أشخاص، والمراد أيّ إناء ولو كان أصغر.
فوائد الحديث
- الاستفادة من الطعام، وعدم تركه للشيطان، وعدم إهداره وطرحه تكبرًا وبطرًا.
- مسح آثار الطعام من الأواني ولعق الأصابع، وبذلك تحصل البركة.
- توجيه النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى عدم إضاعة شيء من الطعام وبذلك تحصل الكفاية والاقتصاد، وتحصل البركة.
- أن يكون الطعام الموضوع غير زائد على ما يُتوقَّع من احتياج الآكلين.
754
باب استِحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة، وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، ومسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرها.
عَنْ سعيدِ بنِ الحارثِ أَنَّهُ سأَلَ جابرًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فقالَ: لا، قد كُنَّا زمنَ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لا نجدُ مِثْلَ ذلكَ الطَّعامِ إِلاَّ قلِيلًا، فإِذا نَحْنُ وجدْناه،ُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلَّا أَكُفَّنَا وسَوَاعِدَنَا وأَقْدَامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّي وَلا نَتَوَضَّأُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- مسَّت النار: خُبِز عليها أو طبخ أو شوي أو قُلي وغير ذلك.
- فقال لا: أي لا يجب الوضوء.
- أكُفَّنَا: جمع كف، وهو راحة اليد مع الأصابع.
- سواعدنا: جمع ساعد وهو ما بين المِرفق والكف.
فوائد الحديث
- جواز مسح آثار الطعام باليد وغيرها إذا لم يتوفر الغسل ولا المسح بالمنديل، ومع توفر الماء والصابون يكون استعمالهما أفضل وأحسن لتحقق زوال الأثر والرائحة بدرجة أكبر.
- نسخ ما جاء من الأمر بالوُضوء بعد أكل ما مسّته النار.
- بيان ما كان عليه الصحابة من ضيق العيش، وأنهم لم يكن همهم بطونهم، بل يأكلون ما يتيسر لهم من أي نوع كان.
755
باب تكثير الأيدي على الطعام
عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «طَعَامُ الاثنينِ كافي الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاثَةِ كافي الأَربعَةِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- الحثُّ على المكارم، والقناعة بالكفاية، وإيثار الإنسان غيره ولو بجزء من نصيبه.
- ليس المراد من العدد الحصر وإنّما المراد أنّ المشاركة سبب في حصول البركة، وأنّه لا ينبغي للاثنين أن يمنعا إدخال ثالث لطعامهما وهكذا، ويتأكّد هذا عند حدوث مجاعة أو نقص عام للأطعمة.
756
باب تكثير الأيدي على الطعام
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «طَعامُ الوَاحِدِ يَكْفي الاثْنَيْنِ، وطعامُ الاثْنَيْنِ يكْفي الأربعةَ، وطعامُ الأرَبَعةِ يَكْفي الثَّمانِيَةَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- الاجتماع على الطعام وإكثار الأيدي عليه يؤلّف القلوب ويبعث السرور وتحصل به البركة.
- استحباب الاجتماع على الطعام وعدم الأكل منفردًا.
- الحثّ على إطعام الطعام، وأن يكتفي كلّ بما يسد جوعه.
- أن الطعام الذي أُعدَّ لعدد من الناس فإنّه يكفي ضِعْفهم.
757
باب أدب الشرب واستحباب التنفّس ثلاثًا خارج الإناء وكراهية التنفّس في الإناء واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ.
عن أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كانَ يتنَفَّسُ في الشَّرَابِ ثَلاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- يتنفس في الشراب ثلاثًا: المقصود يتنفس ثلاثًا خارج الإناء خلال الشرب ولا يشرب على مرّة واحدة.
فوائد الحديث
- استحباب أخذ الماء على ثلاث جرعات.
- كراهة التنفس في الإناء أثناء الشرب.
- كراهية الشرب دفعة واحدة.
758
باب أدب الشرب واستحباب التنفّس ثلاثًا خارج الإناء وكراهية التنفّس في الإناء واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ.
عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَشْرَبُوا واحِدًا كَشُرْبِ البَعِير، وَلكِنِ اشْرَبُوا مَثْنى وثُلاثَ، وسَمُّوا إِذا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، واحْمَدوا إِذا أَنْتُمْ رَفعْتُمْ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- لا تشربوا واحدًا: أي لا تجعلوا شربكم جرعة واحدة دون تنفس خلاله.
- كشرب البعير: أي فإنه لا يتنفس بين شربه.
- مثنى: مرتين.
- ثلاث: ثلاث مرات.
- رفعتم: أي إناء الشراب عن فمكم.
فوائد الحديث
- استحباب الشرب مرّتين وثلاث مرّات، والحمد عند الانتهاء.
- كراهة شرب الماء جرعة واحدة.
- قول التسمية والحمد في بدء كل جرعة ونهايتها أتمُّ للسنة.
759
باب أدب الشرب واستحباب التنفّس ثلاثًا خارج الإناء وكراهية التنفّس في الإناء واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ.
عَنْ أبي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهَى أنْ يُتَنَفَّسَ في الإِنَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- كراهة التنفس في الإناء أثناء الشرب أو بعد الجرعات وفمه على الإناء، لئلا يتأثر الماء من بصاق أو رائحة كريهة فيعافه الشارب ويستقذره أو تنتقل إليه بعض الأمراض.
760
باب أدب الشرب واستحباب التنفّس ثلاثًا خارج الإناء وكراهية التنفّس في الإناء واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ.
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أُتِيَ بِلَبنٍ قد شِيبَ بمَاءٍ، وعَنْ يمِينِهِ أَعْرابيٌّ، وعَنْ يَسارِهِ أَبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الأَعْرَابيَّ وقالَ: «الأَيمَنَ فالأَيمنَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- شِيبَ: أَي خُلِطَ.
فوائد الحديث
- أن السنّة في تقديم الشراب والضيافة وغيرها أن يبدأ بأعظم من في المجلس، ثم يناول هذا العظيم أو الكبير الإناء لمن كان على يمينه.
- تعظيم وإجلال الكبير فيُقدَّم في الشراب أولًا ثم الأيمن منه.
761
باب أدب الشرب واستحباب التنفّس ثلاثًا خارج الإناء وكراهية التنفّس في الإناء واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ.
عَنْ سهْلِ بنِ سعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُتِيَ بشرابٍ، فشرِبَ مِنْهُ وعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فقالَ للغُلامِ: «أَتَأْذَنُ لي أَنْ أُعْطِيَ هُؤلاءِ؟» فقالَ الغُلامُ: لا واللهِ، لا أُوثِرُ بِنصِيبى مِنكَ أَحَدًا، فَتلَّهُ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في يدهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- غلام: صبي قارب سن البلوغ.
- أشياخ: هم فضلاء القوم وكبارهم وهو غالبًا من بلغ فوق سن الخمسين.
- أوثر: أُقَدِّم وأُفَضِّل.
- تَلَّه: أي وَضَعَهُ، وهذا الغُلامُ هو ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.
فوائد الحديث
- جواز استئذان صاحب الحقّ بتقديم غيره عليه إن علم أنه لا يتأذى من هذا الاستئذان، ولذلك استأذن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ابن عمه هنا، ولم يستأذن الأعرابي في الحديث السابق لحداثة عهده بالإسلام.
- حرص الصحابة على الخير والتبرك بِسُؤرِ النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشراب بعده.
762
باب كراهية الشرب من فم القربة ونحوها، وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم.
عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: نَهَى رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ. يعنى: أَنْ تُكسَرَ أَفْوَاهُها، وَيُشْرَب منها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- الأسقية: جمع سقاء، وهو ما يوضع فيه الماء واللبن ونحوه وكان يُصنع من الجلد.
- تكسر أفواهها: أي تطوى وتثنى فتحة السِّقاء أو القِرْبة لأجل الشرب، لا أن تُكسر حقيقة لأنّها من الجلد.
فوائد الحديث
- كراهة الشرب من فم الإناء الذي لا يُرى ما في داخله خشية وجود شيء يؤذيه فيه، فينساب إلى بطنه ويتضرر به، إلا إذا لم يجد كوبا أو نحوه ليصب فيه الماء.
- لا يقاس على النهي عن الشرب من فم الأسقية الشرب المباشر من فم الصنبور (الحنفيّة) ونحوه للأمن من وجود ما يضر، إلا إن كان الشرب منه يتقزز منه من بعده فيراعي ذلك.
763
باب كراهية الشرب من فم القربة ونحوها، وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم.
عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقاءِ والقِرْبةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- من فِي السقاء: أي من فم الإناء الجلدي وهو فتحة الشرب منه.
- القربة: وعاء يوضع فيه الماء مثل السقاء، وقد يكون كبيرًا أو صغيرًا، بينما يغلب استعمال كلمة السقاء فيما كان صغيرًا.
فوائد الحديث
- كراهة الشرب من فم الإناء إلا إذا لم يجد كوبًا أو نحوه ليصب فيه الماء.
764
باب كراهية الشرب من فم القربة ونحوها، وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم.
عَنْ أُمِّ ثابِتٍ كَبْشَةَ بِنْتِ ثَابتٍ أُخْتِ حَسَّانَ بْنِ ثابتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْهَا قالتْ: دخَل علَيَّ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبةٍ مُعَلَّقةٍ قَائمًا، فَقُمْتُ إِلى فِيهَا فَقطَعْتُهُ،
رواهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح
مفردات الحديث
- فقطعته: إِنَّمَا قَطَعَتْها لِتَحْفَظَ موْضِعَ فَمِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وَتَتَبَرَّكَ بِهِ، وَتَصُونَهُ عَنِ الابتِذالِ.
فوائد الحديث
- جواز الشرب قائمًا أحيانًا إذا دعت الحاجة لذلك.
- في شربه صلّى الله عليه وسلّم من فم الإناء إشارة إلى أنّ النهي الوارد عن الشرب قائمًا محمول على الكراهة.
- جواز التبرك بآثار النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو خاص به صلّى الله عليه وسلّم لا يقاس عليه غيره من الصحابة والعلماء.
765
باب كراهية النفخ في الشراب
عنْ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَى عَنِ النَّفخِ في الشَّرابِ، فقالَ رَجُلٌ: القذَاةُ أَراها في الإِناءِ؟ فقال: «أَهْرِقْهَا» قال: إِنِّي لا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ؟ قال: «فَأَبِنِ القَدَحَ إِذًا عَنْ فِيكَ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- القذَاةُ: هو ما يقع في الماء والشراب من وسخ وتراب ونحوه.
- أَهْرِقهَا: أَرِقْها أي اسكب جزءا من الماء أو نحوه حتى تذهب القذاة.
- فأَبِنِ القَدَحَ: أبعد الكأس وأزله عن فمك إذا أردت الشرب أكثر من جرعة.
فوائد الحديث
- كراهة النفخ في الشراب ، حَتَّى ولو كان لإبعاد وسَخ وما شابهه.
- إذا وُجد في الشراب وسخ أُريقَ منه شيءٌ لإزالته.
- حرص الإسلام على الصحة، وعدم تعريض الجسم للأمراض والأوساخ والمستقذرات.
- إباحة الشرب بنفَس واحد أو نفسَين وإن كان التثليث مستحب وهي السنّة.
766
باب كراهية النفخ في الشراب
عَن ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُتنَفَّسَ في الإِنَاءِ، أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ.
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صحيحٌ
فوائد الحديث
- كمال أدب الإسلام لإرادة المبالغة في النظافة، إذ قد يخرج مع النَّفَس بصاق أو مخاط أو بخار رديء فيكسبه رائحة كريهة فيتقذر بها هو أو غيره من شربه.
- النهي للكراهة لا للتحريم، سواء النفخ في إناء فيه ماء أو غيره.
767
باب بيان جواز الشرب قائمًا وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدًا
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: سَقَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- من زَمْزَم: أي من ماء بئر زَمْزَمَ.
فوائد الحديث
- جَواز الشرب قائمًا، وأنّ النهي الوارد في ذلك ليس للتحريم.
768
باب بيان جواز الشرب قائمًا وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدًا
عَنِ النَّزَّالِ بنِ سبْرَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: أَتَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بابَ الرَّحْبَةِ فَشَرِبَ قَائِمًا، وقالَ: إِنِّى رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فعلَ كما رَأَيْتُمُونى فَعَلْتُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
مفردات الحديث
- باب الرَّحْبَة: مكان في الكوفة، ومعنى الرحبة المكان المتسع.
فوائد الحديث
- من تمام التعليم بيان الحكم قولًا وعملًا.
- فعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تشريع ما لم يأتنا دليل أنّه لم يقصد به التشريع.
769
باب بيان جواز الشرب قائمًا وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدًا
عَنِ ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قال: كنَّا نَأْكُلُ عَلى عَهدِ رسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ونحْنُ نَمْشي، ونَشْرَبُ وَنحْنُ قيامٌ.
رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
فوائد الحديث
- فِعل الصحابة للشّيء في عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يُشير إلى أنّه جائز ومشروع ويسمى السنة التقريرية.
- جواز الشرب قائمًا.
770
باب بيان جواز الشرب قائمًا وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدًا
عَنْ عمرِو بنِ شُعيبٍ عنْ أَبيهِ عنْ جدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: رَأَيْتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يشربُ قَائمًا وقَاعِدًا.
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
فوائد الحديث
- أن الأفضل للمسلم ألَّا يشرب إلا وهو قاعد، فإن احتاج إلى الشرب أو الأكل قائما، فإن الحاجة ترفع الكراهة.
- متابعة الصحابة رضوان الله عليهم لأفعال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا يدلّ على شدّة محبّتهم له.
771
باب بيان جواز الشرب قائمًا وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدًا
عنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أَنَّهُ نهَى أَنْ يشربَ الرّجُلُ قَائمًا. قال قَتادةُ: فَقلْنَا لأنَسٍ: فالأَكْلُ؟ فقالَ: ذلكَ أَشَرُّ أَو أَخْبثُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • وفي روايةٍ لهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائمًا.
مفردات الحديث
- فالأكل؟: أي ما حكم الأكل قائمًا.
- أشرّ وأخبث: أي أولى بالنهي.
- زجر: منع بأسلوب فيه إلزام وشدة.
فوائد الحديث
- النهي عن الأكل قائمًا قياسًا على الشرب.
- من العلماء من قال إنّ الأكل قائمًا لا يُنهى عنه وإنّما هذا اجتهاد من أنس رضي الله عنه.
- الأكمل للإنسان دينيًا وصحيًا أن يكون شربه وأكله قاعدًا هو الغالب على حاله.
772
باب بيان جواز الشرب قائمًا وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدًا
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لاَ يشْرَبَنَّ أَحدٌ مِنْكُمْ قَائمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- نَسي: أي شرب قائمًا ولو عامدًا، والمراد بنسي ترك.
- فَلْيَسْتَقِئْ: فليُخرج من جوفه ما شربه قائمًا.
فوائد الحديث
- الأمر بالتَّقَيُؤ لمن نسي وشرب قائمًا، لكن هذا الأمر نُسِخ حكمه بالأحاديث السابقة الدالةِ على جواز الشرب قائمًا وبما استَقرَّ عليه الأمر من فعل الصحابة رضي الله عنهم، وقيل إنّ الأمر بالتقيُّؤ للاستحباب.
773
باب استحباب كون ساقي القوم آخرهم شربًا.
عنْ أبي قتادةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «سَاقِي القَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. •وأخرجه مسلم مطولًا
فوائد الحديث
- أنَّه من الأدب أن يكون من يقدم شرابًا أو يوزع فاكهةً لجماعةٍ هو آخر من يأكل أو يشرب.
- أنَّ من يقوم على شأن من شُؤون الناس وعلى مصلحة من مصالحهم أنّه يقدمهم على نفسه، ويؤثرهم على نفسه.
774
باب جواز الشّرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضّة وجواز الكَرْع وهو الشّرب بالفم من النّهر وغيره، بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذّهب والفضّة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال.
عنْ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَامَ منْ كانَ قَريبَ الدَّارِ إِلى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ فَأُتِيَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَنْ يبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قالوا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وزِيادةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، هذهِ روايةُ الْبُخَارِيِّ. • وفي روايةٍ لهُ وَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَعا بِإِناءٍ مِنْ ماءٍ، فأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنسٌ: فَجعَلْتُ أَنْظُرُ إِلى الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصابِعِهِ، فَحزَرْتُ منْ تَوَضَّأَ منه ما بيْنَ السَّبْعِينَ إِلى الثَّمَانِينَ.
مفردات الحديث
- حضَرَت الصلاة: أي دخل وقتها.
- إلى أهله: إلى بيته ليتوضأ فيه.
- المِخْضَب: إناء من حجر تُغسل فيه الثياب.
- أن يبْسُط فيه كفَّهُ: أن يضع كفه فيه مبسوطة.
- فتوضَّأَ القوم: أي من الماء الذي نبع من بين أصابعه صلّى الله عليه وسلّم في ذلك المخضب.
- بقدح رَحْرَاح: القدح الواسع القصير الجدار.
- حزَرتُ: أي قدَّرت العدد.
فوائد الحديث
- استحباب الاشتغال بالصلاة حال دخول وقتها.
- الأصل في الآنية أنّها طاهرة يجوز الوضوء والشرب منها إلا إن كانت فيها نجاسة ظاهرة.
- معجزة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بتكثير الماء ببركته ومعجزة نَبْعِ الماء من بين الأصابع أعجب من نَبْعِهِ من الحَجَرِ.
775
باب جواز الشّرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضّة وجواز الكَرْع وهو الشّرب بالفم من النّهر وغيره، بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذّهب والفضّة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال.
عَنْ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: أَتَانَا النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- الصُّفْر: هو النُّحاسُ.
- التَّوْر: هو كالقدحِ.
فوائد الحديث
- جواز استعمال إناء النحاس للوضوء وغيره.
776
باب جواز الشّرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضّة وجواز الكَرْع وهو الشّرب بالفم من النّهر وغيره، بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذّهب والفضّة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال.
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَخَلَ على رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ ومَعهُ صاحبٌ لَهُ، فقالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ في شَنَّةٍ، وَإِلّا كَرَعْنا»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- شَنَّة: القِربة القديمة البالية المصنوعة من جلد، وهو أشد تبريدًا للماء من غيره، وسبب طلبه صلى الله عليه وسلم للماء البائت في الشنّ أن الوقت صيف وهذا أبرد وأصفى من غيره.
- كَرعْنا: تناولنا الماء بالفم من غير إناء.
فوائد الحديث
- جواز شرب الماء بالفم من فتحة القِربة مباشرة بغير إناء أو يد، والنهي عن ذلك محمول على الكراهة كما تقدم.
777
باب جواز الشّرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضّة وجواز الكَرْع وهو الشّرب بالفم من النّهر وغيره، بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذّهب والفضّة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال.
عَنْ حُذيفةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَانَا عَنِ الحَريرِ والدِّيبَاجِ، والشُّرْبِ في آنِيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وقالَ: «هي لهُمْ في الدُّنْيا، وَهِيَ لَكُمْ في الآخِرَةِ»
مُتَّفَقٌ عَلِيْهِ
مفردات الحديث
- نهانا: النهي موجَّه للرجال في لبس الحرير والديباج أما في الآنية فهو عام لكل الأمة رجالا ونساء.
- الدِّيبَاج: ثوب خيوطه ونسيجه من الحرير.
- هي لهم: أي للكفار.
فوائد الحديث
- تحريم لبس الحرير على الرجال.
- تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، وهذا التحريم يشمل الرجال والنساء.
- الكفار محرومون من نعيم الآخرة، وكذا من عصى الله تعالى فيما حرم.
778
باب جواز الشّرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضّة وجواز الكَرْع وهو الشّرب بالفم من النّهر وغيره، بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذّهب والفضّة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال.
عَنْ أُمِّ سلمةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ إِنَّما يُجرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلِيْهِ. •وفي روايةٍ لِمُسْلِمٍ: «إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ». •وفي روايةٍ لَهُ: «مَنْ شَرِبَ في إِناءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فضَّةٍ فَإِنَّما يُجرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ».
مفردات الحديث
- يُجَرْجِر: يدخل الشيء إلى بطنه بصورة متتابعة سريعة بحيث يسمع له صوت.
فوائد الحديث
- الوعيد الشديد لمن استعمل أواني الذهب والفضة في الأكل أو الشراب
- أن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب، للوعيد المذكور في الحديث ولأنه نوع من السرف والتبذير، وهو من عادة المتكبرين المُترَفين، وفيه كسر لقلوب الفقراء والمساكين وجلب لأحقادهم.
- كتاب اللبَاس
779
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتّان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنْهُما: أنَّ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيها مَوْتَاكُمْ»
رواهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- البياض: أي الثياب البيض.
فوائد الحديث
- أن لبس الأبيض من الثياب سنّة، يؤجر عليها الإنسان إذا قصد تطبيق السنّة.
- الثوب الأبيض خير من غيره من جهة أنّه إذا اتسخ أدنى اتساخ ظهر فيه بخلاف الثياب الأخرى فإنها إذا اتسخت لا يظهر فيها.
780
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتّان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
عَنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الْبَسُوا البَيَاضَ، فَإِنَّها أَطْهرُ وأَطْيبُ، وكَفِّنُوا فِيها مَوْتَاكُمْ»
رَوَاهُ النِّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ وقالَ: حديثٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- أطهر: لأنّها أبعد عن مخالطة الدنس، بسبب كثرة غسلها.
- أطيب: لأنّها أبعد عن الخيلاء الذي يكون بلبس الملونات غالبًا.
فوائد الحديث
- استحباب لبس الأبيض من الثياب، وخاصة في أيام الجُمع والمناسبات.
- جواز لبس الثياب الملوّنة.
- استحباب تكفين الموتى بالكفن الأبيض، ويكره المصبوغ ونحوه من ثياب الزينة.
781
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتّان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
عَنِ البراءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرْبُوعا، وَلقَدْ رَأَيْتُهُ في حُلَّةٍ حمْراءَ ما رأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- مربوعًا: ليس قصيرًا ولا مفرطًا في الطول.
- حُلَّة: هي عبارة عن إزار ورداء ولا يكون حلّة إلّا من ثوبين.
- حمراء: أي فيها خطوط حمر لا أنّ لونها أحمر بحت.
- قَط: أي ما علمت أحسن منها.
فوائد الحديث
- جواز لبس الأحمر للرجال وقيل مكروه.
- أن الملابس الجميلة مطلوبة ومشروعة، وهي مختلفة متنوعة، فإذا لبس ما يسَّر الله له من دون تكبرٍ ولا إسبالٍ، ولا من اكتسابٍ محرمٍ، فذلك مباح له، سواء كان أحمر أو أسود أو أخضر أو أبيض أو غير ذلك.
782
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتّان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
عَنْ أبي جُحَيْفَةَ وهْبِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بمَكَّةَ وَهُوَ بِالأَبْطَحِ في قُبَّةٍ لَهُ حمْراءَ مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ بِلالٌ بِوَضوئِهِ، فَمِنْ نَاضِحٍ ونَائِلٍ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظرُ إِلى بَيَاضِ ساقَيْهِ، فَتَوضَّأَ، وَأَذَّنَ بِلالٌ، فَجَعَلْتُ أَتَتبَّعُ فَاهُ ههُنَا وههُنَا؛ يقولُ يَمِينًا وشِمَالًا: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، حيَّ على الفَلاَحِ، ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الكَلْبُ وَالحِمَارُ لاَ يُمْنعُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- الأَبطَح: اسم لموضع مخصوص بين مكة ومنى.
- قبّة: خيمة.
- أَدَم: هو الجلد المدبوغ.
- بوَضوئه: الماء المعدّ ليتوضأ به.
- ناضِح ونائِل: النضح هو الرشّ، والنائل: هو الآخذ من الماء، أي بعضهم أخذ كثيرًا وبعضهم أخذ قليلًا من ماء وضوء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
- عَنَزَة: رمح في طرفه حديدة محددة، وهي نحْوُ العُكَّازَة، كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يصحبها معه في السفر.
- رُكِزَتْ: غُرزت بين يديه.
فوائد الحديث
- جواز التبرّك بآثار النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
- شدة محبّة الصحابة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتبركهم بآثاره.
- مشروعية التفات المؤذن يمينًا وشمالًا عند قوله: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) والحكمة في هذا تبليغ الناس ليأتوا إلى الصلاة.
- جواز لبس الحلّة الملوّنة للرجال غير الخالصة في الحمرة.
- جواز تشمير الرجل ثوبه عن ساقيه، لأنهما ليسا من العورة.
- مشروعية اتخاذ السُّترة للمصلي في موضع لا يأمن المرور أمامه.
- مشروعية قصر الرباعية إلى ركعتين في السفر.
783
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتّان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
عَنْ أبي رِمْثَةَ رِفاعَةَ التَّمِيمِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: رأَيتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعلَيْهِ ثوْبانِ أَخْضَرانِ.
رواهُ أَبو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ بإِسْنَادٍ صحيحٍ
فوائد الحديث
- جواز ارتداء الثياب الخضر ولا حرج فيه للرجال.
784
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتّان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وعَلَيْهِ عِمامةٌ سوْداءُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
فوائد الحديث
- جواز لبس الأسود من الثياب.
- لبس النبي صلى الله عليه وسلم للعمامة من باب العادات والمباحات.
- الأصل أن يلبس الإنسان ما يلبسه قومه ما لم يكن محرما.
785
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتّان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
عَن أبي سعيدٍ عمرِو بنِ حُرَيْثٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: كَأَنِّي أَنظرُ إِلى رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَليْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كتفيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • وفي روايةٍ لهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ وعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَودَاءُ.
مفردات الحديث
- أرخى: أنزل وأسدل.
- خطب: في يوم الجمعة وعلى المنبر كما في رواية لمسلم.
فوائد الحديث
- أن الأفضل لمن لبس العمامة أن يجعل لها ذؤابة -طرف العمامة- يرخيها بين كتفيه.
786
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتّان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: كُفِّنَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ثلاثةِ أَثْوَابٍ بيضٍ سَحُوليَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمامَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- سحُوليَّة: ثيابٌ تُنْسَبُ إِلى سَحُول، قَرْيَةٍ باليَمنِ.
- كُرْسُف: قُطْن.
فوائد الحديث
- إباحة لبس الثياب القطنية وتكفين الميت بها.
- الكفن المستحب للرجال ثلاثة أثواب وهي السنّة، والأفضل أن تكون بيضاء.
787
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتّان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: خَرَجَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ذاتَ غَداةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ منْ شَعْرٍ أَسْودَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- غَدَاة: ما بين الفجر وطلوع الشمس.
- مِرْط: هوَ كِسَاءٌ.
- مُرَحَّل: هوَ الَّذِي فيهِ صورةُ رِحالِ الإِبل، وهي كالسَّرْج للفرس.
فوائد الحديث
- إباحة لبس ما نسج من صوف.
- أنه لا بأس بارتداء ما فيه مثل صورة رحال الإبل وإنما المنهي عنه تصوير الحيوانات.
788
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتّان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
عَنِ المُغِيرةِ بنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ معَ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ ليْلَةٍ في مَسِيرٍ، فقالَ لي: «أَمعَكَ مَاءٌ؟» قلتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عنْ راحِلتِهِ، فَمَشى حَتَّى توَارَى في سَوادِ اللَّيْلِ، ثمَّ جاءَ فَأَفْرَغْتُ علَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَعَلَيهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فلمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِراعَيْهِ مِنْها حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعيْهِ وَمَسَحَ برأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فقالَ: «دعْهمَا فَإِنِّي أَدخَلْتُهُما طَاهِرَتَينِ» وَمَسَحَ عَلَيْهِما. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي روايةٍ: وعَلَيْهِ جُبَّةٌ شامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ. • وفي روايةٍ: أَنَّ هذِهِ الْقَضِيَّةَ كانتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.
مفردات الحديث
- توارى: غاب سواده عن رؤية البصر.
- أفرغت: صببت.
- الإداوة: إناء يوضع فيه الماء للطهور كالإبريق.
- جبّة: ثوب سابغ، مشقوق من الأسفل، يلبس فوق الثياب.
- أهْويت: فمددتُ يدي، أو قصدت الهُوِيَّ من القيام إلى القعود.
- طاهرتين: أي لبست الخف وأنا متوضئ.
فوائد الحديث
- لبس النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم للجُبَّة.
- أنّه يستحب لمن خرج لقضاء الحاجة في البريّة أن يبتعد عن الحاضرين بحيث يغيب عنهم.
- يسن المسح على الخفّين إذا كان قد لبسهما على طهارة.
- أن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشر يناله ما ينال البشر في الأمور الطبيعية.
789
باب استحباب القميص
عن أُمِّ سَلمةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: كان أَحَبَّ الثِّيابِ إِلى رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ القَميصُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
مفردات الحديث
- القميص: ثوب مخيط بكمين يلبس تحت الثياب من القطن غالبًا.
فوائد الحديث
- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يحب القميص من الثياب المخيطة، لأنّه أستر للأعضاء من الإزار والرداء، وهو أقل مؤنة وأخف على البدن، ولابسه أكثر تواضعًا.
- كمال حياء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم
- الاقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ملبسه وما يحبه من اللباس.
790
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عنْ أَسماءَ بنتِ يزيدَ الأنصارِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: كانَ كُمُّ قمِيصِ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِلى الرُّسُغِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقال: حَدِيثٌ حَسَن.
مفردات الحديث
- الرُّسُغ: المفصل بين الساعد والكف.
فوائد الحديث
- السُّنَّة ألّا يتجاوز كُمّ القميص الرسغ.
791
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَنِ ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِليْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» فقالَ أَبو بكرٍ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ إِزاري يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَهُ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاءَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى مُسْلِمٌ بَعْضَهُ
مفردات الحديث
- جرَّ ثوبه: سحب ثوبه على الأرض بسبب طوله، ويشمل جميع الثياب.
- خُيَلاء: الخيلاء التكبُّر والعُجْب.
- لم ينظر الله إليه: أي نظر رحمة ورضًا.
- يسترخي: ينزل.
- أتعاهده: أي أقوم بشدِّه ورفعه كلما ارتخى.
فوائد الحديث
- أنّ إسبال الإزار تكبّرًا من كبائر الذنوب.
- أنّ المرء لا يستطيع أن يبرّئَ نفسه من الخيلاء إلا بشهادة الوحي كما شهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم للصحابي الجليل أبي بكر الصديق.
- لا ينطبق ما ورد من الوعيد على الإسبال في حق الرجال على النساء، لأنّ النساء أُمرن بستر أقدامهن، وأبيح لهن إطالة ثيابهن بمقدار ذراع.
792
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا ينْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيَامةِ إِلى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطرًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا ينظر: أي نظر رحمة.
- إزاره: وهو ما يستر به النصف الأسفل من الجسم، والمراد هنا الثوب.
- بطرًا: تكبُّرًا وخُيلاءَ.
فوائد الحديث
- حرمة تطويل الرجل لثوبه وجرّه تكبُّرًا وخُيلاء.
- أمور المظهر ليست أمورًا سطحية شكلية بل لها وزنها في الشريعة ويترتب عليها الثواب أو العقاب الأخروي.
- بيان بغض الله لكل مظاهر التكبر والخيلاء.
793
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: عـنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزارِ فَفِي النَّارِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- الكعبين: العظمتين الناتئتين عند مفصل الساق والقدم عن الجنبين.
فوائد الحديث
- تحريم إسبال الثوب تحت الكعبين وهو من كبائر الذنوب.
- أن النار لا تشمل كل الجسد وإنما يكوى بالنار بقدر ما نزل.
794
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَنْ أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامةِ، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ» قالَ: فقَرأَها رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثلاثَ مِرَارٍ. قالَ أَبو ذَرٍّ: خابُوا وخسِرُوا! مَنْ هُمْ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «المُسْبِلُ، والمنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكاذِبِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • وفي روايةٍ لهُ: «المُسْبِلُ إِزَارَهُ».
مفردات الحديث
- لا يكلمهم الله: لا يكلمهم كلام رضًا.
- لا يزكيهم: لا يطهرهم من ذنوبهم ولا يثني عليهم.
- ثلاث مرار: أي أعاد النبي صلى الله عليه وسلم الجملة ثلاث مرات لتثبيت المعنى عند السامعين، وليكون النفع أبلغ.
- المسبل: المرخي لثيابه خيلاء.
- المنّان: الذي يذكر إحسانه ممتنًا به على المحسَن إليه.
فوائد الحديث
- تحريم جَرِّ الثياب على الأرض خيلاء وأنه من الكبائر، وأن من يفعل ذلك لا ينظر الله له نظرة رحمة يوم القيامة ما لم يتب.
- الترهيب من المنّ لما فيه من الأذى.
- ترويج السلعة بالحلف الكاذب لإنفاقها يترتّب عليه عذاب في الآخرة فضلًا عن محق البركة في الدّنيا.
- هذه الأفعال المذكورة في الحديث من الكبائر.
795
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَنِ ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «الإِسْبَالُ في الإِزارِ والقَمِيصِ وَالعِمَامةِ، منْ جَرَّ شَيئًا خُيَلاءَ لَمْ يَنظُرِ اللهُ إليهِ يوْمَ القِيَامةِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَالنَّسَائِيُّ بإسنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- العِمامة: هي من لباس الرأس.
فوائد الحديث
- أنّ الإسبال المتوعد عليه كما يكون في الإزار يكون في القميص والعمامة.
- أنّ ضابط الإسبال في القميص والعمامة أن يخالف عادة أهل بلده في إطالتهما.
796
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَنْ أبي جُرَيٍّ جابرِ بنِ سُلَيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: رَأَيتُ رَجلًا يصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيهِ، لا يَقُولُ شَيئًا إِلّا صَدَرُوا عنهُ، قلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قلتُ: عَليكَ السَّلامُ يا رسولَ اللهِ -مَرَّتَيْنِ- قالَ: «لا تَقُلْ: عَليكَ السَّلامُ، عَليكَ السَّلامُ تحِيَّةُ الموْتَى، قُلِ: السَّلامُ علَيْكَ» قالَ: قُلْتُ: أَنتَ رسولُ اللهِ؟ قال: «أَنَا رسولُ اللهِ الَّذِي إِذَا أَصابَكَ ضُرٌّ فَدعَوْتَهُ كَشَفَهُ عنْكَ، وإِذا أَصَابَكَ عامُ سنَةٍ فَدَعوْتَهُ أَنبتَهَا لكَ، وإِذَا كُنتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أَوْ فَلاةٍ، فَضَلَّتْ راحِلَتُكَ فَدعوْتَه رَدَّهَا علَيكَ» قال: قلتُ: اعْهَدْ إِليَّ. قالَ: «لا تسُبَّنَّ أَحدًا» قالَ: فَما سببْتُ بعْدهُ حُرًّا، ولا عبدًا، وَلا بَعِيرًا، وَلا شَاةً «وَلا تَحقِرنَّ مِنَ المعروفِ شَيْئًا، وأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وأَنتَ مُنْبَسِطٌ إِليهِ وجهُكَ، إِنَّ ذلكَ مِنَ المعرُوفِ، وارفَعْ إِزاركَ إِلى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أبيْتَ فإلى الكَعبينِ، وإِيَّاكَ وإِسْبالَ الإِزارِ فَإِنَّهَا مِنَ المخِيلةِ، وإِنَّ الله لا يُحبُّ المَخِيلةَ، وإنِ امْرؤٌ شَتَمكَ وَعَيَّركَ بمَا يَعْلَمُ فيكَ فلا تُعيِّرْهُ بما تَعلَمُ فيهِ، فإِنَّمَا وَبالُ ذلكَ عليْهِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيُّ بإِسنادٍ صحيحٍ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- يصْدُرُ الناس عن رأيه: يتلقونه بالقبول، ولا يردّون أمره، ولا يعترضون توجيهه.
- صَدَرُوا عنه: يأخذون عنه كل ما حكم به.
- ضُرٌّ: أي ضرر من فقر ومصيبة.
- كشفه: رفعه عنك.
- عامُ سنة: أي عام شدة ومجاعة.
- أرض قَفْر: أرض خالية لا ماء فيها ولا نبات.
- فلاة: صحراء واسعة لا ماء فيها.
- اعهد إليّ: أوصِ إليّ.
- لا تسبّنّ أحدًا: لا تشتم أحدًا.
- لا تحقرنّ من المعروف شيئًا: لا تترك شيئًا من المعروف، استهانة بقدره.
- منبسط إليه وجهُك: أي بسرور وانشراح.
- المَخِيلة: العجب والكبر واحتقار الناس.
- وبال ذلك: ثقل ذلك ونتيجته الوخيمة.
فوائد الحديث
- حرص الصحابة رضي الله عنهم على اغتنام كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والعمل به.
- تحريم السباب والشتائم، ولا يجوز لمن شُتِمَ الانتصار ممن شتمه أو سابّه إلا بمثل ما سبّه به ما لم يكن كذبًا أو حرامًا.
- بيّن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم للأعرابي أن ربّ العالمين سبحانه هو الذي يكشف الضُّر ويجلب النفع فإذا ضاعت البعير في فلاة فدعوتَ الله ردّها إليك أو إذا أصاب الأرضَ عدمُ نبات أنبتها الله.
- أن "عليك السلام" تحية الموتى باعتبار عادة الجاهلية وليس ذلك هو المشروع في السلام على الموتى، بل كان صلّى الله عليه وسلّم يسلّم على الأموات كالأحياء فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين".
- أفضلية رفع الإزار إلى أنصاف الساقين، ولا حرج في إنزاله إلى الكعبين.
- النهي عن التعيير لأنه يتنافى مع أخلاق المسلم.
797
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: بينما رَجُلٌ يُصَلِّي مُسْبِل إِزَارَهُ قالَ لهُ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اذهَبْ فَتَوضَّأْ» فَذهَب فَتَوضَّأَ، ثُمَّ جاءَ، فقالَ: «اذهبْ فَتَوضَّأْ» فقالَ لهُ رجُلٌ: يا رسولَ اللهِ ما لكَ أَمرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ سَكَتَّ عنهُ؟ قال: «إِنَّهُ كانَ يُصلِّى وهو مُسْبِلٌ إِزارهُ، وَإِنَّ اللهَ لا يقْبلُ صلاةَ رجُلٍ مُسْبِلٍ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسنادٍ صَحِيحٍ على شَرْطِ مُسْلِمٍ
فوائد الحديث
- حمل العلماء أمر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الرجل بإعادة الوضوء، ليكون مكفرًا لذنبه من إسبال الإزار وجره على الأرض تكبرًا واختيالًا.
- أنّ الطهور مكفّر للذنوب، وليس الإسبال ناقضًا للوضوء.
798
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَنْ قَيْسِ بنِ بِشْرٍ التَّغْلِبيِّ قالَ: أَخْبَرَنى أبي -وكان جليسًا لأبي الدَّرداءِ- قالَ: كانَ بِدِمشقَ رَجُلٌ من أَصحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُقالُ لهُ: سهل بن الحَنْظَلِيَّةِ، وكان رجُلًا مُتَوحِّدًا قَلَّمَا يُجالسُ النَّاسَ، إِنَّمَا هو صلاةٌ، فَإِذا فراغ فَإِنَّمَا هو تسبيحٌ وتكبيرٌ حَتَّى يأْتيَ أهْلَهُ، فَمَرَّ بِنَا ونَحنُ عِندَ أبي الدَّردَاءِ، فقالَ لهُ أَبو الدَّردَاءِ: كَلِمةً تَنْفَعُنَا ولا تضُرُّكَ، قالَ: بَعثَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم سريَّةً، فَقَدِمَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنهمْ فَجَلسَ في المَجْلِسِ الَّذِي يَجلِسُ فِيهِ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فقالَ لرجُلٍ إِلى جَنْبهِ: لَوْ رَأَيتنَا حِينَ التقَيْنَا نَحنُ والعدُوُّ، فَحمَلَ فلانٌ وَطَعَنَ، فقالَ: خُذْهَا مِنِّي وأَنَا الغُلامُ الغِفَارِيُّ، كَيْفَ تَرى في قوْلِهِ؟ قالَ: مَا أُرَاهُ إِلاَّ قَدْ بَطَلَ أَجرُهُ، فسَمِعَ بِذلكَ آخَرُ فقالَ: مَا أَرَى بِذَلِكَ بأْسًا، فَتَنَازعا حتَّى سَمِعَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فقالَ: «سُبْحانَ اللهِ! لا بَأْسَ أَنْ يُؤْجَرَ ويُحْمَدَ» فَرَأَيْتُ أَبا الدَّرْدَاءِ سُرَّ بِِذلكَ، وجعلَ يَرْفَعُ رأْسَهُ إِلَيهِ وَيَقُولُ: أَنْتَ سمِعْتَ ذَلكَ مِنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ فيقولُ: نعَمْ، فما زالَ يعِيدُ عَلَيْهِ حَتَّى إِنّي لأَقولُ لَيَبرُكَنَّ على رُكْبَتَيْهِ. قال: فَمَرَّ بِنَا يَومًا آخَرَ، فقالَ لهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنفَعُنَا ولا تَضُرُّكَ، قالَ: قالَ لَنَا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «المُنْفِقُ عَلى الخَيْلِ كالبَاسِطِ يَدَهُ بالصَّدَقةِ لا يَقْبِضُهَا». ثُمَّ مرَّ بِنَا يومًا آخرَ، فقالَ لهُ أَبو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضرُّكَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمٌ الأَسَديُّ! لولا طُولُ جُمَّتِهِ وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ» فبَلغَ خُرَيْمًا، فَعجَّلَ، فَأَخَذَ شَفرَةً فَقَطَعَ بِها جُمَّتَهُ إِلى أُذنيْهِ، ورفعَ إِزَارَهُ إِلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ. ثَمَّ مَرَّ بنَا يَوْمًا آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمةً تَنْفَعُنَا ولاَ تَضُرُّكَ، قَالَ: سَمعْتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقُولُ: «إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلى إِخْوانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ في النَّاسِ، فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ»
رواهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسنادٍ حسن
مفردات الحديث
- متوحدًا: يحبّ الانفراد عن الناس، لا يخالطهم ولا يجالسهم.
- إنّما هو صلاة: أي إنّما هو في صلاة.
- السريَّة: هو القتال الذي لم يشارك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه، بل قاده أحد الصحابة.
- فتنازعا: تخاصما.
- كَلِمةً تَنْفَعُنَا ولَا تَضُرُّكَ: قل لنا كلمةً أي موعظةً، وعلمنا كلمةً تنفعنا ولا تضرك.
- ليبركنّ على ركبتيه: مبالغة في التواضع كما هو شأن المتعلم أمام المعلّم.
- المنفق على الخيل: أي قيمة الرعي والعلف والسقي، والمراد بالخيل المعدة للجهاد في سبيل الله.
- جُمَّتِه: هي الشعر إذا طال وبلغ المنكبين وسقط عليهما.
- كأنكم شامة في الناس: كونوا في الناس كمثل الشامة في الجسد، شيئًا طيبًا معروفًا في وسطهم ليس شيئًا منكرًا.
- رحالكم: جمع رحل وهو ما يركب عليه.
- التفحّش: تكلف الكلام الفاحش، أو الهيئة واللباس الفاحش.
فوائد الحديث
- أنّ إطالة الجمّة وإسبال الإزار من الأمور المنهي عنها.
- الحثّ على حفظ الأوقات وعدم ضياع العمر سدى وأن يشغل نفسه بذكر الله وطاعته.
- حرص أبي الدرداء على الاستكثار من العلم، وتواضعه في طلبه.
- جواز الجهر بالعمل الصالح حال الحرب، إن وجدت مصلحة ولم يقصد بالجهر رياء ولا سمعة، ومن يفعل ذلك يؤجر.
- أنّ إطالة الجمّة للرجال من المخيلة وأنّ الشعر للرجل لا يتجاوز الكتف.
- وعلى الإنسان أن يحترز عن مذمة الآخرين، وأن يسعى للحصول على راحة إخوانه واستجلاب قلوبهم، حَتَّى لا يستثقلوه.
- أنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته ظاهرة على عبده.
- حرص الصحابة رضي الله عنهم على الخير وطاعتهم للنّبي صلّى الله عليه وسلّم واسترشادهم بإرشاده.
799
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إزْرَةُ المُسْلِمِ إِلى نِصْفِ السَّاقِ، وَلاَ حَرَجَ -أَوْ لا جُنَاحَ- فيما بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، فَمَا كانَ أَسْفَلَ منَ الكعْبَينِ فَهَوُ في النَّارِ، ومَنْ جَرَّ إِزارهُ بَطَرًا لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ»
رواهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- بطرًا: طغيانًا.
فوائد الحديث
- أنّ السنة في إزرة المسلم أن تكون إلى أنصاف ساقيه.
- بيان عاقبة من جرَّ إزاره أسفل الكعبين بطرًا بعدم نظر الله إليه نظرة رحمة.
800
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: مَرَرْتُ عَلى رسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَفي إِزَاري اسْترْخَاءٌ، فَقَالَ: «يا عَبْدَ اللهِ، ارْفَعْ إِزارَكَ» فَرفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ: «زِدْ»، فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أَتَحرَّاها بَعْدُ. فَقَالَ بَعْضُ القُوْمِ: إِلى أَيْنَ؟ فَقَالَ: «إِلى أَنْصافِ السَّاقَيْنِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل عبد الله بن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، ومزيد اعتنائه بالسنّة وملازمته التأسي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
801
باب صفة طول القميص والكمّ والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
عَن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خيلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القيامَةِ» فقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهنَّ؟ قالَ: «يُرْخينَ شِبْرًا» قَالَتْ: إِذن تَنكَشِفُ أَقْدامُهنَّ، قالَ: «فيُرْخِينَهُ ذِراعًا لاَ يَزِدْنَ»
رواهُ أبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- لم ينظر الله إليه: أي لم ينظر الله له نظرة رحمة يوم القيامة.
- ذراعًا: الذراع من الإنسان من المرافق إلى أطراف الأصابع.
- ذيولهن: يعني أسفل ثيابهن.
- "فكيفَ يصنَعُ النِّساءُ بذِيُولِهنَّ؟": أي وما حُكْمُ إسبالِ النِّساءِ وإطالةِ أثوابِهنَّ؟
فوائد الحديث
- أنّ المستحب للمرأة أن ترخي ثوبها شبرًا من القدر الجائز للرجال.
- بيان الإذن للنساء في إطالة أثوابهن قيد ذراع إلى الأرض من أجل ستر ظهور أقدامهن.
- حرص النساء على امتثال أوامر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والسؤال والاستفسار عمّا يخصها من أمور الدين.
- أمْرُ النِّساءِ بسَتْرِ أقدامِهنَّ.
802
باب استحباب ترك التّرفّع في اللّباس تواضعًا
عَنْ معاذِ بن أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَنْ تَرَكَ اللِّباسَ تَواضُعًا للهِ، وَهُوَ يَقْدِرُ علَيْهِ، دعاهُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ منْ أَيِّ حُلَلِ الإِيمانِ شَاءَ يلبَسُها»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- اللِّباس: المقصود به هنا الملابس التي يكون فيها فخر وترفع على الناس أو تنكسر بلبسها قلوب بعض الفقراء.
- حُلل: جمع حُلَّة وهي الثَّوبُ الجيِّدُ الجديدُ، وحلل الإيمان من لباس أهل الجنة.
فوائد الحديث
- عظيم أجر التواضع في اللباس، وعدم الترفع والتكبر فيه على الآخرين.
- فضل ترك ارتداء الثياب الغالية الثمن النفيسة التي لا يقدر على شرائها إلّا الأغنياء تواضعًا لله ومراعاةً لمن كان حوله من فقراء الناس.
803
باب استحباب التوسط في اللّباس ولا يقتصر على ما يزري به لغير حاجة ولا مقصود شرعي
عنْ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبيهِ عَنْ جدِّهِ رضيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُرى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلى عبْدهِ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ
فوائد الحديث
- استحباب إظهار التجمل في الملبس من غير إسراف تحدثًا بنعمة الله لا ترفعًا وتكبرًا على الناس.
- حضور النية الحسنة عند الإنسان في لبسه للجميل أنّه يريد إبراز نعمة الله عليه شكرًا لمُنعمها، فيه باب من أبواب الأجر لمن نواه.
804
باب تحريم لباس الحرير على الرّجال وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه وجواز لبسه للنساء.
عنْ عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لاَ تَلْبَسُوا الحريرَ، فَإنَّ مَنْ لَبِسهُ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخرةِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الحرير: أفخر أنواع القماش وأكثرها ليونة، والممنوع منه ما كان طبيعيًا وهو ما تخرجه دودة القَز.
فوائد الحديث
- تحريم لبس الثياب المصنوعة من الحرير الطبيعي للرجال، والحكمة من ذلك ترك الفخر والخيلاء و الترفُّه والزينة، أو لما فيه من التشبه بالنساء.
- جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير هو الأغلب (كالتطريز)، وتركه أفضل زهدًا في الدنيا.
805
باب تحريم لباس الحرير على الرّجال وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه وجواز لبسه للنساء.
عنْ عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سمِعتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «إنَّمَا يلبَسُ الحريرَ منْ لا خَلاقَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي رِوَايةٍ للبُخاريِّ: «مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ في الآخِرةِ».
مفردات الحديث
- لا خلاق له: أي لا حظَّ له ولاَ نَصيبَ له من الخير.
فوائد الحديث
- أن من خالف التحريم ولبس الحرير في الدنيا فإنّه يعاقب بدخول النار إن لم يتب ويستغفر.
806
باب تحريم لباس الحرير على الرّجال وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه وجواز لبسه للنساء.
عَنْ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «منْ لَبِسَ الحريرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخرَةِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- أن من نعيم الآخرة لبس الحرير.
- من لبس الحرير من الرجال في الدنيا مخالفًا أمر الله تعالى، فإنّه يُحرم من لبسه في الآخرة.
807
باب تحريم لباس الحرير على الرّجال وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه وجواز لبسه للنساء.
عَنْ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: رأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعلَهُ في يَمينهِ، وَذَهَبًا فَجَعَلَهُ في شِمالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ هذَيْنِ حرَامٌ عَلى ذُكُورِ أُمَّتي»
رواهُ أبُو دَاوُودَ بإسنادٍ حسنٍ
فوائد الحديث
- تحريم الحرير والذهب على الذكور دون الإناث.
- التحريم شامل للذكور سواء كانوا صغارًا أو كبارًا، إلا لضرورة.
808
باب تحريم لباس الحرير على الرّجال وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه وجواز لبسه للنساء.
عَنْ أبي مُوسَى الأشْعريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «حُرِّمَ لِبَاسُ الحَرِيرِ وَالذَّهَبِ على ذُكُورِ أُمَّتي، وَأُحلَّ لإنَاثِهِمْ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
فوائد الحديث
- مراعاة الشريعة للاحتياج النفسي عند النساء للتجمُّل بإباحة الذهب والحرير لهنَّ دون الرجال.
- من الحِكَم الشرعية في تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال في الدنيا التربية على اعتياد الخشونة والعمل والجد الذي هو من صفات الرجولة، فكما يعتني الإسلام بتربية الإنسان من داخله في قلبه وعقله كذلك يعتني بمظهره الخارجي لما له أثر على سلوكه وخلقه.
809
باب تحريم لباس الحرير على الرّجال وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه وجواز لبسه للنساء.
عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: نَهَانَا النَّبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ نَشْربَ في آنِيةِ الذَّهبِ وَالفِضَّةِ، وَأنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وأنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- آنية: جمع إناء، وهو الوعاء صغيرًا كان أو كبيرًا.
- الديباج: ما غلُظ من ثياب الحرير.
فوائد الحديث
- تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على الرجال والنساء.
- تحريم الجلوس على الحرير.
- تحريم استعمال الآنية والأدوات المصنوعة من الذهب كالساعة ونحوها.
- الابتعاد عن التنعُّم الزائد لأنّ استعمال آنية الذهب والفضة، والجلوس على الديباج من صنيع المترفين والمتكبرين.
810
باب جواز لبس الحرير لمن به حكّة
عنْ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: رَخَّصَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ وعبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عوْفٍ رضي الله عنهما في لُبْسِ الحَرِيرِ، لِحِكَّةٍ بِهِما. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- رَخَّص: أباح مع وجود دليل المنع.
- الحِكَّة: الجَرَب.
فوائد الحديث
- الترخيص لمن به حكّة من الرجال أن يلبس الحرير الطبيعي.
- تحريم الحرير المراد من نصوص الأحاديث هو الحرير الطبيعي المعروف، أما الحرير الصناعي فلا يدخل في التحريم إلا إذا كان لا يتميز عن الحرير الطبيعي ويلتبس على الناس وكان فيه مظنة التشبّه بلباس النساء فحينئذ يدخل في الحظر من هذا الوجه.
811
باب النّهي عن افتراش جلود النمور والركوب عليها
عنْ مُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تَرْكَبُوا الْخَزَّ وَلاَ النِّمارَ»
رواهُ أَبُو دَاوُودَ وغيرُهُ بإسنادٍ حسنٍ
مفردات الحديث
- لا تَرْكَبُوا: لا تفترشوا ولا تجلسوا عليها.
- الخَزَّ: مَا ينسج من الحرير.
- النِّمار: المراد جلد النمور.
فوائد الحديث
- النهي عن افتراش الحرير وجلود السباع في الركوب وغيره.
- تحريم التشبّه بأهل السرف والخيلاء والفسوق.
812
باب النّهي عن افتراش جلود النمور والركوب عليها
عَنْ أبي الْمَلِيحِ عنْ أَبيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهَى عنْ جُلُودِ السِّباعِ. رواهُ أبو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ بأَسَانِيدَ صِحاحٍ. • وفي روايةِ التِّرْمِذِيِّ: نهَى عنْ جُلُودِ السِّباعِ أنْ تُفْتَرَشَ.
مفردات الحديث
- السّباع: أي كل ما له ناب ويعدو على الناس والدوابّ فيفترسها.
فوائد الحديث
- تحريم الجلوس على جلود السباع عموما فيدخل فيه النمور والأسود والذئاب والثعالب والفهود، إلى غير ذلك
- النهي يعمّ الانتفاع بها من ركوب ولبس ونحوهما من أوجه الانتفاع.
813
باب ما يقول إذا لبس ثوبًا جديدًا
عنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سمَّاهُ باسْمِهِ -عِمامَةً، أَوْ قَمِيصًا، أَوْ رِدَاءً- يقُولُ: «اللَّهُمَّ لكَ الحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ ما صُنِعَ لَهُ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وشَرِّ ما صُنِعَ لَهُ»
رواهُ أبو داوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- استجد: أي لبس ثوبًا جديدًا.
- كسَوْتَنيه: ألبستني هذا الثوب.
فوائد الحديث
- استحباب حمد الله وشكره بعد لبس الثوب الجديد.
- يسن لمن لبس ثوبًا جديدًا أن يقول الذكر المذكور والظاهر أنّه يستحبّ أيضًا لمن لبس ثوبًا غير جديد.
- أنّ من شُكر النِّعمة نسبتها لله تبارك وتعالى.
814
باب آداب النّوم والاضطجاع والقعود والمجلس والجليس والرؤيا
عنِ الْبَراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: كَانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أَوَى إلى فِرَاشِهِ نَامَ عَلى شِقِّهِ الأَيمنِ، ثُمَّ قالَ: «الَّلهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إليْكَ، وَوجَّهْتُ وَجْهي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أَمْرِي إلَيْكَ، وَأَلجَأْتُ ظهْري إلَيْكَ؛ رَغْبةً وَرهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجأ ولا مَنْجَى مِنْكَ إلاَّ إلَيْكَ، آمَنْتُ بِكتَابِكَ الَّذي أَنْزلتَ وَنَبيِّكَ الَّذي أَرْسَلْتَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
مفردات الحديث
- على شِقِّه: أي جانبه.
- وجهت وجهي: أي ذاتي، واستخدم كلمة الوجه للإشارة إلى الذات لأنه أشرف ما في الإنسان.
- فوضت: سلمت.
- أسلمت نفسي إليك: استسلمت وجعلت نفسي منقادة لك طائعة لحكمك.
- ألجأت ظهري إليك: أي توكلت عليك وأرجعت أمري كله إليك.
- رغبة: طمعًا في ثوابك.
- رهبة: خوفًا من عقابك.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الدعاء عند النوم.
- أنّ من السنّة النوم على الجانب الأيمن.
- تفويض الأمر إلى الله تبارك وتعالى وهذا حقيقة التوكل.
- أنّ المؤمن في دعائه يجمع بين الرغبة والرهبة.
815
باب آداب النّوم والاضطجاع والقعود والمجلس والجليس والرؤيا
عنِ الْبَراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: قالَ لي رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذَا أَتَيْتَ مَضْجَعكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلى شِقِّكَ الأَيمَنِ، وَقُل الَّلهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي....» وذَكَرَ نَحْوَهُ ( الدعاء السابق رقم ٨١٤ )، وفيهِ: «واجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقولُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- اضطجع على شقّك الأيمن: الاضطجاع أي النوم على الشق الأيمن.
فوائد الحديث
- بيان ما يقال عند النوم وأخذ المضجع.
- المستحب للمؤمن أن ينام على طهارة.
- الأفضل أن يكون هذا الذكر آخر ما يقال قبل النوم من الأذكار.
816
باب آداب النّوم والاضطجاع والقعود والمجلس والجليس والرؤيا
عَنْ عائشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالتْ: كَانَ النَّبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصلِّي مِنَ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَإذا طلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى ركْعَتيْنِ خَفِيفتيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ على شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَجِيءَ المُؤَذِّنُ فيُؤْذِنَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- إحدى عشرة ركعة: هي صلاة القيام والوتر.
- ركعتين خفيفتين: سنّة صلاة الفجر وتكون قبل الفرض.
- فيُؤذِنَه: أي يخبره المؤذن باجتماع الناس ليصلي بهم.
فوائد الحديث
- أنّ صلاة الليل من هدْيه صلّى الله عليه وسلّم وهي سنّة.
- من السنّة أن يكون الاضطجاع على الشق الأيمن بعد صلاة الليل وبعد سنّة الفجر.
- أنّ الاضطجاع بعد صلاة سنّة الفجر مستحب.
- استحباب اتّخاذ مؤذّن راتب للمسجد.
817
باب آداب النّوم والاضطجاع والقعود والمجلس والجليس والرؤيا
عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كانَ النَّبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أمُوتُ وَأَحْيَا» وإذا اسْتيْقَظَ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ اَلَّذِي أَحْيَانَا بعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- أخذ مضجعه: أي أراد النوم فيه.
- اللهم باسمك أموت وأحيا: أي أنام وأستيقظ.
- أحيانا: أي أيقظنا، وهذه الحياة الصغرى من نفخ الروح إلى بلوغ الأجل.
- أماتنا: المراد به النوم وهو الموت الأصغر.
- النشور: الإحياء للبعث يوم القيامة.
فوائد الحديث
- استحباب وضع اليد تحت الخدّ الأيمن عند النوم، والدعاء بما ورد تأسِّيًا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
- أنّ النوم سمّي موتًا لأنّه يزول معه العقل والحركة.
- أنّ النوم والموت يجمعهما انقطاع تعلّق الروح بالبدن.
818
باب آداب النّوم والاضطجاع والقعود والمجلس والجليس والرؤيا
عَنْ يعِيشَ بنِ طِخْفَةَ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: قالَ أبي: بيْنمَا أنَا مُضْطَجِعٌ في الْمسَجِدِ عَلَى بَطْنِي إذَا رَجُلٌ يُحَرِّكُنِي بِرِجْلهِ فقالَ «إنَّ هذِهِ ضِجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ»
قالَ: فَنَظرْتُ، فإذَا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسْنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- مضطجع: مستلقٍ.
- ضجعة: المرة من الاضطجاع.
فوائد الحديث
- النهي عن النوم على البطن.
- جواز النوم في المسجد للضرورة.
- كراهية أن ينام الإنسان في أماكن مرور عامة الناس.
819
باب آداب النّوم والاضطجاع والقعود والمجلس والجليس والرؤيا
عَنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ تعالى فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لا َيَذْكُرُ اللهَ تعالى فِيهِ، كَانَتْ عَليْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسنادٍ حسنٍ
مفردات الحديث
- تِرَة: أي خسارة وحسرة، وقيل النَّقْص.
فوائد الحديث
- استحباب ذكر الله في كل مجلس وكذلك عند الاضطجاع.
- ينبغي للإنسان أن يكثر من ذكر الله قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه.
- التحذير من الغفلة عن ذكر الله تعالى.
- إذا اضطجعت مضطجعًا لم تذكر اسم الله فيه فإنّه يكون عليك من الله ترة أي خسارة، فأكثر من ذكر الله دائمًا وأبدًا.
820
باب جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرِّجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة وجواز القعود متربعًا ومحتبيًا
عنْ عبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أنَّهُ رأَى رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُستَلْقيًا في المسْجِدِ وَاضعًا إحْدَى رِجْليْهِ عَلى الأُخْرىَ. مُتَّفَقٌ عَلِيْهِ.
مفردات الحديث
- مُستَلْقيًا: راقدًا على ظهره.
فوائد الحديث
- جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة.
821
باب جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرِّجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة وجواز القعود متربعًا ومحتبيًا
عَنْ جابرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذَا صَلَّى الْفَجرَ تَرَبَّعَ في مَجْلِسِهِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ حَسْناء. حدِيثٌ صحيحٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وغيرهُ بأسانيدَ صحيحةٍ.
مفردات الحديث
- تربع: أي جلس متربعًا يذكر الله تعالى في محلّ صلاته.
- تَطْلُعَ الشَّمسُ حَسْناء: أي حتى تطلع الشمس وترتفع نقيّة بيضاء زائلة عنها الصفرة.
فوائد الحديث
- فضل المكث بعد صلاة الفجر وذكر الله تعالى.
- استحباب الجلوس بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس لبركة الوقت.
822
باب جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرِّجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة وجواز القعود متربعًا ومحتبيًا
عَنِ ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بفناءِ الكَعْبَةِ مُحْتَبِيًا بِيَدَيْهِ هكَذَا. وَوَصَفَ بِيَدَيْهِ الاحْتِباءَ، وَهُوَ القُرفُصَاءُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- بفناء الكعبة: الفناء: ما امتد من جانب الكعبة، أي ساحتها.
- محتبيًا: جلَس على مقعدته ويضمّ فخِذَيْه وساقَيه إلى بطنه بذراعيه أو بثوب ليستند.
- القُرفُصَاء: أَن يجلسَ على مقعدته ويلصقَ فخذيه ببطنه ويفرج بين ركبتيه ويحتبيَ بيديه يضعهما على ساقيه.
فوائد الحديث
- جواز الاحتباء إذا أُمِنَ من انكشاف العورة.
- استعمال التمثيل من ابن عمر للتقريب إلى الأفهام.
823
باب جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرِّجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة وجواز القعود متربعًا ومحتبيًا
عَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالتْ: رأيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهوَ قَاعِدٌ القُرْفُصَاءَ، فلمَّا رأيتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُتَخَشِّعَ في الجلسة أُرْعِدتُ مِنَ الفَرَقِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيُّ.
مفردات الحديث
- المُتَخَشِّعَ: الخاشع الخاضع المتواضع، وتخشَّع لله: تذلَّل وتضرّع له.
- أرعدت من الفرق: اضطربت من الخوف.
فوائد الحديث
- بيان ما كان عليه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الخشوع في جلسته.
- جواز الجلوس بجلسة القرفصاء في المسجد، مع الحرص على عدم كشف العورة.
- كان خوف المرأة حين رأت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يجلس جلسة إنسان متواضع لله سبحانه في غاية الخشوع وغاية السكينة عليه الصلاة والسلام، فهيئته صلّى الله عليه وسلّم جعلت المرأة تخشع لله سبحانه، وتخاف وتهاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتجلّه.
824
باب جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرِّجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة وجواز القعود متربعًا ومحتبيًا
عَن الشَّريدِ بنِ سُوَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: مرَّ بي رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَأنا جَالسٌ هكذَا، وَقَدْ وَضَعتُ يَدِيَ اليُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَّكأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي، فقالَ: «أتقْعُدُ قِعْدةَ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ؟»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- أَلْيَةِ يَدِي: اللحمة التي في أصل الإبهام.
- المغضوب عليهم: من وقع عليهم غضب الله لفسوقهم أو كفرهم، قيل هم اليهود، والمراد به هنا أعم من اليهود.
فوائد الحديث
- النهي عن هذه الجلسة خاصة، أما إذا وضع اليدين كلتيهما من وراء ظهره واتكأ عليهما فلا بأس ، ولو وضع اليد اليمنى فلا بأس.
- المنع من التشبه بالمغضوب عليهم وهم الكفار والفجار ومن تظهر عليهم آثار العجب والكبر فى هيئاتهم ومشيهم وقعودهم وسائر أحوالهم.
- على المسلم أن يتميز في جميع أحواله عن المشركين والكافرين ولا يتشبه بهم.
825
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عنِ ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لايُقِيمَنَّ أحَدُكُمْ رَجُلًا مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، ولكِنْ تَوسَّعُوا وتَفَسَّحُوا»
وَكَانَ ابنُ عُمَرَ إذا قامَ لهُ رَجُلٌ مِنْ مجْلِسهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- النهي عن استنقاص حقّ المسلم المقتضي للضغائن.
- الحثّ على التواضع المقتضي للتوادد.
- الفقهاء استثنوا من ذلك موضعًا يفتى فيه أو يدرّس فيه لم يكن لغير المعلم أن يقعد فيه.
- استحباب التوسعة للداخل.
826
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إذا قاَمَ أحَدُكُمْ منْ مَجْلسٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- إذا سبق الإنسان إلى مجلس في مسجد أو سوق كان أحق به، فإذا قام منه لعذر لا يسقط حقه فيجوز له أن يقيم من جلس فيه.
- من سبق إلى مباح فهو أحقّ به.
827
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ جابرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: «كُنَّا إذَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهي»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- حيث ينتهي: أي المكان الأخير من المجلس حيث ينتهي بآخر إنسان.
فوائد الحديث
- من أدب الجلوس في المجالس أن يجلس الإنسان حيث ينتهي به المجلس إلا إذا وجد فرجة.
- على القادم أن يجلس حيث يجد فراغًا إلا ما خصص لأحد أو شغر المكان لعذر طرأ على صاحبه.
- لا يطلب قيام أحد من مجلسه ليجلس مكانه.
- تأدب الصحابة رضي الله عنهم مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
828
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ أبي عبدِ اللهِ سَلْمانَ الفارِسيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعةِ، وَيَتَطهّرُ ما اسْتَطاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيدَّهنُ منْ دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِنْ طيبِ بَيْتهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنينِ، ثُمَّ يُصَلّي ما كُتِبَ لهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإمامُ، إلاَّ غُفِرَ لهُ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجمُعَةِ الأُخْرَى»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- يدّهن: ما يدهن من زيت ونحوه لإزالة شعث الرأس واللحية.
- ينصت: أي يسكت سكوت المستمع.
فوائد الحديث
- الجلوس حيث ينتهي المجلس فلا يتخطى رقاب الناس ولا يفرق بين الجالسين.
- فضل الاغتسال لصلاة الجمعة ويدخل وقت الغسل من طلوع الفجر الصادق، وتأخيره إلى قبيل خروجه للصلاة أفضل.
- استحباب استعمال الطيب.
- استحباب التطوع قبل الخطبة ووجوب الإنصات عندها.
- أن الجمعة بهذه الآداب تكفر ذنوب جمعة كاملة من غير الكبائر، أما الكبائر فتحتاج إلى توبة، وكذلك ما يتعلق بحقوق الناس فيجب أداء حقوقهم.
829
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ عمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنيْنِ إلّا بإذْنِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. •وفي روايةٍ لأبي دَاوُودَ: «لا يُجْلَسُ بَيْنَ رَجُليْنِ إلّا بإذْنِهمَا».
فوائد الحديث
- حرمة التفرقة بين اثنين والجلوس بينهما إلّا بإذنهما، ويلحق به أنّه لا يجوز له التسمع إلى كلامهما إلّا برضاهما إذا كانا يتكلمان سرًا.
830
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الحَلْقَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. • وروَى التِّرْمِذِيُّ عنْ أبي مِجْلَزٍ: أنَّ رَجُلًا قَعَدَ وَسْطَ حَلْقَةٍ، فقالَ حُذَيْفَةُ: مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -أوْ: لَعَنَ اللهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقةِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ .
فوائد الحديث
- النهي عن إيذاء الجلساء.
- كراهية الجلوس وسط الحلقة.
- حرمة تخطي رقاب الجالسين والجلوس وسطهم.
- على المسلم أن يراعي شعور الآخرين فلا يتطفل في مجالسهم أو شؤونهم الخاصة.
831
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «خَيْرُ الْمَجَالِسِ أوْسَعُهَا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسنادٍ صحيحٍ على شرطِ الْبُخَارِيِّ
فوائد الحديث
- استحباب إفساح المجالس وتوسيعها.
- أن توسعة المجالس فيها الخير والبركة وإراحة الجالسين، وفيها دفع لما يُفضي إلى التزاحم والكراهية والبغض بسبب المجالس الضيقة.
832
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ جَلَسَ في مَجْلسٍ، فَكثُرَ فيهِ لَغَطُهُ، فقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ منْ مجْلِسهِ ذلكَ: سبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبحَمْدكَ، أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلّا أنْتَ، أسْتغْفِرُكَ وَأتُوبُ إليْك، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مجْلسهِ ذلِكَ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- لغطُه: الكلام الذي لا ينفع في الآخرة، أو تكلم بما فيه إثم.
- سبحانك: تنزيه الله تعالى عما لا يليق به.
فوائد الحديث
- قول هذا الدعاء في ختام المجالس يكفر الذنوب التي حصلت فيه.
833
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ أبي بَرْزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ بِأَخَرَةٍ إذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجِلسِ: «سُبْحَانَكَ الَّلهُمَّ وبِحَمْدكَ، أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلّا أنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ» فقالَ رَجُلٌ: يارسولَ اللهِ، إنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلًا مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيَما مَضَى؟ قالَ: «ذلكَ كفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ في الْمجْلِسِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ. ورواهُ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ في الْمُسْتَدْرَكِ منْ روايةِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، وقالَ:صحيحُ الإسنادِ.
مفردات الحديث
- كفارة: عمل ما يمحو الذنب.
- بأخرة: بفتح الهمزة والخاء، أي: في آخر عمره صلى الله عليه وسلم .
فوائد الحديث
- أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء تعليمًا لأمته، واستزادة في الثواب لا أنّه كان يقع منه اللغط في المجالس.
- استحباب هذا الدعاء.
- وجوب حفظ اللسان، وتجنب مجالس اللغو واللغط.
834
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَلَّمَا كانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقومُ منْ مَجْلسٍ حَتَّى يَدعُوَ بهؤلاءِ الدَّعَوَاتِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ ما تحُولُ بِه بَيْنَنَا وبَينَ مَعاصِيكَ، ومنْ طَاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، ومِنَ اليَقيٍنِ ما تُهَوِّنُ بِه عَلَيْنا مَصَائِبَ الدُّنيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنا بأسْمَاعِنَا، وأبْصَارنَا، وَقُوّتِنا ما أحييْتَنَا، واجْعَلْهُ الوَارِثَ منَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلى مَنْ ظَلَمَنَا، وانْصُرْنا عَلى مَنْ عادَانَا، وَلا تَجْعلْ مُصِيبَتَنَا في دِينِنَا، وَلا تَجْعلِ الدُّنْيَا أكبَرَ همِّنا، ولا مبْلغَ عِلْمِنَا، وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- اقسم لنا: اجعل لنا نصيبًا
- خشيتك: الخوف منك مع الإجلال لك والتعظيم.
- ما تحُول: ما يمنعنا و يحجزنا عن معصيتك.
- تُبلّغنا: تُوصلنا.
- اليقين: التصديق القلبي الجازم.
- تُهَوّن: تُسهّل وتُيسر.
- مصائب: كل شيء يصيب الإنسان فيؤذيه.
- متّعنا: انفعنا وثبّت علينا حواسنا مدة حياتنا.
- واجعله الوارث منّا: أي اجعل سمعنا وبصرنا وقوتنا باقية مستمرة سليمة إلى آخر حياتنا.
- ثأرنا: خذ لنا حقّنا منه وجازه على ظلمه.
- مصيبتنا في ديننا: أي أن نبتلى في ديننا من نقص الطاعة والوقوع في المعصية.
- أكبر همّنا: أعظم شغلنا.
- مبلغ علمنا: غاية علمنا وسعينا.
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء بخيري الدنيا والآخرة.
- الدعاء بسلامة الحواس مدى الحياة، ليقوم الإنسان بها فيما يرضي الله تعالى
- أنّ طاعة الله هي الطريق الموصل للجنّة.
- أنّ مصيبة الدِّين هي المصيبة العظمى لما يترتب عليها الخسران في الآخرة.
- أن يصرف المؤمن همّه وشغله للآخرة فتكون هي أعظم مطلوب وأعلى مقصود.
835
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ منْ مَجْلسٍ لا يَذكُرُونَ اللهَ تعالى فيهِ إلّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- قوم: الجماعة من الناس، وهنا يشمل الرجال والنساء.
- جيفة حمار: أي جثة حمار ميت منتنة.
- حسرة: شدّة الندامة.
فوائد الحديث
- التحذير من الغفلة عن ذكر الله والتنفير منها بهذا التصوير، لأن أعظم أمراض القلوب إنما هو الغفلة عن الله، وإن معظم المعاصي سببها من الغفلة.
- على الإنسان ألّا يضيع وقته في مجالس اللغو فتمر ساعات عمره من غير فائدة وتتقطع نفسه حسرات يوم القيامة على ما ضيّع من أوقاته.
- التحذير من الوقوع فيما يؤدي إلى الندم يوم القيامة.
836
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَا جَلَسَ قَومٌ مَجْلِسًا لمْ يَذْكرُوا اللهَ تَعَالَى فيهِ، ولَم يُصَّلُّوا على نَبِيِّهمْ فيهِ إلّا كانَ عَلَيْهمْ تِرةٌ، فإِنْ شاءَ عَذَّبَهُمْ، وإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- ترة: حسرة وندامة
فوائد الحديث
- إعمار المجالس بذكر الله تعالى والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقضاء الأوقات في النافع المفيد.
- كراهة أن تخلو المجالس من ذكر الله تعالى.
- ذكر الترة لا يدل على العذاب لأن الترة هى الحسرة، والحسرة كما تكون بسبب العذاب تكون أيضا بسبب فوات الأجر العظيم من رفع درجات أو تكفير سيئات.
- قوله "فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" معناه عذبهم بذنوبهم السابقة أو التي كانت في المجلس فشدد عليهم لغفلتهم عن ذكره وإن شاء تجاوز عنهم برحمته.
837
باب في آداب المَجْلِس والجَليس
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَنْ قعَدَ مَقْعَدًا لمْ يَذْكُرِ اللهَ تعالى فِيهِ كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطجَعَ مَضْجَعًا لا يَذْكرُ اللهَ تعالى فيهِ كاَنتْ عَليْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ »
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- ترة: حسرة وندامة
فوائد الحديث
- تأكيد ذكر الله تعالى في كل مجلس ومقعد ومضجع، ليكون المسلم دائم الصلة مع الله تعالى.
- المجالس الإلكترونية والشبكات الاجتماعية داخلة في عموم مسمى المجالس فلنجعلها بابا من أبواب ذكر الله والتذكير به.
- لا بد أن يتنبه المسلمون في عصرنا الحاضر أن مجالسهم كثيرًا ما يحصل فيها من الأمور المنكرة والغفلة عن ذكر الله تعالى كالغيبة والطعن في الناس وإيذائهم مما يسبب الفرقة والقطيعة والتباغض والضغائن.
838
باب الرّؤيا وما يتعلّق بها
عَن أبي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «لمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلاَّ المُبَشِّراتُ» قالوا: وَمَا المُبشِّراتُ؟ قالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحةُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- المبشرات: أي ما فيها بشارة، وهي سبب للطلاقة والفرح والسرور.
- الرّؤيا: ما يراه المؤمن في منامه.
- الصّالحة: الحسنة أو الصادقة المطابقة للواقع.
فوائد الحديث
- أنّ مِنَ الرؤى ما هو صالح يُطلع بها الله المؤمن على ما سيكون من خير أو شر.
- أنّ من الرؤى ما هو مكروه وهي من الشيطان، فيريه ما يكره في منامه، ودواؤها أن يستعيذ بالله من شر ما رأى.
- أنّه لا وحي لأحد بعد وفاة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
- لا يتعلّق بالرؤيا أحكام شرعية، فلا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا، كما لا تغير شيئًا من أحكام الشريعة سواء في العقيدة أو الأحكام أو غير ذلك.
839
باب الرّؤيا وما يتعلّق بها
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إذَا اقتَربَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمنِ تَكْذِبُ، وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأرْبَعيَنَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . • وفي روايةٍ: «وَأصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أصْدَقُكُم حَدِيثًا».
مفردات الحديث
- اقترب الزمان: أي كان آخر الدنيا واقتربت الآخرة.
فوائد الحديث
- أنّ الله يُؤنس المؤمن ويواسيه بما يُريه من الحقائق وذلك عند فساد الزمان، ويزداد صدق الرؤيا بصدق حديث صاحبها.
- أنّ الرؤيا الحقّ جزء من النبوة باعتبارها إعلامًا من الله لبعض المؤمنين وهم في حالة النوم.
- أنّ رؤى المؤمنين في آخر الزمان يغلب فيها الصدق.
840
باب الرّؤيا وما يتعلّق بها
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ رآني في المنَامِ فَسَيَرَانِي في الْيَقَظَةِ -أوْ كأنَّمَا رآني في اليَقَظَةِ- لا يَتَمثَّلُ الشَّيْطانُ بي»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- سيراني في اليقظة: قيل: سيرى تصديق رؤياه في اليقظة، وقيل: سيراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه والشفاعة.
فوائد الحديث
- أنّ من رأى النّبيّ في المنام فسوف يراه في اليقظة يوم القيامة.
- هذا تبشير لصاحب الرؤيا، والغالب فيمن يرى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المنام وفي قلبه حب له والتزام بهداه.
- قوله "فسيراني في اليقظة" هذا وعد له بمزيد اختصاص بالنبي ﷺ، وقرب منه في الآخرة، ولا يعني أنّ من لم يره في المنام لن يراه في الآخرة.
- أنّ رؤية الرسول صلّى الله عليه وسلّم في المنام حقّ وليست من قبيل الأضغاث، لأنّ الشيطان لا يتمثّل للإنسان بشكل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
841
باب الرّؤيا وما يتعلّق بها
عَنْ أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّهُ سمِعَ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقول: «إذا رَأى أَحدُكُمْ رُؤْيَا يُحبُّهَا فَإنَّما هِيَ منَ الله تعالى، فَليَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِها -وفي روايةٍ: فَلا يُحَدِّثْ بَها إلّا مَنْ يُحِبُّ- وَإذا رأى غَيْرَ ذَلكَ مِمَّا يَكرَهُ فإنَّمـا هِيَ منَ الشَّيْطانِ، فَليَسْتَعِذْ منْ شَرِّهَا، وَلا يَذْكُرْهَا لأحدٍ، فإنَّها لا تَضُرُّهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- من رأى خيرًا فليحمد الله ويحدث بها من يحب، ومن رأى شرًا فليستعذ بالله ولا يحدث بها.
- أنّ الإنسان إذا رأى رؤيا حسنة فليضفها إلى الله تعالى وليحمد الله على أن رأى ما يسره، وإذا رأى رؤيا سيئة فليضفها إلى الشيطان لأنّها غالبًا من وساوسه.
842
باب الرّؤيا وما يتعلّق بها
عَنْ أبي قتادةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ، -وفي روايةٍ: الرُّؤيَا الحَسَنَةُ- منَ اللهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأى شَيْئًا يَكرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَالهِ ثَلاَثًا، ولْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطانِ فَإنَّها لا تَضُرُّهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الحُلْم: الرؤيا في المنام، فالحُلْم والرؤيا في الأصل بمعنى واحد، لكن غلب في اصطلاح الشرع تخصيص الرؤيا بما يراه من الخير، والحلم بما يراه من الشر.
- فلينفث: النَّفْثُ هو نَفْخٌ لطيفٌ لا رِيقَ مَعَهُ.
فوائد الحديث
- استحباب النّفث عن اليسار والتعوذ من الشيطان لمن رأى رؤيا شر، وذلك طردًا للشيطان واحتقارًا له وعدم التفات إلى ما يخيله له، فليس بضار أحدًا فيما يوسوسه إلّا بإذن الله.
- حرص الشيطان على مساءة ابن آدم، فيريه ما يكره، وما يزعجه، ويخوفه، ويقلقه.
843
باب الرّؤيا وما يتعلّق بها
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إذَا رَأى أحَدُكُمُ الرُّؤْيا يَكْرَهُها، فلْيبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاثًا، ولْيَتَحوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كانَ عليْهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- وليتحول عن جنبه الذي كان عليه: يعني إن كان نائمًا على جنبه الأيسر يتحول إلى الأيمن، والعكس.
فوائد الحديث
- استحباب التحول عن جنبه الذي كان عليه حين يرى الرؤيا التي يكرهها، وذلك تفاؤلًا بتحول الحال من الرؤيا القبيحة إلى الرؤيا الحسنة.
- تخصيص الشّمال بالنّفث أو البصاق إشعارًا إلى جهة الشيطان وإلى كل ماهو مستقذر ومكروه.
844
باب الرّؤيا وما يتعلّق بها
عَنْ أبي الأسْقَعِ وَاثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ مِنْ أعظَمِ الْفِرَى أنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إلى غَيْرِ أبِيهِ، أوْ يُريَ عَيْنَهُ مَا لمْ تَرَ، أوْ يقولَ على رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- الفِرى: جمع فِرية، وهي أشد الكذب.
- يدّعي: ينتسب إلى غير أبيه.
- يُرِي عينه: يكذب ويدَّعي أن عينيه رأتا في المنام شيئًا وما رأتاه.
فوائد الحديث
- أن الكذب في الرؤيا كبيرة، لأنّه كذب على الله في أنّه أراه كذا وهو لم ير ما يقول.
- أنّ الانتساب إلى غير الأب كبيرة لأنّ فيها تضييعًا للأنساب وإدخالًا على الأسر ما ليس منها، وهذا يترتب عليه محاذير شرعية كثيرة.
- التحذير من تصديق بعض أصحاب الأهواء الذين يحدثون بأمور مخالفة لنصوص الكتاب والسنة بدعاوى باطلة من الرؤيا.
- أنّ الكذب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كبيرة أيضًا، لما يترتب على ذلك من تضليل الناس عن الدين.
- أنّ ذكر الرجل في الحديث هو باعتبار الغالب وإلّا فالمرأة كذلك.
- كتاب السّلام
845
باب فضل السّلام والأمر بإفشائه
عَنْ عبدِ اللهِ بن عمرِو بنِ الْعاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أيُّ الإْسلامِ خَيْرٌ؟ قالَ: «تُطْعمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أي الإسلام: أي أعماله.
- خير: أكثر ثوابًا.
- تقرأ السلام: أي تُسلِّم.
فوائد الحديث
- استحباب السلام على من تعرف وعلى من لا تعرف.
- أنّ ردّ السلام واجب على الفرد إذا كان لوحده، وإن كانوا جماعة فإنّ ردّ عنهم واحد كفاهم.
- فضل إلقاء السلام، وخصّه بالذكر مع الإطعام لأنّه وسيلة المحبة بين المسلمين.
- لا يقوم مقام السلام غيره في الأجر والثواب من صيغ التحية كصباح الخير أو مرحبًا أو غير ذلك، ولكن يجوز قول ذلك بعد السلام.
- أنّ السلام حقّ للمسلمين، وليس السلام للمعرفة، وقد صح عن النّبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في أشراط الساعة الصغرى أنّه ذكر هذا من علاماتها، أن يكون السلام للمعرفة.
846
باب فضل السّلام والأمر بإفشائه
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى آدمَ قالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولئِكَ -نَفَرٍ مِنَ الَمَلاَئكةِ جُلُوسٍ- فاسْتمِعْ ما يُحَيُّونَكَ، فَإنَّها تَحيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِك، فقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمةُ اللهِ، فَزادُوهُ: وَرَحْمةُ اللهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- أنّ السلام عليكم هي التحية التي شرّعها الله تعالى لعباده منذ خلق آدم.
- في الحديث مشروعية الزيادة في الرد على الابتداء.
- اتّفق العلماء على وجوب ردّ السلام.
- أنّ الإنسان إذا سلم على الواحد يقول: السلام عليك وقال بعض العلماء: يقول السلام عليكم يريد بذلك أن يسلم على الإنسان الذي سلم عليه ومن معه من الملائكة، وإن كانوا جماعة يسلّم عليهم بلفظ السلام عليكم.
847
باب فضل السّلام والأمر بإفشائه
عَنْ أبي عُمارةَ الْبَرَاءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: أمَرَنا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِسَبْعٍ: «بِعَيادَةِ الْمرِيضِ، وَاتِّباعِ الْجَنَائِزِ، وَتشْميتِ العَاطسِ، ونصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ، وإفْشاءِ السَّلامِ، وإبْرارِ الْقَسَمِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، هذا لفظُ إحْدى رِواياتِ الْبُخَارِيِّ
مفردات الحديث
- عيادة المريض: زيارته.
- اتباع الجنائز: تشييعها.
- تشميت العاطس: الدعاء له بما ورد.
- إفشاء السلام: الإكثار منه ونشره.
- إبرار القسم: أي تنفيذ ما حلف عليه.
فوائد الحديث
- الترغيب بهذه الآداب الإسلامية لما فيها من تمتين روابط الأخوة بين المسلمين.
- تحقيق الألفة والمحبة، وانتشار السلام والطمأنينةبين المسلمين.
- إفشاء السلام بمعنى إشاعة السلام في المجتمع على من عرفت ومن لم تعرف.
848
باب فضل السّلام والأمر بإفشائه
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤمِنوا حَتَّى تحَابُّوا، أَوَلا أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحاَبَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- أنّ الإيمان لا يكتمل إلّا بالمحبة بين المسلمين.
- إفشاء السلام من أسباب جلب المحبة والمودة بين المؤمنين، ومن أسباب إزالة الوحشة.
- أن الذي يُسلِّم على الناس تميل إليه القلوب وتحبه.
849
باب فضل السّلام والأمر بإفشائه
عَنْ أبي يُوسُفَ عبْدِ اللهِ بنِ سلامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ «يَا أيُّهَا النّاسُ؛ أفْشُوا السَّلامَ، وَأَطعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرحامَ، وَصَلُّوا والنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلوا الجَنَّةَ بسلامٍ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حسن صحيحٌ
فوائد الحديث
- الحثّ على إفشاء السلام فهو سبب من أسباب دخول الجنّة.
- يشتمل هذا الحديث العظيم على أربعٍ من الوصايا النبوية الجليلة، وهي: إفشاء السلام وإطعام الطعام وصلة الأرحام وقيام الليل وأنها سبب لدخول الجنة.
850
باب فضل السّلام والأمر بإفشائه
عَن الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كانَ يأْتي عبْدَ اللهِ بنَ عُمرَ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ، فَيَغْدُو مَعَهُ إلى السُّوقِ، قالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ على سَقَّاطٍ، ولا صاحِبِ بِيْعَةٍ، وَلا مِسْكِينٍ، وَلا أحدٍ إلّا سَلّمَ عَليْهِ، قالَ الطُّفيْلُ: فَجِئْتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ يَوْمًا، فَاسْتَتْبَعَنِي إلى السُّوقِ، فقُلْتُ لَهُ: ما تَصْنعُ بِالسُّوقِ وأنْتَ لا تَقِفُ عَلى البَيعِ، وَلا تَسْألُ عَنِ السِّلَعِ، وَلا تَسُومُ بهَا، وَلا تَجلِسُ في مجالِسِ السُّوقِ؟ وأقولُ: اجْلِس بِنا هَاهُنا نَتَحدَّثْ، فقالَ: يا أبا بَطْنٍ -وَكانَ الُطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ- إنَّما نَغْدُو مِنْ أجْلِ السَّلامِ، فنُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيناه. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّإِ بإسنادٍ صحيحٍ.
مفردات الحديث
- يغدو: الذهاب ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، ويستعمل أيضًا في الذهاب في أي وقت.
- غدونا: قصدنا.
- سَقَّاط: الذي يبيع الأشياء الرديئة.
- صاحب بيعة: أي الذي يبيع الأشياء الغالية والعظيمة.
- مسكين: أي ذي حاجة.
- فاستتبعني: أي طلب مني أن أتبعه.
- لا تسوم: المساومة على الثمن بين البائع والمشتري على السلعة.
- السلع: جمع سلعة وهي ما يعرض للبيع.
- أقول اجلس بنا ها هنا: أي قال الطفيل لعبد الله بن عمر ذلك.
فوائد الحديث
- استحباب السلام على كلّ من لقيه وإن كثر ذلك.
- حرص عبد الله بن عمر رضي اللّه عنه على التأسي برسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وفِعل ما أمر به، فهو يخرج إلى السوق ليسلّم على المساكين والفقراء والبائعين، ثم يرجع وقد كسب من السوق وربح منه الحسنات الكثيرة.
- جواز ارتياد المجتمعات ولو من غير حاجة، لأداء السلام.
- جواز مداعبة الرفيق بتسمية بعض ما فيه إذا لم يقصد تحقيره وكان يعلم رضاه.
851
باب كيفية السلام
عنْ عِمرانَ بنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: جاءَ رجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، فقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «عَشْرٌ»، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَرَدَّ عليْهِ فَجَلَسَ، فقال: «عِشْرونَ»، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عليْهِ فَجَلَسَ، فقال: «ثَلاَثُونَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
فوائد الحديث
- أنَّ السلام إذا كان بجملةٍ فهو بعشر حسنات، لأن الحسنة بعشر أمثالها، وإذا كان بجملتين فعشرون، وإن كان بثلاثٍ فثلاثون.
- للمسلم أن يقتصر في إلقاء السلام على قول: (السلام عليكم) وإن زاد: (ورحمة الله) فهو أفضل، وإن زاد على ذلك: (وبركاته) فهو أفضل وأكثر خيرًا.
- أقل الرد (عليكم السلام)، لا مجرد قوله: (عليكم) أو (وعليكم) من غير ذكر السلام ، إلا إذا سلم الكافر بلفظ غير صريح وواضح فإنه يقال له (وعليكم).
- الجواز في الزيادة على البركة إذا انتهى إليها المبتدئ، كقول: وعليكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، لأنّه كلّما زاد المسلم من الخير زيد له في الأجر.
852
باب كيفية السلام
عَنْ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالتْ: قالَ لي رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ: «هذا جِبرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ» قالَتْ: قُلتُ: وَعَلَيْه السَّلامُ ورحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. مُتَّفَقٌ عَلّيْهِ . • وهَكذَا وقعَ في بَعْضِ رِواياتِ الصَّحِيحَيْنِ: (وَبَرَكَاتُهُ) وفي بعْضِهَا بِحذْفِها، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
فوائد الحديث
- مشروعية إرسال السلام، وينبغي على الرسول تبليغه إن استطاع لأنّه أمانة.
- بيان فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
- فيه أن يرد الإنسان السلام على من وصله سلامه ولو لم يكن حاضرًا، لأن السلام دعاء بالسلامة والخير.
853
باب كيفية السلام
عَنْ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمةٍ أعَادهَا ثَلاثًا، حتَّى تُفْهَمَ عنْهُ، وإذا أتى على قوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيهِمْ سَلَّمَ عَلَيهِمْ ثَلاثًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. • وهذا محمُولٌ عَلَى ما إذا كانَ الجَمْعُ كثيرًا.
فوائد الحديث
- يستحبّ للإنسان إذا سلَّم أن يُكرر ثلاثًا إذا خشي أنّهم لم يسمعوا، وإذا تكلم بفائدةٍ يُكررها حتى تُفهم عنه، ولهذا قال أنس أن النبي كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه.
- كمال عطفه صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه وحسن خطابه.
- توجيه المعنيين بتعليم الناس إلى أسلوب الخطاب والكلام.
854
باب كيفية السلام
عَن الْمِقْدَادِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في حَدِيثِهِ الطَّويلِ قالَ: كُنَّا نَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَصِيبَهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسمِعُ اليَقْظَانَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَلَّمَ كمَا كانَ يُسَلِّمُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الحديث
- أنّ الإنسان إذا جاء إلى مكان فيه من هو نائم ومن هو مستيقظ، وأراد أن يسلم فليسمع اليقظان فقط، من غير أن يزعج النائم.
- كمال أدب النّبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحسن خلقه.
855
باب كيفية السلام
عنْ أسماءَ بنْتِ يزيدَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ في المَسْجِدِ يوْمًا وَعُصْبةٌ مِنَ النِّساءِ قُعوُدٌ، فَأَلْوَى بِيدِهِ بِالتَّسْلِيمِ. رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. • وهذا محمولٌ على أَنَّهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَمَعَ بَينَ اللَّفظِ والإشارةِ، ويُؤيِّدُهُ: أنَّ في رِوايةِ أبي دَاوُودَ: «فَسَلَّمَ عَليْنا».
مفردات الحديث
- عُصبة: جماعة نحو العشرة.
- ألوَى بيده: أشار.
فوائد الحديث
- جواز الإشارة باليد مع التلفظ بالسلام عند التسليم على من كان بعيدًا ومن غير التلفظ لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ.
- أما الاقتصار على الإشارة فمكروه، وذلك بدليل النهي عن التسليم بالإشارة في حديث آخر وأنه من فعل غير المسلمين.
- لا حرج في السلام على النساء من غير المحارم، فالسلام مشروع في حقّ الجميع، الرجال والنساء، فإذا سلم عليها أو رد عليها السلام من دون تهمة ولا فتنة فلا حرج في ذلك.
856
باب كيفية السلام
عَنْ أبي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: أتيتُ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فقلُتُ: عَلْيكَ السَّلامُ يا رَسولَ اللّهِ، قالَ: «لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ، فإنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحيَّةُ الموْتَى»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
فوائد الحديث
- حرص الصحابة رضي اللّه عنهم على اغتنام كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والعمل به.
- أن "عليك السلام" تحية الموتى باعتبار عادة الجاهلية وليس ذلك هو المشروع في السلام على الموتى، بل كان صلّى اللّه عليه وسلّم يسلّم على الأموات كالأحياء فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين".
857
باب آداب السّلام
عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «يُسَلِّمُ الرَّاكبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْماشِي عَلَى القَاعِدِ، والقلِيلُ على الْكَثِيرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . • وفي روايةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وَالصَّغِيرُ على الْكَبِيرِ».
فوائد الحديث
- أنّ تسليم الراكب على الماشي والماشي على القاعد و.... كلّه للاستحباب وهو الأفضل، ولو عكسوا جاز وكان خلاف الأفضل.
- من الحِكَم في ابتداء السلام أن تسليم الصغير لأجل حق الكبير؛ لأنه أُمر بتوقيره والتواضع له، وتسليم القليل لأجل حق الكثير؛ لأن حقهم أعظم، وتسليم الماشي على القاعد لشَبهِه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب؛ لئلا يتكبر بركوبه.
- إذا تساوى المتلاقيان من كلّ جهة، فخيرهما الذي يبدأ بالسلام.
858
باب آداب السّلام
عَنْ أبي أُمامةَ صُدَيِّ بنِ عَجْلانَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوْلى النَّاسِ باللّهِ مَنْ بَدأَهُمْ بالسَّلامِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسنادٍ جيدٍ. • ورواهُ التِّرْمِذِيُّ عنْ أبي أُمامةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: قِيلَ: يا رسولَ اللّهِ، الرَّجُلانِ يَلْتَقيانِ، أيُّهُمَا يَبْدأُ بالسَّلامِ؟ قال: «أَوْلاهُمَا باللّهِ تعالى»
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- أولى الناس باللّهِ: أي أحقهم بالقرب منه سبحانه وتعالى.
فوائد الحديث
- أنّ أقرب الناس من اللّهِ بالطاعة من بدأ أخاه بالسلام عند ملاقاته، لأنّه السابق إلى ذكر اللّهِ والمبادر إلى تطييب نفس أخيه.
- فضل البداءة بالسلام وهو سنّة، لأنه سبب للمحبّة بين المؤمنين.
859
باب استحباب إعادة السّلام على من تكرّر لقاؤه على قرب بأن دخل ثم خرج ثم دخل في الحال، أو حال بينهما شجرة ونحوها
عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ في حديثِ المُسِيءِ صَلاتَهُ أنَّهُ جاءَ فَصَلَّى ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، فقالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإنَّكَ لمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، حَتّى فَعَلَ ذلكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فوائد الحديث
- إعادة السلام مستحب ولو كان الفاصل بين السلامين يسيرًا.
- تقديم تحية المسجد على السلام على الحاضرين إذا دخل المسجد، لأن تحية المسجد حق الله تعالى، والسلام على الخلق حق لهم، والمسألة محل خلاف بين العلماء في أيهما يُقدَّم، والظاهر أنّه لا تعارض بينهما، فبإمكان الداخل أن يسلّم على من لقيه حين الدخول، ثم يشرع في أداء تحية المسجد.
860
باب استحباب إعادة السّلام على من تكرّر لقاؤه على قرب بأن دخل ثم خرج ثم دخل في الحال، أو حال بينهما شجرة ونحوها
عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عنْ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إذا لقِيَ أَحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإنْ حالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ، أو جِدَارٌ، أوْ حَجَرٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
فوائد الحديث
- حثّ واستحباب السلام عند كل لقاء ولو فصل بين اللقاءين شجرة أو جدار أو حجر أو نحو ذلك.
- أنّ تكرار السلام ليس من الواجبات، فلو اكتفى بالسلام أول مرة، فقد أتى بأصل السنّة، ولا حرج عليه.
861
باب استحباب السّلام إذا دخل بيته
عَنْ أنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ لي رسولُ اللّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا بُنَيَّ، إذا دَخَلْتَ عَلى أهْلِكَ فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَركةً عَلَيْكَ وَعَلَى أهْلِ بَيْتِكَ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
فوائد الحديث
- يستحب لمن دخل بيته أن يسلّم على أهله، فإن الخير والبركة تحصل له ولأهله في ذلك من ذكر اللّهِ تعالى، وتحصل بسببه المودة والرحمة.
- جواز نداء الغريب بيا بنيّ، لما في ذلك من العطف عليه والتحبب له.
- يستحب لمن دخل بيته أن يسلّم ولو لم يكن فيه أحد.
862
باب السّلام على الصّبيان
عنْ أنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّهُ مَرَّ عَلى صِبْيانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وقالَ: كانَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعلُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فوائد الحديث
- استحباب السلام على الصغار تعليمًا لهم السلام، وتأديبًا لهم عليه، وتطييبًا لقلوبهم.
- أنّه كان من شأنه وعادته وهديه صلّى اللّهُ عليه وسلّم وسنّته أنّه يُسلّم على الصبيان.
- أهمّية العناية بالصغار، والرحمة بهم، ولين الجانب معهم، والتواضع لهم، وترك ما يجرح نفوسهم.
- تواضع النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
863
باب سلام الرجل على زوجته والمرأة من محارمه وعلى أجنبية وأجنبيات لا يخاف الفتنة بهنّ وسلامهن بهذا الشرط
عنْ سهْلِ بنِ سعْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كانَتْ فينا امْرَأَةٌ -وفي روايةٍ: كانَتْ لَنا عَجُوزٌ- تأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فتطْرَحُهُ في القِدْرِ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فإذا صَلَّيْنا الجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا نُسَلِّمُ عَلَيْها، فَتُقدِّمُهُ إليْنَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- عجوز: امرأة مسنّة، ويقال للذكر والأنثى.
- أصول السلق: السلق نوع من البقول، وأصوله: سيقانه.
- تُكَرْكِر: أيْ تَطحَنُ.
فوائد الحديث
- لا بأس من إلقاء السلام على أي جماعة ولو كانت جماعة نساء لعموم الأحاديث و لفعله صلّى اللّهُ عليه وسلّم وهذا مقيد بأن تُؤمن الفتنة فلو أُمِنت الفتنة سلّم ولو على غير المسنّات.
- راوي الحديث سهل بن سعد كان صغيرًا في زمن النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم فهؤلاء أطفال صبية، وهذه امرأة عجوز، فالفتنة مأمونة ولا بأس من السلام والدخول عليها.
864
باب سلام الرجل على زوجته والمرأة من محارمه وعلى أجنبية وأجنبيات لا يخاف الفتنة بهنّ وسلامهن بهذا الشرط
عَنْ أُمِّ هانئٍ فاخِتَةَ بِنتِ أبي طَالبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالتْ: أتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الفَتْحِ وَهُو يَغْتسِلُ، وَفاطِمةُ تَسْتُرهُ، فَسَلَّمْتُ، وذَكَرتِ الْحَديثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- يوم الفتح: أي يوم فتح مكة.
- تستره: تمسك له السترة لتحجبه عن العيون.
- وذكرت الحديث: وهو أنّها أجارت واحدًا من المشركين وأراد علي رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قتله فجاءت تشتكيه فأقرّ النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم جوارها.
فوائد الحديث
- جواز إلقاء السلام والكلام في حال الاغتسال والوضوء من وراء حجاب، بخلاف البائل.
- جواز ستر البنت لأبيها في حال اغتساله، وأنّه لا يخالف المروءة.
865
باب سلام الرجل على زوجته والمرأة من محارمه وعلى أجنبية وأجنبيات لا يخاف الفتنة بهنّ وسلامهن بهذا الشرط
عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يزيدَ رَضِيَ اللّهُ عَنْها قالتْ: مرَّ عَليْنَا النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في نِسْوَةٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وهذا لفظُ أبي دَاوُودَ، ولفظُ التِّرْمِذِيِّ: أنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ في المَسْجِدِ يوْمًا وعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَأَلْوَى بِيَدِهِ بالتَّسْليمِ.
مفردات الحديث
- عصبة: جماعة.
- فألوى بيده: أشار بها مسلمًا.
فوائد الحديث
- جواز سلام المرأة على الرجال وسلام الرجال على النساء إذا أمنت الفتنة من حال النساء أو الرجال، كما يدل عليه ظاهر الأحاديث المتقدمة ممن سلّم وسلّم عليه.
- جواز إلقاء السلام مع الإشارة باليد.
866
باب تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام وكيفية الرد عليهم واستحباب السلام على أهل مجلس فيهم مسلمون وكفار
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أن رسول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا تَبْدَؤُوا اليَهُودَ ولا النَّصَارى بالسَّلامِ، فإذَا لَقِيتُمْ أحَدَهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إلى أضْيَقِهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فاضطروه إلى أضيقه: فألجئوه بالتضييق عليه أن يسير على حافة الطريق وهذا عند الزحام.
فوائد الحديث
- تحريم ابتداء السلام على الكافر، ولا يجوز أن نبدأهم بالتحيّة ولو بغير السلام لأنّ في ذلك تعظيمهم، ونحن منهيون عن تعظيمهم إلّا إذا دعت حاجة أو ضرورة أو وجدت مصلحة فيجوز حينئذ أن نبدأهم بالتحية لكن بغير السلام.
- عَنْد الزحام في الطريق يمشي المسلمون في صدر الطريق وغيرهم على حافته إظهارًا لعزة المسلمين.
867
باب تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام وكيفية الرد عليهم واستحباب السلام على أهل مجلس فيهم مسلمون وكفار
عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذَا سَلَّمَ عَلَيكُمْ أهلُ الكتابِ فَقُولُوا: وعَلَيْكُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- وعليكم: أي ما تستحقونه من الذم، أو نحن وأنتم فيه سواء أي الموت، ووجهه ما جاء في حديث: عند مسلم. إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم، فقل وعليكم، والسام: الموت.
فوائد الحديث
- وجوب رد التحيّة على غير المسلمين، ولكن لا يرد عليهم بــــــ "وعليكم السلام" بل يقال وعليكم فقط لأن أهل الكتاب كانوا يقولون السام عليكم. (ومعنى السام: أي الموت).
- الواجب رد التحية بمثلها فإن سلموا بلفظ واضح وصريح وقالوا : السلام عليكم، وجب الرد بعليكم السلام وإن زاد فحسن لقول الله: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا...} وهذا عام فى كل من ألقى التحية.
868
باب تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام وكيفية الرد عليهم واستحباب السلام على أهل مجلس فيهم مسلمون وكفار
عَنْ أُسامةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ عَلَى مَجْلسٍ فيهِ أخْلاطٌ منَ المُسلِمِينَ وَالْمُشْرِكينَ -عَبَدةِ الأوثَانِ واليَهُودِ- فَسَّلمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
مفردات الحديث
- أخلاط: جماعة من الناس فيهم المسلم وغيره من المشركين.
فوائد الحديث
- استحباب السلام على من في المجلس ولو كان فيهم غير المسلمين.
- جواز جلوس المسلم مع أهل الشرك بشرط أن لا يكون في المجلس محرّم، أو تأثير على دينه وخلقه، كما يجوز من باب دعوتهم إلى الإسلام.
- المستحب أن يكون السلام على الأخلاط بصيغة: السلام على من اتّبع الهدى.
869
باب استحباب السلام اذا قام من مجلسه وفارق جلساءه أو جليسه
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذَا انْتَهَى أحَدُكُمْ إلى المَجْلسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولى بأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- انتهى: وصل.
- الأولى: التسليمة عند الوصول.
- الآخرة: التسليمة عند المغادرة.
فوائد الحديث
- أنّ السنّة في السلام تكون عند المجيء إلى المجلس قبل أن يبتدئهم في الحديث، وتكون عند المفارقة،
- إذا دخل الإنسان المجلس قال: السلام عليكم، وإذا أراد أن يقوم قال: السلام عليكم، وهكذا إذا دخل على إنسان في مكتبه، أو في بيته.
870
باب الاستئذان وآدابه
عَنْ أبي مُوسَى الأشعريّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الاستِئْذانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإلَّا فَارْجِعْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الاستئذان: طلب الإذن بالدخول.
- ثلاث: أي يكرر ثلاث مرات.
فوائد الحديث
- أنّ الأدب والسنّة في الاستئذان أن يكرره ثلاثًا فإن أُذن له بعدها أو قَبْلها دخل، وإن لم يؤذن له فليس له أن يدخل، ولا يزيد على ذلك.
871
باب الاستئذان وآدابه
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَر» • سبب ورود الحديث: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: اطّلع رجل من جحر في حجر النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، ومع النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم مِدرًى يحكّ به رأسه، فقال: لو أعلم أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَر.
فوائد الحديث
- بيان علّة الاستئذان.
- أنّ من الحِكم في مشروعية الاستئذان ألّا يرى عورة من يدخل عليه وما لا يحلّ له، أو يشاهد شيئًا يسوؤه.
- يشرع الاستئذان حتّى على المحارم خوفًا من كشف عورة.
872
باب الاستئذان وآدابه
عَنْ رِبْعِيِّ بنِ حِرَاشٍ قالَ: حدَّثّنَا رَجُلٌ منْ بَنِي عَامرٍ اسْتأْذَنَ على النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهوَ في بيتٍ، فقالَ: أَأَلِجُ؟ فقالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِخادِمِهِ: «اخْرُجْ إلى هذا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُم، أأدْخُلُ؟» فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ؟ فَأذِنَ لهُ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَدَخَلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسنادٍ صحيحٍ.
مفردات الحديث
- أألج؟: أأدخل؟، من الولوج وهو الدخول.
- فعلّمه الاستئذان: أي لفظ الاستئذان.
فوائد الحديث
- أنّ السنّة أن يجمع بين السلام والاستئذان وأن يقدّم السلام على الاستئذان.
- للبيوت حرمتها في الإسلام فلا يجوز الدخول إليها إلا بإذن أهلها.
- تعليم الجاهل، والحثّ على التَعلُّم، والعمل بالعلم.
873
باب الاستئذان وآدابه
عنْ كِلْدَةَ بْنِ الْحَنْبَلِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: أتيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ولمْ أُسَلِّمْ، فقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ارْجـِعْ فَقُلِ: السَّلامُ عَلَيكُمْ، أَأَدْخلُ؟»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
فوائد الحديث
- وجوب الاستئذان، والسلام عند الدخول.
- الأمر بالمعروف، وتعليم السنن والآداب والحثّ على تطبيقها وعدم التساهل فيها.
- استخدام الرسول صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الطريقة العمليّة والتطبيقيّة في التعليم، فلم ينهر الرجل ولم يزجره وهذا دليل على سعة حلمه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
874
باب بيان أنّ السنّة إذا قيل للمستأذن من أنت أن يقول: فلان فيسمي نفسه بما يعرف به من اسم أو كنية وكراهية قوله: "أنا" ونحوها
عنْ أنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ في حدِيثهِ المشْهورِ في الإسْراءِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ثُمَّ صَعِدَ بي جِبْريلُ إلى السّماءِ الدُّنيا، فَاسْتَفْتَحَ، فقيلَ: منْ هذا؟ قالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحمَّدٌ. ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ والثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ وسَائِرِهِنَّ، وَيُقالُ في بابِ كُلِّ سماءٍ: مَنْ هذا؟ فَيقُولُ: جِبْرِيلُ.»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- فاستفتح: أي طلب أن يفتح له.
- وسائرهن: باقيهن، أي الخامسة والسادسة والسابعة، وسائر الشيء باقيه.
فوائد الحديث
- أنّ السنّة إذا قيل للمستأذن: مَن أنت؟ أن يقول: فلان فيُعَرّف نفسه باسمه إذا كان يُعرف به.
- أنّ للسماء أبوابًا حقيقيّة وحفظة موكَّلين بها.
875
باب بيان أنّ السنّة إذا قيل للمستأذن من أنت أن يقول: فلان فيسمي نفسه بما يعرف به من اسم أو كنية وكراهية قوله: "أنا" ونحوها
عَنْ أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: خَرجْتُ لَيْلةً مِنَ اللّيالي، فإذا رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْشِي وحْدَهُ، فجَعلْتُ أمْشِي في ظلِّ القمَرِ، فالتفتَ فَرَآني فقالَ: «مَنْ هذا؟»
فَقُلْتُ: أبو ذَرٍّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أمشي في ظل القمر: ليخفي سواده في سواد الليل، لأنّه فهم رغبة النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بالانفراد فحَتَّى لا يفوّت عليه ذلك.
- من هذا: سؤاله عنه خشية أن يكون من المنافقين وأعداء الدين.
فوائد الحديث
- جواز تعريف الإنسان نفسه بكنيته إذا كان مشهورًا بها دون اسمه.
- يجوز لمن اشتبه بشخص في طريق مظلم أو نحوه أن يستوضح عنه.
876
باب بيان أنّ السنّة إذا قيل للمستأذن من أنت أن يقول: فلان فيسمي نفسه بما يعرف به من اسم أو كنية وكراهية قوله: "أنا" ونحوها
عَنْ أُمِّ هَانئٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قالتْ: أتيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُوَ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تسْتُرُهُ، فقالَ: «مَنْ هَذِهِ ؟»
فَقُلْتُ: أنا أُمُّ هَانئٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- أجابت أمّ هانئ النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بكنيتها وأقرها على ذلك.
- جواز إلقاء السلام والكلام في حال الاغتسال والوضوء من وراء حجاب، بخلاف البائل.
- جواز ستر البنت لأبيها في حال اغتساله، وأنّه لا يخالف المروءة.
877
باب بيان أنّ السنّة إذا قيل للمستأذن من أنت أن يقول: فلان فيسمي نفسه بما يعرف به من اسم أو كنية وكراهية قوله: "أنا" ونحوها
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: أتَيتُ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَقَقْتُ البابَ، فقالَ: «مَنْ ذَا؟» فَقُلْتُ: أنا، فقالَ: «أنا أنا؟!»
كأنَّهُ كَرِهَهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- فدققت: طرقت.
- كرهها: كره الإجابة بما لا يعيّن المستأذن.
فوائد الحديث
- أنّ السنّة إذا استوضح من يستأذن عليه أن يجيب المستأذن بما يعرف بشخصه، فإن اشتهر باسمه أجاب به أو كنيته أجاب بها.
- كراهة الإجابة بقوله: أنا أو شخص أو إنسان أو غيره مما لا يعرف بشخصه.
- قرع الباب يقوم مقام الاستئذان باللفظ.
878
باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد اللّه تعالى وكراهة تشميته إذا لم يحمد اللّه تعالى وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب
عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «إنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللّهَ تعالى كانَ حَقًّا على كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللّهُ، وأمَّا التَّثَاؤُبُ فإنَّما هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فـإذا تثاءبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ ما استطاعَ، فإنَّ أَحَدَكُمْ إذا تثاءبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- حقًا: أي سنة متأكدة.
- من الشيطان: أي يحبه الشيطان ويسعى في أسبابه.
- ضحك منه: لتغيّر هيئة المتثائب.
فوائد الحديث
- معنى المحبّة والكراهة في العطاس والتثاؤب منصرف إلى سببهما، وذلك أنّ العطاس يكون من خفّة البدن وانفتاح المسام وعدم الشبع وهو بخلاف التثاؤب فإنه يكون ناشئّا عن كثرة الأكل وثقل البدن، والأول يستدعي النشاط للعبادة والثاني على عكسه.
- استحباب تحصيل أسباب العطاس وهي النشاط، وخفة البدن الَّذِي ينشأ عن عدم الإفراط في الشبع، وكراهة تحصيل أسباب التثاؤب.
- أن يقال للعاطس يرحمك اللّه وهو واجب على كل من سمعه يحمد اللّه، وقيل إذا كانوا جماعة فشمّت واحدٌ منهم العاطس كفاهم.
- الحثّ على دفع التثاؤب بإطباق الفم أو وضع اليد عليه.
- البعد عن كل ما يحبّه الشيطان من أفعال قبيحة.
879
باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد اللّه تعالى وكراهة تشميته إذا لم يحمد اللّه تعالى وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب
عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا عَطَسَ أحَدُكُم فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ اللّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللّهُ فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللّهُ، وِيُصْلِحُ بَالَكُمْ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- يهديكم اللّه: يرشدكم بالإيصال إلى ما يرضيه.
- بالكم: حالكم وخاطركم.
فوائد الحديث
- أنّ السنّة وجوب أن يقول العاطس: الحمد للّهِ، وعلى من سمعه بعد حمده للّهِ أن يقول له: يرحمك اللّه، ويرد العاطس بعدها بقوله: يهديكم اللّه ويصلح بالكم.
- الزيادة على ما ورد من الأدعية في الأحاديث غير مشروعة، والاتباع خير من الابتداع.
- من الحِكم في أنّ العاطس يحمد اللّه قيل لأنّ العُطاس يدفع أذى الدماغ وينشطه، فيكون سببًا لسلامة الأعضاء.
880
باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد اللّه تعالى وكراهة تشميته إذا لم يحمد اللّه تعالى وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب
عَنْ أبي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: سمعتُ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «إذا عَطَسَ أحدُكُمْ فَحَمِدَ اللّهَ فَشَمِّتُوهُ، فإنْ لمْ يَحْمَدِ اللّهَ فَلاَ تُشَمِّتُوهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فشمتوه: أي قولوا له: يرحمك اللّه، ومعنى التشميت الدعاء بالخير والبركة.
فوائد الحديث
- أنّ التشميت يكون لمن حمد اللّه تعالى بعد عطاسه، ولا حق لمن لم يحمد اللّه في ذلك.
- الحثّ على مقابلة الدعاء بمثله والمكافأة على الجميل بالجميل مما يدعم الحب والإخاء.
881
باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد اللّه تعالى وكراهة تشميته إذا لم يحمد اللّه تعالى وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب
عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: عَطَسَ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلانٌ فَشَمَّتهُ، وَعطسْتُ فَلَمْ تُشَمِّتْنِي؟ فقالَ: «هذا حَمِدَ اللّهَ، وإنَّكَ لمْ تَـحْمَدِ اللهَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- فشمّت أحدهما: أي قال له: يرحمك اللّه، ومعنى التشميت الدعاء بالخير والبركة.
فوائد الحديث
- جواز السؤال عن حكمة التصرف وبيان سبب ذلك.
- إكرام من أتى بطاعة، وإهمال من ترك السنن، ليشعر بتقصيره.
882
باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد اللّه تعالى وكراهة تشميته إذا لم يحمد اللّه تعالى وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أوْ ثَوبَهُ عَلى فيهِ، وَخَفَضَ -أوْ غَضَّ- بِهَا صَوْتَهُ. شَكَّ الرَّاوِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
مفردات الحديث
- خفض أو غضّ بها صوته: أي لم يجهر به.
فوائد الحديث
- أنّ من الأدب في المجالس أن يضع من جاءه العطاس يده أو شيئًا على فمه وأنفه حَتَّى لا يتأثر جليسه بشيء من البصاق أو نحوه.
- خفض الصوت بالعطاس مطلوب وهو من كمال الأدب ومكارم الأخلاق.
883
باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد اللّه تعالى وكراهة تشميته إذا لم يحمد اللّه تعالى وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب
عَنْ أبي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطسُونَ عِنْدَ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، يَرْجُونَ أنْ يَقولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللهُ، فيقولُ: «يَهْدِيكُمُ اللهُ ويُصلِحُ بَالَكُمْ »
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- يتعاطسون: يتسببون للعطاس أو يتظاهرون به بإخراج صوت يشبهه.
فوائد الحديث
- لا يُدعى بالرحمة إلّا للمسلم، وجواز الدعاء لغير المسلم بالهداية وإصلاح ما عليه من الكفر.
- حرص النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على تأليف القلوب، واحتواء أهل الديانات الأخرى ومعاملتهم بالحكمة.
- علم أهل الكتاب بنبوته صلّى اللّهُ عليه وسلّم ورسالته باطنًا، ولكن حملهم الكبر على عدم الإقرار.
884
باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد اللّه تعالى وكراهة تشميته إذا لم يحمد اللّه تعالى وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب
عَنْ أبي سعيدٍ الخدريّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذَا تَثاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمسِكْ بَيدهِ على فيهِ، فإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- استحباب وضع اليد على الفم عند التثاؤب منعًا من تحقيق غرض الشيطان.
- التزام آداب الإسلام في جميع الحالات لأنّها عنوان الكمال والأخلاق.
- ليحرص المسلم على طرد الشيطان ووساوسه، ويمنعه من إغوائه وتضليله.
- يُكره للمتثائب أن يخرج صوتًا من فمه.
885
باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح ،وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهية الانحناء
عنْ أبي الخطَّابِ قتادةَ قالَ: قُلْتُ لأنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أكَانتِ المُصافَحةُ في أصْحابِ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ قالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فوائد الحديث
- مشروعية المصافحة لأنها كانت موجودة فيما بين الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم.
- استحباب المصافحة لأنها سبب لكسب محبّة الآخرين وهي من وسائل الدعوة.
- حرص التابعين على معرفة ما كان عليه الصحابة إذ هو الجيل الذي يُقتدى به.
886
باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح ،وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهية الانحناء
عَنْ أنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا جَاءَ أهْلُ اليَمنِ قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «قَدْ جَاءَكُمْ أهْلُ الْيَمَنِ وَهُمْ أوَّلُ مَنْ جَاءَ بالمُصَافَحَةِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- أهل اليمن: أي بعض أهل اليمن، والمراد بالجملة الترحيب والاحتفاء بهم.
فوائد الحديث
- مشروعية المصافحة بتقرير النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
- فضيلة أهل اليمن لأنّهم أول من أظهر المصافحة في الناس، فكانت سنّة حسنة وافقهم عليها رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
- قال بعض العلماء: قوله: "وهم أول من جاء بالمصافحة". من كلام أنس بن مالك رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وليس من كلامه صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
887
باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح ،وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهية الانحناء
عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصافَحَانِ إلّا غُفرَ لَهما قَبْلَ أَنْ يَفَترقَا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
فوائد الحديث
- تأكيد أمر المصافحة والحثّ عليها، وأنّها من الأعمال الصالحة التي تكفر صغائر الذنوب.
- المصافحة عند اللقاء فيها خير عظيم، وفيها إيناس وتعارف وتقارب ومودة، وإبعاد للوحشة، فلا ينبغي ترك ذلك.
888
باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح ،وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهية الانحناء
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أخَاهُ أوْ صَديقَهُ، أينْحني لَهُ؟ قالَ: «لا» قالَ: أفَيَلتزِمُهُ وَيُقَبِّـلُهُ ؟ قالَ: «لا» قالَ: فَيَأْخُذُ بِيَدهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قال: «نَعَمْ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- يلتزمه: أي يعانقه
فوائد الحديث
- النهي عن الانحناء على هيئة الركوع ونحوه عند اللقاء لأنّ الخضوع لا يكون إلّا للّه.
- السنّة المجمع عليها هي المصافحة عند اللِّقاء.
889
باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح ،وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهية الانحناء
عَنْ صَفْوانَ بنِ عَسَّالٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ يَهُوديٌّ لِصَاحبهِ: اذْهبْ بِنا إلى هذا النَّبِيِّ، فَأَتَيَا رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَسَألاهُ عنْ تسْعِ آياتٍ بَيِّناتٍ فَذَكرَ الْحَديثَ إلى قَوْلهِ: فَقَبَّلوا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ.
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وغيرهُ بأسانيدَ صحيحةٍ
مفردات الحديث
- اذهب بنا إلى هذا النّبيّ: أي لنتبيّن بعض معجزاته الدالّة على نبوّته.
- تسع آيات بيّنات: هي ما جاء في الحديث نفسه عند التِّرْمِذِيّ: ألا تشركوا بالّله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس التي حرّم اللّهُ إلّا بالحقّ، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولّوا الفرار يوم الزحف، وعليكم خاصّة أيّها اليهود ألّا تعدوا في السبت.
- فذكر الحديث: أي أجاب النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم عن التّسع التي سألوا عنها وهي المشتركة بين المسلمين واليهود، وزادهم العاشرة الخاصّة بهم، وكانوا قد أضمروا في أنفسهم، فأجابهم عنها زيادة في الدلالة على المعجزة.
- فَقَبَّلوا يَدَهُ: أي اليهود والحاضرون مع السائلين
فوائد الحديث
- تقبيل يد من يُظنّ بهم أنّهم من أهل العلم والتّقى والصلاح من غير غلوّ حيث فُعل ذلك مع النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم ولم ينكره.
- أما تقبيل القدم فإنّما كان للنّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، وللوالدين من بعده، وذلك أنّه لغير الوالدين يفتح باب شرّ وفتنة لمن يُفعل له ذلك.
890
باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح ،وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهية الانحناء
عَنِ ابنِ عمرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما قِصَّةٌ قالَ فيها: فَدَنَوْنا مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَبَّلْنَا يَدَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ. سبب ورود الحديث: • ما جاء من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنّ عبد اللّهِ بن عمر قال: كنت في سريّة من سرايا رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم فحاص الناس حيصة، وكنت فيمن حاص فقلنا: كيف نصنع؟ وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب، ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، فإن كانت لنا توبة، وإلّا ذهبنا فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج، فقال: "من القوم؟" قال: فقلنا: نحن الفرارون، قال: "لا بل أنتم العكّارون، أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين" قال: فأتيناه حتى قبلنا يده العَكَّارون: هم الذين يعودون إلى القتال ويعطفون عليه (الكرّ والرجوع لنصرة إخوانهم).
فوائد الحديث
- هذا الحديث يُعرف في السنة النبوية بحديث "العكّارون" أو "الكرارون"، وفيه يرفع النبي ﷺ الحرج عن بعض الصحابة ويبرئهم من تهمة الفرار من المعركة، مؤكداً أنهم عائدون للكرّ والقتال.
- جواز تقبيل يد أصحاب الفضل.
- محبّة الصحابة للنّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم واعترافهم بذنوبهم أمامه.
891
باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح ،وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهية الانحناء
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْها قالتْ: «قَدِم زَيْدُ بْنُ حَارثةَ المدينةَ ورسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَيْتي، فأتَاهُ فَقَرَعَ البابَ، فَقَامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجُرُّ ثوْبَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ »
رواه التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
فوائد الحديث
- جواز تقبيل واعتناق من قدم من سفر وأما النهي الوارد عن المعانقة: المراد به المعانقة مع كل لقاء وليس معانقة السفر.
- الإسراع إلى ملاقاة من يحبّ إذا شعر بوصوله.
- فضل زيد بن حارثة، وحُبُّ رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم له.
892
باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح ،وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهية الانحناء
عَنْ أبي ذرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ لي رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تَحقِرَنَّ مِنَ المعْرُوفِ شَيْئًا وَلَو أنْ تلقى أخاكَ بِوَجْهٍ طليقٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لا تَحقِرنَّ: لا تُهِنْ قَدرَه عندك، أو لا تَستقلَّه.
- طليق: وفي رواية طلق، أي مبتسمًا مستبشرًا منبسطًا.
فوائد الحديث
- الحثّ على طلاقة الوجه والبشر عند اللقاء، وخاصّة إذا كان بعد غياب أو قدوم من سفر.
- الحثّ على عمل الخير ولو كان يسيرًا وعدم التقليل منه.
- يدخل في عموم هذا الحديث ما لا يُحصى من الأعمال الصالحة التي ينبغي على المسلم أن يحرص على فعلها بنفسه، أو الإعانة على فعلها.
- عدم الاستهانة بأي عمل ما دام من وجوه الخير.
893
باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح ،وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهية الانحناء
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قبَّلَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحسنَ بنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما، فقالَ الأقْرَعُ بنُ حَابس: إنَّ لي عَشَرةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلتُ مِنهُم أحَدًا فقالَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- استحباب تقبيل الأطفال تلطفًا بهم، وأنّ ذلك عنوان الرحمة في القلب، وعدم تقبيلهم عنوان قسوة في القلب.
- رحمة اللّهِ عز وجل للعباد مرتبطة بتراحمهم فيما بينهم.
- كتاب عيَادة المريض وتشييع الميت والصّلاة عليه وحضور دفنه والمكث عند قبره بَعْد دفنه
894
باب عيَادة المريض
عنِ البَراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما قالَ: أمَرنَا رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعيَادةِ المَريضِ، واتِّباعِ الجنازةِ، وتشْميتِ العاطسِ، وإبْرارِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وإجابةِ الدَّاعِي، وإفْشاءِ السَّلامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- عيادة المريض: زيارته.
- اتباع الجنائز: تشييعها.
- تشميت العاطس: الدعاء له.
- إبرار القسم: أي تنفيذ ما حلف عليه.
- إفشاء السلام: الإكثار منه ونشره.
فوائد الحديث
- الترغيب بهذه الآداب الإسلامية لما فيها من تمتين روابط الأخوة بين المسلمين.
- تحقيق الألفة والمحبة، وانتشار السلام والطمأنينة بين المسلمين.
- أداء حق المريض والميت، وتحقيق الألفة والمحبة.
895
باب عيَادة المريض
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «حَقُّ الْمُسلِمِ عَلَى الْمُسلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيادَةُ المَريضِ، وَاتِّباعُ الجنائزِ، وإجابةُ الدَّعوةِ، وتشميتُ العاطسِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حق المسلم على المسلم خمس: أي خمسة أشياء يتأكد على المسلم أن يقوم بها نحو إخوانه المسلمين.
- تشميت العاطس: الدعاء له بالخير والبركة، والثبات على طاعة الله تعالى.
- عيادة المريض: أي زيارته في مرضه.
- وإجابة الدعوة: إلى وليمة العرس أو نحوها.
فوائد الحديث
- رد السلام فرض عين إذا كان المُسَلَّم عليه واحدًا، وفرض كفاية إذا كانوا جماعةً.
- عدم رد السلام فيه احتقار للإنسان وزرع للضغائن وتوهّم للشرّ.
- عيادة المريض سنّة وقد تصل إلى الوجوب في حق ذوي الأرحام والجوار، ومن كان بحاجة إلى مساعدة ومواساة.
- اتّباع الجنازة فرضُ كفاية، وهو تشييعها من محلها أو محل الصلاة إلى مكان دفنها.
- إجابة الدعوة فيها تطييب لقلب الداعي، وهي من وسائل تنمية المحبّة.
- تشميت العاطس بعد أن يحمد اللّه واجبٌ وجوبًا عينيًّا إن لم يكن في المجلس غيرك، وفرض كفاية على الجماعة، وهو من تبادل الدعاء بين المسلمين.
896
باب عيَادة المريض
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللّهَ عزَّ وجلَّ يَقُولُ يَوْمَ القيَامَةِ: «يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْني! قالَ: يا ربِّ كَيْفَ أعُودُكَ وأنْتَ رَبُّ العَالَمينَ؟! قالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدي فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أمَا عَلمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يا ابْن آدمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فلمْ تُطْعِمْنِي! قالَ: يا ربِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟! قالَ: أما عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلَكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي! قالَ: يا ربِّ كَيْفَ أُسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟! قالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تَسْقِهِ! أَمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- إن اللّه عز وجل يقول: هذا من الأحاديث القدسية.
- لوجدتني عنده: لوجدتني عالمًا بعيادتك له فأثيبك عليها.
- استطعمتك: طلبت منك الطعام لعبدي السائل.
- لوجدت ذلك عندي: أي ثوابه المضاعف.
- استسقيتك: طلبت منك السقيا لعبدي السائل.
فوائد الحديث
- الحثّ على عيادة المريض وإطعام الطعام وبذل الماء لمن يحتاج إليه، وأن اللّه قد تكفل بالأجر والمثوبة يوم القيامة.
- أنّ من أحسن إلى الخلق وأدّى حقهم وأعانهم أجزل اللّه تعالى له الأجر والعطاء.
897
باب عيَادة المريض
عَنْ أبي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عُودُوا المَرِيضَ، وَأَطْعِمُوا الجَائعَ، وَفُكُّوا العَاني»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- فكوا العَاني: أطلقوا سراح الأسِيرِ، وقد يراد بالعاني من غلبه الدَّين، وقيل: كل من ذل.
فوائد الحديث
- الإسلام دين التعاون بين المسلمين.
- الحثّ على عيادة المريض وإطلاق الأسرى وقضاء الديون عن الغارمين وإطعام الفقراء والمساكين وتخليص من وقع في مُلمة.
898
باب عيَادة المريض
عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ الْمُسْلِمَ إذا عادَ أخاهُ الْمُسْلِمَ لمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» قِيلَ: يا رسولَ اللّهِ وما خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قالَ: «جَنَاها»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أخاه: أي في الإسلام.
- خرفة: أي في بستان يُجتَنى منه الثّمر إذا نضج
- جَنَاها: أي ما يُجتنى من الثمر.
فوائد الحديث
- أنّ من عاد مريضًا لم يزل يجني من ثمار الجنّة مدة دوامه جالسًا عند هذا المريض.
- أنّ عيادة المريض من الطاعات المرغّب فيها، العظيمة الأجر والثواب.
899
باب عيَادة المريض
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: سمعتُ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «ما منْ مسلمٍ يعودُ مسلمًا غُدْوَةً إلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سبعونَ ألفَ ملكٍ حَتَّى يُمْسِي، وإنْ عادهُ عَشِيَّةً إلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سبعونَ ألفَ ملكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّةِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- غدوة: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس.
- صلّى عليه: استغفر ودعا له بالرحمة.
- عشية: آخر النهار، والمراد بذكر الغدوة والعشية عموم الأوقات.
- الخرِيفُ: الثَّمَرُ المَخرُوفُ، أَيِ: المُجتَنَى.
فوائد الحديث
- بيان فضل عيادة المريض والحثّ عليها، تحصيلًا لمزيد ثوابها.
- عيادة المسلم لأخيه المريض سبب لصلاة الملائكة عليه.
- بيان كثرة عدد الملائكة ووظائفها العديدة، ومنها الصلاة على من يعود المريض.
900
باب عيَادة المريض
عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فمرِضَ، فأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يعُودهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فقالَ لَهُ: «أَسْلِمْ» فنَظَرَ إِلى أَبِيهِ وهُو عِنْدَهُ؟ فقال: أَطِعْ أَبا الْقاسِمِ، فَأَسْلَم، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وَهُوَ يقولُ: «الحَمْدُ للّهِ الَّذي أَنْقذَهُ مِنَ النَّارِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- أنقذه: خلّصه ونجّاه
فوائد الحديث
- جواز استخدام المشرك والصغير.
- لا حرج في عيادة غير المسلم إذا ترتّب على ذلك مصلحة.
- فضل النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم ومدى تأثيره على النفوس والقلوب بإخلاصه وإشفاقه على الناس.
- فضل صحبة الصالحين وما تجنيه من ثمرات في الدنيا قبل الآخرة.
- الطمع في هداية العاصين والكفار، وعدم اليأس منهم.
- حثّ الآباء على إرادة الخير والهدى لأبنائهم، حَتَّى ولو كانوا غير قائمين به.
901
باب عيَادة المريض
عنْ عائشةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ إِذا اشْتكى الإِنْسانُ الشَّيءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحةٌ أَوْ جُرْحٌ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بإِصْبَعِهِ هكذا -ووضعَ سُفْيانُ بْنُ عُييْنَةَ الرَّاوي سبَّابتَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا- وقال: «بِاسْمِ اللّهِ، تُربَةُ أَرْضِنا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- اشتكى: من الشكاية وهي المرض.
- القرحة: ما يخرج بالبدن من بثور وآثار الحرق وغيرها، والقرح يقال أيضًا للجرح.
- قال بأصبعه: عمل بأصبعه، وفيه إطلاق القول على الفعل.
- سفيان: ثقة، من تابعي التابعين.
- سبّابته: الأصبع التي تلي الإبهام.
- وقال: أي النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم
فوائد الحديث
- بيان ما يقال ويُدعى به للمريض ومن به جُرح.
- أنّ من به شكاية من جرح ونحوه فإنّه يأخذ من ريقهِ على أصبعهِ السبّابة، ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام في حال المسح.
- الأخذ بأسباب التداوي، وسؤال أهل العلم بذلك، مع جزم الاعتقاد بأنّ الشفاء لا يكون إلّا من عند اللّهِ تعالى.
902
باب ما يدعى به للمريض
عنْ عائشةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ يعُودُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بيدِهِ اليُمْنى ويقولُ: «اللَّهُمَّ ربَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ البَأسَ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفاءً لا يُغَادِرُ سقَمًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بعض أهله: أي أزواجه.
- يمسح: أي وجه المريض.
- ربّ الناس: أي مربّيهم بالنعم والمخرج لهم من العدم.
- البأس: الشدة في كل شيء
- الشافي: أي من بيده الشفاء
- يغادر: أي يترك
- سقمًا: أي مرضًا
فوائد الحديث
- بيان بعض رقية النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
- أنّ الشفاء من عند اللّهِ عزّ وجلّ فينبغي للمريض أن يخلص الدعاء له ويعلق قلبه به سبحانه ثم يأخذ بأسباب الشفاء.
903
باب ما يدعى به للمريض
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّه قالَ لِثابِتٍ رَحِمَهُ اللّهُ: أَلا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَأْسِ، اشْفِ أَنتَ الشَّافي، لا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- ثابت: البناني تابعي جليل.
- ألا: أداة عرض واستفتاح.
- برقية: أي تعويذة، وهي ما يقرأ على من به مرض أو آفة.
فوائد الحديث
- جواز الرقية من كل الآلام، وقد أجمع العلماء على جوازها بشرطين:
- 1- أن تكون بكلام اللّهِ تعالى، أو أسمائه أو صفاته.
- 2- أن تكون باللغة العربية، أو بما يعرف معناه من غيرها ويستحب أن تكون بالألفاظ الواردة في الأحاديث.
- استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له.
904
باب ما يدعى به للمريض
عَنْ سعدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: عَادَني رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فقال: «اللّهُمَّ اشْفِ سعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعدًا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- استحباب عيادة المريض، والدعاء له بالشفاء وتخصيصه بذلك.
- استحباب الإلحاح في الدعاء.
905
باب ما يدعى به للمريض
عَنْ أَبي عبدِ اللّهِ عثمانَ بنِ أبي العَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّه شَكا إِلى رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَجعًا يجِدُهُ في جَسدِهِ، فقالَ لهُ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ضَعْ يَدَكَ عَلى الَّذِي تَأْلَمُ مِن جَسَدِكَ وَقلْ: بِاسمِ اللّهِ ثَلاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحاذِرُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- وجعًا يجده: أي يحسه.
- أعوذ: أعتصم و أتحصّن.
- أحاذر: أحذر، والحذر هو الاحتراز مما يخاف.
فوائد الحديث
- استحباب رقية الإنسان لنفسه بما ذُكر في الحديث بل هو سنّة حسنة فقد رقى الرسول صلّى اللّهُ عليه وسلّم نفسه، ورقى بعض أصحابه أنفسهم.
906
باب ما يدعى به للمريض
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، عن النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْه أَجَلُهُ، فقالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشفِيَكَ، إِلَّا عَافَاهُ اللّهُ مِنْ ذلكَ المَرَضِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وقالَ الحاكِمُ: حديثٌ صحيحٌ على شرطِ الْبُخَارِيِّ
مفردات الحديث
- لم يحضر أجله: لم يأت وقت موته.
- العظيم: أي الَّذِي لا يعظم عليه مطلوب.
فوائد الحديث
- بيان فضل هذا الدعاء عند المريض، وبيان أثره في تحقق الشفاء لمن قيل عنده ذلك إذا صدر من صاحب صدق وصلاح.
- عدد السبع من الأمور التي علمها المشرّع ولا نعلم نحن حكمتها.
907
باب ما يدعى به للمريض
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَخَلَ على أَعْرَابيٍّ يَعُودُهُ، وَكانَ إذا دَخَلَ عَلى مَنْ يَعُودُهُ قالَ: «لا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- يعوده: يزوره لمرض.
- طَهور: أي مرضك هذا تطهير لنفسك من الذنوب والآثام.
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء للمريض بما يبشره بالأجر، والتكلم بما يطمئنه ويدخل عليه السرور.
908
باب ما يدعى به للمريض
عَنْ أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَتَى النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فقالَ: «يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قالَ: «نَعَمْ» قال: بِاسْمِ اللّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عيْنِ حَاسِدٍ، اللّهُ يشْفِيكَ، بِاسْمِ اللّهِ أَرْقِيكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يؤذيك: يصيبك بمكروه.
- كل نفس: خبيثة أمارة بالسوء.
- عين حاسد: معيان يحسدك على ما أنت فيه من نعمة.
فوائد الحديث
- استحباب الرقية بما ذُكر في الحديث.
- جواز الإخبار عن المرض من غير تضجر وتسخط.
- بشرية الرسول صلّى اللّهُ عليه وسلّم، وأنّه يطرأ عليه ما يطرأ على الإنسان من مرض وتأثر من أذى الناس وحسدهم، وهو في حاجة إلى عافية اللّه تعالى وشفائه.
909
باب ما يدعى به للمريض
عَنْ أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ وأَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما، أَنَّهُما شَهِدَا على رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنَّه قالَ: «مَنْ قالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللّهُ واللّهُ أَكْبَرُ، صدَّقَهُ رَبُّهُ فقالَ: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وأَنا أَكْبرُ، وَإِذَا قالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قالَ: يقولُ: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وحْدِي لا شَرِيكَ لي، وإذا قالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللّهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ قالَ: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا لِيَ المُلْكُ وَلِيَ الحَمْدُ، وإِذا قالَ: لا إلهَ إِلَّا اللّهُ، وَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا باللّهِ قالَ: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بي» وَكانَ يقولُ: «مَنْ قالهَا في مَرَضِهِ ثُمَّ ماتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- لم تَطْعَمْه: أي لم تأكله، وهو كناية عن عدم دخوله جهنم.
فوائد الحديث
- يستحب ترداد هذا الذكر للمريض والإكثار منه حَتَّى إذا مات كانت عنوان حسن الخاتمة ونجاته من النار بفضل اللّه تعالى.
- بيان فضل قول هذه الجمل، ولما تدل عليه من الإيمان باللّهِ عز وجل وتوحيده وتعظيمه، وتخصيصه بالشكر على النعم، واللجوء إليه في كل شيء، وحسن التوكل عليه.
910
باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله
عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ عليَّ بنَ أَبي طالبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ خرجَ مِنْ عِنْدِ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في وجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فقالَ النَّاسُ: يا أَبَا الحسنِ؛ كَيـْفَ أَصْبَحَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ قالَ: أَصْبحَ بِحمْدِ اللّهِ بَارِئًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- أصبح بارئًا: اسم فاعل من البرء، أي قريبًا من البرء بحسب ظنه، أو قالها تفاؤلًا.
فوائد الحديث
- استحباب السؤال عن المريض إذا تعذرت عيادته لغلبة مرض ونحوه، لأنّه ممّا يدخل السرور عليه إذا علم.
- يستحب لمن سُئل عن المريض أن يجيب بما يدخل السرور على السائل والمريض ويطمئن نفوسهما.
911
باب ما يقوله من أيِس من حياته
عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قالتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وهُوَ مُسْتَنِدٌ إِليَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ؛ اغفِرْ لي وَارْحمْني، وَأَلحِقْني بالرَّفِيقِ الأَعْلَى»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بالرفيق الأعلى: باللّه عزّ وجلّ، أي في جوار رب العالمين.
فوائد الحديث
- يستحب تفريغ القلب من التعلق في الدنيا عند نزول علامات الموت، وتعلقه بجانب الحق راجيًا الرحمة والغفران، وهذا منه صلّى اللّهُ عليه وسلّم طلب لزيادة الحسنات ورفع الدرجات وتعليم لأمته، وليس معناه وقوع الذنوب منه فإنه معصوم.
- يستحب الدعاء بالغفران والرحمة عند التحقق من نزول الموت رغبة في لقاء اللّهِ، تأسّيًا برسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
912
باب ما يقوله من أيِس من حياته
عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قالتْ: رأَيْتُ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُوَ بِالموتِ، عِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وهُوَ يُدْخِلُ يدَهُ في القَدَحِ، ثُمَّ يمسَحُ وجْهَهُ بالماءِ ثُمَّ يقولُ: «اللَّهُمَّ؛ أَعِنِّي على غمرَاتِ الموْتِ وَسَكَراتِ المَوْتِ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ
مفردات الحديث
- بالموت: أي عليه علاماته.
- غمرات الموت: شدائد الموت.
- سكرات الموت: شدائده التي تفقد الوعي.
فوائد الحديث
- أنّ مفارقة الروح الجسد لا تخلو من شدة، فيستحب الدعاء لتهوين ذلك.
- أنّ الأنبياء يألمون بالمرض ويشعرون بشدّته عليهم، وكان النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يوعك كما يوعك الرجلان، والمرض الَّذِي أصابه صلّى اللّهُ عليه وسلّم حمى شديدة، كان يلطف حرها بمسح وجهه بالماء البارد.
913
باب استحباب وصيّة أهل المريض ومن يخدمه بالإحسان إليه والصبر على ما يشق من أمره وكذا الوصية بمن قرب سبب موته بحدّ أو قصاص ونحوهما
عنْ عِمْرانَ بنِ الحُصَينِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ امرأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فقالتْ: يا رسولَ اللّهِ، أَصبتُ حدًّا فَأَقمْهُ علَيَّ، فَدعا رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وليَّهَا فقالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذا وضَعتْ فَأْتِني بِهَا» فَفعلَ، فَأَمرَ بِها النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فشُدَّتْ علَيها ثِيابُها، ثُمَّ أَمرَ بِها فَرُجِمتْ، ثُمَّ صَلَّى عليْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- من جهينة: أي من قبيلة جهينة.
- أصبت حدًّا: أي ذنبًا يوجب الحد وهو الزنى.
- وليّها: قريبها الَّذِي يلي أمرها
- فَشُدَّت : أي جُمعت أطرافُها لتسترَها
- رجمت: ضربت بالحجارة حَتَّى ماتت
فوائد الحديث
- الجَلْدُ ثابت في كتاب اللّهِ تعالى على البكر، والرَجم ثابت بسنّة رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم على الثيِّب، وكان ممّا أُنزل من القرآن ثم نُسخ تلاوةً لا حُكمًا.
- الإحسان بمن قرُب موته بحدٍ أو قصاص.
- المرأة الحامل لا يقام عليها الحد حَتَّى تضع حملها ويستغني الوَلَدُ عنها ولو بلبن غيرها.
- الحدّ يكفر الذنب وتجب الصلاة على من مات بحدّ.
- من تاب من الذنب وجاء يطلب إقامة الحدّ يقام عليه الحدّ.
- ومن تاب بينه وبين اللّه وستره اللّه فالتوبة تكفيه.
914
باب جواز قول المريض: أنا وجع، أو شديد الوجع أو موعوك أو "وارأساه" ونحو ذلك وبيان أنّه لا كراهية في ذلك إذا لم يكن على سبيل التسخط وإظهار الجزع
عنِ ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: دَخَلتُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُو يُوعَكُ، فَمَسَسْتُهُ، فقلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وعْكًا شَديدًا، فقالَ: «أَجَلْ إنِّي أُوعَكُ كما يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- توعك: الوعك أذى الحمّى ووجعها.
فوائد الحديث
- بيان جواز الإخبار عن الوجع إن كان عن غير تسخط وجزع.
- أنّ النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم وهو أفضل من مشى على الأرض كان يصيبه من ألم الحمّى ما يقع على رجُلين اثنين.
- أنّ الأنبياء ينالهم الوجع، والحكمة في ذلك زيادة في درجاتهم عند ربهم تعالى.
- أنّ شدّة المرض لا تعني أنّ اللّه لا يحب العبد، إنّما هذا بلاء تُكفر به السيئات أو تُرفع به الدرجات.
915
باب جواز قول المريض: أنا وجع، أو شديد الوجع أو موعوك أو "وارأساه" ونحو ذلك وبيان أنّه لا كراهية في ذلك إذا لم يكن على سبيل التسخط وإظهار الجزع
عَنْ سعدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: جَاءَني رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعودُني مِنْ وجعٍ اشَتدَّ بي، فَقُلْتُ: (بلَغَ بي ما ترى، وأَنَا ذو مَالٍ، وَلا يرِثُني إِلاَّ ابْنَتِي....) وذكرَ الحديثَ (انظر الحديث رقم ٦). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- بلغ بي ما ترى: اشتد بي المرض حَتَّى ظهر أثره علي.
فوائد الحديث
- جواز قول المريض: اشتد بي المرض والألم إن كان للإخبار لا للتسخط.
- محبة النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم لأصحابه وتفقده لأحوالهم ورِفقه بهم.
- جواز الوصية بالثلث والإرشاد إلى التقليل عنه، فقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الثلث والثلث كثير".
916
باب جواز قول المريض: أنا وجع، أو شديد الوجع أو موعوك أو "وارأساه" ونحو ذلك وبيان أنّه لا كراهية في ذلك إذا لم يكن على سبيل التسخط وإظهار الجزع
عَنِ القاسمِ بنِ محمَّدٍ قالَ: قالَتْ عائشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: وارأْسَاهُ، فقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «بلْ أَنَا وارأْسَاهُ»
وذكرَ الحديثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- وارأساه: يقوله المتوجع من ألم رأسه
فوائد الحديث
- جواز شكوى المريض فقد اشتكت عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْها وجع رأسها وشكا رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلم وجع رأسه.
917
باب تلقين المحتضر لا إلٰه إلّا اللّهُ
عنْ معاذٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قال رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «منْ كَانَ آخِرَ كلَامِهِ: لَا إِلٰهَ إِلاَّ اللّهُ دَخَلَ الجنَّةَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والحاكِمُ وقالَ: صحيحُ الإِسْنادِ
فوائد الحديث
- فضل كلمة التوحيد (لا إلٰه إلّا اللّهُ).
- فضل شهادة لا إلٰه إلّا اللّهُ وأنّ من كان آخر كلامه لا إلٰه إلّا اللّهُ دخل الجنّة، إمّا ابتداء أو بعد مجازاته على معاصيه، وأنّه لا يخلّد في نار جهنّم.
- يستحب تلقين الميّت لا إلٰه إلّا اللّهُ عند احتضاره لتكون آخر كلامه لا إلٰه إلّا اللّهُ.
918
باب تلقين المحتضر لا إلٰه إلّا اللّهُ
عَنْ أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَقِّنُوا موْتَاكُمْ: لا إلٰه إِلّا اللّهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لقّنوا: التلقين كالتفهيم، أي ذكٌروه بدون إلحاح.
- موتاكم: المراد بالميت هنا المحتضر لا من فارق الحياة.
فوائد الحديث
- استحباب تلقين المحتضر لا إلٰه إلّا اللّهُ حتى يختم له بها فيفوز بهذه البشارة العظيمة.
919
باب ما يقوله بعد تغميض الميت
عنْ أُمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قالتْ: دَخَلَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ على أَبي سلَمةَ وَقَدْ شَقَّ بصَرُهُ، فأَغْمضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ إِذا قُبِضَ، تبِعَهُ الْبصَرُ» فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فقالَ: «لا تَدْعُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ إِلّا بِخَيْرٍ، فإِنَّ المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلى ما تَقُولونَ» ثمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ ؛ اغْفِرْ لأبي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ درَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الْغَابِرِينَ، واغْفِرْ لَنَا ولَهُ يَاربَّ الْعَالمِينَ، وَافْسحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فيهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- شقّ بصره: أصبح بصره شاخصًا وكأنّه ينظر إلى شيء بعيد.
- ضجّ ناس من أهله: رفعوا أصواتهم بالبكاء عليه.
- الملائكة يؤمّنون: أي تقول آمين
- واخْلفه: أي كن له خلفًا
- عقبه: أي فيمن يكون من أهله من بعده
- الغابرين: الباقين
- وافسح: وسّع
فوائد الحديث
- النهي عن الدعاء على النفس عند موت أحد من الأهل.
- أنّ الملائكة تؤمّن على ما يقوله أهل الميّت.
- تغميض عيني الميّت عند الموت حَتَّى لا تبقى عيناه شاخصتين.
- أنّ البصر يتبع الروح.
- بيان نعيم القبر وانتفاع الميت بالدعاء له.
920
باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت
عنْ أُمِّ سلَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قالتْ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إِذا حَضرْتُمُ المرِيضَ، أَوِ المَيِّتَ، فَقُولُوا خيْرًا، فَإِنَّ الملائِكَةَ يُؤمِّنُونَ عَلى ما تقُولُونَ»، قالتْ: فلمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رسُولَ اللّهِ، إِنَّ أبا سلَمَةَ قَدْ مَاتَ، قالَ: «قُولي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَلَهُ، وَأَعْقِبْني مِنْهُ عُقْبى حَسَنَةً» فقلْتُ: فأَعْقَبَنِي اللّهُ منْ هُوَ خَيْرٌ لي مِنْهُ: مُحمَّدًا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ هكذا: «إِذا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ أَوِ الْمَيِّتَ» على الشَّكِّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وغيرهُ. «الميِّتَ»
بلا شَكٍّ
مفردات الحديث
- يؤمّنون على ما تقولون: أي يقولون آمين.
- أعقبني: أبدلني وعوضني.
فوائد الحديث
- استحباب التكلم بخير عند المريض أو الميت والدعاء له ولغيره مع تلقينه الشهادة.
- يستحب لمن مات له ميت أن يبدأ بنفسه في الدعاء ثم للميت.
- ينبغي لمن يقول هذا الدعاء أن يكون على ثقة ويقين بموعود اللّه.
- حصول ثمرة الامتثال بسرعة من غير توانٍ.
921
باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت
عنْ أُمِّ سلَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قالتْ: سمعتُ رسولَ اللّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «مَا مِنْ عبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فيقولُ: إِنَّا للّهِ وَإِنَّا إِليهِ رَاجِعُونَ، اللَّهمَّ ٱؤْجُرْنِي في مُصِيبَتي، وَاخْلُفْ لي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَجَرَهُ اللّهُ تعَالى في مُصِيبتِهِ، وَأَخْلَفَ لهُ خَيْرًا مِنْهَا». قالتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قلتُ كما أَمَرني رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأَخْلَفَ اللّهُ لي خَيْرًا منْهُ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- ٱؤْجُرْنِي: أعطني الأجر.
- واخلف لي خيرًا منها: عوّضني خيرًا منها.
- إلّا أجره: أي أثابه
فوائد الحديث
- فضيلة قول إِنَّا للّهِ وَإِنَّا إِليهِ رَاجِعُونَ، عند نزول المصائب.
- استحباب تدبّر الدعاء، اللّهم ٱؤْجُرْنِي في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، عند قوله مع كمال الصبر والرضا.
- إثبات الوعد بحسن الخلف على المصيبة إما في الدنيا أو في الآخرة.
922
باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت
عَنْ أَبي موسى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ : أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إِذا ماتَ وَلدُ العبْدِ قال اللّهُ تعالى لملائِكَتِهِ: قَبضْتُمْ وَلدَ عَبْدِي؟ فيقولُونَ: نعَمْ، فيقولُ: قَبَضْتُمْ ثمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فيقولونَ: نَعم، فَيَقُولُ: فَمَاذَا قالَ عبْدِي؟ فيقُولُونَ: حمِدكَ واسْتَرْجعَ، فيقولُ اللّهُ تعالى: ابْنُوا لعبدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بيْتَ الحمْدِ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- قبضتم: أخذتم
- ثمرة فؤاده: أي خلاصة قلبه
- استرجع: أي قال: إنا للّه وإنا إليه راجعون
فوائد الحديث
- الترغيب في الحمد للّه والصبر عند المصيبة، والرضا بالقضاء والقدر.
- الوعد الحسن بالجزاء الأعظم في الجنّة على الصبر والرضا.
- أن فقد الولد من المصائب العظيمة، فمن صبر عليها ورضي بقضاء اللّهِ وقدره، حصل له هذا الأجر العظيم بفضل اللّهِ وكرمه.
923
باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت
عَنْ أَبي هُريرةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «يقُولُ اللّهُ تعالى: ما لعَبْدِي المؤْمِنِ عِنْدي جزَاءٌ إِذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلَّا الجَنَّةَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- صفيَّه: حَبيبه، لأنه يُصافيه وُدّه ويُخْلصُه محبته.
- ثم احتسبه: بأن يدّخر أجره عند الله تعالى، وذلك بالصبر والتسليم.
فوائد الحديث
- الترغيب في الصبر واحتساب الأجر عند المصيبة والوعد بالجنة على ذلك.
- احتساب المصيبة والصبر عليها علامة من علامات كمال الإيمان، أمّا الجزع والسخط فيَدُلّان على ضعف الإيمان.
- الكافر مهما عمل من عمل صالح فليس له شيء في الآخرة، لعدم الإيمان.
924
باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت
عَنْ أُسامةَ بنِ زيدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَرْسَلَتْ إِحْدَى بَناتِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِلَيهِ تَدْعُوهُ وتُخْبِرُهُ أَنَّ صبيًّا لهَا -أَوِ ابْنًا- في المَوتِ، فقالَ للرَّسولِ: «ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأَخْبِرْهَا أَنَّ للّهِ تعالى مَا أَخذَ، ولَهُ ما أعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى ، فَمُرْهَا فلْتَصْبِرْ ولْتَحْتسِبْ …»
وذكرَ تمامَ الحديثِ رقم (٢٩). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- إحدى بنات النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم: هي زينب.
- احتُضِر: حضر ودنا موته.
- إِنَّ للّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى: أي الشيء كله للّهِ، إن أخذ منك شيئًا فهو ملكه، وإن أعطاك شيئًا فهو ملكه.
- كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى: كل شيء عنده بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر.
- لتحتسب: تطلب الأجر والثواب من اللّهِ بصبرها على مصيبتها.
فوائد الحديث
- الحث على الصبر والرحمة والشفقة والتسليم لقضاء اللّهِ.
- التعزية هي التصبير والحمل على الصبر بذكر ما يسلي المصاب، ويخفّف حزنه ويهوّن عليه.
925
باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت
عنِ ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عادَ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ وَمَعَهُ عبْدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ، وسعْدُ بْنُ أَبي وَقَّاصٍ، وعبْدُ اللّهِ بنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُم، فَبكى رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فلمَّا رَأَى القوْمُ بُكاءَ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَكَوْا، فقالَ: «أَلا تَسْمعُونَ؟ إِنَّ اللّهَ لا يُعَذِّبُ بِدمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلكِنْ يُعَذِّبُ بِهٰذَا أَوْ يَرْحَمُ»
وَأَشَارَ إِلى لِسَانِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- مصيبة الموت مصيبة لا مفر منها وهي امتحان لنا لنعمل الصالحات ونحسن أعمالنا لننال جزاءنا فيرضى اللّهُ عنا.
- أن البكاء وما يشعر به قلب الإنسان من حزن مباح لا حرج فيهما، وإنّما الحرج أن يصدر عن الإنسان شيء ممّا حرم الشرع من ندب، أي (تعداد محاسن الميت) ونياحة، أي (رفع الصوت بتعداد محاسن الميت) أو مبالغة في رفع الصوت بالبكاء، وكذلك يحرم الضجر والسخط على القضاء والقدر.
- البكاء العادي بدمع العين، أو مع صوت يسير خفيف هذا لا يسمى نياحة، لأن هذا قد يقع من الإنسان عند شدة المصيبة.
926
باب جواز البكاء على الميت بغير ندبٍ ولا نياحة
عَنْ أُسَامةَ بنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رُفِعَ إِلَيْهِ ابْنُ ابْنَتِهِ وَهُوَ في المَوْتِ، فَفَاضَتْ عَيْنا رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فقالَ لهُ سعْدٌ: مَا هذا يا رسولَ اللّهِ؟! قالَ: «هٰذِهِ رحْمةٌ جَعَلها اللّهُ تَعالى في قُلوبِ عبادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللّهُ مِنْ عبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- ابن ابنته: أي ابن زينب.
- فاضت عيناه: كثر دمعهما حَتَّى سال.
فوائد الحديث
- لا حرج في البكاء على الميت من غير عويل وصراخ ولا يُعد هذا نياحة.
- أنّ البكاء على الميت دليل على الرحمة والشفقة في القلب.
927
باب جواز البكاء على الميت بغير ندبٍ ولا نياحة
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَخَلَ عَلى ابْنهِ إِبْراهِيمَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَجودُ بِنَفْسِهِ، فَجعلتْ عَيْنا رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَذْرِفَانِ، فقالَ لهُ عبْدُ الرَّحمٰنِ بنُ عوْفٍ: وأَنتَ يا رسولَ اللّهِ؟! فقالَ: «يا ابْنَ عوْفٍ، إِنَّها رَحْمةٌ» ثُمَّ أَتْبَعَها بأُخْرَى، فقالَ: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْب يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا ما يُرْضِي رَبَّنا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهيمُ لمَحْزُونُونَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَروَى مُسْلِمٌ بعْضَهُ. • والأَحاديثُ في البابِ كثيرةٌ في الصحيحِ مشْهورةٌ، واللّهُ أعْلمَ
مفردات الحديث
- يجود بنفسه: يخرجها، أي أشرف على الموت، وكان موت إبراهيم سنة عشر من الهجرة، وكان عمره ستة عشر شهرًا وإبراهيم من مارية القبطية.
- تذرفان: تدمعان ويسيل دمعهما.
فوائد الحديث
- دليل على جواز إخبار الإنسان عن نفسه بأنه محزون من هذه المصيبة لأنّه قال إنّ القلب ليحزن وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون.
- فيه دليل على أنّ النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يموت له الولد ويتألم لذلك وأنّه يلحقه ما يلحق البشر.
- جواز الاعتراض على من خالف فعله ظاهر قوله ليُظهِر الفرق.
928
باب الكفّ عن ما يرى من الميت من مكروه
عنْ أَبي رافعٍ أَسْلمَ مَوْلَى رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَنْ غَسَّلَ ميِّتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غَفَرَ اللّهُ لهُ أَرْبعِينَ مرَّةً»
رواهُ الحَاكِمُ وقالَ: حَدِيثٌ صحيحٌ على شرْطِ مُسْلِمٍ
مفردات الحديث
- فكتم عليه: أي رأى منه سوءًا فستر عليه.
فوائد الحديث
- أنّ الذي يتولّى غسل الأموات له أجر عظيم، بشرط أن يكتم عنه ولا يظهر مساوئه.
- وجوب كتم وستر الميّت، لأنّ هذا الستر من أسباب المغفرة.
- لا بأس من ذكر حال الأموات إن كان لمصلحة شرعية لا تتحقق إلا بذلك.
929
باب الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتّباع النساء الجنائز
عنْ أَبي هُريرةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ شَهِدَ الجنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْها فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيراطَانِ» قيلَ: وما الْقِيراطَانِ؟ قالَ: «مِثْلُ الجَبلَيْنِ العَظِيمَيْنِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- قيراط: المقصود: شيء عظيم من الأجر.
فوائد الحديث
- الترغيب في تشييع الجنائز ودفن الميت وهذا من فروض الكفاية ومن حقوق المسلمين بعضهم على بعض.
- الإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلِّق بالميت في تجهيزه وغسله، وجميع ما يتعلق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط.
930
باب الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتّباع النساء الجنائز
عنْ أَبي هُريرةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «منِ اتَّبعَ جَنَازَةَ مُسْلمٍ إيمَانًا واحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ منْ دَفْنِها، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بقِيراطَيْنِ، كُلُّ قيرَاطٍ مِثلُ أُحُدٍ، ومَنْ صَلَّى عَلَيهَا، ثُمَّ رَجَعَ قبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يرْجِعُ بقِيرَاطٍ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- إيمانًا: تصديقًا بالوعد الوارد فيها من اللّهِ تعالى.
- احتسابًا: إخلاصًا للّه تعالى وامتثالًا لأمر الدين، وطلبًا للثواب، لا لشيء آخر من أغراض الدنيا.
فوائد الحديث
- الترغيب بتشييع الجنازة من حين خروجها من البيت إلى أن تدفن، فإن ذلك أعظم للأجر وأقرب لتطييب خاطر أهل البيت.
- فيه فضيلة لمن اتبع الجنائز، وفضيلة أخرى لمن صلَّى عليها.
- الحث على إخلاص النيّة في الأعمال حتّى يترتّب عليها الثواب.
931
باب الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتّباع النساء الجنائز
عَنْ أُمِّ عطِيَّةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: نُهِينَا عنِ اتِّبَاعِ الجَنائزِ، وَلمْ يُعْزَمْ عَليْنَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- ولم يُعزم علينا: ولَمْ يُشدَّدْ علينا في النَّهْي كما يُشدَّدُ في المُحَرَّمَاتِ.
فوائد الحديث
- كراهية اتباع النساء للجنائز، وهذا قول جمهور العلماء، أما الصلاة على الميت فإنها مشروعة لهن كالرجال.
- قيل من الحِكم في منعهنَّ جزعهن وقلة صبرهنّ.
932
باب استحباب تكثير المصلين على الجنازة وجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما مِنْ ميِّتٍ يُصلِّي عليْهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يبْلُغُونَ مئَةً كُلُّهُمْ يشْفَعُونَ لهُ إِلَّا شُفِّعُوا فيهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أُمّة: جماعة.
- شُفِّعوا: قُبلت شفاعتهم والشفاعة طلب المغفرة للميّت.
فوائد الحديث
- استحباب تكثير المصلين على الجنازة لما في ذلك من نفع للميّت بالدعاء والشفاعة له.
933
باب استحباب تكثير المصلين على الجنازة وجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر
عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلمٍ يَمُوتُ، فَيقومُ عَلَى جَنازَتِهِ أَرْبَعونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ باللّهِ شَيئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللّهُ فيهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- أنّ الشفاعة المقبولة خاصة بالمسلمين وليس فيهم من يشرك باللّهِ شيئًا.
- تكون شفاعتهم مقبولة في نجاته من عذاب القبر أو عذاب الآخرة، أو للتخفيف عنه من عذابهما.
- الشفاعة تشمل من كان على طاعة، أو كان مُخلِّطًا، أو صاحب معصية، فإن هؤلاء يُشفّعون فيه.
934
باب استحباب تكثير المصلين على الجنازة وجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر
عَنْ مَرْثَدِ بنِ عبدِ اللّهِ اليَزَنِيِّ قالَ: كانَ مالِكُ بنُ هُبَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إِذا صلَّى عَلى الجنَازَةِ فَتَقَالَّ النَّاسَ عَليْهَا، جزَّأَهُمْ عليها ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى عليْهِ ثَلاثَةُ صُفُوفٍ، فَقَدْ أَوْجَبَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- تقالَّ الناس: رآهم قليلين.
- جزَّأَهُمْ ثلاثة أجزاء: جعلهم ثلاثة صفوف.
- أوجب: وجبت له الجنّة، بأن يغفر له اللّه.
فوائد الحديث
- استحباب جعل المصلين على الجنازة ثلاثة صفوف أو أكثر.
935
باب ما يقرأ في صلاة الجنازة
عنْ أبي عبدِ الرَّحمنِ عوفِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: صلَّى رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعائِهِ وَهُو يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وارْحمْهُ، وعافِهِ، واعْفُ عنْهُ، وَأَكرِمْ نُزُلَهُ، وَوسِّعْ مُدْخَلَهُ، واغْسِلْهُ بِالماءِ والثَّلْجِ والْبرَدِ، ونَقِّهِ منَ الخَـطَايَا كما نَقَّيْتَ الثَّوبَ الأبْيَضَ منَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دارًا خيرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أهْلِهِ، وزَوْجًا خَيْرًا منْ زَوْجِهِ، وأدْخِلْهُ الجنَّةَ، وَأَعِذْهُ منْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ»
حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أنَا ذلكَ المَيِّتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- جنازة: الميت على السرير.
- نزله: المقصود ما يصير إليه من الثواب والأجر.
- مدخله: قبره.
- واغسله بالماء والثلج والبرد: المراد طهر ذنوبه بعموم أنواع رحمتك ومغفرتك.
- ونقّه: نظّفه وطهّره.
- الدنس: الوسخ.
- أعذه: أجره وخلّصه.
فوائد الحديث
- بيان مشروعية الدعاء في صلاة الجنازة، وهو معظم مقصودها، وليس فيه دعاء محدود واجب بعينه عند العلماء، بل يدعو المصلي بما تيسر له، لكن الأولى أن يكون بالأدعية المأثورة في ذلك.
- الصلاة على الجنازة فرض كفاية.
- استحباب هذا الدعاء في صلاة الجنازة.
- جواز الجهر بالدعاء في صلاة الجنازة أحيانًا، كما سمع عوف هذا الدعاء من النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
- أنّ الدعاء ينفع الميت وأنّ نعيم القبر وعذابه حق.
- المرادُ بالإبدالِ في الأهلِ والزَّوجةِ إبدالُ الأوصافِ لا الذَّواتِ.
936
باب ما يقرأ في صلاة الجنازة
عَنْ أبي هُريْرةَ وأبي قَتَادَةَ وأبي إبْرَاهيمَ الأشْهَليِّ عنْ أبيهِ -وأبوهُ صَحَابيٌّ- رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : أنَّه صلَّى عَلى جَنَازَةٍ فقالَ: «اللَّهُمَّ اغفِرْ لِحَيِّنَا وَميِّتِنا، وَصَغيرِنَا وَكَبيرِنَا، وذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وشَاهِدِنا وَغائِبنَا ، اللَّهُمَّ منْ أَحْيَيْتَهُ منَّا فأَحْيِهِ على الإسْلامِ، وَمَنْ توَفَّيْتَهُ منَّا فَتَوَفَّهُ عَلى الإيمانِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أَجْرَهُ، وَلا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ» رواهُ التِّرْمِذِيُّ من رِوايةِ أبي هُرَيْرةَ والأشْهَليِّ، ورَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ منْ روايةِ أبي هُرَيْرَةَ وأبي قَتَادَةَ. قال الحاكمُ: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ صَحيحٌ على شَرْطِ البُخاريِّ ومُسْلِمٍ.
مفردات الحديث
- شاهدنا: حاضرنا.
- لا تحرمنا أجره: أي لا تمنعنا ثواب الصبر على المصيبة.
- ولا تفتنا: أي لا توقعنا في المحن والابتلاء.
فوائد الحديث
- المبالغة في الدعاء بما يشمل الأحياء والأموات، وأنه خير ما يكرم به الإنسان الحياة على الإسلام، والموت على الإيمان والسلامة من الفتن.
- الإسلام يعنى أعمال الجوارح الظاهرة، وهذا لا يتأتى إلّا في حالة الحياة ولذا قال «فأحييه على الإسلام» وأما الإيمان فهو التصديق الباطني وهو المطلوب الذي عليه الوفاة ولذا قال «فتوفّه على الإيمان».
- الدعاء في حق الصغير لرفع الدرجات في قوله صلّى اللّهُ عليه وسلّم «لصغيرنا ».
937
باب ما يقرأ في صلاة الجنازة
عَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِي اللّهُ عَنْهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «إذ صَلَّيْتُمْ عَلى المَيِّتِ فأَخْلِصُوا لهُ الدُّعاءَ»
رواهُ أبو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- أخلصوا له الدعاء: أي خصّوا الميت بالدعاء مع حضور القلب.
فوائد الحديث
- وجوب الدعاء للميت، والدعاء للميت استغفار له ودعاء بما يحضر الداعي من القول الذي يرجو به الرحمة له والعفو عنه.
- أن صلاة الجنازة من أجل هذا الميت فينبغي أن يخصَّ بالدعاء.
938
باب ما يقرأ في صلاة الجنازة
عَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِي اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الصَّلاةِ عَلى الجَنَازَةِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ ربُّهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَها، وأَنْتَ هَديْتَهَا لِلإِسلامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأَنْتَ أَعْلمُ بِسِرِّها وَعَلانِيَتِهَا، جئْنَاك شُفَعاءَ لَهُ، فاغْفِرْ لهُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- ربها: سيدها ومالكها.
- قبضت روحها: أمرت بقبض روحها.
- بسرِّها: بما كانت تسرُّه وتضمره من إيمان ونية.
- وعلانيتها: بما تظهره من عمل وطاعة.
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء للميت بهذه الألفاظ الجامعة لضروب الخير.
- استفتاح الدعاء بالثناء على اللّهِ تعالى والافتقار إليه سبحانه.
939
باب ما يقرأ في صلاة الجنازة
عَنْ واثِلةَ بنِ الأسْقَعِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّى بِنَا رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى رجُلٍ مِنَ المُسْلِمينَ، فَسَمِعْتُهُ يقولُ: «اللَّهُمَّ إنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ في ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الوَفاءِ والحَمْدِ، اللَّهُمَّ فاغفِرْ لهُ وَارْحَمْهُ، إنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- في ذمتك: في ضمانك وعهدك وحفظك.
- حبل جوارك: من الإجارة والأمان والنصرة.
- فقِه فتنة القبر: نجِّه من عذاب القبر.
- أهل الوفاء والحمد: أهل العطاء والشكر.
فوائد الحديث
- حرص الرسول صلّى اللّهُ عليه وسلّم على اختيار الدعوات الجامعة لخير أصحابه وتعليمًا لأمّته، فيستحب الدعاء للميت بذلك.
- جواز تسمية الميت باسمه في الدعاء له.
- الدعاء للميت بما فيه السلامة من العذاب بعد الموت.
940
باب ما يقرأ في صلاة الجنازة
عَنْ عبدِ اللّهِ بنِ أبي أوْفى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ كبَّرَ على جَنَازَةِ ابْنَةٍ لَهُ أَرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، فَقَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ التَّكْبيرتيْنِ يَسْتَغفِرُ لهَا وَيَدْعُو، ثُمَّ قالَ: «كَانَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَصْنَعُ هكذَا». • وفي رِوايةٍ: كَبَّرَ أَرْبعًا، فمكثَ سَاعةً حتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سيُكَبِّرُ خَمْسًا، ثُمَّ سلَّمَ عنْ يمِينهِ وَعَنْ شِمالِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنا لَهُ: مَا هذا؟ فقال: «إنِّي لا أزِيدُكُمْ عَلى مَا رَأَيْتُ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَصْنَعُ»، أوْ: «هكذَا صَنعَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ»
رَوَاهُ الْحَاكِمُ وقالَ: حديثٌ صحيحٌ
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء بعد التكبيرة الرابعة قبل التسليم.
- حرص الصحابة على اتّباع رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
941
باب الإسراع بالجنازة
عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أَسْرِعُوا بِالجَنَازَةِ، فَإنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونها إلَيْهِ، وَإنْ تَكُ سِوَى ذلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي روايةٍ لمُسْلِمٍ: «فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْه».
فوائد الحديث
- استحباب الإسراع بالجنازة، ومن الخطأ تأخيرها لغير سبب قاهر.
- الإسراع في الجنازة يشمل الإسراع في تجهيزها، والإسراع في تشييعها، والإسراع في دفنها.
- بيان ما يصير إليه حال الميت من خير أو شر وهذا من الأمور الغيبية.
- المراد بالإسراع أن يكون فوق المشي المعتاد لا الركض بها وخضّها، لأن هذا قد يضر الميت ويشق على المتبعين من الضعفاء.
942
باب الإسراع بالجنازة
عَنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إذا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فَاحْتَملَهَا الرِّجَالُ عَلى أَعنَاقِهِمْ، فَإنْ كَانتْ صَالحةً، قالتْ: قَدِّمُوني، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قَالَتْ لأهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الإنسانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإنْسَانُ لَصَعِقَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- وضعت: أي على السرير أو النعش .
- يا ويلها: يا هلاكها.
- لصعق: لغشي عليه أو لهلك.
فوائد الحديث
- استحباب الإسراع بالجنازة بما لا يشق على من يتبعها ولا يحرك الميت.
- استبشار المؤمن بمنزلته عند دفنه، ورغبته في الإسراع بدفنه، والعصاة وغير المسلمين على غير ذلك.
- هذا حديث عظيم يخيف الإنسان ويدعوه للتأمل والتفكر في حاله وعمله.
- قد أمرنا بشهود واتباع الجنازة حتى نعتبر خوفًا من هذا المكان وهو القبر وما يكون فيه، لذلك فالجنازة عِبرة للإنسان المؤمن، فإذا ذهب إلى القبور وسلم عليهم نظر وعلم أنّ هذا مآله ومصيره، وتخيل القبور وما فيها.
943
باب تعجيل قضاء الدَّين عن الميت والمبادرة إلى تجهيزه إلّا أن يموت فُجاءة فيترك حتى يُتيقّن موته.
عنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- معلقة: موقوفة ومحبوسة عن مقامها أو أن أمرها موقوف لا حكم لها بنجاة ولا هلاك حتى ينظر هل يقضى ما عليها من الدين أم لا.
- يُقضى: يؤدى.
فوائد الحديث
- وجوب الإسراع بأداء الدّين عن الميت من تركته وهو مقدم على كل الحقوق المتعلقة بتركته بعد تجهيزه.
- حثّ الإنسان على وفاء دينه قبل موته ليسلم من هذا الوعيد الشديد.
- أنّ نفس المؤمن سوف تظل محبوسة عن مقامها لا يحكم لها بنجاة ولا هلاك حَتَّى يقضى دينها.
944
باب تعجيل قضاء الدَّين عن الميت والمبادرة إلى تجهيزه إلّا أن يموت فُجاءة فيترك حتى يُتيقّن موته.
عَنْ حُصَيْنِ بنِ وحْوَحٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ : أَنَّ طَلْحَةَ بنَ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَرِضَ، فَأتَاهُ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَالَ: «إنّي لا أُرَى طَلْحةَ إلاَّ قدْ حَدَثَ فِيهِ المَوْتُ ، فَآذِنُوني بِهِ وَعَجِّلُوا بِهِ ؛ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لجِيفَةِ مُسْلِمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- يعوده: يزوره.
- حدث فيه الموت: بدأ فيه الموت بالشروع بالنزع.
- آذِنوني: أي فأعلموني إن مات.
- جيفة: جثّة.
فوائد الحديث
- وجوب الشروع بتجهيز الميت بعد تيقن وفاته ويحرم تأخيره لغير سبب.
945
باب الموعظة عند القبر
عنْ عليٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا في جِنَازَةٍ في بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فقَعَدَ، وقعدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرتِهِ، ثُمَّ قالَ: «ما مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ ومَقْعَدُهُ مِنَ الجنَّةِ» فقَالوا: يا رَسُولَ اللّهِ، أَفَلا نَتَّكِلُ على كِتابِنَا؟ فقالَ: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»
وذكَرَ تمامَ الحديثِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة وهي اليوم بجوار المسجد النبوي من الناحية الشرقية.
- الغرقد: نوع من الشجر البري يكثر فيه.
- مخصرة: عصاة معوجة الرأس.
- نكس: خفض رأسه إلى الأرض على هيئة المهموم.
- ينكت: يخط خطوطًا على الأرض مرارا.
- كُتب: سجل في اللوح المحفوظ.
- نتَّكل: نعتمد على ما هو مكتوب.
فوائد الحديث
- مشروعية الموعظة عند القبر لأنّه حينئذ تكون أنفع لأنّ رؤية الموت ترقق القلوب.
- الموعظة في القبر تُقيّد بما جاء في السنّة لئلا تُتخذ المقابر منابر.
- إثبات القدر خيره وشرّه ونفعه وضرّه.
- لا يصح أن يترك العمل اتكالًا على ما كتبه اللّهُ، بل الواجب أن يسعى الإنسان لكسب الخير.
- أنّ من أشكل عليه شيء فإنه يَسأل عنه أهل العلم كما فعل الصحابة في هذا الحديث مع النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
946
باب الموعظة عند القبر
عنْ أبي عَمْرٍو -وقيلَ: أبو عَبْدِ اللهِ، وقيلَ: أبُو لَيْلى- عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا فرَغَ منْ دفنِ المَيِّتِ وقَفَ علَيْهِ، وقَالَ: «اسْتغْفِرُوا لأخِيكُمْ ، وسَلُوا لَهُ التَّثْبيتَ، فإنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- اسألوا له التثبيت: أي اطلبوا من اللّهِ تعالى أن يثبت لسانه عند سؤال الملكين له في قبره.
فوائد الحديث
- استحباب الوقوف عند القبر بعد الدفن والدعاء للميت بأن يثبته اللّه بالقول الثابت حين يسأله الملكان.
- ثبوت سؤال الملكين وحياة القبر من نعيم أو عذاب.
947
باب الموعظة عند القبر
عَنْ عمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: إذا دَفَنْتُمُونِي، فأَقِيمُوا حَوْلَ قَبرِي قَدْرَ ما تُنحَرُ جَزُورٌ، ويُقَسَّمُ لحْمُها حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وأَعْلمَ ماذا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ ربِّي. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • قالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمهُ اللّهُ: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُقرَأَ عِنْدَهُ شيءٌ مِنَ القُرآنِ، وَإنْ خَتَمُوا القُرآن عنده كانَ حَسنًا.
مفردات الحديث
- استأنس: أشعر بالأنس وتزول عني الوحشة.
- أراجع به: أجيب به.
- الجزور: الناقة.
فوائد الحديث
- استئناس الميت بدعاء إخوانه وأهله له عند قبره.
- ورع الصحابة رضي اللّهُ عنهم واتهامهم لأنفسهم وخوفهم من التقصير مع عظيم منزلتهم وبلائهم الحسن في الإسلام.
- أخذ بعض العلماء من الحديث استحباب المكث عند القبر بعد الدفن مدة من الزمن.
948
باب الصدقة عن الميت والدعاء له
عَنْ عائِشَةَ رَضيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَجُلًا قال للنَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: إنَّ أُمِّي افتُلتَتْ نَفْسُهَا، وَأُرَاهَا لوْ تَكَلَّمَتْ، تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لهَا أَجْرٌ إنْ تصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قالَ: «نَعَمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- افتُلتَت نفسها: ماتت فجأة.
فوائد الحديث
- مشروعية الصدقة عن الميت وأنّه ينتفع بذلك.
- المسارعة إلى عمل الخير وبرّ الوالدين.
- حرص الصحابة رضي اللّهُ عنهم على استفتاء النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
949
باب الصدقة عن الميت والدعاء له
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «إذا مَاتَ الإنسَانُ انقطَعَ عمَلُهُ إلّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدقَةٍ جاريَةٍ، أوْ عِلمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالحٍ يَدعُو لهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- انقطع عمله: أي لخروجه من عالم الدنيا إلى البرزخ ولم يعد يستطيع العمل لزوال التكليف.
- صدقة جارية: صدقة مستمرة، يجري عليه أجرها بعد الموت.
فوائد الحديث
- ثبوت وصول الثواب إلى الميت بهذه الأمور الثلاثة، لأنّه كان المتسبب لها فكان كأنّه لا يزال يزاولها.
- الحثُ على عمل الخير الذي لا ينقطع أجره بعد الوفاة.
- بيان فضل العلم ونشره وتعليمه.
- أن صلاح الولد سيعود بالنفع على أبيه في حياته وبعد مماته.
950
باب ثناء النّاس على الميت
عنْ أَنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: مَرُّوا بجَنَازَةٍ، فَأَثنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فقالَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وَجَبَتْ»، ثُمَّ مرُّوا بِأُخْرَى، فَأَثنَوْا عليْهَا شَرًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وَجبَتْ» فَقَالَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: ما وجبَتْ؟ قَالَ: «هذا أَثنَيتُمْ علَيْهِ خَيرًا، فَوَجَبتْ لَهُ الجنَّةُ، وهذا أَثنَيتُمْ عليْهِ شرًّا، فَوَجبتْ لَهُ النَّارُ، أنتُمْ شُهَداءُ اللّهِ في الأرْضِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أثنوا عليها شرًا: لعله كان مجاهرًا بفسقه أو بدعته، والثناء هنا بمعنى الضد لأنّ الثناء لا يكون إلا في الخير.
- وجبت: ثبتت ولزمت.
فوائد الحديث
- استحباب الثناء بالخير على الميّت وذكر محاسنه.
- ثناء المؤمنين الخُلَّص على المؤمن بطيب الباطن وحسن الظاهر دليل على رضا اللّهِ تعالى عنه.
- شهادة المؤمنين الخُلَّص على الميت بفساد الباطن وسوء الظاهر يشعر ذلك على أنّه من أهل النار عافانا اللّهُ وإياكم.
- أنّ المؤمنين حقًا الَّذِين لا يتّبعون الهوى هم شهداء اللّهِ، يُنطقهم الحقّ ويُلهمهم الصواب.
- شهادةُ الفسّاق بالخير أو الشرّ ليست معتبرة.
951
باب ثناء النّاس على الميت
عَنْ أبي الْأَسْوَد قالَ: قَدِمْتُ الْمدِينَةَ، فَجَلَسْتُ إلى عُمْرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، فَمرَّتْ بِهِمْ جنَازةٌ، فَأُثْنِيَ على صَاحِبها خَيْرًا، فقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بأُخْرى ، فَأُثْنِيَ على صَاحِبِها خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ على صاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ عُمرُ: وَجَبَتْ ، قَالَ أَبُو الأسْوَدِ: فَقُلْتُ: وما وَجَبَتْ يا أميرَ المُؤمِنِينَ؟ قالَ: قُلتُ كما قالَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أَيُّمَا مُسلِمٍ شَهِدَ لهُ أَرْبعَةٌ بِخَيرٍ أَدْخَلَهُ اللّهُ الجنَّةَ» فَقُلنَا: وثَلاثَةٌ؟ قالَ: «وثَلاثَةٌ» فقلنا: واثْنانِ؟ قال: «واثْنَانِ»
ثُمَّ لمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الواحِدِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- وجبت: أي ثبت ما قيل عنه واستحق عليه الجزاء.
فوائد الحديث
- يستحبّ لمن مرت به جنازة أن يدعو لها ويثني خيرًا إن كان الميّت أهلًا لذلك، لكن بلا مبالغة.
- حثّ الناس على فعل الخيرات ليستحقّوا الشهادة لهم بالخير فيفوزوا برضا اللّهِ تعالى عند الموت.
952
باب فضل من مات له أولاد صغار
عنْ أنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسلِمٍ يَمُوتُ لهُ ثلاثَةٌ لمْ يَبلُغُوا الحِنْثَ إلَّا أدخلَهُ اللّهُ الجنَّةَ بِفَضْلِ رحْمَتِهِ إيَّاهُمْ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- لم يبلغوا الحنث: أي لم يبلغوا سن التكليف الذي يكتب فيه الحنث وهو الذنب والإثم.
فوائد الحديث
- من مات له أولاد صغار فصبر واحتسب فإنّ اللّه يرحمه ويدخله الجنّة بفضل رحمة اللّهِ لهؤلاء الصغار.
953
باب فضل من مات له أولاد صغار
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللّهُ عنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا يَمُوتُ لأِحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاثةٌ مِنَ الوَلَدِ لا تمَسُّهُ النَّارُ إِلاَّ تَحِلَّةَ القَسَمِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- تَحِلَّةُ القَسَم: أي ليحقّق القسم وهو قولُ اللّهِ تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم: ٧١]. والوُرُودُ: هُوَ العُبُورُ عَلى الصِّراطِ، وهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى ظهْرِ جَهَنَّمَ.
فوائد الحديث
- أن المؤمن الَّذِي يموت له ثلاثة أولاد فيحتسب ويصبر ويرضى بقضاء اللّهِ وقدره لا تمسه النار، وإن وردها على الصراط لا يؤذيه لظاها.
954
باب فضل من مات له أولاد صغار
عَنْ أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَتِ امرأَةٌ إِلى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللّهِ، ذَهَبَ الرِّجالُ بحَديثِكَ، فاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتيكَ فيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللّهُ، قَالَ: «اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا» فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا علَّمهُ اللّهُ ثُمَّ قَالَ: «ما مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ ثَلاثةً منَ الوَلَدِ إِلَّا كانُوا لهَا حِجَابًا منَ النَّار» فَقالتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وَاثْنَيْنِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- فاجعل لنا: أي خصص لنا.
- تقدم ثلاثة من الولد: أي تقدمهم للدفن بعد أن ماتوا.
- الولد: يشمل الذكر والأنثى لأنه كل منهما مولود.
- حجابًا من النار: أي سترًا ومانعًا من النار.
فوائد الحديث
- البشارة بالجنّة لمن فقدت من أبنائها ثلاثًا أو اثنين.
- حق المرأة في العلم فإنّها مكلّفة شرعًا والعلم واجب عليها ليصلح به أمر دينها ودنياها.
- تواضع النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم واستجابته لطلب المرأة، وحرصه على تعليم النساء ما يخصهن من الأمور.
- حرص نساء الصحابة على طلب العلم من النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
955
باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم وإظهار الافتقار إلى اللّه تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ لأصْحَابِهِ -يَعْني لمَّا وَصلُوا الحِجْرَ؛ دِيَارَ ثمُودَ-: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لمْ تَكُونُوا باكِينَ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ؛ لا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي روايةٍ قالَ: لمَّا مَرَّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالحِجْرِ قالَ: «لا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ»
ثُمَّ قَنَّعَ رسولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلٌم رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الوَادِي
مفردات الحديث
- الحِجر: ديار ثمود وهم قوم صالح، وهي بين الشام والمدينة، ومرورهم بها لما توجهوا مع النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم إلى غزوة تبوك في السنة العاشرة من الهجرة.
- قنّع رأسه: ألقى عليه القناع وهو الغطاء.
- أجاز الوادي: قطعه وجاوزه.
فوائد الحديث
- الحثّ على المراقبة والبكاء عند المرور بديار الظالمين ومواضع العذاب، وعليه أن يسرع الخُطا حَتَّى يتجاوزها.
- أن يشتغل بالتفكير في أمرهم وما آل إليه حالهم مخافة أن يكون حاله كحالهم.
- النهي عن مجالسة الظالمين ومساكنتهم ومؤاكلتهم.
- كتاب آداب السفر
956
باب استحباب الخروج يوم الخميس واستحبابه أوّل النهار
عنْ كعبِ بنِ مالكٍ، رَضيَ اللّهُ عَنْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخَمِيسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي رِوايةٍ في الصَّحيحيْنِ: لقلَّمَا كانَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَخْرُجُ إِلَّا في يَوم الخَمِيسِ.
فوائد الحديث
- استحباب الخروج للسفر يوم الخميس سواء كان للجهاد أو غيره.
957
باب استحباب الخروج يوم الخميس واستحبابه أوّل النهار
عَنْ صخْرِ بنِ وَدَاعَةَ الغامِدِيِّ الصَّحابيِّ رَضِيَ اللّهُ عنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: «اللّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتي في بُكُورِها» وكَان إِذا بعثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكانَ صخْرٌ تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعثُ تِجارتَهُ أَوَّلَ النَّهارِ، فَأَثْرَى وكَثُرَ مالُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ.
مفردات الحديث
- بارك: اجعل البركة وهي الزيادة والنماء.
- بكورها: هو الذهاب أول النهار.
- سرية: الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة.
- فأثرى: صار ذا غنى.
فوائد الحديث
- استحباب الخروج للسفر من أول النهار سواء كان يوم الخميس أو غيره.
- الحرص على التبكير والاستفادة من أول النهار في العمل والتجارة وسائر المصالح وعدم تضييعه في النوم وما لا ينفع.
- النشاط وحيوية العمل ووفرة الإنتاج يحصل في أول النهار وبه تحصل البركة.
- فضل وقت الإبكار على غيره لما فيه من الخير وتقسيم الأرزاق.
958
باب استحباب طلب الرفقة وتأميرهم على أنفسهم واحدًا يطيعونه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضِيَ اللّهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مِنَ الوَحْدَةِ ما أَعَلمُ ما سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وحْدَهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- الوحدة: الانفراد في السفر.
- ما أعلم: ما فيها من الأضرار، والتعبير بهذا مبالغة في التحذير من الانفراد في السفر.
- راكب: مسافر ولو كان ماشيًا، والتعبير براكب لأنه الغالب من حاله.
- بليل: التقييد بالليل لزيادة الضرر الناشئ من اجتماع الظلمة مع الانفراد، وإلّا فالمراد السفر مطلقًا.
فوائد الحديث
- كراهة السفر منفردًا من غير رفقة، والحكمة ظاهرة وواضحة، يدركها كل من جرّب الأسفار.
- أن للوحدة في السفر أضرارًا دينية ودنيوية كثيرة، كحرمانه ممّن يعينه على دينه ومن صلاة الجماعة، وحصول الوحشة والتعرض إلى المخاطر، وفقدان المؤنس والصديق وغير ذلك.
959
باب استحباب طلب الرفقة وتأميرهم على أنفسهم واحدًا يطيعونه
عَنْ عمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عنْ أَبيهِ، عنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قال رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، والرَّاكِبانِ شَيْطَانَانِ، والثَّلاثَةُ رَكْبٌ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ بأَسانيدَ صَحِيحةٍ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- شيطان: أي يرافقه الشيطان فيغويه.
- رَكب: هو في الأصل الجماعة تركب الإبل ثم أطلق على كل جماعة مسافرة.
فوائد الحديث
- كراهة السفر منفردًا من غير رفقة.
- استحباب الرفقة في السفر.
- من ارتكب منهيًّا فقد أطاع الشيطان.
960
باب استحباب طلب الرفقة وتأميرهم على أنفسهم واحدًا يطيعونه
عَنْ أَبي سعيدٍ وأَبي هُريْرَةَ رضيَ اللّهُ تعَالى عَنْهُمَا قَالا: قَالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذا خَرَج ثَلاثَةٌ في سفَرٍ فلْيُؤَمِّرُوا أَحدَهُمْ»
حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسنادٍ حسنٍ
فوائد الحديث
- استحباب الرفقة في السفر ثلاثة على الأقل، لأنّه بالثلاثة تتحقق المصلحة وتندفع المفسدة، لأنّ الاثنين ربما أصاب أحدهما شيء فيبقى منفردًا.
- أنّ المسلمين لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض.
- مشروعية أن يؤمّر الرفقة على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأيًا.
961
باب استحباب طلب الرفقة وتأميرهم على أنفسهم واحدًا يطيعونه
عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللّهُ عَنْهُما ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «خَيرُ الصَّحَابةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرايا أَرْبَعُ مِئَةٍ، وخَيرُ الجُيُوشِ أَرْبعةُ آلافٍ، ولَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا منْ قِلَّةٍ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيُّ وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- من قلة: أي بسبب قلة عددهم.
فوائد الحديث
- استحباب أن تكون الرفقة أربعة ، وأنها خير رفقة.
- من الحِكم في ذلك أنهم قد يحتاجون إلى حاجات ومشورة بعضهم، وبذلك يحصل تعاون على الخير.
- إذا هزم المسلمون وكان عددهم اثني عشر ألفًا فليس بسبب قلة عددهم، وإنّما يكون لأسباب أخرى.
- تربية النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم لأصحابه على روح الجماعة والتآلف.
962
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عنْ أَبي هُرَيْرَة رضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إذا سافَرْتُمْ في الخِصْبِ فَأعْطُوا الإِبِلَ حظَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وإِذا سافَرْتُمْ في الجَدْبِ، فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَبادِروا بِهَا نِقْيَهَا، وَإذا عرَّسْتُم، فَاجتَنِبُوا الطَّريقَ، فَإِنَّهَا طرُقُ الدَّوابِّ، وَمأْوى الهَوامِّ باللَّيْلِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- الخصب: اسم مصدر من أخصب المكان إذا نبت فيه العشب والكلأ.
- أعطُوا الإِبِلَ حَظَّها مِنَ الأرْض: أَيْ ارْفُقُوا بِهَا في السَّيرِ لترْعَى في حالِ سيرِهَا.
- حظّها: نصيبها.
- الجدب: انقطاع المطر ويبس الأرض.
- نِقْيَها: هوَ المُخُّ، معْناهُ: أَسْرِعُوا بِهَا حَتَّى تَصِلُوا المَقْصِدَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ مُخُّها مِنْ ضَنكِ السَّيْرِ.
- عرّستم: التَّعْرِيسُ هو النُّزُولُ في اللَّيْلِ.
- فاجتنبوا الطريق: أي لا تنزلوا فيها واعدلوا عنها.
- مأوى الهوام والزواحف: أي تلجأ إليها الحشرات والأفاعي وغيرها وتسكن فيها.
فوائد الحديث
- الرفق بالحيوان وذلك بإعطاء الدواب حظها من المرعى.
- اجتناب الأماكن الموحشة والتي يتوقع فيها الأذى في المبيت أثناء السفر.
- السنة أن يراعى مصلحة الدابة في المرعى والسرعة، والتأني بحسب الأرفق بها.
963
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ أَبي قَتَادةَ رضيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كانَ رَسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِذا كانَ في سفَرٍ فَعَرَّسَ بلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلى يَمينِهِ، وَإِذا عَرَّسَ قُبيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلى كَفِّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قالَ العُلَماءُ: إِنَّمَا نَصَبَ ذِرَاعَهُ، لِئلَّا يسْتَغْرِقَ في النَّوْمِ، فَتَفُوتَ صلاةُ الصُّبْحِ عنْ وقْتِهَا، أَوْ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا.
مفردات الحديث
- نصب ذراعه: ينام على يده لئلا يستغرق في النوم.
- عرّس: نزل للاستراحة والنوم.
فوائد الحديث
- استحباب النوم على الشق الأيمن.
- الاحتياط للصلاة إذا احتاج للنوم قبلها.
- يجوز النوم قبل دخول وقت الصلاة ما دام عازما على ألّا تفوته وأخذ بالأسباب التي توقظه، فإن غلب على ظنّه أنّه لن يقوم فلا يجوز له النوم قُبيل الوقت.
- أنّ الإنسان يعطي نفسه حظها من الراحة ولا ينسى عبادة ربه.
- أنّ من نام آخر اللّيل فإنّه لا ينام نومة المطمئن بل نومة المستيقظ لئلا تفوته صلاة الفجر.
964
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ، فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- الدّلجة: السير في اللّيل.
- تطوى بالليل: كناية عن سرعة السير، لأنّ الدواب تكون أنشط لبرودة الليل.
فوائد الحديث
- استحباب السير ليلًا في السفر، وخاصةً آخر الليل إذا كان أعون على النشاط وقطع المسافات.
- أنّ الأرض تُطْوَى للمسافر إذا سافر في اللّيل، فيقطع في اللّيل ما لا يقطعه في النهار.
965
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ أَبي ثَعْلَبةَ الخُشَنِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ النَّاسُ إذا نَزَلُوا مَنْزلًا تَفَرَّقُوا في الشِّعابِ والأَوْدِيَةِ، فقالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ تَفَرُّقَكُمْ في هَذِهِ الشِّعابِ وَالأوْدِيةِ إِنَّما ذَلِكُمْ منَ الشَّيْطَانِ!»
فَلَمْ ينْزِلُوا بعْدَ ذلكَ مَنْزلًا إِلاَّ انْضَمَّ بَعضُهُمْ إلى بعْضٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
مفردات الحديث
- منزلًا: مكانًا في سفرهم.
- الشّعاب: جمع شعب وهو الطريق في الجبل.
- من الشيطان: من وسواسه وإغوائه.
فوائد الحديث
- استحباب الاجتماع في السفر ليحصل التعاون والأنس، لأن السفر مظنة الوحشة والغربة.
- كراهية الانفراد في المنزل في السفر.
966
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ سَهْلِ بنِ عَمْرٍو -وَقيلَ: سَهْلِ بنِ الرَّبيعِ بنِ عَمرٍو الأنْصَاريِّ المَعرُوفِ بابنِ الحنْظَلِيَّةِ، وهُوَ منْ أهْلِ بَيْعةِ الرِّضْوَانِ-، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: مرَّ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ ببطْنِهِ فقالَ: «اتَّقُوا اللّهَ في هذهِ البهَائِمِ المُعْجَمَةِ، فَارْكبُوهَا صَالِحَةً، وكُلُوها صالِحَةً»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- لحق ظهره ببطنه: كناية عن شدة هزاله.
- المعجمة: أي لا تتكلم فتفصح عن ألمها.
- صالحة: أي إذا كانت تطيق الركوب وتطيب للأكل.
فوائد الحديث
- الحثّ على الرفق بالحيوان والدواب، وعدم إرهاقها لأنّها تتألم ولا تتكلم.
- المحافظة على الأموال وعدم إتلافها.
967
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ أبي جعْفَرٍ عبْدِ اللّهِ بنِ جعْفَرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَرْدفَنِي رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، وَأسَرَّ إِليَّ حدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أحَدًا مِنَ النَّاسِ، وكانَ أَحبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ. يَعْني: حَائِطَ نَخْلٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ هكذا مُخْتصَرًا. • وزادَ فِيهِ البَرْقانيُّ بإِسنادِ مُسْلِمٍ بَعْدَ قوْلِهِ: حائِشُ نَخْلٍ: فَدَخَلَ حَائطًا لِرَجُلٍ منَ الأَنْصارِ، فإذا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأى رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جرْجرَ وذَرفَتْ عَيْنَاهُ، فأَتَاهُ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَمَسَحَ سَرَاتَهُ -أَيْ: سَنامَهُ- وَذِفْرَاهُ، فَسكَنَ، فقالَ: «مَنْ رَبُّ هذا الجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الجَمَلُ؟» فَجاءَ فَتًى مِنَ الأَنصَارِ فقالَ: هٰذا لي يا رسولَ اللّهِ، فقالَ: «أَفَلا تَتَّقِي اللّهَ في هذِهِ البَهيمَةِ الَّتي مَلَّكَكَ اللّهُ إيَّاهَا؟ فإنَّهُ يَشْكُو إِليَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ»
ورَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ كرِوايَةِ البَرْقانيِّ
مفردات الحديث
- أردفني: أركبني خلفه.
- لا أحدث به: الظاهر أنه ليس من التشريع العام وإلّا لم يجز له إخفاؤه.
- لحاجته: عند قضائها.
- هدف: ما ارتفع من الأرض.
- الحائط: البستان من النخيل.
- جرجر: ردد صوتًا في حلقه عند الضجر.
- ذرفت: سال منها الدمع.
- سراته: سراة كل شيء ظهره وأعلاه.
- ذِفْرَاهُ: المَوْضِعُ الَّذِي يَعْرَقُ مِنَ البَعِيرِ خلْفَ الأُذُنِ.
- ربّ الجمل: صاحبه.
- تُدْئِبُهُ: أَيْ تُتْعِبُهُ.
فوائد الحديث
- جواز الإرداف على الدابة إن كانت تطيقه.
- الدواب نعمة من اللّهِ عزّ وجلّ فينبغي شكرها بإطعامها والرفق بها.
- معجزة النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بشكوى العجماوات إليه وفهمه حالها.
- استحباب إرشاد الناس إلى الإحسان لمخلوقات اللّهِ تعالى.
968
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ أَنسٍ رَضيَ اللّهُ عنْهُ قالَ: كُنَّا إِذا نَزَلْنَا مَنْزِلًا، لا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلَّ الرِّحَالَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسنادٍ على شَرْطِ مُسْلِمٍ .
مفردات الحديث
- لا نُسَبِّحُ: أَيْ لا نُصلِّي النَّافِلَةَ، ومَعْناهُ: أَنَّا كُنَّا مَعَ حِرْصِنا على الصَّلاةِ لا نُقَدِّمُها عَلى حطِّ الرِّحالِ وإرَاحةِ الدَّوابِّ.
- نحلّ الرحال: أي نضعها عن ظهور الدواب، والرحال: الأحمال وهو ما يعد للرحيل من أمتعة ومركب وغيره.
فوائد الحديث
- استحباب إراحة الدواب وكراهة ترك الأمتعة عليها أثناء الاستراحات.
- مشروعية التنفل في السفر.
969
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ أَبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: بيْنَما نَحْنُ في سَفَرٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ على رَاحِلةٍ لهُ، فَجعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فقالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ على منْ لا ظَهْرَ لهُ، ومَنْ كانَ لهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا زَادَ لهُ»
فَذَكَرَ مِنْ أَصْنافِ المالِ ما ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حقَّ لأحَدٍ مِنَّا في فضْلٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يصرف بصره: يقلبه، ينظر من يتوسم فيه الإعانة.
- فضل ظهر: مركوب زائد عن حاجته، والظهر: الإبل التي تركب ويحمل عليها، ويلحق بها وسائل النقل المعاصرة.
- فليعد به: يقال: عاد فلان بمعروفه، وذلك إذا أحسن ثم زاد.
- فضل زاد: ما زاد من الطعام.
- أصناف المال: أنواع ما يتمول غير المركوب والطعام.
- حتّى رأينا: ظننّا.
- لا حقّ لأحد: لا استحقاق لأحد.
- فضل: شيء زائد على حاجته.
فوائد الحديث
- الحثّ على التعاون وتحقيق التكافل بين المسلمين وخاصة في الأزمات، ويصبح فرض كفاية على المسلمين عامة وعلى القادرين منهم خاصة.
- لا يقتصر التعاون على الطعام والشراب، بل هو عام وشامل يتناول جميع مرافق الحياة الضرورية.
970
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنْ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : أَنَّهُ أَرادَ أَنْ يَغْزُوَ، فقالَ: « يا معْشَرَ المُهَاجِرِينَ والأنصارِ، إِنَّ مِنْ إخوَانِكُمْ قَوْمًا ليْسَ لهُمْ مَالٌ وَلا عشِيرَةٌ، فَلْيَضُمَّ أَحَدُكُمْ إِليْهِ الرَّجُلَيْنِ أو الثَّلاثَةَ، فمَا لأحدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يحْمِلُهُ إلاَّ عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ» يعْني: أَحَدِهِمْ. قالَ: فَضَممْتُ إليَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً، وَما لي إلَّا عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ أَحَدِهمْ مِنْ جَمَلِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ.
مفردات الحديث
- معشر: القوم وجماعة.
- عشيرة: قبيلة تعاونه.
- فليضم إليه: بالإنفاق عليه وإعداد الزاد والمركب.
- عُقبة: أي تعاقب المسافرين على الدابّة، والمقصود التناوب في ركوب الدابة.
فوائد الحديث
- الحثّ على المساعدة في فعل الخير وإعانة الضعيف.
- مبادرة الصحابة إلى طاعة رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، وتنفيذ أوامره من غير تلكؤ.
- إشاعة روح التعاون والتكافل بين المسلمين.
971
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، قالَ: كانَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَخلَّفُ في المسِيرِ، فَيُزْجِي الضَّعيفَ ، ويُرْدِفُ ويدْعُو لهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسنادٍ حسنٍ.
مفردات الحديث
- يتخلّف في المسير: يتأخّر ويسير آخر الناس في السفر.
- يزجي: يسوق ويدفع برفق.
- يُردف: يُركب خلفه.
فوائد الحديث
- استحباب تفقد الأمير للنّاس وتشجيعه الضعيف منهم وإعانته المحتاج، وذلك لكل مسلم.
- الحثّ على تعهد الراعي لرعيته وتفقده لهم.
- تواضع النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم واهتمامه بأصحابه ورعايته لهم.
- الدعاء لمن كان لديه ضعف أو قصر همة رجاء أن يصل لمطلوبه.
972
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنِ ابنِ عمرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إِذا اسْتَوَى عَلَى بعِيرهِ خَارجًا إِلى سفَرٍ كَبَّرَ ثلاثًا، ثُمَّ قالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ في سَفَرِنَا هذا البِرَّ والتَّقوى، ومِنَ العَمَلِ ما تَرْضى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ علَيْنا سفَرَنَا هذا وَاطْوِ عنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ في الأهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وعْثَاءِ السَّفَرِ، وكآبةِ المنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقلَبِ في المالِ والأهْلِ والولد» وإِذا رجَعَ قَالَهُنَّ وزادَ فيِهنَّ: «آيِبونَ تَائِبونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- كبّر: قال: الله أكبر.
- مُقْرِنِينَ: مُطِيقِينَ.
- البرّ: الخير والفضل.
- هون علينا سفرنا: خفف عنا مشقته.
- واطْو عنّا بعده: هيئ لنا أسباب قطعه بزمن قصير.
- الصاحب: الملازم بالعناية والحفظ.
- الخليفة: من يخلف غيره وينوب عنه.
- أعوذ: أعتصم وأستجير.
- وَعْثاء: أي الشِّدَّة.
- كآبَة: تَغَيُّرُ النَّفسِ مِنْ حُزْنٍ ونحْوِهِ.
- المُنْقَلَب: المرْجِعُ.
- آيبون: راجعون.
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء المذكور عند الذهاب والإياب من السفر، لأن السفر مظنة التقصير وحصول ما يستعاذ منه.
- الإقبال على اللّهِ عزّ وجلّ و رجاؤه منه التسهيل والخير والتوفيق، وشكره على ما وفقه إليه من نعم.
- شكر اللّهِ وتمجيده عند استعمال نعمه سبحانه.
- استحباب الدعاء عند ركوب أيّ دابّة، فيشمل كلّ مركوب في أيّ زمن.
973
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ عبدِ اللهِ بنِ سرْجِسَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِذَا سَافرَ يَتَعوَّذُ مِنْ وعْثاءِ السَّفـَرِ، وكآبَةِ المُنْقَلَبِ، والحَوْرِ بعْدَ الكَوْنِ، ودعْوَةِ المظْلُومِ، وسُوءِ المنْظَرِ في الأهْلِ والمَالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • وفي رواية للتِّرْمِذِيِّ، والنَّسَائِيِّ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: الحور بعد الكَوْر بِالرَّاءِ، وَكِلاهُما لهُ وجْهٌ.
مفردات الحديث
- يتعوّذ: أي يستجير باللّه ويلوذ به.
- وعثاء السفر: شدّته.
- كآبة المنقلب: كل ما يورث الحزن والهمّ عند العودة إلى الأهل.
- الحور بعد الكون: النقصان بعد الزيادة، وقيل فساد الأمور.
- الكون أو الكور: بِالنُّونِ وَالرَّاءِ جميعًا معناه: الرُّجُوعُ مِنَ الاسْتِقَامَةِ والطاعة إِلى النَّقْص والمعصية.
فوائد الحديث
- استحباب الاستعاذة مما ذكر، لأنّ السفر مظنّة حصولها.
- التحذر من الظلم ابتداءً، ومن التعرّض لأسبابه.
- الحثّ على ردّ المظالم قبل السفر، لأنّ المظلوم قد يدعو فتستجاب دعوته في السفر فيكون ضررها أشدّ.
974
باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.
عَنْ علِيِّ بنِ رَبيعَةَ قالَ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِدابَّتِهِ لِيَرْكَبَهَا، فلمّا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللّهِ، فلَمَّا اسْتَوَى على ظَهْرِهَا قالَ: الحْمدُ للّهِ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هذا، وما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وإنَّا إلى ربِّنَا لمُنْقلِبُونَ، ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ للّهِ، ثَلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ قالَ: اللّهُ أَكْبرُ، ثَلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ قالَ: سُبْحانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لي فإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقِيلَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنينَ، مِنْ أَيِّ شَيءٍ ضَحِكْتَ؟ قالَ: رأَيتُ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعلَ كَمَا فَعلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: يا رسولَ اللّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قالَ: «إِنَّ رَبَّكَ سُبْحانَهُ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدهِ إذَا قالَ: اغْفِرْ لي ذُنُوبي؛ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يغْفِرُ الذَّنُوبَ غَيْرِي»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ، وقيل: حسن صحيح
مفردات الحديث
- الرِّكاب: ما يضع الراكب رجله فيه من السرج ليستعين به على الركوب.
- ظلمت نفسي: بعدم شكري لنعمك الكثيرة والقيام بحقّك.
- ربّك يعجب: المراد بتعجّب اللّه رضاه عن عبده.
فوائد الحديث
- استحباب التسمية عند الركوب عملًا بعموم الأحاديث.
- الإكثار من حمد اللّهِ تعالى وتعظيمه وتنزيهه عند التمتّع بوافر نعمه.
- الإكثار من الاستغفار وخاصة عند مقارنة التقصير بمزيد فضل اللّهِ سبحانه.
- سعة رحمة اللّهِ عزّ وجلّ، وحرص النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم على نجاة المسلمين.
- مدى اقتداء الصحابة رَضِيَ اللّهُ عَنْهُم بالنّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
975
باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه
عنْ جابرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا إِذا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وإِذا نَزَلْنَا سبَّحْنَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- صعدنا: علونا مرتفعًا.
- نزلنا: أي هبطنا منخفضًا.
- سبَّحنا: قلنا سبحان اللّه.
فوائد الحديث
- استحباب تكبير المسافر عند صعود مرتفع تذكيرًا بعلوّ اللّه تعالى وعظمته على كل شيء.
- استحباب تسبيح المسافر عند النزول تنزيهًا للّه تعالى عمّا لا يليق به من النقص عند حصول ما يشعر بالدنو.
- ينبغي للمسلم أن يكون ذاكرًا للّه تعالى في كل أحواله، في سفره وحضره كما هو حال رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
976
باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه
عَنِ ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: كانَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجيُوشُهُ إِذا علَوُا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإذا هَبطُوا سَبَّحُوا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- علوا الثنايا: الثنايا جمع ثنية، وهي الطريق في الجبل.
- هبطوا: نزلوا.
فوائد الحديث
- مشروعية التكبير والتسبيح عند صعود مرتفع ونزول منخفض.
- أنّ التكبير والتسبيح عند الصعود والنزول خاص بالمسافر فلا يصح أن يفعله الإنسان في الحضر.
977
باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه
عَنِ ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا قَفَلَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ كُلَّما أَوْفى عَلى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: «لَا إِلٰهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحمْدُ، وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عابِدُونَ ساجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللّهُ وَعْدَهُ، وَنَصرَ عبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وحْدَهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي رِوَايَةٍ لمُسْلِمٍ: إِذا قَفَل مِنَ الجُيُوشِ أوِ السَّرَايا أَوِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ
مفردات الحديث
- قفل: رجع.
- أَوْفَى: أَي ارْتَفَعَ.
- فَدْفَدٍ: هُوَ الغَلِيظُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ.
- وعده: ما وعد به المؤمنين.
- عبده: النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
- هزم: خذل.
- الأحزاب: هم قريش ومن معها من القبائل الذين تجمعوا لقتال النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في غزوة الأحزاب.
- آيبون: جمع آيب أي راجع.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الذكر عند الصعود، توحيدًا للّه تعالى وشكرًا له على إعزازه، واعترافًا له بفضله، وتجديد العهد على الطاعة والعبادة والتوبة.
- استحباب الدعاء عند الرجوع من السفر.
978
باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه
عَنْ أَبي هُريرةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رجُلًا قالَ: يا رسُولَ اللّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسافِرَ فَأَوْصِنِي، قالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللّهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلى كُلِّ شَرَفٍ» فَلَمَّا ولَّى الرَّجُلُ قالَ: «اللَّهُمَّ اطْوِ لهُ البُعْدَ، وَهَوِّنْ عَليْهِ السَّفرَ»
رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- عليك: أي الزم.
- شرف: مكان عال.
- ولَّى: أدبر، ذهب.
فوائد الحديث
- حرص الصحابة على طلب الوصيّة من الرسول صلّى اللّهُ عليه وسلّم ليرشدهم إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة.
- مشروعيّة طلب المسافر ممّن يثق بعلمه وفضله النصح والدعاء.
- وصيّة المسافر بتقوى اللّه عزّ وجلّ وتعليمه آداب السفر.
- الدعاء للمسافر بما يفيده في سفره ويبعد عنه المشقة.
- مشروعيّة تكبير المسافر إذا صعد في المكان العالي كالتلّة أو الجبل.
- دعاء النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم لأصحابه دليل على رأفته ورحمته بهم.
979
باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه
عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَريِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَكُنَّا إذا أَشْرَفْنَا على وَادٍ هَلَّلْنَا وكَبَّرْنَا ارْتَفَعتْ أَصْوَاتُنَا، فقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ، فَإنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، إنَّهُ مَعَكُمْ، إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أشرفنا: علونا وارتفعنا.
- هللنا: قلنا لا إلٰه إلّا اللّه.
- ارْبَعُوا: أَي ارْفُقُوا بأَنْفُسِكُمْ.
فوائد الحديث
- استحباب التهليل والتكبير عند الصعود على مكان عالٍ، وعدم المبالغة برفع الصوت في ذلك.
- إشفاق النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم على أصحابه.
- قرب اللّهِ تعالى من عباده المؤمنين وأنّه سميع لهم.
- التزام الصحابة رضوان اللّهِ تعالى عليهم بأمر النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
980
باب استحباب الدّعاء في السّفر
عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتجَابَاتٌ لا شَكَّ فِيهنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلى وَلَدِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبي دَاوُودَ: «على وَلَدِهِ».
مفردات الحديث
- لا شك فيهن: أي في استجابة اللّهِ عزّ وجلّ لهذه الدعوات.
فوائد الحديث
- استحباب دعوة المسافر لنفسه ولغيره، فإن دعوته مستجابة.
- التحذير من الظلم وعقوق الوالدين، واتقاء دعوة المظلوم والوالد فإنها لا ترد.
981
باب ما يدعو إذا خاف ناسًا أو غيرهم.
عنْ أَبي مُوسَى الأشعريّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا خَافَ قَوْمًا قالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، ونعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والنَّسَائِيُّ بإسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- نحورهم: جمع نحر وهو موضع الذبح من الحلق، والمعنى ندعوك أن تجعل عونك وقاية لنا فترد عنا كيدهم إلى نحورهم.
فوائد الحديث
- الالتجاء إلى اللّهِ تعالى عزّ وجلّ، والاستنصار والاعتصام به عند كل ضائقة واضطرار أو توقع أذى لا يُستطاع دفعه.
- الدعاء بهذا الدعاء عند توقع شر ظالم أو غيره.
- ذكر اللّه تعالى يذهب الخوف من القلب ويحصل به الأمان.
982
باب ما يقال إذا نزل منزلًا
عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ نَزلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- كلمات اللّهِ: قيل المراد بها القرآن.
- التّامّات: التي لا يدخلها نقص ولا عيب.
- من شرّ ما خلق: أي ممّا هو ذو شر من الإنس والجنّ والحيوان.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الدعاء عند كل نزول في سفر أو غيره، ليلًا كان أو نهارًا.
- أهمّيّة الذكر في دفع الضرر عن الإنسان.
983
باب ما يقال إذا نزل منزلًا
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: كانَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا سَافَرَ فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ قَالَ: «يَا أَرْضُ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللّهُ، أَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ شرِّكِ وشَرِّ ما فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ، أَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ شَرِّ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ، ومِنَ الحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ البَلَدِ، ومِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- فأقبل اللّيل: أي جاء اللّيل ونزل رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم منزلًا.
- ما فيك: من المؤذيات.
- ما يدبّ: ما يمشي ويتحرك من الحيوانات والحشرات ممّا فيه ضرر.
- الأسود: قيل الشَّخْصُ وقيل الحيّة العظيمة الّتي فيها سواد.
- سَاكِن الْبَلَد: هُمُ الجِنُّ الَّذِينَ همْ سُكَّانُ الأرْضِ.
- ومن وَالِد: أي إِبْلِيس.
- وَمَا وَلَد: أي الشَّيَاطِين.
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء بهذه الكلمات عند النزول وخاصّة في اللّيل، لأنّه مظنّة الأذى أكثر من النهار بسبب استتار المؤذيات المذكورة في ظلمته.
- اللجوء إلى اللّهِ عزّ وجلّ والاستعاذة به من كل شرّ.
984
باب استحباب تعجيل المسافر في الرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمِ قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعامَهُ وشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- قطعة من العذاب: لما فيه من المشقة مع فراق الأحباب.
- يمنع أحدكم: أي يمنع السفر كمال اللذة فيما ذكر.
- نهمته: حاجته ومقصوده من السفر.
فوائد الحديث
- الحثّ على الرجوع إلى الأهل بعد انتهاء الغرض من السفر ولا يتأخر عنهم.
- لا ينبغي لأحد أن يتغرب ويبتعد عن أهله لغير حاجة لاسيما من يخشى عليهم الضياع في الغيبة.
985
باب استحباب القدوم على أهله نهارًا وكراهته في الليل لغير حاجة
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُم الغَيْبَةَ فَلا يطْرُقَنَّ أَهْلَهُ لَيْلًا». • وفي روايةٍ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- يطرقنّ: أي المجيء في الليل.
فوائد الحديث
- يستحب لمن رجع من السفر أن يخبر أهله قبل قدومه ولا ينبغي أن يباغتهم ليلًا بغير علمهم.
- قيل من الحِكم في ذلك لربما جاء الرجل إلى أهل بهذه الطريقة مفاجأة فيدخل في نفسه شيء، أو أن يقع في قلب زوجته أنه يسيء بها الظن.
986
باب استحباب القدوم على أهله نهارًا وكراهته في الليل لغير حاجة
عَنْ أنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كانَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلًا، وكانَ يَأْتِيهِمْ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- يطرق: المَجِيءُ في اللَّيْلِ.
- غدوة: أول النهار.
- عشية: من صلاة المغرب إلى العتمة.
فوائد الحديث
- مراعاة الحالة النفسية للأهل و الاستعداد لحسن اللقاء، فتتهيأ الزوجه لاستقبال زوجها اي تمتشط الشعثاء.
- الإرشاد للسلوك القويم الذي يحفظ للمسلم صورته التي يحب أن يلقى بها أهله.
- أدب النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في الرجوع من السفر.
987
باب ما يقال إذا رجع وإذا رأى بلدته
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، حَتَّى إذا كُنَّا بِظَهْرِ المَدِينَةِ قَالَ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ»
فَلَمْ يزَلْ يقولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا المَدِينَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- بظهر المدينة: أي في مكان تظهر فيه المدينة على القادم، والمراد مدينة النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الذكر والإكثار منه عند الوصول إلى الوطن لما فيه من التعبير عن مقابلة نعمة السلامة بالعزم على التوبة والطاعة والشكر.
- المداومة على ذكر الله تعالى.
988
باب استحباب ابتداء القادم بالمسجد الّذي في جواره وصلاته فيه ركعتين
عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ : أَنّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بالْمَسْجِدِ فَركَعَ فِيهِ رَكْعتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- استحباب صلاة القادم من سفر ركعتين في أقرب مسجد لبيته قبل الذهاب إليه.
- قيل من الحِكم في ذلك افتتاح مقامه في بلده بعبادة اللّهِ تعالى.
- فيه شكر اللّه على العودة من السفر سالمًا.
989
باب تحريم سفر المرأة وحدها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلّا مَعَ ذِي مَحْرمٍ عَلَيْهَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- مسيرة يوم وليلة: أي مسافة تُقطع بالسير يومًا وليلة.
- مع ذي محرم: وهو من لا يحل له زواجها مطلقًا كأبيها وابنها وأخيها وابن أخيها وابن أختها ومن في حكمهم من الرضاع، وكذا زوج ابنتها المدخول بها، ومثل المَحرم الزوج في جواز السفر معه.
فوائد الحديث
- مراعاة الإسلام لضعف المرأة وحرصه على سلامتها من كل ما يخدش كمالها.
- أنّه يشترط للمرأة في السفر أن يكون لها رفيق من محارمها كــزوجها وأخيها.
- لا يجوز للمرأة السفر من غير محرم إلّا لضرورة كمن مرضت مرضًا خطيرًا ولا علاج له في بلدها وليس لديها محرم فإنها تسافر حتى لا تهلك.
990
باب تحريم سفر المرأة وحدها
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ إِلّا ومَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلاَ تُسَافِرُ المَرْأَةُ إِلّا معَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللّهِ إنَّ امْرَأَتِي خَرجَتْ حَاجَّةً، وإِنِّي اكْتُتِبْتُ في غَزْوةِ كَذَا وكَذَا؟ قَالَ: «انْطلِـقْ فَحُجَّ مَعَ امْرأَتِكَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا يخلونّ: أي لا ينفرد.
- اكْتُتِبْتُ: كتبت نفسي في أسماء من عيّن لتلك الغزوة.
فوائد الحديث
- بيان عناية الإسلام بالنساء والمحافظة عليهن، وعدم تعريضهن للريبة أو الاعتداء عليهن.
- تحريم الخلوة بالمرأة التي ليست من المحارم، لأنّها مظنّة الريبة وطريق إلى الفاحشة.
- كتاب الفضائل
991
باب فضل قراءة القرآن
عنْ أَبي أُمامَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: سمِعتُ رسولَ اللّهِ ِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ؛ فإِنَّهُ يَأْتي يَوْمَ القيامةِ شَفِيعًا لأصْحابِهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- شفيعًا: أي شافعًا طالبًا المغفرة لأصحابه.
- لأصحابه: أي القارئين له والعاملين بأحكامه وهديه.
فوائد الحديث
- بيان فضل تلاوة القرآن.
- أنّ القرآن يشفع لقارئه العامل بما فيه يوم القيامة.
992
باب فضل قراءة القرآن
عَنِ النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: سمِعتُ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: «يُؤْتَى يوْمَ القِيامةِ بالْقُرْآنِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يعْمَلُونَ بِهِ في الدُّنيَا تَقْدُمهُ سُورَةُ البقَرَةِ وآلِ عِمْرَانَ، تُحَاجَّانِ عَنْ صاحِبِهِمَا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- تقدمه: أي تتقدمه.
- تحاجان: أي تجادلان.
- عن صاحبهما: أي التالي لسورة البقرة وآل عمران مع التدبر والعمل.
فوائد الحديث
- بيان فضل تلاوة القرآن، وفضل تلاوة سورتي البقرة وآل عمران.
- أن سورتي البقرة وآل عمران تجادلان عن التالي لهما العامل بهما والتارك لما تنهيان عنه.
993
باب فضل قراءة القرآن
عَنْ عُثمانَ بنِ عفَّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «خَيرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعلَّمهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
فوائد الحديث
- بيان فضل تعلّم القرآن الكريم وتجويده كلّه أو بعضه.
- بيان فضل تعليم القرآن مع الإخلاص في ابتغاء رضاء اللّه تعالى.
- أهمية العمل بما في كتاب اللّهِ من الأحكام والآداب والأخلاق.
994
باب فضل قراءة القرآن
عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللّهُ عنْهَا قالتْ: قال رسولُ اللّهِ ِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الَّذِي يَقرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ ماهِرٌ بِهِ معَ السَّفَرةِ الكرَامِ البررَةِ، والَّذِي يقرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَليْهِ شَاقٌّ لهُ أجْرانِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- ماهر به: أي يجيد تلاوته ويطبق أحكام تجويده.
- السفرة: الملائكة، لأنهم يسفرون إلى الرسل برسالات ربهم، أو الملائكة الكتبة الَّذِين يحصون الأعمال، لأنهم بكتابتهم سفرة بين الله تعالى وخلقه.
- الكرام: لأنهم مطهرون من دنس المعاصي.
- البررة: أي المطيعين، من البرّ وهو الطاعة والإحسان.
- يتتعتع: أي يعيا بكلامه، ويتردّد في قراءته، ويثقل على لسانه لضعف حفظه.
فوائد الحديث
- فضل من يجيد ويتقن تلاوة القرآن الكريم وأنّه مع السفرة الكرام البررة.
- أنّ من يتتعتع في قراءة القرآن وهو ثقيل على لسانه له أجران، أجر على قراءته وأجر على مجاهدته في القراءة.
995
باب فضل قراءة القرآن
عَنْ أَبي مُوسى الأشْعرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يقْرَأُ القرآنَ مثلُ الأُتْرُجَّةِ: ريحُهَا طَيِّبٌ وطَعمُهَا طَيِّبٌ، ومثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمثَلِ التَّمْرَةِ: لا رِيحَ لهَا وطعْمُهَا حُلْوٌ، ومثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القرْآنَ كَمثَلِ الرِّيْحَانَةِ: رِيحُها طَيّبٌ وطَعْمُهَا مرُّ، ومَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القرآنَ كَمَثلِ الحَنْظَلَةِ: لَيْسَ لَها رِيحٌ وَطَعمُهَا مُرٌّ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الأترجة: ضرب من الثمار منظرها جميل وريحها طيب، كالبرتقال والتفاح والشمام.
- الريحانة: كل بقلة طيبة الريح، كالورد والريحان والياسمين.
- الحنظلة: نوع من النبات، ثمره يضرب المثل بمرارته.
فوائد الحديث
- أنّ حامل القرآن العامل به في درجة عالية، وذِكره حسن عند اللّهِ والناس.
- المؤمن الَّذِي لا يقرأ القرآن طيب عند اللّهِ والناس.
- المنافق الذي يقرأ القرآن حسن الظاهر خبيث الباطن.
- المنافق الذي لا يقرأ القرآن خبيث الظاهر والباطن.
996
باب فضل قراءة القرآن
عَنْ عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّ اللّهَ يرفَعُ بِهذَا الكتابِ أَقْوَامًا، ويضَعُ بِهِ آخَرينَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يضع: يخفض.
فوائد الحديث
- الحثّ على الاهتمام بكتاب اللّهِ تعالى تلاوة وفهمًا وحفظًا وعملًا، لأنّ من تمسك بذلك عظم ذكره، ومن أعرض عنه وأهمله سقط وخسر.
- أن من عمل بهذا القرآن وصدّق خبَره، وائتمر بأمره واجتنب نهيه، واهتدى بهديه، وتخلق بأخلاقه، فإنّ اللّه تعالى يرفعه به في الدنيا والآخرة.
997
باب فضل قراءة القرآن
عَنِ ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «لا حَسَدَ إِلّا في اثنَتَيْنِ: رجُلٌ آتَاهُ اللّهُ القُرْآنَ، فهوَ يقومُ بِهِ آناءَ اللَّيلِ وآنَاءَ النَّهَارِ، وَرجُلٌ آتَاهُ اللّهُ مالًا، فهُوَ يُنْفِقهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهارِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا حسد: الحسد هنا بمعنى الغبطة، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن تزول عن غيره تلك النعمة.
- آتاه القرآن: أي وفَّقَه اللّهُ لحفظه وفهمه.
- يقوم به: يقرأه في الصلاة أو يداوم على تلاوته مطلقًا، ويدخل في القيام بالقرآن العمل بأحكامه.
- آنَاء: ساعَات من اللّيل والنهار، والمراد الانشغال بالقرآن والصدقة في كل الأوقات.
فوائد الحديث
- فضل تلاوة القرآن الكريم وحفظه والقيام به مع التدبر والتفكر، وامتثال أوامره ونواهيه والحثّ على ذلك.
- فضل إنفاق المال في وجوه الخير.
998
باب فضل قراءة القرآن
عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قال: كَانَ رَجلٌ يَقْرَأُ سُورةَ الكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوط بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو، وجعلَ فَرَسُهُ ينْفِرُ مِنْها، فَلَمَّا أَصْبحَ أَتَى النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَذَكَرَ ذٰلِكَ لهُ، فقال: «تِلكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلتْ لِلْقُرآنِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بشطَنين: الشّطن هو الْحَبْل.
- فتغشّته سحابة: أي علَته وظلَّلته سحابة.
- السّكينة: شيء من مخلوقات اللّهِ تعالى فيها طمأنينة ورحمة ومعها الملائكة.
فوائد الحديث
- فضيلة قراءة القرآن وأنّها سبب نزول السكينة والرحمة وحضور الملائكة عند قراءته.
- فضل تلاوة سورة الكهف.
- أنّ الأولياء لهم كرامات، لكن ليس لكل ولي كرامة، إنّما يؤتي اللّه بعض أوليائه كرامة تثبيتًا له وتصديقًا لما كان عليه من الحقّ.
999
باب فضل قراءة القرآن
عَنِ ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قال رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ قرأَ حرْفًا مِنْ كتابِ اللّهِ فلَهُ حَسَنَةٌ، والحسنَةُ بِعَشْرِ أَمثَالِهَا، لاَ أَقولُ: الۤمۤ حَرفٌ، وَلكِنْ: أَلِفٌ حرْفٌ، ولامٌ حرْفٌ، ومِيمٌ حرْفٌ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
فوائد الحديث
- ثواب قارئ القرآن كبير لا يعلم مقداره إلّا اللّه عزّ وجلّ.
- أنّ لقارئ القرآن بكل حرف من كل كلمة يتلوها حسنة واللّه يضاعف لمن يشاء.
1000
باب فضل قراءة القرآن
عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إنَّ الَّذِي لَيْسَ في جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرآنِ كالبيتِ الخَرِبِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- ليس في جوفه: أي لا يحفظ من القرآن شيئًا.
- كالبيت الخرب: أي الخالي من الخير والسكّان.
فوائد الحديث
- تأكيد طلب حفظ القرآن وكثرة تلاوته، لأنّ حامل القرآن مملوء بالخير ومغمور بالإحسان.
- التحذير من هجر القرآن.
1001
باب فضل قراءة القرآن
عَنْ عبدِ اللّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «يُقَالُ لِصاحبِ الْقُرَآنِ: اقْرأْ وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَما كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا، فَإنَّ منْزِلَتَكَ عِنْد آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤها»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- صاحب القرآن: أي حافظه، أو حافظ بعضه، الملازم لتلاوته مع التدبر لآياته والعمل بأحكامه والتأدب بآدابه.
- اقرأ وارتق: اقرأ واصعد إلى درجات الجنّة أو مراتب القرب.
- ورتل: أي اقرأ في الجنّة لمجرد التلذذ، إذ لا تكليف ولا عمل هناك.
فوائد الحديث
- أنّ لصاحب القرآن درجات في الجنّة بعدد ما يحفظ منه.
- الحضّ على تلاوة آيات القرآن والإكثار منها مع التدبر والتأمل والعمل.
- الحثّ على ختم القرآن، والترغيب في حفظه، والتأدب بآدابه.
1002
باب الأمر بتعهّد القرآن والتحذير من تعريضه للنِّسيان
عَنْ أَبي مُوسَى رضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «تَعاهَدُوا هذا الْقُرآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ، لهوَ أشدُّ تفلّتًا من الإبلِ في عُقُلِها»
متفق عليه
مفردات الحديث
- تعاهدوا هذا القرآن: واظبوا وحافظوا على تلاوته.
- تفلتًا: تخلصًا، والمقصود عدم الثبوت.
- في عُقلها: جمع عقال، وهو حبل يشد به البعير في وسط الذراع.
فوائد الحديث
- أنّ حافظ القرآن إن تعاهده بالتلاوة مرة بعد أخرى بقي محفوظًا في لوحة قلبه، وإلّا ذهب عنه ونسيه لأنّه أسرع ذهابًا من الإبل.
1003
باب الأمر بتعهّد القرآن والتحذير من تعريضه للنِّسيان
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّمَا مَثَلُ صاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَد عَليْها أَمْسَكَهَا، وإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الإبل المعقّلة: الممسوكة بالعقال أي المشدودة بالحبال.
- أمسكها: أي استمر إمساكه لها.
فوائد الحديث
- تشبيه صاحب القرآن بصاحب الإبل إن عقلها وحافظ عليها أمن تفلتها، وإن تركها ضاعت وتعسر تحصيلها، ووجه الشبه سرعة التفلت والضياع كالإبل.
1004
باب استِحباب تحسين الصّوت بالقرآن وطلب القراءة من حَسَن الصوت والاستماع لها
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: سمِعتُ رسولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: «مَا أَذِنَ اللّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أَذِنَ اللّه: أي اسْتَمَعَ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلى الرِّضَا وَالقَبُولِ.
- يتغنّى: أي يحسّن القراءة والصوت، ويجهر به.
فوائد الحديث
- أنّ اللّه سبحانه وتعالى يعطي الأجر العظيم على حَسَن الصوت يستخدمه في تلاوة القرآن.
- إباحة تحسين الصوت وتطريبه بالقرآن إن لم يؤد إلى التغيير بزيادة حرف أو نقصه.
1005
باب استِحباب تحسين الصّوت بالقرآن وطلب القراءة من حَسَن الصوت والاستماع لها
عَنْ أبي موسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم قالَ لهُ: «لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُودَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي رِوَايةٍ لِمُسْلِمٍ: أنَّ رسولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ لهُ: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ البارِحَةَ».
مفردات الحديث
- أوتيت: أعطيت.
- مزمارًا: أي صوتًا حسنًا ولحنًا طيبًا في قراءة القرآن.
- آل داوود: المراد داوُود نفسه تعظيمًا له.
- لو رأيتني: جواب " لو " محذوف والتقدير لسرك ذلك.
فوائد الحديث
- استحباب تحسين الصوت بالقرآن ضمن حدود قواعد التجويد، لأنّ ذلك يزيد القرآن حلاوة ونفوذًا إلى القلوب، أما إذا كان في ذلك خروج بالقرآن عن وضعه فهو حرام.
1006
باب استِحباب تحسين الصّوت بالقرآن وطلب القراءة من حَسَن الصوت والاستماع لها
عَنِ الْبَرَاءِ بن عازبٍ رَضِيَ اللّهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَرَأَ في العِشَاءِ بِـ والتِّينِ والزَّيْتُونِ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- أنّ النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم كان حسن الصوت بالقراءة، وهذا دليل على أنّ اللّه كمّله بالمحاسن كلها.
- الحثّ على تحسين الصوت بالتلاوة تأسّيا بالنّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
1007
باب استِحباب تحسين الصّوت بالقرآن وطلب القراءة من حَسَن الصوت والاستماع لها
عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بَشِيرِ بنِ عَبْدِ المُنْذِرِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ
مفردات الحديث
- يَتَغَنَّى: يُحْسِّنُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ.
- فليس منا: أي ليس من العاملين بسنّتنا وطريقتنا.
فوائد الحديث
- استحباب تحسين الصوت بقراءة القرآن.
- أنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًـا وتأثيرًا.
1008
باب استِحباب تحسين الصّوت بالقرآن وطلب القراءة من حَسَن الصوت والاستماع لها
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ لي النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى جِئْتُ إلى هذهِ الآيَةِ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاءِ شَهِيدًا قالَ: «حَسْبُكَ الآنَ»
فالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بشهيد: أي شاهدًا يشهد عليها بعملها، وهو نبيها.
- حسبك: يكفيك ذلك.
- تذرفان: تسيل دموعهما.
فوائد الحديث
- استحباب طلب التلاوة من حسن الصوت، والاستماع إليه مع التدبر.
- رحمة النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم وشفقته على أمّته.
- التواضع لأهل العلم والفضل ورفع منزلتهم.
1009
باب استِحباب تحسين الصّوت بالقرآن وطلب القراءة من حَسَن الصوت والاستماع لها
عنْ أَبي سعيدٍ رافعِ بنِ المُعلَّى رَضيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ لي رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَلا أُعَلِّمُكَ أَعْظَم سُورةٍ في الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ؟» فأَخَذَ بيدِي، فَلَمَّا أَردْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يا رسُولَ اللّهِ إِنَّكَ قُلْتَ: لأُعَلِّمنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قال: «الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالمِينَ [الفاتحة] هِيَ السَّبْعُ المَثَاني وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
مفردات الحديث
- السّبع: لأنها سبع آيات بالاتّفاق
- المثاني: التي تثنّى وتقرأ في كل ركعة من الصلاة، أي: تُعاد.
- والقرآن العظيم: أي هي المسمّاة بذلك، والحديث تفسير لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: ٨٧]
فوائد الحديث
- أنّ سورة الفاتحة أعظم سورة في كتاب اللّهِ، لأنّها جمعت مقاصد القرآن الكريم واشتملت على مجمل ما جاء مفصلًا في باقي سور القرآن، ففيها مجمل عقيدة التوحيد وعبادة اللّهِ الخالق، والوعد والوعيد والعبرة بقصص الماضين من السعداء والضالين.
1010
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ أَبي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ في: قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ». • وفي رِوَايةٍ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ لأَصْحابِهِ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يقْرَأَ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ في لَيْلَةٍ» فَشَقَّ ذلِكَ علَيْهِمْ وَقالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذلكَ يا رسولَ اللّهِ، فقالَ: «{قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ} ثُلُثُ الْقُرْآنِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
مفردات الحديث
- قل هو اللّه أحد: أي السورة المسماة بأول آية منها، وتسمى سورة الإخلاص.
- والّذي نفسي بيده: يقسم النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم باللّه الذي يملك نفسه تأكيدًا للأمر واهتمامًا به.
- لتعدل ثلث القرآن: أي باعتبار ثواب قراءتها، لاشتمالها على توحيد اللّه تعالى وتعظيمه.
- أيّنا يطيق ذلك: من منّا يستطيع أن يقرأ ثلث القرآن مع التدبر وإعطاء كل حرف حقه من وجوه الأداء.
- الصمد: هو وحده المقصود في الحوائج.
فوائد الحديث
- بيان فضل سورة الإخلاص
- أنّها تعدل ثلث القرآن لاشتمالها على توحيد اللّه.
1011
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ أَبي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا سمِعَ رَجُلّا يَقْرَأُ: قَلُ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ يُردِّدُها، فَلَمَّا أَصْبَحَ جاءَ إِلى رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَذَكَرَ ذٰلكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُل يتَقَالُّهَا، فَقَالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- أصبح: دخل في الصباح.
- يرددها: أي يعيد قراءتها ويكررها.
- يتقالّها: أي يعدها قليلة في العمل والثواب.
- الصّمد: هو الّذي تُقصد إليه حوائج الخلق.
فوائد الحديث
- بيان فضل سورة الإخلاص.
- أنّ سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، أي أنّ أجرها كأجر ثلث القرآن لكنّها لا تجزئ عن قراءة كامل القرآن.
1012
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال في: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ: «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل سورة الإخلاص.
- جواز تسمية السّورة ببعض آياتها.
1013
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رجُلًا قال: يا رسولَ اللّهِ إِنِّي أُحِبُّ هذِهِ السُّورَةَ: قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ قال: «إِنَّ حُبَّها أَدْخَلَكَ الجنَّةَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حديثٌ حسنٌ. ورَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحهِ تَعْليقًا
فوائد الحديث
- فضل سورة الإخلاص، وتأكيد ثواب قراءتها مرة واحدة كثواب قراءة ثلث القرآن في الأجر، وذلك لأنّ علوم القرآن ثلاثة وهي: التوحيد والتشريع والأخلاق، وعلم التوحيد كله في قل هو الله أحد.
1014
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثلُهُنَّ قَطُّ؟ قُلْ أَعُوذُ برَبِّ الفَلَقِ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ألم تر: كلمة تعجب.
- لم ير مثلهنّ: أي لم يوجد آيات كلهن تعويذ غير هاتين السورتين.
- قطّ: هي الأبد الماضي.
- أعوذ: أعتصم وأستجير.
- الفلق: الصبح.
فوائد الحديث
- بيان فضل المعوذتين.
- الحثّ على الاستعاذة باللّه بهاتين السورتين.
1015
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضيَ اللّهُ عَنْهُ قال: كانَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَتَعَوَّذُ مِنَ الجانِّ وَعَيْنِ الإِنْسَانِ، حتَّى نَزَلَتِ المُعَوِّذَتانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا، أَخَذَ بِهِما وتَرَكَ ما سِواهُما. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
مفردات الحديث
- يتعوذ من الجان وعين الإنسان: أي كان النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يعتصم باللّه من أذى الجانّ، ومن أذى عين الإنسان الحاسدة، وكان يصوغ دعاء الاستعاذة بنفسه فيقول: " اللهم إني أعوذ بك من الجانّ وعين الإنسان "؛ إذ لم تكن المعوذتان قد نزلتا بعد.
- حتى نزلت المعوذتان: وهما سورة " الفلق " وسورة " الناس "، وسميتا بالمعوذتين لأن كلًا منهما تبدأ بقوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ.
- أخذ بهما وترك ما سواهما: أي أخذ بهما في التعوذ، لعمومهما لذلك وغيره، وترك ما عداهما من التعاويذ.
فوائد الحديث
- بيان فضل سورة ( الفلق ) وسورة ( الناس )، وقد اختصتا باقتصار النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم عليهما في التعوذ لاشتمالهما على الجوامع في المستعاذ به والمستعاذ منه.
- الاعتصام بالدعاء من أذى الجانّ، ومن عين الإنسان الحاقد الحسود، لعظم ضررهما، وأن المعوذتين هما أنسب وسيلة لذلك.
- إصابة العين واقعة، ولذلك كان النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يتعوذ باللّه منها.
1016
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «مِنَ القُرْآنِ سُورَةٌ ثَلاثُونَ آيَةً شَفعتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وهِيَ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}». رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. • وَفي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُودَ: «تَشْفَعُ».
مفردات الحديث
- شفعت: أي تشفع لقارئها يوم القيامة، والتعبير بالماضي ( شفعت ) لإفادة تحقق الوقوع ترغيبًا فيها.
فوائد الحديث
- بيان فضل سورة الملك والحضّ على حفظها وتلاوتها وأنّها تشفع لقارئها حتى يغفر له.
- إثبات الشفاعة للقرآن.
1017
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
وَعَنْ أَبي مسْعُودٍ البدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «منْ قَرَأَ بالآيتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورةِ البقَرةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الآيتان من آخر سورة البقرة: وهما تبدءان بقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ …… إلى آخر السورة.
- كَفَتَاهُ: قِيلَ المَكْرُوهَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقِيلَ كَفَتَاهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ.
فوائد الحديث
- بيان فضل الآيتين من آخر سورة البقرة، وحصول الكفاية بها.
- بيان أن من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه ما أهمه للدنيا والآخرة ودفعتا عنه كل شر.
1018
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِن الْبيْتِ الَّذي تُقْرأُ فِيهِ سُورةُ الْبقَرةِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لا تجعلوا بيوتكم مقابر: أي لا تكن بيوتكم كالمقابر خالية من العمل والقراءة فتكونوا كالموتى في ذلك.
- ينفر: يُعرِض ويبتعد.
فوائد الحديث
- بيان فضل سورة البقرة وأنّ قراءتها مع التدبر والامتثال لما فيها تبعد الشيطان وتصده عن الغواية والإضلال.
- الحثّ على صلاة النافلة في البيت، وإكثار المسلم من العبادات في البيوت.
1019
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥]، فَضَربَ في صَدْرِي وَقَالَ: «لِيهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا المُنْذِرِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- القيوم: قائم بذاته مستغنٍ عن غيره الدائم القيام بشؤون خلقه.
- ليهنك العلم: أي ليكن هنيئًا لك ونافعًا لك ورافعًا لذكرك.
فوائد الحديث
- بيان تفضيل بعض القرآن على بعض.
- أنّ آية الكرسي أعظم الآيات لما تضمنته من المعاني العظيمة والثواب المتعلق بها.
1020
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: وكَّلَني رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمضَانَ، فَأَتَاني آتٍ فَجعلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ، فَأخَذْتُهُ فقُلتُ: لأرَفَعَنَّكَ إِلى رسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قال: إِنِّي مُحتَاجٌ، وعَليَّ عِيَالٌ، وَبِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ رسُولُ اللّهِ صلَّى اللّهُ علَيْه وسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُريْرَةَ، مَا فَعلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟» قُلْتُ: يا رسُولَ اللّهِ شَكَا حَاجَةً وعِيَالًا، فَرحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سبِيلَهُ، فقالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ» فَعرَفْتُ أَنَّهُ سيعُودُ لِقَوْلِ رسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَرصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعنَّكَ إِلى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قالَ: دعْنِي؛ فَإِنِّي مُحْتاجٌ، وعلَيَّ عِيَالٌ، لا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سبِيلَهُ، فَأَصبحتُ، فَقَالَ لي رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَا أَبا هُريْرةَ، ما فَعلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟» قُلْتُ: يا رسُولَ اللهِ شَكَا حاجَةً وَعِيَالًا، فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجاءَ يحْثُو مِنَ الطَّعامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعنَّكَ إِلى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وهَذَا آخِرُ ثَلاثِ مَرَّاتٍ، إِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ! فقالَ: دَعْنِي فَإِنِّي أُعلِّمُكَ كَلِماتٍ ينْفَعُكَ اللّهُ بِهَا، قُلْتُ: ما هُنَّ؟ قالَ: إِذا أَوَيْتَ إِلى فِراشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَليْكَ مِنَ اللّهِ حَافِظٌ، وَلا يقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فقَالَ لي رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «ما فَعلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟» قُلتُ: يا رَسُولَ اللّهِ زَعمَ أَنَّهُ يُعلِّمُنِي كَلِمَاتٍ ينْفَعُنِي اللّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قالَ: «مَا هِيَ؟» قُلْتُ: قالَ لِي: إِذا أَويْتَ إِلى فِرَاشِكَ فَاقرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: ٢٥٥]، وقالَ لِي: لا يَزَالُ علَيْكَ مِنَ اللّهِ حَافِظٌ، وَلَنْ يقْربَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّه قَدْ صَدَقَكَ وَهُو كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاثٍ يا أَبا هُريْرَةَ؟» قُلْتُ: لاَ، قالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- زكاة رمضان: زكاة الفطر.
- يحثو: يأخذ من الطعام بكفيه.
- فرصدته: أي راقبته.
- إذا أويت إلى فراشك: أي أتيت فراشك المعد للنوم.
فوائد الحديث
- بيان فضل آية الكرسي، وأنّها إذا قرئت بإخلاص في بيتٍ، مساءً، حُفِظ من الشياطين في تلك الليلة.
- استحباب قراءة آية الكرسي عند النوم.
1021
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «منْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ». • وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الكَهْفِ»
رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- عصم: حفظ.
- الدجال: هو المسيح الدجال الكذاب، الَّذي يخرج في آخر الزمان، ويكون ظهوره فتنة عظيمة للناس، حيث يدعي الألوهية وتظهر على يديه بعض الخوارق، ولذلك ما أرسل نبي إلا حذر قومه من فتنته.
فوائد الحديث
- أنّ من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف حفظ من فتنة المسيح الدجال، وكذا من حفظ وواظب على قراءة خواتيم الكهف من أول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾[الكهف: ١٠٧] إلى آخرها، ولعل الحكمة في اختيار هذه الآيات ما تبعثه في القلب من قوة الإيمان وعدم التزحزح عنه مهما عظمت الفتنة واشتد البلاء.
1022
باب الحثّ على سور وآيات مخصوصة
عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللّهُ عنْهُمَا قَالَ: بيْنَمَا جِبْرِيلُ عليه السّلام قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَوْمَ، ولَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا اليَوْمَ»، فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: «هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلى الأَرْضِ، لمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلّا اليَوْمَ، فَسَلَّمَ وقالَ: «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتحةِ الكِتَابِ، وَخَواتِيم سُورَةِ البَقَرةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- نقِيضُ: صَوْتُ.
- فرفع رأسه: ظاهر السياق أنّ الضمائر الثلاثة لجبريل، ويؤيد ذلك أنّه أكثر اطلاعًا على أحوال السماء، وقيل بل راجعة للنّبيّ.
- أبشر بنورين: افرح بنورين، لأن كلًا منهما يكون نورًا لصاحبه يوم القيامة يسعى أمامه.
فوائد الحديث
- بيان فضل سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة.
- من قرأ هذين الموضعين بإخلاص أعطاه اللّهُ ما فيهما من الهداية والمغفرة والسعادة في الدنيا والآخرة.
1023
باب استحباب الاجتماع على القراءة
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «ومَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ من بُيوتِ اللّهِ يَتْلُونَ كتابَ اللّهِ، ويتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلتْ علَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وذَكَرَهُمُ اللّهُ فيمَنْ عِنْدَهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- وما اجتمع: هذه قطعة من حديث تقدم بتمامه في باب قضاء حوائج المسلمين.
- يتدارسونه: أي تعهدوه بالقراءة والحفظ لئلا ينسوه، وتفسيرها أن يقرأ الثاني ما قرأه الأول.
- السكينة: الطمأنينة، وهي الحالة التي يطمئن بها القلب.
- غشيتهم الرحمة: عمتهم.
- حفّتهم الملائكة: أحاطت بهم.
- فيمن عنده: أي من الملائكة.
فوائد الحديث
- استحباب الاجتماع في بيوت اللّهِ وتلاوة القرآن ومدارسته، لأنّ ذلك سبب في نزول الطمأنينة وهبوط الرحمة و حضور الملائكة ورضاء اللّه عن المجتمعين وذكرهم في السماء بعملهم المبارك.
- عظيم فضل السعي في طلب العلم.
1024
باب فضل الوضوء
عَنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا محَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يُدْعَون: ينادَون إلى موقف الحساب أو الميزان.
- غرًّا: أي يشع من جباههم النور.
- محجلين: عليهم نور في أماكن الوضوء من أيديهم وأرجلهم.
فوائد الحديث
- بيان فضل الوضوء والأثر المترتب عليه.
- الغرّة والتحجيل من خصوصيات الأمّة المسلمة، ليست لأحد غيرهم.
- استحباب المحافظة على الوضوء وسننه المشروعة.
- قوله: "فَمنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيل غُرَّتَه، فَليفعلْ" من كلام أبي هُرَيْرَةَ على الصحيح من أقوال العلماء.
1025
باب فضل الوضوء
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ خَلِيلِي صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقُولُ: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يبْلُغُ الوُضُـوءُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- خليلي: الخليل: الصديق الذي تخللت محبته إلى القلب.
- الحلية: الزينة.
فوائد الحديث
- الحثّ على إسباغ الوضوء.
- أنّ حلية المؤمن تبلغ في الجنّة المكان الذي يبلغه الوضوء.
1026
باب فضل الوضوء
عَنْ عُثْمَانَ بنِ عفَّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْـسَنَ الوُضُـوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فأحسن الوضوء: أي توضأ وضوءًا مشتملًا على جميع السنن والآداب.
- خرجت خطاياه: المراد بها الذنوب التي هي دون الكبائر.
فوائد الحديث
- أنّ إحسان الوضوء من أسباب المغفرة.
- الحثّ على إسباغ الوضوء، والاعتناء بتعلم آدابه وشروطه والعمل بذلك.
1027
باب فضل الوضوء
عَنْ عُثْمَانَ بنِ عفَّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: رَأَيْتُ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذا ثُمَّ قالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ هكذا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلاتُهُ وَمَشْيُهُ إِلى المَسْجِدِ نَافِلَةً»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- غفر له ما تقدم من ذنبه: المراد الصغائر دون الكبائر.
- نافلة: ما كان زيادة أجر له على الأصل.
فوائد الحديث
- أنّ الوضوء سبب في غفران الذنوب غير المتعلقة بحقوق العباد، وتحصيل الحسنات الكثيرة بالمشي إلى المسجد والصلاة فيه.
- من ليس له صغائر ولا كبائر يُزاد في حسناته.
1028
باب فضل الوضوء
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ -أَوِ المُؤْمِنُ- فَغَسَلَ وجْهَهُ، خَرجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعيْنَيْهِ معَ الماءِ، أَوْ معَ آخرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كانَ بطَشَتْهَا يَداهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ معَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذا غَسَلَ رِجَليْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاهُ معَ الماءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- خرج من وجهه كل خطيئة: دلالة عن غفران الخطيئة.
- خطيئة: ذنب صغير متعلق بحق الله تعالى.
- قطر الماء: جمع قطرة أي مع آخر قطرات الماء.
- بطشتها: أي اكتسبتها يداه وعملتها.
- مع الماء: أي مع انفصال الماء.
فوائد الحديث
- الوضوء من أسباب الطهارة من الذنوب الصغيرة، كما أنّه نظافة من الأقذار المادية الظاهرة.
- أنّ المسلم إذا استشعر أثناء وضوئه كيف أن سيئاته تخرج مع الماء لكان ذلك مدعاة لحضور قلبه وزيادة إيمانه.
1029
باب فضل الوضوء
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَتَى المَقْبَرَةَ فَقَالَ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رأَيْنَا إِخْوانَنَا» قَالُوا: أَولَسْنَا إِخْوانَكَ يا رسُولَ اللهِ؟ قالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابي، وَإخْوَانُنَا الّذينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» قالوا: كيفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رسُولَ اللّهِ؟ فقالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلا يعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بلَى يا رسُولَ اللّهِ، قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يأْتونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وأَنَا فَرَطُهُمْ على الحَوْضِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أتى المقبرة: المراد مقبرة البقيع بالمدينة.
- أرأيت: أخبرني.
- خيل غرّ: أي في وجوهها بياض.
- محجّلة: أي في قوائمها بياض.
- دهم: جمع أدهم أي أسود.
- بُهم: جمع بهيم، وهو الَّذِي لا يخالط لونه شيء سوى لونه.
- فرطهم على الحوض: أي أتقدمهم إلى الحوض.
- الحوض: مكان في الموقف يصب فيه ميزابان من الكوثر في الجنة، أعطيه صلّى اللّهُ عليه وسلّم تكريمًا له وتشريفًا، ومن شرب منه لم يظمأ أبدًا.
فوائد الحديث
- بيان فضل الوضوء يوم القيامة.
- إخوان النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم من يأتون بعد عصر الصحابة.
- الصحابة فقد زادوا على من يأتي بعدهم بشرف الصحبة.
- بشارة هذه الأمّة بأنّ رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يتقدمها إلى الحوض يوم القيامة، وهنيئًا لمن سعد بذلك وفاز به.
1030
باب فضل الوضوء
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي اللّهُ عنه: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «أَلا أَدُلُّكُمْ على ما يَمْحُو اللّهُ بِهِ الخَطَايَا، ويرْفَعُ بِهِ الدَّرجَاتِ؟» قَالُوا: بلى يا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: «إِسْباغُ الوُضُوءِ على المكَارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطَا إلى المسَاجِدِ، وانْتِظَارُ الصَّلاةِ بعْدَ الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يمحو: يغفر.
- الدرجات: المنازل في الجنّة.
- إسباغ الوضوء: إعطاء كل عضوٍ حقه من الطهارة، والإتيان بالوضوء كاملًا تامًّا.
- على المكاره: كشدة البرد وغيره.
- فذلكم الرباط: أصل الرباط الحبس على الشيء، كأنّه حبس نفسه على هذه الطاعة، والتكرار في هذه العبارة للاهتمام وتعظيم الشأن والتفهيم.
فوائد الحديث
- أنّ الوضوء يمحو الذنوب الصغائر، وكذلك المشي إلى المساجد، وانتظار الصلاة.
- الحثّ على إسباغ الوضوء وتحسينه ولو كان في البرد الشديد.
- أهمية المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد.
- بيان فضل كثرة الخُطا إلى المساجد ولو بَعُد بيته.
- العبادات المذكورة في الحديث وسيلة للمغفرة والتقرب إلى الله عز وجل.
- ما ورد في الأحاديث من تكفير الذنوب إنما هو في شأن ما يتعلق بحقوق الله تعالى، وأما ما يتعلق بحقوق العباد فلا بد من أدائها لأصحابها، أو التحلل والاستبراء منها.
1031
باب فضل الوضوء
عَنْ أَبي مَالكٍ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عنْهُ قَالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمانِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- الطهور: التطهّر.
- شطر: نصف.
فوائد الحديث
- أنّ الطهور شرط صحة الصلاة، وعبر عنه بالشطر إشارة إلى تشريفه وتعظيمه.
- عظيم فضل الطهارة من الأحداث والأخباث.
1032
باب فضل الوضوء
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يتوضَّأُ فَيُبْلِغُ أَو فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهدُ أَنْ لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ وحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • زَادَ التِّرْمِذِيُّ: «اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ».
مفردات الحديث
- فيُبلغ أو فيُسبغ: يتم ويكمل واجبات ومندوبات الوضوء.
- التوابين: الَّذِي يكثرون من التوبة الصادقة.
- المتطهرين: من الذنوب والخطايا.
فوائد الحديث
- بيان فضل إتمام الوضوء ومستحباته، والدعاء بهذا الدعاء بعده.
1033
باب فضل الأذان
عَنْ أَبي هُريْرةَ رَضِيَ اللّهُ عنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «لَوْ يعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلّا أَنْ يسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا علَيْهِ، ولوْ يعْلَمُونَ ما في التَّهْجِيرِ لاسْتبَقُوا إِلَيْهِ، ولَوْ يعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- النداء: الأذان.
- الصف الأول: في الصلاة، وهو الَّذِي يلي الإمام.
- لاسْتهَموا: لاقْترَعُوا.
- التَّهْجِير: التَّبْكِير إِلى الصَّلاةِ.
- لاستبقوا: لسبق بعضهم بعضًا في الحضور إلى الصلاة.
- العتمة: صلاة العشاء.
- حبوًا: مشيًا على اليدين كما يفعل الطفل، أو على الركبتين.
فوائد الحديث
- الترغيب في الأذان، لأنه من شعائر الإسلام، وثواب المؤذن عظيم جدًا عند الله تعالى.
- الترغيب في الصفوف الأولى للصلاة، لأنّ أصحابها يبادرون في أول الوقت، ولأنّ ملائكة الرحمة تدعو للإمام ثم لمن في الصف الأول أولًا، ثم لمن في الصف الثاني وهكذا.
- فضل صلاة الجماعة وفضل التبكير إليها.
- الحثّ على حضور صلاتيّ العشاء والصبح جماعة في المسجد، لأنّهما أدل الصلوات على الصدق مع اللّهِ، وهما أثقل الصلوات على المنافقين وأهل الضلالة.
1034
باب فضل الأذان
عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامةِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أعناقًا: جمع عنق، والمراد أنّهم أكثر الناس تطلعًا إلى رحمة اللّهِ، وقيل: تطول أعناقهم حتى لا ينالهم العرق، وقيل: إنّ طول أعناقهم يدل على مكانتهم وشرفهم في ذلك اليوم.
فوائد الحديث
- بيان شرف المؤذنين وعلو منزلتهم يوم القيامة، لأنّ المؤذن يدعو إلى الصلاة ويدل على الخير، ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله.
1035
باب فضل الأذان
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ: أَنّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضِيَ اللّهُ عنْهُ قَالَ لَهُ: «إني أراكَ تُحِبُّ الْغَنَم والْبادِيَةَ فإِذا كُنْتَ في غَنَمِكَ -أَوْ بادِيَتِكَ- فَأَذَّنْتَ لِلصَّلاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنُّ ولا إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ إِلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قالَ أبُو سَعِيدٍ: «سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- مدى صوت المؤذن: أي غاية ومنتهى ما يصل إليه صوت المؤذن.
فوائد الحديث
- الإشادة بفضل المؤذن الَّذِي يكبّر اللّه ويوحده، وأنّ كل شيء يسمعه يشهد له يوم القيامة، والفائدة من هذه الشهادة إشهاره بالفضل وعلو المنزلة يومئذ.
- استحباب الأذان للمنفرد وطلب رفع الصوت به.
1036
باب فضل الأذان
عَنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عنْهُ قَال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حتَّى إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ ونَفْسِهِ يقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، واذْكُرْ كذا -لِمَا لَمْ يَذْكُرْ مِنْ قَبْلُ- حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صلَّى»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أدبر الشيطان: أي فر هاربًا وله صوت من انحلال مفاصله، ويؤيد ذلك رواية مسلم (وله حصاص) أي عدو سريع، ولعل التعبير عن هربه وإسراعه بالضراط بقصد التقبيح.
- التَّثْوِيبُ: الإِقَامَةُ.
- يخطر: يوسوس.
فوائد الحديث
- بيان فضل الأذان وما يحصل بسببه من خوف الشيطان وهربه ورجوعه بالحسرة لما يرى من الاتفاق على إعلان شعائر الدين وإظهار عقيدة التوحيد.
- الحثّ على الخشوع والاستغراق في الصلاة، والاحتراز عن وسوسة الشيطان فيها.
1037
باب فضل الأذان
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمرِو بْنِ العَاصِ رضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا علَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى علَيَّ صَلاةً صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ بِهَا عشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللّهَ لِيَ الْوسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلّا لَعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- النداء: الأذان.
- صلى اللّهُ عليه: الصلاة من اللّهِ الثناء والرحمة والمغفرة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن العباد الدعاء.
- الوسيلة: الطريقة التي يتوصل بها الإنسان إلى غايته، والمراد بها هنا كما فسرها النبي منزلة عالية في الجنّة.
- فمن سأل لي الوسيلة: أي من طلب من اللّهِ أن يعطيني هذه المنزلة العالية في الجنة.
- حلت له: وجبت له.
- الشفاعة: هي طلب التجاوز عن الذنوب، والمراد بها هنا أنّ النّبيّ يعطى يوم القيامة الشفاعة العظمى، وهي سؤال المغفرة من اللّهِ تعالى لمن يأذن له بالشفاعة.
فوائد الحديث
- استحباب متابعة المؤذّن والقول بمثل قوله، ويقول في الحيعلتين: (حي على الصلاة - حي على الفلاح) لا حول ولا قوة إلّا باللّه، والدعاء بعد الأذان.
- تعظيم شرف الصلاة على النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
- انتفاع الفاضل بدعاء المفضول وحصول الثواب لكليهما.
1038
باب فضل الأذان
عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إِذا سَمِعْتُمُ النِّداءَ فَقُولُوا كَمَا يقُولُ المُؤَذِّنُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- استحباب ترديد الأذان.
- استحباب متابعة المؤذّن والقول بمثل قوله.
1039
باب فضل الأذان
عنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يسْمَعُ النِّداءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصَّلاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- الدعوة: في الأصل معناها الطلب، وهي هنا بمعنى ألفاظ الأذان، لأنها يدعى بها إلى الصلاة.
- التامة: التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل إلى يوم القيامة، أو لا نقص فيها، لأنّها جامعة للعقائد بتمامها.
- الصلاة القائمة: أي التي ستقام بعد الأذان، أو الباقية حتى قيام الساعة.
- الوسيلة: منزلة عالية في الجنة.
- الفضيلة: خلاف النقيصة، وهي هنا بمعنى المرتبة الزائدة على سائر الخلق.
فوائد الحديث
- فضل الدعاء بعد الفراغ من الأذان، والحكمة من هذا التحديد هو فضيلة الوقت.
- المواظبة على هذا الدعاء بعد الأذان سبب في استحقاق الشفاعة.
- المقام المحمود والوسيلة والشفاعة يوم القيامة من خصائص رسولنا محمد صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
1040
باب فضل الأذان
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وقَّاصٍ رضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يسْمَعُ المُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل هذا الذكر، وأنّه سبب في مغفرة الذنوب.
- من أُلهِم الدعاء ووفق له فقد أُريد به الخير وأُرِيدتْ له الإجابة.
1041
باب فضل الأذان
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عنْهُ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الدُّعَاءُ لا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ والإِقَامَةِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
فوائد الحديث
- بيان فضيلة الوقت بين الأذان والإقامة من كل صلاة، وأنّ اللّه تعالى يستجيب فيه الدعاء.
- الحث على اغتنام هذا الوقت بالدعاء فإنه حريٌّ بالإجابة.
1042
باب فضل الصّلوات
عنْ أَبي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «أَرأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالَ: «فَكَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- درنه: وسخه.
- يمحو: يزيل.
- الخطايا: الذنوب.
فوائد الحديث
- بيان فضل أداء الصلوات الخمس والمحافظة عليها كاملة بشروطها وأركانها وآدابها، وأنّها تكفّر الذنوب الصغيرة، وأمّا الذنوب الكبيرة فلا بد لها من التوبة.
- بيان هدي النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في أسلوب الترغيب والتوجيه بالمحاورة.
- ضرب الأمثلة لتقريب المعاني وترغيب المتعلم بالطاعة والعبادة.
1043
باب فضل الصّلوات
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَثَلُ الصَّلوَاتِ الخَمْسِ كَمَثَلِ نهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- غَمْر: كَثِير.
فوائد الحديث
- بيان فضل أداء الصلوات، وأنّها سبب لمحو الذنوب وإزالتها كما يزيل الماء الأوساخ.
1044
باب فضل الصّلوات
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فأَتَى النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأَخْبرَهُ، فأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ فقالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذَا؟ قالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أصاب: لمس وأخذ.
- قبلة: من التقبيل.
- أقم الصلاة طرفي النهار: أول النهار وآخره، قيل المراد الصبح والعصر.
- زلفًا من الليل: المغرب والعشاء.
- إنّ الحسنات يذهبن السيئات: إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة.
فوائد الحديث
- بيان فضل أداء الصلوات، فإنها تحط عن صاحبها الذنوب.
- يحرم تقبيل المرأة التي لا تحل وكذا مصافحتها.
1045
باب فضل الصّلوات
عَنْ أَبي هُريرة رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إِلى الجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الكَبَائِرُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- الجمعة إلى الجمعة: أي من صلاة الجمعة إلى صلاة الجمعة الأخرى.
- كفارة لما بينهن: تجاوز لما يحصل بينها من السيئات الصغيرة.
- تُغْش: تُؤْت.
- الكبائر: كالإشراك باللّه، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات.
فوائد الحديث
- بيان فضل أداء الصلوات، وصلاة الجمعة، فإنها تجاوز عن صاحبها ما قد يقع منه من الذنوب الصغيرة، ويشترط لتكفير الكبائر التوبة النصوح.
1046
باب فضل الصّلوات
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاَةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- مكتوبة: مفروضة.
- من الذنوب: الصغائر.
- كبيرة: أي سيئة كبيرة، وهي التي توعد اللّه عليها بعذاب في الدنيا أو الآخرة.
فوائد الحديث
- العناية بأداء الصلاة المفروضة من تحسين الوضوء، والخشوع في أدائها، والاطمئنان في أركانها وركوعها وسجودها، حتى تكون الصلاة مقبولة عند اللّه تعالى، وتكفر ما سبقها من الذنوب الصغيرة.
1047
باب فضل صلاة الصبح والعصر
عَنْ أَبي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- البرْدَانِ: الصُّبْحُ والعَصْرُ.
فوائد الحديث
- بيان فضل صلاتي الصبح والعصر.
- بيان حسن خاتمة من حافظ على الصلاة وخص الصبح والعصر لمزيد الاهتمام بهما لأنّ الأولى وقت محبب للنوم، والثانية وقت محبب للعمل والمزيد من الربح في التجارة.
1048
باب فضل صلاة الصبح والعصر
عَنْ أَبِي زُهَيْرٍ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا»
يَعْنِي الفَجْرَ وَالْعَصْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يلج: يدخل.
فوائد الحديث
- الترغيب بالمحافظة على صلاة العصر والصبح.
- أنّ من حافظ على هاتين الصلاتين وُقي من دخول النار.
1049
باب فضل صلاة الصبح والعصر
عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «منْ صَلَّى الصُّبْحَ فهُوَ في ذِمَّةِ اللّهِ، فَانْظُرْ يَا بْنَ آدمَ، لا يَطْلُبنَّكَ اللّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ذمة اللّهِ: أي في حفظه وأمانه.
- لا يطلبنك: لا يؤاخذنك اللّه بسبب غفلتك عن صلاة الصبح، أو لا يحاسبنك اللّه بسبب تعرضك بأذى لمن هو في ذمة اللّهِ.
فوائد الحديث
- بيان فضل من داوم على صلاة الصبح مع الجماعة، والتحذير من التعرض له بسوء.
- النّهي عن التعرض بالأذى لكل مسلم صلّى صلاة الصبح، فإنّ من صلّى صلاة الصبح فهو في أمان اللّهِ وضمانه، ولا يجوز لأحد أن يتعرض لِمَن أمَّنَه اللّه.
- أنّه يجب احترام المسلمين الذي صدَّقوا إسلامهم بصلاة الفجر، لأنّ صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن، وأنّه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم.
1050
باب فضل صلاة الصبح والعصر
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وملائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمُ اللّهُ -وهُوَ أَعْلمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتَيْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- بيان فضل صلاتي الصبح والعصر بحضور الملائكة فيهما وشهادتهم لمن حضرهما.
- لطف اللّه بالمؤمنين وتكريمه لهم، إذ جعل اجتماع الملائكة عليهم ومفارقتهم في أوقات عبادتهم، وسؤال اللّه للملائكة لإظهار شرف المصلين وبيان فضل عبادتهم.
1051
باب فضل صلاة الصبح والعصر
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَنَظَرَ إِلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فقالَ: «إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَروْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلاَّ تُغْلَبُوا عَلى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْل غُرُوِبهَا فَافْعَلُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي رِوَايَةٍ: «فَنَظَرَ إِلى القَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ».
مفردات الحديث
- ليلة البدر: ليلة الرابع عشر من الشهر، سمي بذلك لمبادرة طلوعه.
- لا تضامون: لا يصيبكم ضيم أي تعب ومشقة.
فوائد الحديث
- ثبوت رؤية المؤمنين للّه تعالى من غير معرفة بالكيفية ولا انحصار، رؤية تليق بكماله سبحانه وتعالى، أما الكفار فهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون والعياذ باللّه.
- أنّ المحافظة على هاتين الصلاتين -الصبح والعصر- يرجى بهما نيل رؤية اللّه، وهي أعظم لذائذ الجنّة.
1052
باب فضل صلاة الصبح والعصر
عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- حبط عمله: بطل ثواب اليوم الَّذِي ترك فيه صلاة العصر.
فوائد الحديث
- حرمة ترك الصلاة وخاصة صلاة العصر، وخصت بالذكر للعناية بها، وأنّ تركها كبيرة تحبط عمل الإنسان.
1053
باب فضل المشي إلى المساجد
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «مَنْ غَدَا إِلى المسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللّهُ لهُ في الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- غدا: ذهب إلى المسجد صباحًا.
- راح: ذهب إلى المسجد مساء.
- أعدّ: هيَّأ.
- نزلًا: هو ما يعد للضيف من إكرام.
فوائد الحديث
- بيان إكرام اللّه في الجنّة لمن قصد المسجد للصلاة صباحًا ومساءً، لأنّه تعالى أكرم الأكرمين ولا يضيع أجر المحسنين.
- إثبات هذا الجزاء العظيم لمن ذهب إلى المسجد أول النهار أو آخره، وفيه بيان فضل اللّه -عز وجل- على العبد، حيث يُعطيه على مثل هذه الأعمال اليسيرة هذا الثواب الجزيل.
1054
باب فضل المشي إلى المساجد
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «مَنْ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَضى إِلى بيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللّهِ، لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرائِضِ اللّهِ كانَتْ خُطُواتُهُ، إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، والأُخْرى تَرْفَعُ دَرَجَةً»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- تطهَّر: توضأ للصلاة أو اغتسل.
- ليقضي: ليؤدي.
- تحط: تزيل وتمحو.
فوائد الحديث
- أنّ قصد المسجد لأداء الصلاة فيه يكفر بكل خطوة خطيئة ويرفع بكل خطوة درجة في الجنّة عند اللّه، واللّه واسع الفضل كريم العطاء.
- السنّة أن يتوضأ المسلم في بيته، ويذهب إلى المسجد متوضئًا، والظاهر أن هذا يشمل خروجه من أي موضع هو فيه قاصدًا المسجد، كالمكتب ونحوه.
1055
باب فضل المشي إلى المساجد
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعْبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: كانَ رجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لا أَعْلمُ أَحَدًا أَبْعدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَتْ لا تُخْطِئُهُ صَلاَةٌ، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اشْتَريْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ في الظَّلْمَاءِ وفي الرَّمْضَاءِ؟ قالَ: ما يَسُرُّني أَنَّ مَنْزِلي إِلى جَنْبِ المَسْجدِ، إِنِّي أُريدُ أَنْ يُكتَبَ لي مَمْشَايَ إِلى المسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذا رَجَعْتُ إِلى أَهْلي، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «قَدْ جَمَعَ اللّهُ لكَ ذَلِكَ كُلَّهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لا تخطئه: لا تفوته.
- الظلماء: شدة الظلمة.
- الرمضاء: حَرُّ الحجارة والرمال من شدّة حَرّ الشمس.
فوائد الحديث
- فضل المشي إلى المساجد.
- كرم اللّه سبحانه وتعالى على عبده وأنّه كلما ابتعد مكان الإنسان عن المسجد كان ثواب مشيه إليه أكبر.
- أنّ صحة القصد والإخلاص في العمل الصالح ينال به الإنسان عظيم الأجر.
1056
باب فضل المشي إلى المساجد
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: خَلَتِ البِقَاعُ حَوْلَ المسْجِدِ، فَأَرادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالَ لَهُمْ: «بَلَغَني أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ، قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فقالَ: «بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ»
فَقَالُوا: ما يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ معناهُ مِنْ رِوايَةِ أنَسٍ
مفردات الحديث
- خلت: فرغت.
- البقاع: جمع بقعة، وهي القطعة من الأرض.
- دياركم: أي الزموا دياركم، ولا تنتقلوا عنها إلى غيرها.
- آثاركم: خطاكم الكثيرة إلى المسجد.
فوائد الحديث
- زيادة فضل المشي من بُعد إلى المسجد، وأنّه لا يستحب تقريب المسكن إلى المسجد إذا كان يلزم منه خلو أطراف البلد من أهلها.
- أنّ الأرض تسجل ما يقع من عمل وتكتبه.
- أنّ أصحاب النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم كانت الصلاة هي همهم الأول، فيمكن للواحد منهم رضي اللّهُ عنهم أن يفارق أرضه التي نشأ فيها من أجل أن يكون قريبًا من المسجد.
1057
باب فضل المشي إلى المساجد
عَنْ أَبي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا في الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ إِليْها ممْشًى فَأَبْعَدُهُمْ، والَّذي يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ حتَّى يُصلِّيَهَا مَعَ الإِمامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصلِّيهَا ثُمَّ يَنَامُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- أنّه كلما كان البعد أكثر كانت الخطوات والمشقة أكثر، فيكون ذلك أعظم للأجر.
- أنّ الانتظار لأداء الصلاة مع الإمام أفضل من الذي يصلي أول الوقت منفردًا ثم ينام، لأنّ صلاة الجماعة أفضل.
- ينال الماشي إلى المسجد الأجر الأكبر والنصيب الأوفر إذا خرج من بيته ماشيًا متطهرًا و لم يخرج إلّا للصلاة.
1058
باب فضل المشي إلى المساجد
عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «بَشِّرُوا المَشَّائِينَ في الظُّلَمِ إِلى المسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيّ
مفردات الحديث
- المشائين في الظلم: الذين يمشون في الظلمات لصلاة الفجر وصلاة العشاء.
- بالنور التام يوم القيامة: نور ساطع عظيم لا يضعف ولا ينقطع في أرض المحشر، وعلى الصراط.
فوائد الحديث
- أنّ الذي يواظب على صلاة الجماعة وخاصة صلاة الفجر والعشاء له نور تام يوم القيامة.
1059
باب فضل المشي إلى المساجد
عَنْ أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «أَلا أَدُلُّكُمْ عَلى مَا يمْحُو اللّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلى يا رسُولَ اللّهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بعْدَ الصَّلاةِ، فَذٰلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذٰلِكُمُ الرِّبَاطُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- إسباغ الوضوء: استيعاب الأعضاء بالغسل.
- على المكاره: على المشقات.
- الرباط: ملازمة حدود البلاد لدفع العدو عنها، وهذا من باب التشبيه.
فوائد الحديث
- فضل الدار البعيدة عن المساجد لما يلزم من كثرة الخطا إلى الصلاة.
- بيان ثواب من حمل نفسه على ما يكره كالوضوء في البرد.
- أنّ انتظار الصلاة هو كالرباط الحقيقي، لأنّه جهاد للنفس، والصلاة أفضل العبادات.
1060
باب فضل المشي إلى المساجد
عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «إِذا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ، قالَ اللّهُ عزَّ وَجَلَّ: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»
الآيَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- يعتاد المساجد: كثير التعلق بها وملازمة الجماعة بها.
- فاشهدوا: اقطعوا له بالإيمان.
فوائد الحديث
- جواز الشهادة بالإيمان على ظاهر حال المسلم.
- فضل ملازمة الصلاة في المساجد والسعي إليها، والحبّ لها، والقيام عليها بالعمارة والإنارة والعبادة والطاعة والذكر وطلب العلم والاعتكاف والإرشاد.
1061
باب فضل انتظار الصلاة
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ في صَلاةٍ مَا دَامتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلاةُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- تحبسه: تمنعه من الانصراف إلى أهله.
- ينقلب: يرجع.
فوائد الحديث
- فضل انتظار الصلاة.
- أنّ الإنسان ما دام ينتظر الصلاة ليس له غرض آخر دنيوي فهو حكمًا في صلاة من حيث الفضل والثواب.
1062
باب فضل انتظار الصلاة
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لمْ يُحْدِثْ؛ تَقُولُ: اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ، ارْحَمْهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- الملائكة تصلي: تدعو وتستغفر وتطلب الرحمة.
- مصلَّاه: مكان صلاته.
- ما لم يحدث: ما لم ينتقض وضوؤه بخروج ريح منه، وقيل ما لم يتكلم بكلام الدنيا المنهي عنه، كالبيع والشراء أو الغيبة.
فوائد الحديث
- استحباب تطويل مدة الجلوس في مكان الصلاة، لينال فضيلة دعاء الملائكة له.
- استحباب المحافظة على الطهارة الحسية والمعنوية.
1063
باب فضل انتظار الصلاة
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَخَّرَ لَيْلَةً صَلاةَ الْعِشَاءِ إِلى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى فَقَالَ: «صَلّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، ولَمْ تَزَالُوا في صَلاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- شطر الليل: نصفه.
- صلّى الناس: أي غير المنتظرين للصلاة مع النَّبِيّ صلى اللّهُ عليه وسلم.
- رقدوا: ناموا.
فوائد الحديث
- جواز تأخير العشاء جماعة إلى نصف الليل.
- أنّ ثواب المنتظر للصلاة مع الجماعة أفضل ممن تعجل وصلى منفردًا.
- تعجيل الصلاة جماعة في أول الوقت أفضل من تأخيرها، لأنّ التعجيل هو الذي واظب عليه الرسول طيلة حياته ووقع منه التأخير قليلًا، ولا ينافي هذا أنّه قد حصل لهم ثواب الانتظار فانتظار الصلاة عبادة لها ثواب الصلاة.
1064
باب فضل صلاة الجماعة
عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «صَلاةُ الجَمَاعَةِ أَفضَلُ مِنْ صَلاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ درَجَةً»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أفضل: أي أكثر ثوابًا.
- الفذ: الواحد المنفرد.
فوائد الحديث
- بيان فضل صلاة الجماعة.
- أنّ ثواب صلاة الجماعة يزيد على ثواب صلاة الإنسان وحده بسبع وعشرين درجة.
- الجمع بين هذه الرواية ورواية بخمس وعشرين من وجوه: قيل: إن ذلك يختلف باختلاف حال الصلاة من الخشوع والمحافظة على هيئاتها وآدابها.
1065
باب فضل صلاة الجماعة
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «صَلاةُ الرَّجُلِ في جَماعَةٍ تُضَعَّفُ عَلى صَلاَتِهِ في بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرينَ ضِعْفًا، وذَلِكَ أَنَّهُ إِذا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلى المَسْجِدِ، لا يُخْرِجُهُ إِلّا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلّا رُفِعَتْ لَهُ بهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ في مُصَلّاهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ في صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيّ
فوائد الحديث
- بيان فضل صلاة الجماعة، قال بعض العلماء في تحصيل هذا الفضل في الجماعة أينما كانت، وقال آخرون في الجماعة في المسجد خاصة.
- فضل إسباغ الوضوء.
- بيان فضل الإخلاص للّهِ في القصد بحيث يكون الدافع للصلاة خالصًا للّهِ تعالى.
1066
باب فضل صلاة الجماعة
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قال: أَتَى النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى فقالَ: يا رسُولَ اللّهِ، لَيْسَ لي قَائِدٌ يَقُودُني إِلى المَسْجِدِ، فَسأَلَ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّي في بيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فقالَ لَهُ: «هلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ؟» قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَأَجِبْ»
رَوَاهُ مُسْلِم
مفردات الحديث
- رجل أعمى: هو ابن أم مكتوم، واسمه عبد اللّه، وقيل: عمرو كما في الحديث الآتي.
- يرخص: يخفف له ويسمح، والرخصة: تغيير الحكم من صعوبة إلى سهولة لعذر.
- النداء: الأذان.
- فأجب: أي لا رخصة.
فوائد الحديث
- طلب تأكيد الجماعة لمن يسمع النداء، واحتمال خفيف التعب في حصولها.
- أنّه لا عذر لترك الصلاة مع الجماعة إلا لعذر شرعي معتبر.
1067
باب فضل صلاة الجماعة
عَنْ عَبْدِ اللّهِ، وَقِيلَ: عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، المَعْرُوفِ بِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ المُؤَذِّنِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يا رسُولَ اللّهِ، إِنَّ المَدِينَةَ كَثِيرَةُ الهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ، فقالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَسْمَعُ حَيَّ عَلى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ فَحَيَّ هلا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسْنَادٍ حَسَنٍ
مفردات الحديث
- الهوام: هي الحشرات المؤذية، كالأفعى والعقرب.
- السباع: الحيوانات المفترسة، كالذئب أو الكلب العقور.
- حَيَّ هَلا: تَعَالَ.
فوائد الحديث
- طلب التأكيد على صلاة الجماعة، واحتمال التعب الخفيف في حصولها،
- أعذار الجماعة هي: البرد الشديد أو المطر، أو الظلمة الشديدة، أو الخوف من عدو أو سبع، أو لمرض، أو مرض من يخدمه وليس له غيره.
1068
باب فضل صلاة الجماعة
عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فَيُؤذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُؤمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلى رِجَالٍ فأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيَوتَهُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- هممت: عزمت وقصدت.
- فيحتطب: فيجمع الحطب.
- أخالف: أتخلف عن المشتغلين بالصلاة وأذهب إلى المتخلفين عنها.
فوائد الحديث
- التغليظ على من ترك الصلاة جماعة من غير عذر، و الراجح من أقوال العلماء في حكم صلاة الجماعة أنها واجبة على الرجال الأحرار المقيمين غير المعذورين، واستدلوا بهذا الحديث و بحديث عدم الترخيص لابن أم مكتوم بترك الجماعة.
- جواز إخراج من طولب بحق من بيته إذا اختفى فيه وامتنع.
- استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على جواز أخذ أهل الجرائم والمعاصي على حين غرة.
1069
باب فضل صلاة الجماعة
عنِ ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللّه تعالى غدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلى هَؤُلاءِ الصَّلَواتِ حَيْثُ يُنادَى بِهِنَّ؛ فَإِنَّ اللّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِن سُنَنِ الهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ في بُيُوتِكِمْ كَمَا يُصَلِّي هذا المُتَخَلِّفُ في بَيتِهِ لَتَركْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، ولَو تَركْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، ولَقَدْ رَأَيْتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلّا مُنافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كانَ الرَّجُلُ يُؤْتَىَ بِهِ، يُهَادَى بيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ في الصَّفِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • وفي رِوَايةٍ لهُ قالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَّمَنَا سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى الصَّلاَةَ في المسْجِدِ الَّذي يُؤَذَّنُ فِيهِ.
مفردات الحديث
- سنن: سبل.
- لضللتم: وقعتم في الضلال، وهو البعد عن سنة النَّبِيّ صلى اللّهُ عليه وسلم.
- يهادى: أي من شدة ضعفه وتمايله يستند على اثنين ويتحمل مشقة الذهاب حبًا في تحصيل الأجر والثواب.
فوائد الحديث
- أبلغ التأكيد والحثّ على المحافظة على الجماعة وتحمل المشاق في تحصيلها ما أمكن.
- أنّ الاعتياد في ترك الجماعة دائمًا إنّما هو من سمات المنافقين، وبُعد عن مقتضى السنّة التي كان عليها رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلم.
- أنّها سبيل عظيم من سبل الهداية والصلاح.
1070
باب فضل صلاة الجماعة
عن أَبي الدرداءِ رضي اللّه عنه قالَ: سَمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: مَا مِن ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهمُ الصَّلاةُ إِلاَّ قدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنمِ القَاصِيَةَ
رواه أبو داود بإِسناد حسن
مفردات الحديث
- استحوذ عليهم الشيطان: غلبهم واستولى عليهم.
- فعليكم: الزموا.
- القاصية: البعيدة عن أخواتها، وهذا تشبيه لتارك الجماعة بالشاة المنفردة عن أخواتها، فإن الشيطان يفترسه ويستولي عليه.
فوائد الحديث
- الحثّ على صلاة الجماعة، وأنّ تركها مدعاة لانتصار وساوس الشيطان.
- الحديث يدل على أنّها فرض كفاية تظهر بها شعيرة الجماعة.
- أنّ الجماعة لها فضل في تلاقي المسلمين ويقوي بعضهم بعضًا، وأن تركها مدعاة للضعف والتشتت وتفرق الكلمة.
1071
باب الحثّ على حضور الجماعة في الصبح والعشاء
عنْ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: «مَنْ صَلَّى العِشَاءَ في جَـمَاعَةٍ فَكَأَنَّما قامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّما صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • وفي رِوَايةِ التِّرْمِذِيُّ عنْ عُثْمانَ قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ شَهِدَ العِشَاءَ في جَمَاعةٍ كانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ لَيْلَةٍ، ومَنْ شَهِدَ العِشَاءَ والْفَجْرَ في جمَاعَةٍ كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ»
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل صلاتي العشاء والصبح جماعة، فإن أجرهما يساوي قيام الليل كله.
1072
باب الحثّ على حضور الجماعة في الصبح والعشاء
عنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «وَلَوْ يعْلَمُونَ مَا في العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حبوًا: أي مشيًا على اليدين والركبتين، أو زحفًا على المقعدة.
- العتمة: هي صلاة العشاء.
فوائد الحديث
- بيان فضيلة الجماعة في الصبح والعشاء، وخُصتا بالذكر، لأنّ وقت الصبح وقت يطيب فيه النوم، ووقت العشاء وقت يغلب فيه النعاس.
1073
باب الحثّ على حضور الجماعة في الصبح والعشاء
عنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ صَلاَةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقينَ مِنْ صَلاةِ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِيهِمَا لأَتَوْهُما وَلَوْ حَبْوًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- أنّ المنافقين أثقل ما تكون عليهم الصلاة في العشاء والفجر، لأنّ صلاتهم رياء، وليس قصدهم بها مرضاة اللّهِ تعالى.
- التحذير من التقصير أو التهاون في هاتين الصلاتين لئلا يتشبه بالمنافقين.
1074
باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبة والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهن.
عنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قالَ: «الصَّلاةُ على وَقْتِها» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قالَ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قلَتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قالَ: «الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الصلاة على وقتها: أي أول وقتها.
فوائد الحديث
- بيان فضيلة الصلاة في وقتها.
- حرمة إخراج الصلاة عن وقتها.
1075
باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبة والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهن.
عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ: شَهادَةِ أَنْ لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وإِقامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بني: أقيم، فقد شبه الإسلام ببناء عظيم محكم وأركانه الخمسة بقواعد ثابتة محكمة حاملة لذلك البناء.
- شهادة أن لا إلٰه إلّا اللّه: أي الاعتراف والإقرار أنّه لا معبود بحق إلّا اللّه.
- إقام الصلاة: الإتيان بها جامعة الشروط والأركان.
- إيتاء الزكاة: إعطاؤها لمستحقيها.
فوائد الحديث
- أنّ الإسلام لا يتحقق عند أحد إلّا بالإيمان بهذه الأركان الخمسة، فمن أنكر واحدًا منها فقد كفر.
- أنّ الشهادتين هما الاساس القلبي والعملي لسائر العبادات.
- أنّ من أعمدة الإسلام التي بني عليها إقامة الصلاة المفروضة.
1076
باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبة والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهن.
عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلّا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الناس: أي من لم يكن داخلًا في الإسلام من الوثنيين وأهل الكتاب ومن ترك شعائر الإسلام الظاهرة، والأمر بالمقاتلة مخاطب به إمام المسلمين وليس أفرادهم.
- حتى يشهدوا ألّا إلٰه إلّا اللّه: أي حتى يدخلوا في الإسلام بكل شرائعه وليس المراد اقتصارهم على مجرد قول الشهادة دون دخول في أحكام الإسلام.
- إلّا بحق الإسلام: أي ما ورد فيه دليل خاص كوجوب القصاص وإقامة الحدود إن فعلوا ما يستوجب شيئًا من ذلك.
- وحسابهم على الله: أي حساب بواطنهم متروك للّه تعالى.
فوائد الحديث
- أنّ الدماء والأموال تصان بإقامة أركان الإسلام الظاهرة، وأما حساب الناس على حقيقة ما في قلوبهم من إيمان أو نفاق فهو عند اللّه تعالى.
- من فعل ما يوجب إقامة الحد أو القصاص فإنّه يُقام عليه، ولا يمنع من ذلك كونه معصوم الدم بالإسلام.
- أنّ ما في قلوب الناس لا يعلمه إلّا اللّه سبحانه وتعالى وهو الذي عليه الجزاء الأخروي.
1077
باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبة والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهن.
عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: بعَثَنِي رسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِلَى اليَمنِ فَقَالَ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلٰهَ إِلاَّ اللّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ علَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُردُّ عَلى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وبَيْنَ اللّهِ حِجَابٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى.
- افترض: أوجب.
- اتق: احذر.
- صدقة: زكاة.
- إياك: احذر.
- كرائم أموالهم: أي نفائسها وأفضلها.
- ليس بينها وبين اللّه حجاب: للدلالة على سرعة إجابتها ونفوذ أثرها وشديد خطرها.
فوائد الحديث
- أنّ الصلاة من أعظم الواجبات بعد شهادة التوحيد.
1078
باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبة والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهن.
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاةِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- أنّ بين الإسلام والاتصاف بالكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر.
- أنّ الصلاة هي العلامة التي تدل ظاهرًا على إسلام الرجل وتركها يعني دليل كفره.
1079
باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبة والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهن.
عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «العَهْدُ الَّذِي بيْنَنَا وبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- العهد الذي بيننا وبينهم: الضمير للمنافقين، وقيل لمن تركها جاحدًا منكرًا لوجوبها.
فوائد الحديث
- أنّ ترك الصلاة كفر ورِدَّة.
- أنّ النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم جعل الصلاة حدًا فاصلًا بين الكفر والإيمان وبين المؤمنين والكفار.
1080
باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبة والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهن.
عن عَبْدِ اللّهِ بْنِ شَقِيقٍ التَّابِعِيِّ المُتَّفَقِ على جَلالَتِهِ رَحِمَهُ اللّهُ قالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لاَ يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي (كِتَابِ الإِيمَانِ) بإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
فوائد الحديث
- تعظيم شأن الصلاة، والحثّ على أدائها والحضّ على ملازمتها.
- التحذير من ترك الصلاة، فإنّها تعتبر العلامة المميزة بين المؤمن والكافر.
1081
باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبة والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهن.
عنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إِنَّ أَوَّلَ ما يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفَلَحَ وَأَنْجَحَ، وإنْ فَسَدَتْ.. فَقَدْ خَابَ وخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فِرِيضَتِهِ شَيْئًا، قالَ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ تَكُونُ سَائِرُ أَعْمَالِهِ عَلى هَذَا»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- أول ما يحاسب: أي من حقوق اللّهِ تعالى.
- أفلح وأنجح: فاز وظفر.
- فسدت: أي لوجود ما يفسدها من نقص ركن أو شرط.
- خاب وخسر: هلك ولم يظفر بمطلوبه.
- تطوع: أي نافلة.
- ثم تكون سائر أعماله على هذا: من صوم وحج أي يتمم نفلها فرضها.
فوائد الحديث
- الحثّ على أداء الفرائض وإتقانها وأعظمها الصلاة، والاهتمام بمصححاتها وترك مفسداتها، والحض على الإكثار من النوافل، لتكون جابرة لخلل الفرائض الذي لا يخلو منه إلا الفذ النادر.
1082
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَالَ: «أَلا تَصُفُّونَ كمَا تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟» فَقُلْنَا: يا رسُولَ اللّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، ويَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- تصفون: تصطفون وتسوون صفوفكم.
- يتراصون: يقتربون من بعضهم فلا يتركون بينهم فرجة.
فوائد الحديث
- استحباب تسوية الصفوف وإتمام الصف الأول فالأول، وعدم ترك فرج في الصفوف تتسع لمصل.
- استحباب مشابهة الملائكة في تسوية الصفوف.
1083
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عنْ أَبي هُرَيْرةَ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «لوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يستهموا عليه: يقترعوا.
فوائد الحديث
- بيان فضل الصف الأول لقربه من الإمام حيث يسمع المصلي أقوال الإمام ويشاهد أحواله فيهتدي بهديه وتعمه الرحمة قبل غيره.
1084
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عنْ أَبي هُرَيْرةَ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّها آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- أنّ أول صفوف الرجال أفضل من آخرها، لقربها من الإمام، وبعدها عن النساء المؤدي إلى عدم الاطلاع عليهن والافتتان بهنّ.
- أنّ آخر صفوف النساء أفضل من أولها، لبعدهن عن الرجال الذي قد يؤدي إلى الفتنة.
- الخير والشر المراد بهما هنا كثرة الثواب وقلته لا حصول الإثم.
1085
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عنْ أبي سَعِيدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: رأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَليَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لا يَزالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللّهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- تأخرًا: أي عن الصف الأول في الصلاة.
- فَأْتَمُّوا: اقتدوا.
- وليأتم بكم: وليقتدِ بكم.
- لا يزال قوم يتأخرون: أي عن الصفوف الأولى، واكتساب الفضائل.
- حتى يؤخرهم اللّه: أي عن عظيم ثوابه وفضله.
فوائد الحديث
- التأكيد على استحباب التسابق إلى الصفوف الأولى في الصلاة، والزجر عن ترك المكرمات.
- ينبغي أن يكون بين الإمام والصف الأول ما لا يزيد على ثلاثة أذرع وهكذا بين كل صفين، ليشاهد الصف الأول الإمام ويشاهد حركاتهم الذين يلونهم ويتبعونهم في تبعيتهم للإمام.
1086
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عنْ أَبي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْسَحُ مَناكِبَنَا في الصَّلاةِ، ويقُولُ: «اسْتَوُوا ولا تَخْتَلِفُوا فتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُوا الأَحْلامِ والنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يمسح مناكبنا: يسويها بيده الكريمة حتى لا يخرج بعض الصف عن بعض.
- لا تختلفوا: لا يتقدم منكب بعضكم على منكب بعض.
- فتختلف قلوبكم: أي تختلف إرادتها وأهواؤها.
- ليلني: ليدنُ مني.
- أولو الأحلام: أصحاب الحلم والتثبت.
- والنهى: العقل.
فوائد الحديث
- استحباب أمر الإمام المصلين أن يسووا صفوفهم، ويباشر تسويتها بنفسه إذا لم يفعلوا هم بأنفسهم ذلك.
- يستحب أن يلي الإمام في الصف الأول أعلم الناس وأعقلهم وأحلمهم، ثم عوام الناس ثم الصبيان ثم النساء.
1087
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عنْ أَنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ».
مفردات الحديث
- سووا صفوفكم: تسوية الصفوف: اعتدال القائمين على سمت واحد.
- من تمام الصلاة: أي تمام آدابها ومحاسنها.
فوائد الحديث
- الحثّ على تسوية الصفوف، فإن تسويتها يدل على حسن صلاتهم، وكمال امتثالهم، وروعة مظهرهم، وتآلف قلوبهم.
1088
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عنْ أَنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَأَقْبَلَ عَليْنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِوَجْهِهِ فقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وتَرَاصُّوا، فَإنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» رَواَهُ البُخَارِيُّ بِلَفْظِهِ، ومُسْلِمٌ بمَعْنَاهُ. • وفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ».
مفردات الحديث
- أقيموا صفوفكم: سووها مستقيمة على سمت واحد.
- تراصوا: تلاصقوا بالمناكب حتى لا تكون فرجة.
- فإني أراكم من وراء ظهري: أي أعلمكم بإعلام الوحي إياي، أو أراكم حقيقة، يعني فيكون ذلك معجزة له.
- يلزق منكبيه: أي رأس منكبه.
فوائد الحديث
- استحباب التفات الإمام إلى صفوف المصلين وأمرهم بتسويتها وتراصها، وأن يباشر بنفسه إن احتيج إلى ذلك.
- تكرمة رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم حيث كان يخبر بما عليه الناس، أو يراهم بما أكرمه اللّه من المعجزات.
1089
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عَنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ ليُخَالِفَنَّ اللّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وَفي رِوَايةٍ لِمُسْلِمٍ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حتَّى كأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأَى رجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ فَقَالَ: «عِبَادَ اللّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».
مفردات الحديث
- أو ليخالفن اللّهُ بين وجوهكم: أي يوقع الخلاف بينها عقوبة على تهاونهم في إقامة صفوفهم وإحسان صلاتهم.
- القداح: جمع القدح، وهو السهم قبل أن يركب فيه نصله.
- عقلنا: فهمنا وامتثلنا.
- باديًا: ظاهرًا غير مستوٍ مع الصف.
فوائد الحديث
- وجوب تسوية الصفوف، وأن عدم اعتبار ذلك يسبب الخلاف والشقاق.
- المبالغة في تسوية الصفوف حتى كأنما يسويها بالقداح، إذ القدح لا تصلح لما يراد منها إلا بعد نهاية الاستواء.
1090
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عَنِ الْبرَاءِ بنِ عَازِبٍ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما قالَ: كانَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ صُدُورَنَا، وَمَنَاكِبَنَا، ويَقُولُ: «لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» وكَانَ يَقُولُ: «إنَّ اللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على الصُّفُوفِ الأُوَلِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسْنَادٍ حَسَنٍ
مفردات الحديث
- يتخلل الصف: يمشي خلاله من طرف إلى طرف.
فوائد الحديث
- وجوب تسوية الصفوف على الإمام والمصلين.
- أفضلية الصف الأول فالثاني وهكذا إلى ما قبل الأخير، والصلاة من اللّهِ تعالى على عباده الثناء الحسن المستوجب للرحمة، والصلاة من الملائكة استغفار ودعاء.
1091
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ المَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلاَ تَذَرُوا فُرُجَاتٍ للشَّيْطَانِ، ومَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللّهُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسْنادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- أقيموا الصفوف: سووها.
- وحاذوا بين المناكب: أي اجعلوها على سمت واحد مستوية في الصف.
- الخلل: أي الفُرج في الصفوف.
- لينوا بأيدي إخوانكم: كونوا لينين منقادين لمن يقدمكم ويؤخركم في الصف لتستووا فيه.
- ولا تذروا: لا تتركوا.
- فرجات: أي مكانًا فارغًا، وذلك بأن تتراصوا في الصفوف.
فوائد الحديث
- وجوب تسوية الصفوف ووصلها لسد فرجها وتكميلها بأن لا يشرع في صف حتى يكمل ما قبله.
- الزجر عن قطع الصفوف، بأن يقف في صف وبين يديه صف آخر ناقص أو فيه فرجة، فإهمال تسوية الصفوف وقطعها يؤدي إلى قطع المودة بين المسلمين وعنوان التفكك.
- أنّ في مساواة الصف تقارب قلوب المسلمين بعضهم ببعض.
1092
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَها، وحَاذُوا بِالْأَعْناقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إِنَّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كأنَّهَا الحَذَفُ»
حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسْنادٍ على شَرْطِ مُسْلِمٍ
مفردات الحديث
- حاذوا بالأعناق: أي ساووا بين المناكب.
- خلل الصف: فرجها وتباعدها عن بعضها.
- الْحَذَف: هِي غَنَمٌ سُودٌ صِغَارٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ.
فوائد الحديث
- وجوب رصّ الصفوف إلى بعضها وتقاربها، وإلا فاتت فضيلة الجماعة حيث لا عذر.
1093
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عَنْ أَنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ المُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ المُؤَخَّرِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسْنادٍ حَسَنٍ
فوائد الحديث
- تأكيد إتمام الصفوف بالترتيب، وأنّ من وقف في صف قبل تمام ما قبله كان مقصرًا تاركًا للسنة.
1094
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْها قَالتْ: قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إِنَّ اللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسْنادٍ عَلى شرْطِ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ رَجُلٌ مُخْتَلَفٌ فِي تَوْثِيقِهِ
مفردات الحديث
- يصلون: الصلاة من اللّهِ الثناء الحسن المستوجب للرحمة، ومن الملائكة استغفار.
- ميامن الصفوف: أي عن يمين الإمام.
فوائد الحديث
- أفضلية الوقوف عن يمين الإمام.
- يسن إذا وصل المأموم المسجد ووجد الناس متوسطين الإمام ووجد فرجة على يمينه وأخرى عن يساره، أن يسد فرجة اليمين، وهذا لا ينافي البدء في وسط الصف وراء الإمام، لأنّ أفضلية المتيامن تبدأ من بعد ذلك.
1095
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ علَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ قِنِي عذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ -أَوْ تَجْمَعُ- عِبَادَكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يقبل علينا بوجهه: أي بعد السلام من الصلاة يلتفت النَّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم جهة اليمين بوجهه.
فوائد الحديث
- استحباب انفتال الإمام نحو المصلين عن يمينه قبل القيام من الصلاة، وأن لا يسارع بالخروج أو يبقى موليًا ظهره للمصلين.
- أن يرفع صوته بالدعاء بحيث يسمعه من كان قريبًا منه إذا قصد تعليمهم.
1096
باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وَسِّطُوا الإِمَامَ، وَسُدُّوا الخَلَلَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- وسطوا الإمام: أي اجعلوا موقفه في الوسط بينكم
فوائد الحديث
- يمين الإمام وإن كان أفضل من يساره فإنه لا ينبغي أن يقف المصلون كلهم عن يمين الإمام ويعطلوا ما عن يساره.
- في الأمر بسد الخلل في الصلاة إشارة لتوسيع ذلك في سائر حياتنا بسد الخلل في مجتمعنا والقيام بما يغفل عنه بقية الناس من أعمال وأدوار.
1097
باب فضل السنن الراتبة مع الفرائض وبيان أقلها وأكملها وما بينهما
عنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ حبِيبَةَ رَمْلةَ بِنْتِ أَبي سُفْيَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما قَالتْ: سَمِعْتُ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي للّهِ تَعَالى كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطُوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلّا بَنَى اللّهُ تَعَالَى لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ. أَوْ: إِلّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- تطوعًا: أي زيادة على الفرائض.
فوائد الحديث
- استحباب المحافظة على أداء الاثنتي عشرة ركعة تطوعًا.
- جاء تفصيل هذه الركعات في حديث أم حبيبة (أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ).
1098
باب فضل السنن الراتبة مع الفرائض وبيان أقلها وأكملها وما بينهما
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، ورَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، ورَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، ورَكْعَتَيْنِ بعْدَ الْعِشَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- تأكيد استحباب هذه الركعات العشر.
- ورد في هذا الحديث ذكر عدد من النوافل اليومية ونافلة أسبوعية وهي الركعتان بعد الجمعة ولم يُذكر فيه سنة الفجر وهي أهم السنن الرواتب فلا يعارض أحاديث تحديد عدد السنن الرواتب وأنها اثنتا عشرة ركعة.
- الأفضل في صلوات النوافل أداؤها في البيت إلا لسبب.
1099
باب فضل السنن الراتبة مع الفرائض وبيان أقلها وأكملها وما بينهما
عنْ عَبْدِ اللّهِ بنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذانَيْنِ صَلاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ» وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الأَذَانَيْن: المُرَادُ بـالأَذَانَيْن: الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ.
فوائد الحديث
- استحباب صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة.
- قوله "لمن شاء" فيه بيان أنّها غير واجبة حتى لا يفهم أحد من تكرار الأمر بها الوجوب.
1100
باب تأكيد ركعتي سُنّة الصّبح
عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ لاَ يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- قبل الغداة: أي قبل صلاة الصبح.
فوائد الحديث
- تأكيد استحباب هذه الركعات من النوافل.
- أنّ النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم أحرص البرية على الدلالة إلى الخير والعمل به، فإن دلنا على خير فعلينا أن نحرص ونداوم عليه.
1101
باب تأكيد ركعتي سُنّة الصّبح
عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
مفردات الحديث
- أشد تعاهدًا: أي التزامًا بها وحرصًا عليها.
فوائد الحديث
- التأكيد الزائد في استحباب ركعتي سُنة الفجر.
- حرص النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم الشديد على أداء هاتين الركعتين.
1102
باب تأكيد ركعتي سُنّة الصّبح
عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • وفي رِوَايةٍ: «لَهُمَا أَحَبُّ إِليَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا».
فوائد الحديث
- بيان عظيم فضل ركعتي الفجر.
- عظم الثواب الذي رتبه ربنا تبارك وتعالى على صلاة ركعتي الفجر مع أنّهما عمل قليل دليل على فضل اللّهِ وواسع كرمه.
1103
باب تأكيد ركعتي سُنّة الصّبح
عنْ أَبي عَبْدِ اللّهِ بِلالِ بْنِ رَبَاحٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ -مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُؤْذِنَهُ بِصَلاةِ الغَدَاةِ، فَشَغَلتْ عَائِشَةُ بِلالًا بِأَمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ، حَتَّى أَصْبَحَ جِدًّا، فَقَامَ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، وتَابَعَ أَذَانَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلمَّا خَرَجَ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ شَغَلَتْهُ بِأَمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ حتَّى أَصْبَحَ جِدًّا، وَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ بالْخُرُوجِ، فَقَالَ -يَعْنِي النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: «إِني كُنْتُ رَكَعْتُ ركْعَتَيِ الْفَجْرِ» فَقَالَ: يَا رسُولَ اللّهِ، إِنَّكَ أَصْبَحْتَ جِدًّا فقالَ: «لوْ أَصْبَحْتُ أَكْثَرَ مِمَّا أَصْبَحْتُ لَرَكَعْتُهُمَا، وأَحْسَنْتُهُمَا، وَأَجْمَلْتُهُمَا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
مفردات الحديث
- ليؤذنه: ليعلمه.
- حتى أصبح جدًا: أي دخل في وقت الصباح دخولًا كثيرًا وبدأ ضوؤه ينتشر في الأفق.
- وتابع أذانه: أي إعلامه، وأتبع بعضه بعضًا لما رأى من الإصباح.
- لو أصبحت أكثر: أي لو دخلت في وقت الصباح أكثر ولو لم أكن صليتُهما لصليتهما.
فوائد الحديث
- تأكيد استحباب ركعتي الفجر والحرص على أن يكون أداؤهما قبل صلاة الفجر.
1104
باب تخفيف ركعتي الفجر وبيان ما يقرأ فيهما، وبيان وقتهما
عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي رِوَايَةٍ لَهُمَا: يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، فَيُخَفِّفُهُمَا حتَّى أَقُولَ: هَل قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ؟! • وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ إِذَا سَمِعَ الأَذَانَ وَيُخَفِّفُهُمَا، وفي رِوَايَةٍ: إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ.
مفردات الحديث
- ركعتين خفيفتين: وذلك بتخفيف زمن القراءة والركوع والسجود بخلاف غالب عادته صلّى اللّهُ عليه وسلّم في التطويل فيها، فالخفة هنا نسبية وليس فيها إخلال بشيء من الأركان.
- بأمّ القرآن: هي الفاتحة، وسمّيت أمّ القرآن لاشتمالها على مجمل مقاصد القرآن.
فوائد الحديث
- استحباب تخفيف سنّة الصبح قراءة وأركانًا والإسراع بها بين الأذان والإقامة، للتفرغ لصلاة الفرض وتطويل القراءة فيها.
- مبادرة النَّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بركعتي سنّة الصبح، دليل على الاهتمام بهما.
1105
باب تخفيف ركعتي الفجر وبيان ما يقرأ فيهما، وبيان وقتهما
عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ لاَ يُصَلِّي إِلّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
مفردات الحديث
- وبدا الصبح: أي ظهر الفجر الصادق، وهو الذي يطلع معترضًا في الأفق.
فوائد الحديث
- أنّ وقت سنّة الصبح إنّما يكون بعد التحقق من طلوع الفجر الصادق.
- الاقتصار بعد طلوع الفجر على ركعتي سنّة الصبح، والسنّة فيهما التخفيف.
1106
باب تخفيف ركعتي الفجر وبيان ما يقرأ فيهما، وبيان وقتهما
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: كانَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، ويُوتِرُ برَكْعَةٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، ويُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الغَدَاةِ وَكَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- مثنى مثنى: أي ركعتين ركعتين.
- وكأنّ الأذان بأذنيه: المراد بالأذان هنا الإقامة، والمعنى أن النَّبِيّ كان يسرع إلى صلاة ركعتي الفجر كإسراع من يسمع إقامة الصلاة خشية فوات أول الوقت.
فوائد الحديث
- الأفضل في صلاة الليل أن تصلي ركعتين ركعتين.
- في الحديث أنّ أقل الوتر ركعة، ويصليها منفصلة عما قبلها بالتسليم.
- استحباب المبادرة إلى صلاة ركعتي سنّة الفجر والتخفيف فيهما.
1107
باب تخفيف ركعتي الفجر وبيان ما يقرأ فيهما، وبيان وقتهما
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي الأُولَى مِنْهُمَا: قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ ومَا أُنْزِلَ إِليْنَا الآيَةَ الَّتِي فِي (الْبَقْرَةِ)، وفي الآخِرَةِ مِنْهُمَا: آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. • وَفِي رِوَايَةٍ: في الآخِرَةِ الَّتِي في (آلِ عِمْرَانَ): تَعَالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنا رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- الآية التي في سورة البقرة: رقمها: ١٣٦
- وفي الآخرة منهما ﴿آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: الآية في سورة آل عمران: رقمها: ٥٢.
- التي في (آل عمران) ﴿تَعَالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنا﴾: رقمها: ٦٤.
فوائد الحديث
- استحباب القراءة في ركعتي سنّة الصبح بالآيتين من سورة البقرة وآل عمران مع الفاتحة، وهي إحدى الصيغ الواردة في السنة.
- في هذه الآيات التي تُقرأ تأكيد لوحدة الأنبياء في توحيد اللّهِ ومباينة طريقتهم لمن انتسب إليهم ممن حرَّف دين اللّهِ.
1108
باب تخفيف ركعتي الفجر وبيان ما يقرأ فيهما، وبيان وقتهما
عنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قرَأَ في رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الحديث
- استحباب القراءة في ركعتي سنّة الصبح بهاتين السورتين مع الفاتحة.
1109
باب تخفيف ركعتي الفجر وبيان ما يقرأ فيهما، وبيان وقتهما
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَهْرًا، وَكَانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
مفردات الحديث
- رمقت النَّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم شهرًا: راقبت صلاته شهرًا كاملًا.
فوائد الحديث
- الجمع بين ما ورد من قراءة في ركعتي سنّة الفجر في هذه الأحاديث الثلاثة، هو: أن يقرأ المسلم أحيانًا بهذا، وأحيانًا بهذا، تطبيقًا للسنّة، فيما وردت به من وجوه.
1110
باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن والحثّ عليه سواء كان تهجد بالليل أم لا
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَع عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- اضطجع: رقد.
- على شقه: على جنبه.
فوائد الحديث
- قيل في سبب هذا الاضطجاع المذكور بين صلاة سنّة وفريضة الفجر أنّه لتجديد نشاطه صلّى اللّهُ عليه وسلّم بعد قيامه لصلاة الليل.
- الاضطجاع على اليمين لشرفها ولكون القلب يميل إلى الجهة اليسرى فيكون أسهل في الاستيقاظ كما بيَّن ذلك العلماء.
1111
باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن والحثّ عليه سواء كان تهجد بالليل أم لا
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاةِ الْعِشَاءِ إلى الفَجْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتيْنِ، ويُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ مِنْ صَلاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجاءَهُ المُؤَذِّنُ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • قَوْلُهَا: «يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ»
هَكذَا هُوَ في (مُسْلِمٍ)، وَمَعْنَاهُ: بعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ
مفردات الحديث
- تبين له الفجر: أي ظهر له الفجر الصادق، واحترز به عن الأذان الأول للفجر.
فوائد الحديث
- أنّ وقت صلاة الوتر يبدأ من بعد صلاة العشاء وطلوع الفجر.
- دقة الصحابة وأمهات المؤمنين رضي اللّهُ عنهم في نقل تفاصيل تعبداته صلّى اللّهُ عليه وسلّم ليسهل التأسي بها.
1112
باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن والحثّ عليه سواء كان تهجد بالليل أم لا
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ ركْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلى يَمِينِهِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ والتِّرْمِذِيُّ بأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
فوائد الحديث
- الحثّ على الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.
- استحبابها في البيت دون المسجد، إذ لم ينقل عنه صلّى اللّهُ عليه وسلّم أنّه فعله في المسجد.
1113
باب سنّة الظهر
عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- بيان السنّة الراتبة للظهر.
1114
باب سنّة الظهر
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ لا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فوائد الحديث
- أنّ النَّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم كان يداوم على أربع ركعات قبل الظهر، وعائشة رضي اللّهُ عنها أعلم بحال النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
1115
باب سنّة الظهر
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي في بَيْتي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ المَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ العِشَاءَ، وَيدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي ركْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان سنّة الظهر القبلية وأنّها أربع ركعات، والسنّة البعدية وأنّها ركعتان.
- بيان سنّة المغرب وأنّها ركعتان وكذلك سنّة العشاء.
1116
باب سنّة الظهر
عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «منْ حَافظَ عَلى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللّهُ على النَّارِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- حرمه اللّهُ على النار: أي حرم اللّهُ عليه الخلود في النار، وكذلك تؤول رواية " لم تمسه النار " أي نار الخلود.
- أربع ركعات قبل الظهر: المراد مع الفصل بين كل ركعتين بالتسليم، وليس أربعة بتسليمة واحدة
فوائد الحديث
- بيان فضل من حافظ على هذه الركعات قبل الظهر وبعده.
- اختلفت الأحاديث في أعداد ركعات الرَّواتب فعلًا وقولًا، فوردت أحاديث تدل على أن الرواتب عشر، وأخرى تدل على أنَّها اثنتا عَشْرة ركعة وهو الأقرب.
1117
باب سنّة الظهر
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ السَّائِبِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- قبل الظهر: أي قبل صلاة الفرض.
- بعد أن تزول الشمس: وبه يدخل وقت الظهر.
فوائد الحديث
- بيان فضيلة الوقت بعد الزوال والحثّ على الصلاة فيه.
- بيان ما كان يصليه النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم من نافلة الظهر القبلية.
1118
باب سنّة الظهر
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ إِذَا لَمْ يُصَلِّ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ صَلاَّهُنَّ بَعْدَهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
فوائد الحديث
- زيادة اهتمام النَّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بأربع ركعات قبل صلاة الظهر.
- في كلام عائشة رضي اللَّهُ عنها إيماء إلى العناية بالسنّة القبلية وتقديمها على المكتوبة، فإن أخرت عنها تُدورِكت فيما بقي من الوقت أداءً وبعده قضاءً.
1119
باب سنّة العصر
عنْ عَليِّ بْنِ أَبي طَالبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
مفردات الحديث
- بالتسليم: أي قوله: السلام عليكم ورحمة الله، وهو التحلل من الصلاة.
- ومن تبعهم: أي من تبع الملائكة في توحيد اللّهِ سبحانه وتعالى.
فوائد الحديث
- استحباب الصلاة أربعا قبل العصر، وهي ليست من السنن المؤكدة.
- أنّ في صلاة سنّة العصر الفصل بالتسليم بين كل ركعتين وهو الأفضل، تأسيًا بفعل النَّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
1120
باب سنّة العصر
عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «رَحِمَ اللّهُ امْرَأً صلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعًا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
فوائد الحديث
- الحثّ على صلاة سنّة العصر وهي قبلية وغير مؤكدة كتأكيد السنن الرواتب.
- الدعاء لمن واظب على هذه الركعات بالرحمة والمغفرة من اللّهِ تعالى.
1121
باب سنّة العصر
عنْ عَليِّ بنِ أَبي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإسْنادٍ صَحِيحٍ.
فوائد الحديث
- مشروعية صلاة ركعتين قبل العصر، وهي ليست ضمن السنن الرواتب.
- أنّ من صلّى ركعتين قبل العصر رجاء أجرها فإنّ فضل اللّهِ واسع.
1122
باب سنّة المغرب بعدها وقبلها
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ» قَالَ في الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- قبل المغرب: أي قبل صلاة فرض المغرب ركعتين.
- قال في الثالثة: يدل السياق على أن النَّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم كرر طلب الصلاة ثلاثًا حضًا على الاهتمام بذلك.
فوائد الحديث
- استحباب صلاة ركعتين قبل المغرب.
- قوله: "صلوا" مصروف من الوجوب إلى الاستحباب بقوله: "لمن شاء".
1123
باب سنّة المغرب بعدها وقبلها
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِبِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- يبتدرون: يتسابقون.
- السواري: جمع سارية وهي الأسطوانة [العمود]، وكانت أساطين المسجد النبوي الشريف من جذوع النخل على عهد رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم إلى عهد عثمان رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ.
فوائد الحديث
- أنّ أصحاب رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم كانوا يصلون ركعتين خفيفتين قبل المغرب.
- استحباب الصلاة قبل المغرب.
1124
باب سنّة المغرب بعدها وقبلها
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَكْعَتيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ المَغْرِبِ، فَقِيلَ: أَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلّاهُمَا؟ قالَ: كانَ يَرانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الحديث
- إقرار النَّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم الصحابة على صلاة ركعتين قبل المغرب.
1125
باب سنّة المغرب بعدها وقبلها
عَنْ أَنَسٍ رضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِصَلاةِ المَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الغَرِيبَ ليَدْخُلُ المَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الحديث
- استحباب الصلاة قبل المغرب كان مشهورًا ومعلومًا.
1126
باب سنّة الجمعة
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا صَلَّى أَحدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- استحباب صلاة أربع ركعات بعد الجمعة يفصل بينهن بالتسليم.
1127
باب سنّة الجمعة
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ لا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الحديث
- أنّ النَّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم كان يصلّي سنّة الجمعة البعدية ركعتين في البيت.
- قال بعض العلماء: إن صلّى في المسجد صلّى أربعًا وإن صلّى في بيته صلّى ركعتين، وقال بعضهم في الجمع بين الحديثين أنّه لا بأس أن يصلّيها ركعتين وإن صلاها أربعًا فهو أكمل سواء في البيت أو المسجد.
1128
باب استحباب جعل النوافل في البيت سواء الراتبة وغيرها، والأمر بالتحول للنافلة من موضع الفريضة أو الفصل بينهما بكلام.
عَنْ زيْدِ بنِ ثابتٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ أَفْضَلَ الصَّلاةِ صَلاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلّا الْمكْتُوبَةَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- صلوا أيها الناس: الأمر متوجه للرجال، أما النساء فإن الأصل في صلاتهن البيوت فلا يحتجن لهذا الخطاب.
- المكتوبة: صلاة الفرض، وفعلها في المساجد جماعة للرجال هو الأصل إلا لعذر.
فوائد الحديث
- استحباب صلاة النافلة في البيت، لأن ذلك أبعد عن الرياء، ولتعود البركة على المنزل ومن فيه.
- في صلاة النافلة في البيوت تعويد للأبناء الصغار على الصلاة وتحبيب لهم فيها.
1129
باب استحباب جعل النوافل في البيت سواء الراتبة وغيرها، والأمر بالتحول للنافلة من موضع الفريضة أو الفصل بينهما بكلام.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلاتِكُمْ في بُيُوتِكُمْ، ولا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- من صلاتكم: أي بعض صلاتكم وهي النفل.
- ولا تتخذوها قبورًا: أي كالقبور في خلوها من العمل والعبادة.
فوائد الحديث
- الحضّ على تعمير البيوت بالصلاة، وعدم جعل البيت شبيهًا بالقبر في خلوه من الخير والعمل الصالح.
- أنّ المقابر ليست محلًا للصلاة، وأنّ المساجد ليست محلًا للدفن فيها.
1130
باب استحباب جعل النوافل في البيت سواء الراتبة وغيرها، والأمر بالتحول للنافلة من موضع الفريضة أو الفصل بينهما بكلام.
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذَا قَضَى أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ في مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتهِ نَصِيبًا مِنْ صَلاتِهِ، فَإنَّ اللّهَ جَاعِلٌ في بَيْتِهِ مِنْ صَلاتِهِ خَيْرًا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- إذا قضى أحدكم صلاته: أي المفروضة.
- نصيبًا من صلاته: جزءًا من صلاة النفل.
فوائد الحديث
- أنّ المداومة على تعمير البيت بصلاة النوافل سبب لملئه بالخير والبركة.
1131
باب استحباب جعل النوافل في البيت سواء الراتبة وغيرها، والأمر بالتحول للنافلة من موضع الفريضة أو الفصل بينهما بكلام.
عنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ في الصَّلاةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، صَلَّيْتُ مَعَهُ الجُمُعَةَ في المَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإِمَامُ قُمْتُ في مقَامِي فَصلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخلَ أَرْسَلَ إِليَّ فقالَ: لا تَعُدْ لِمَا فعَلْتَ، إذا صلَّيْتَ الجُمُعَةَ فَلا تَصِلْهَا حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تخْرُجَ، فَإنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَمَرَنا بِذَلكَ، أَلّا نُوصِلَ صَلاةً بِصَلاةٍ حتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- المقصورة: هي الحجرة الصغيرة تكون في البيت أو المسجد، والمقصود هنا جزء في المسجد مخصوص.
- لا تعد: أي لا تعد إلى وصل النافلة بالمكتوبة، والنهي للكراهة.
فوائد الحديث
- أنّ من السنّة الفصل بين الصلاة المكتوبة وصلاة النفل بكلام، أو خروج من المسجد إلى البيت، أو بتغيير مكان فعل الفريضة.
1132
باب الحثّ على صلاة الوتر وبيان أنّه سنّة مؤكدة وبيان وقته
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالَ: الوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَصَلاةِ المَكْتُوبَةِ، ولكِنْ سَنَّ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ»
رَوَاهُ أبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- ليس بحتم: أي ليس بفرض، بل هو سنة مؤكدة.
- إن الله وتر: أي واحد ذاتًا وصفاتٍ وأفعالًا.
- يحب الوتر: أي يحب العدد الفردي الموافق لصفته، ولذلك كانت مرات الطواف والسعي ورمي الجمار، وعدد التسبيحات في الصلاة، وصلاة الوتر فردية لا زوجية.
- فأوتروا يا أهل القرآن: أهل القرآن هم القراء والحفاظ، وتخصيصهم يدل على أنًهم أولى الناس بالحرص على صلاة الوتر لما معهم من نعمة القرآن.
فوائد الحديث
- تأكيد سنّية صلاة الوتر.
- المواظبة على أداء صلاة الوتر سبب من أسباب النجاة وتحصيل محبة اللّه تعالى.
1133
باب الحثّ على صلاة الوتر وبيان أنّه سنّة مؤكدة وبيان وقته
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، ومَنْ أَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، وَانْتَهى وِتْرُهُ إلى السَّحَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- صلاة الوتر جائز أداؤها في أي جزء من أجزاء الليل.
- تحديد وقت صلاة الوتر ما بين تأدية صلاة العشاء وطلوع الفجر الصادق.
1134
باب الحثّ على صلاة الوتر وبيان أنّه سنّة مؤكدة وبيان وقته
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- أنّ من السنّة جعل الوتر آخر شيء بعد صلاة الليل سواء كانت سنّةً راتبةً أو تراويحًا أو تهجدًا أو نفلًا مطلقًا.
- قيل من الحكمة في الختام بالوتر أن الوتر أفضل من هذه الصلوات الليلية فنُدِب وقوعه بعدها ليختم عمله بالأفضل
- ما ورد من صلاته صلّى اللّهُ عليه وسلّم للوتر في أول الليل دليل على جواز أن يجعل الإنسان صلاة الليل كلها في أوله.
1135
باب الحثّ على صلاة الوتر وبيان أنّه سنّة مؤكدة وبيان وقته
عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أوتروا: صلوا الوتر.
- قبل أن تصبحوا: قبل أن يؤذّن الصبح.
فوائد الحديث
- أنّ وقت الوتر ينتهي بأذان الفجر الصادق.
- العناية النبويّة بالنوافل، وتحديد أوقاتها وأوصافها.
1136
باب الحثّ على صلاة الوتر وبيان أنّه سنّة مؤكدة وبيان وقته
عَنْ عَائِشةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي صَلاتَهُ بِاللَّيْلِ وهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإذَا بقِيَ الوِتْرُ أَيْقَظَهَا فَأَوْتَرَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَإذَا بَقِيَ الوِتْرُ قَالَ: «قُومِي فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ»
مفردات الحديث
- يصلي صلاته بالليل: كان أولًا يصلي في أول الليل، ثم صار يصلي في جوف الليل، ثم استقر وتره في آخر الليل عليه الصلاة والسلام في وقت التنزيل الإلهي، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما.
- معترضة بين يديه: أي نائمة بينه وبين القبلة.
فوائد الحديث
- استحباب إيقاظ الإنسان غيره في الليل ليحصِّل شيئًا من فضيلة الصلاة فيه.
- جواز صلاة الإنسان وأمامه شخص نائم.
1137
باب الحثّ على صلاة الوتر وبيان أنّه سنّة مؤكدة وبيان وقته
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ»
رَوَاهُ أبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- بادروا الصبح بالوتر: أي صلوا الوتر قبل طلوع الفجر.
فوائد الحديث
- استحباب تأخير الوتر إلى ما قبل طلوع الفجر الصادق لمن وثق بالاستيقاظ آخر الليل، وأما من لا يثق بذلك فالتقديم أفضل.
1138
باب الحثّ على صلاة الوتر وبيان أنّه سنّة مؤكدة وبيان وقته
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، قَالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ خَافَ أَلّا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وذَلِكَ أَفْضَلُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- من خاف: أي ظن عدم قدرته على الاستيقاظ.
- ومن طمع أن يقوم: أي كان الغالب على ظنه الاستيقاظ بحسب عادته، أو وجود من يوقظه.
- مشهودة: أي تشهدها الملائكة المتعاقبون الذين ينزلون بالخير والبركات.
فوائد الحديث
- بيان فضل تأخير صلاة الوتر لمن تأكد الاستيقاظ قبل الفجر الصادق
- من الحكمة في تأخير الوتر تحصيل ما في آخر الليل من الهدوء والنفحات الربانية المباركة.
1139
باب فضل صلاة الضحى وبيان أقلّها وأكثرها وأوسطها، والحثّ على المحافظة عليها
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِصِيامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- بصيام ثلاثة أيام من كل شهر: ليكون كصيام الدهر كما جاء في الحديث لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقيل إنّها عامة وأفضلها اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر الهجري.
فوائد الحديث
- فضل صلاة ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والحرص على صلاة الوتر.
- الْإِيتَارُ قَبْلَ النَّوْمِ إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لا يَثِقُ بالاسْتِيقَاظِ آخِرَ اللَّيْلِ فَإنْ وَثِقَ فآخِرُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ.
- استحباب التوصية على الطاعات وفعل الخيرات.
1140
باب فضل صلاة الضحى وبيان أقلّها وأكثرها وأوسطها، والحثّ على المحافظة عليها
عَنْ أَبي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ: فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وأَمْرٌ بالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، ويُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- سُلامى: المِفصل من مفاصل الجسم.
- صدقة: أي عليه أن يتصدق بها شكرًا للّه على عظيم نعمته.
- تحميدة: حمدُ اللّه تعالى بأيّ عبارة دلت عليه.
- تهليلة: قول لا إلـٰه إلّا اللّه.
- يجزئ: أي يكفي.
فوائد الحديث
- الحثّ على صلاة الضحى وبيان كمال شرفها، وأن أقلها ركعتان.
- اتساع مفهوم الصدقة حتى شملت أنواعًا كثيرة من البرّ.
1141
باب فضل صلاة الضحى وبيان أقلّها وأكثرها وأوسطها، والحثّ على المحافظة عليها
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، ويَزِيدُ مَا شَاءَ اللّهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الحديث
- الأكمل في صلاة الضحى أن تكون أربع ركعات على الأقل، مع جواز كونها ركعتين.
- لا حصر للزيادة في صلاة الضحى في هذا الحديث، ولكن استقراء الأحاديث الواردة عن رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم فيها بيان أنّه لم يزد على الثماني.
1142
باب فضل صلاة الضحى وبيان أقلّها وأكثرها وأوسطها، والحثّ على المحافظة عليها
عَنْ أُمِّ هَانِيءٍ فَاخِتَةَ بِنْتِ أَبي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالتْ: ذهَبْتُ إِلى رسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ صَلَّى ثَمَانيَ رَكَعَاتٍ، وَذلكَ ضُحَىً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهَذَا مُخْتَصُرُ لفْظِ إحْدَى رِوَاياتِ مُسْلِمٍ.
مفردات الحديث
- عام الفتح: أي فتح مكة، وكان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة.
- ثماني ركعات: زاد أبو داود وابن خزيمة: "يُسلِّم من كل ركعتين".
فوائد الحديث
- أنّ أكثر صلاة الضحى ثماني ركعات، وهو الأفضل، استدلالًا بفعله صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
1143
باب تجويز صلاة الضحى من ارتفاع الشمس إلى زوالها والأفضل أن تصلى عند اشتداد الحرّ وارتفاع الضحى
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، فقالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلاةَ في غَيْرِ هذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «صَلاةُ الأوَّابِينَ حِينَ ترْمَضُ الفِصَالُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يصلون من الضحى: أي يصلون أول وقت الضحى.
- الأوابين: من الأوبة: وهي الرجوع، أي الرجَّاعون إلى اللّهِ تعالى بالتوبة والاستغفار والطاعة.
- ترمض الفصال: الرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس، أي حين تحترق أخفاف الفصال، وهي الصغار من أولاد الإبل، وذلك من شدة الحر، وهو أفضل وقت لصلاة الضحى.
- تَرمَض: أي شِدَّةَ الْحَرِّ الحارقة
- الفِصالُ: جَمْعُ فَصِيلٍ، وَهُوَ الصَّغِيرُ مِنَ الْإِبِلِ.
فوائد الحديث
- أنّ صلاة الضحى تجوز من ارتفاع الشمس إلى زوالها، ولكن الأفضل أن تُصلى عند ارتفاع الشمس واشتداد الحر.
1144
باب تجويز صلاة الضحى من ارتفاع الشمس إلى زوالها والأفضل أن تصلى عند اشتداد الحرّ وارتفاع الضحى
عنْ أَبي قتادةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- النهي النبويّ الصريح عن جلوس الداخل إلى المسجد إلّا بعد صلاة.
- أنّ تحية المسجد ليست سنّة مستقلة بل أي صلاة يصليها الإنسان عند دخول المسجد فريضة أو سنة تعتبر تحية له.
1145
باب تجويز صلاة الضحى من ارتفاع الشمس إلى زوالها والأفضل أن تصلى عند اشتداد الحرّ وارتفاع الضحى
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- أمر النبي صلّى اللّهُ عليه وسلّم لمن دخل المسجد بصلاة ركعتين يدل على تأكيد الاهتمام بهذه الصلاة.
- اصطلح الفقهاء على تسمية هاتين الركعتين بتحية المسجد، والخلاف بينهم قوي في استحبابها أو وجوبها وفي تفاصيلها.
1146
باب استحباب ركعتين بعد الوضوء
عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال لبلال: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة» قال: ما عملت عملًا أرجى عندي من أنّي لم أتطهّر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلّا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وهذا لفظ البخاري.
مفردات الحديث
- بلال: هو بلال الحبشي مؤذن رسول الله صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
- بأرجى عمل: أي بالعمل الذي هو أكثر رجاء في حصول أجره.
- بين يدي: أمامي.
- لم أتطهر طهوراً: يشمل هذا الوضوء والغسل والتيمم ولو على الاستحباب.
- ما كتب لي: أي ما تيسر لي.
فوائد الحديث
- فضل صلاة ركعتين فما فوقهما بعد الوضوء أو الغسل أو التيمم، وأن المداومة على ذلك سبب في تحصيل الثواب الجزيل في الجنة.
- تفوت ركعتا سنّة الوضوء بطول الفصل
1147
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل يوم الجمعة على سائر الأيام، لما حدث فيه من الأمور العظام، فآدم أصل النوع المفضل على جميع المخلوقات خلق فيه، وكان تكريمه بدخول الجنّة في هذا اليوم، كما كان إنزاله إلى الأرض يوم الجمعة.
- الحثّ على الأعمال الصالحة فيه، والتأهب لما يجلب رحمة اللّه تعالى ويدفع نقمته، إذ فيه ستقوم الساعة أيضًا.
1148
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وأنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أحسن الوضوء: أتى بآدابه وسننه وأسبغ غسل الأعضاء.
- أتى الجمعة: صلاة الجمعة في المسجد.
- فاستمع وأنصت: أي إلى الخطبة.
- غفر له: أي الذنوب الصغيرة.
- وزيادة: أي لأنّ الحسنة بعشرة أمثالها.
- مس الحصى: عبث بها.
- لغا: أتى بما هو مذموم من اللغو، وهو كل كلام باطل، وما لا فائدة فيه.
فوائد الحديث
- بيان فضل صلاة الجمعة وأنّها تكفر الذنوب الصغيرة.
- استحباب الوضوء في البيت ثم المجيء إلى الصلاة.
- الحثّ على الإنصات وتفهم الموعظة، والإقبال على العبادة بالقلب والجوارح.
- النهي عن العبث ولغو الكلام وكل ما يشغل الذهن والقلب أثناء الخطبة.
1149
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- الصلوات الخمس: أي المفروضة.
- الجمعة: أي صلاتها.
- رمضان: أي صومه.
- مكفرات: أي سبب في محو الذنوب وغفرانها.
- اجتنبت الكبائر: تركت، وهي كل ذنب توعد عليه بالعذاب، أو نهى عنه نهيًا شديدًا.
فوائد الحديث
- بيان فضل الصلوات المفروضة وصلاة الجمعة وصيام رمضان.
- أنّ من التزمها حفظه اللّه تعالى من الآثام وغفر له ما فرط منه من زلات الذنوب التي تكفر بالأعمال الصالحة هي الصغائر، وأما الكبائر فلا بد لها من التوبة.
1150
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ أَبي هُريْرَةَ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- وهو على أعواد منبره: أي وهو يخطب، والظاهر أنّه يخطب على المنبر الجمعة.
- أقوام: جمع قوم، والمراد بهم المنافقون.
- ودْعهم: تركهم.
- ليختمنّ: ليطبعنّ، والمعنى: يحكم عليهم بالكفر الأبدي.
- الغافلين: اللاهين عن ذكر اللّه.
فوائد الحديث
- التحذير الشديد من ترك صلاة الجمعة، وأنّ ذلك علامة النفاق وسبب لورود الهلاك.
- أنّ من أسباب الغفلة ترك الجمعات فينبغي الحذر من ذلك.
1151
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- جاء: أراد أن يحضر.
- فليغتسل: كالغسل المشروع من الجنابة في كيفيته.
فوائد الحديث
- أنّ الاغتسال ليوم الجمعة سنة مؤكدة.
1152
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- واجب: وُجُوبُ اختِيَارٍ، أي متأكد في حقه.
- محتلم: أي ممن يحضرها ذكرًا كان أم أنثى من البالغين.
فوائد الحديث
- واجب على كل محتلم معناه عند أكثر أهل العلم: أي متأكد، ويدل على هذا المعنى: اكتفاؤه صلّى اللّهُ عليه وسلّم بالوضوء في بعض الأحاديث وهكذا الطيب، والاستياك، ولبس الحسن من الثياب، والتبكير إلى الجمعة، كله من السنن المرغب فيها، وليس شيء منها واجبًا.
1153
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- فبها ونعمت: أي فبالرخصة أخذ ونعمت هي الرخصة الوضوء.
فوائد الحديث
- أنّ الغسل يوم الجمعة سنّة مؤكّدة، وبهذا قال جمهور العلماء، ويدخل وقته بطلوع الفجر، وينتهي بحضور الصلاة، وتقريبه من وقت الصلاة أفضل.
1154
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ إِلّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- ما استطاع من طهر: أي من غسل أو وضوء.
- دهنه: طيبه.
- طيب بيته: أهل بيته كالعطر ونحوه.
- لا يفرق: أي لا يتخطى الرقاب، وهو كناية عن التبكير لصلاة الجمعة وعدم إيذاء الآخرين.
- ما كتب له: ما قدّر له.
- تكلم الإمام: خطب.
فوائد الحديث
- استحباب المبالغة في النظافة والطهارة لحضور صلاة الجمعة، وكذلك وضع الروائح الطيبة الزكية، كي لا تظهر الروائح الكريهة التي تحصل من اجتماع عدد كبير من الناس، وهذا من آداب الإسلام ومحاسنه.
- الحثّ على التبكير للذهاب إلى الجمعة، وعدم إيذاء أحد بشيء ما.
- جواز التنفل قبل صلاة الجمعة في المسجد.
- الحثّ على الإنصات للخطبة.
- التحذير من الإيذاء بجميع صوره، كرفع الصوت، وتخطي الرقاب، ومزاحمة المصلين، وشق الصفوف وغير ذلك مما يؤذي المسلمين.
1155
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولَى، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإذَا خَرَجَ الْإِمَامُ.. حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- غُسْلَ الْجَنَابَةِ: أَيْ غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي الصِّفَةِ.
- قرّب: تصدق بقصد التقرب من اللّهِ تعالى.
- بدنة: واحدة الإبل ذكرًا كان أم أنثى.
- أقرن: ذا قرون، ووصف بذلك لأنه أكمل وأحسن صورة.
- خرج الإمام: صعد الخطيب المنبر.
- حضرت الملائكة: وهم المكلفون بكتابة أسماء المبكرين إلى الجمعة، والمعنى أنهم يتركون الكتابة عندها.
- الذكر: الموعظة.
فوائد الحديث
- بيان فضل التبكير إلى صلاة الجمعة والحثّ على ذلك، وأنه كلما بكر أكثر كان ثوابه أكبر، وثواب التبكير زيادة عن ثواب صلاة الجمعة ويفوت بصعود الخطيب إلى المنبر.
- في صلاة الجمعة أسرار عظيمة وفوائد كبيرة منها حضور الملائكة الذين تلازمهم السكينة وترافقهم الرحمة.
- ثواب غسل الجمعة لا يحصل إلا إذا كان على كيفية غسل الجنابة من حيث شموله لجميع البدن وبقصد القربة، ولو اغتسل من جنابة ونوى مع رفع الحدث غسل الجمعة حصل ثوابه.
1156
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهَا سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْألُ اللّهَ شَيْئًا إِلّا أعْطَاهُ إيَّاهُ»
وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- ذكر يوم الجمعة: أي بالثناء عليه وبيان فضله.
- يوافقها: يصادفها.
- شيئًا: حلالًا وخيرًا.
- يقللها: يبين أنها فترة قليلة ولحظة خفيفة.
فوائد الحديث
- أنّ اللّه تعالى خص يوم الجمعة بساعة إجابة فضلًا منه وكرمًا، وأنّها فترة زمنية لطيفة خفيفة.
- الحثّ على الإكثار من الطاعة والابتهال إلى اللّهِ عزّ وجلّ في هذا اليوم لعله يصادف ساعة الإجابة.
1157
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ أَبي بُرْدَةَ بْنِ أَبي مُوسـَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلاَةُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- شأن: بيان وقت.
- ساعة الجمعة: ساعة الإجابة فيها.
- يجلس الإمام: أي على المنبر.
- تقضى: تنتهي.
فوائد الحديث
- أنّ ساعة الإجابة هي في فترة الخطبة والصلاة وهذا أصح الأقوال في وقتها، ولذلك تحضرها الملائكة، فينبغي حضور القلب والإخلاص في الإقبال على اللّهِ عزّ وجلّ في هذه الفترة.
1158
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيّب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النّبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر اللّه تعالى بعد الجمعة
عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أفْضَلِ أيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
فوائد الحديث
- الحثّ على الصلاة على النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، والإكثار من ذلك يوم الجمعة، ليكون ثوابها أفضل وأجرها أكثر، فالعمل الصالح يشرف بشرف زمانه ومكانه.
- أنّ صلاتنا على النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم تُعرض عليه بعد وفاته، بكيفية لا نعلم تفاصيلها، وأما غيرها من الأعمال فلا يعرف في نصوص الوحي نص صحيح يدل على أنها تُعرض، وأمور الغيب لا تثبت إلا بالدليل الصحيح.
- أفضل صيغ الصلاة على النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم الصلوات الإبراهيمية حيث أمر بها النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم أصحابه رضي اللّهُ عنهم وعلمهم إياها.
1159
باب استحباب سجود الشكر عند حصول نعمة ظاهرة أو اندفاع بلية ظاهرة
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ المَدِينَةَ، فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ عَزْوَرَاء نَزَلَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَدَعَا اللّهَ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، فَمَكَثَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ ساعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، فَعَلَهُ ثَلاَثًا، قَالَ: «إنِّي سَأَلْتُ رَبِّي، وَشَفَعْتُ لأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا شُكْرًا لِرَبِّي، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي، فَسَألْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، فَأعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي، فَسَألْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، فَأعْطَانِي الثُّلُثَ الآخِرَ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- عزوراء: اسم موضع قريب من مكة.
- نزل: أي توقف عن السير ونزل عن راحلته.
- شفعت لأمتي: أي أن يدخلوا الجنة، والشفاعة الطلب بتوسّل.
فوائد الحديث
- مشروعية سجدة الشكر واستحبابها عند حصول نعمة لنفسه أو لغيره، وكذلك عند اندفاع نقمة عنه أو عن غيره، وهي سجدة واحدة مثل سجدة التلاوة ويستحب تطويلها، ويستحب تكرارها كلما تجددت النعمة أو تكرر اندفاع النقمة، كما يستحب القيام للدعاء عقب الانتهاء من السجود ورفع اليدين إلى السماء أثناء الدعاء.
- اهتمام النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بأمّته ومدى رأفته بهم، ومزيد فضل اللّهِ عزّ وجلّ عليه وعليهم.
1160
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللّهِ وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّم مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- وَعَنِ الْمُغِيرَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْه نَحْوُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
- يقوم: يصلي.
- من الليل: جزءًا منه.
- تتفطر: أي تتشقق.
فوائد الحديث
- الحثّ على الإكثار من قيام الليل والدأب في العبادة اقتداء به صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
- قيام اللّيل خير دليل على شكر العبد لربه سبحانه وتعالى، لما فيه من مجاهدة النفس وحملها على ما تكره وترك ما تلذّ به.
1161
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ لَيْلَةً، فَقَالَ: «أَلاَ تُصَلِّيَانِ؟»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- ألا تصليان: أي قيام الليل.
فوائد الحديث
- مشروعية إيقاظ غيره لقيام الليل وتنبيهه لما فيه من مزيد فضل.
1162
باب فضل قيام الليل
عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ، عَنْ أَبِيِه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»
قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- قال: أي لحفصة عندما قصت عليه رؤيا رآها أخوها عبد اللّهِ بن عمر.
- لو كان يصلي: أي أتمنى أن يفعل ذلك حتى يكون أكثر فضلًا، وليست (لو) شرطية.
فوائد الحديث
- بيان مزيد فضل قيام الليل والحثّ عليه وأنّه من مراتب الكمال.
- مسارعة الصحابة رضي اللّهُ عنهم لما يبلغهم من مراتب الكمال.
- فضيلة عبد اللّهِ بن عمر رضي اللّهُ عنه.
- جواز الثناء على من يؤمن عليه إعجابه بنفسه والحثّ على تمني الخير لنفسه ولغيره.
1163
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضَيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَبْدَ اللّهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ؛ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يقوم الليل: أي يتهجد جزءّا من الليل.
فوائد الحديث
- استحباب المواظبة على قيام الليل، والحثّ على المداومة في الأعمال الصالحة، والتنفير من قطع ما اعتاده الإنسان من عمل البرّ.
- قليل العمل الدائم خير من كثيره المنقطع.
- الاقتداء بالمجتهدين وعدم التأسّي بالمقصرين.
1164
باب فضل قيام الليل
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ في أُذُنَيْهِ»، أَوْ قَالَ: «فِي أُذُنِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بال الشيطان: في بول الشيطان أقوال منها: أصوبها أنّه على الحقيقة ولا مانع من ذلك؛ حيث جاء في غير موضع أنّ الشيطان يشارك الإنسان في مأكله ومشربه و... إذا لم يستعذ باللّه تعالى.
فوائد الحديث
- كراهة ترك قيام الليل وأن ذلك من عمل الشيطان.
- إهمال التأسي بالنّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ سبب لتمكّن الشيطان وصرف الإنسان عن الطاعات.
1165
باب فضل قيام الليل
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ -إِذَا هُوَ نَامَ- ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللّهَ تَعَالَى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإلَّا أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يعقد: من العقد وهو الربط والتوثيق، وقيل المراد هنا العقد حقيقة ويكون من باب عقد السحر الذي يؤثر على المسحور فيمنعه من القيام.
- قافية: مؤخر العنق، وقيل هي مؤخرة الرأس، وتخصيصها بالذكر لأنه محل الواهمة وهي أطوع القوى للإنسان.
- يضرب: أي يقول.
- عليك: أي بقي عليك.
- فارقد: أي نم.
- طيّب النفس: راضيًا.
- خبيث النفس: ثقيلها كريه الحال.
فوائد الحديث
- أنّ الشيطان يسعى حثيثًا ليثبط المؤمن عن فعل الخير، وأنّ عدم القيام للصلاة في الليل استجابة للشيطان وتخاذل أمامه.
- الحثّ على الذكر والدعاء والصلاة في الليل.
- ذكر اللّهِ تعالى وعبادته تورث النشاط في النفس وانشراح الصدر وتطرد الكسل والخمول وتذهب الكرب والمقت، لأنّها تطرد الشيطان وهذه من وسوسته.
- المؤمن يسرّ بتوفيق اللّهِ تعالى له للقيام بطاعته، ويكتئب لتقصيره في درجات الفضل والكمال.
1166
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أيُّهَا النَّاسُ أفْشُوا السَّلامَ، وَأطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ
مفردات الحديث
- وصلّوا باللّيل: أي التهجد.
فوائد الحديث
- بشارة من التزم بهذه الأمور ودأب عليها.
- التهجّد في الليل لمن وسائل النجاة يوم القيامة، لما فيه من حرمان النفس لذيذ المنام ابتغاء مرضاة اللّهِ تعالى.
1167
باب فضل قيام الليل
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللّهِ المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- شهر اللّهِ المحرّم: أي الصوم فيه، وإضافته إلى اللّهِ تعالى للتشريف.
- أفضل الصيام: أي النفل.
فوائد الحديث
- أنّ أفضل صلاة النفل هي صلاة الليل؛ لأنّه وقت السكون والخشوع، والعمل فيه أبعد عن الرياء.
- الحثّ على صوم التطوع في شهر محرم.
1168
باب فضل قيام الليل
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- مثنى مثنى: ركعتان ركعتان.
- خفت الصبح: خشيت طلوعه بأن بدا ما يكون قبله.
فوائد الحديث
- أنّ الأصل في صلاة اللّيل وهو الأفضل أن تكون ركعتين ركعتين، ثم تختم بالوتر.
1169
باب فضل قيام الليل
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- صلاة التهجّد تصحّ في جميع أجزاء الليل.
- أنّ الأصل في صلاة اللّيل وهو الأفضل أن تكون ركعتين ركعتين، ثم تختم بالوتر.
1170
باب فضل قيام الليل
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَلّا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَلّا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيّا إِلّا رَأَيْتَهُ، وَلاَ نَاِئمًا إِلّا رَأَيْتَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- لا تشاء: أي لا تحب.
فوائد الحديث
- الحثّ على الإكثار من العبادة وخاصةً صيام النفل والتهجّد مع التوسط في ذلك بحيث لا يضيع الحقوق أو يقصر في الواجبات.
- الأفضل عدم تعيين بعض الليالي للقيام أو بعض الأيام للصيام، إلّا ما ورد تعيينه في السنّة كصيام الاثنين والخميس ويوم عرفة وعاشوراء أو تحري ما أكدت على أفضليته للقيام كالثلث الأخير من الليل.
1171
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً –تَعْنِي فِي اللَّيْلِ– يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ المُنَادِي لِلصَّلاةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- من ذلك: أي من الركعات المذكورة.
- يركع: يصلي.
- ركعتين: هما سنّة الفجر بعد طلوعه.
- شقّه: جانبه.
- المنادي: المؤذن وهو بلال رضي اللّهُ عنه.
فوائد الحديث
- استحباب إطالة السجود في صلاة اللّيل، لأنّ العبد يكون فيه أقرب إلى اللّهِ تعالى، وهذا يعبّر عن نهاية الخضوع والتذلل، وذلك لا يكون إلّا للّه تعالى.
- استحباب الاضطجاع كما ذكر بعد نافلة الفجر وقبل فرضها تذكيرًا للنّفس بضجعة القبر فيحملها ذلك على الخشوع في الصلاة، ولكن يشترط أن لا يكون في ذلك إيذاء للمصلين كما يفعله بعض العامة من اضطجاعهم في المساجد بشكل غير لائق، وفعله في البيت أفضل.
1172
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا كَانَ رسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ -فِي رَمَضَانَ وَلا في غَيْرِهِ- عَلى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبعًا فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلْبِي»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا تسأل: أي لا داعي للسؤال عن ذلك لظهوره.
- حسنهنّ: من حيث اشتمالهنّ على الآداب المطلوبة فيها.
- توتر: أي تصلي الوتر.
- ولا ينام قلبي: أي لا يغفل قلبي بحيث يغلبني النوم ولا أستيقظ قبل فوات الوقت.
فوائد الحديث
- استحباب تطويل صلاة اللّيل والإتيان بآدابها كاملة، والمحافظة على ذلك في جميع ركعاتها فلا ينشط أولها ثم يفتر آخرها.
- أنّ النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ كان لا يزيد في صلاة عن إحدى عشرة ركعة.
- لا يكره النّوم قبل الوتر لمن تمكّن من نفسه أنّه يستيقظ لأدائه قبل الفجر ويكره ذلك لمن لا يتمكّن منه.
1173
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْل، وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- كراهة قيام اللّيل كله.
- أنّ الأفضل أن ينام جزءًا من اللّيل ويقوم جزءًا منه حتى لا تملّ النفس ولا يكلّ الجسد.
- أن الأفضل أن يكون القيام في الجزء الأخير من اللّيل ليكون أنشط للعبادة.
1174
باب فضل قيام الليل
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سُوءٍ، قِيلَ: مَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- صلّيت: أي صلاة التهجد.
- هممت: قصدت وعزمت.
- أجلس وأدعه: أي أنوي مفارقته وأتمّ صلاتي منفردًا.
فوائد الحديث
- بيان طول صلاته صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ في الليل.
- جواز الجماعة في صلاة النّفل مطلقًا ولا تنقطع القدوة بالإمام بالهمّ بالمفارقة ما لم يعقد القلب على ذلك.
- جواز مفارقة الإمام للتطويل والأولى اجتناب ذلك إلّا لضرورة ملحة.
1175
باب فضل قيام الليل
عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المِئَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا في رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ» فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قالَ: «سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ»، ثُمَّ قَامَ طَويلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»
فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فافتتح البقرة: أي بعد قراءة الفاتحة، ولم يذكر الفاتحة اعتمادًا على فهم السامع لذلك.
- مضى: تابع القراءة.
- يركع بها: يركع عند تمامها.
- مترسلًا: أي يرتل الحروف ويعطيها حقها في إخراجها من الفم.
فوائد الحديث
- بيان طول صلاة النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ الليل وحسنها.
- جواز أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى والأفضل أن يقرأ الإنسان سور القرآن حسب ترتيبها في المصحف، ومنع بعضهم من ذلك وأجابوا عن الحديث بتأويلات منها أنّ ذلك كان قبل التوقيف في ترتيب المصحف.
1176
باب فضل قيام الليل
عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: سئل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت»
رَوَاهُ مُسلِمٌ
فوائد الحديث
- أنّ تطويل القيام في الصلاة أفضل من تطويل الركوع والسجود والإكثار منهما، وذلك لأنّ ذكر القيام: القرآن، وهو أفضل الأذكار.
1177
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلاةُ دَاوُودَ، وَأحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللّهِ صِيَامُ دَاوُودَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أحب الصلاة: أي أرضاها وأكثرها ثوابًا، والمراد صلاة قيام الليل.
- أحب الصيام: أي التنفل المطلق منه.
فوائد الحديث
- كراهة قيام الليل كلّه وصوم الدهر.
- استحباب أن يكون الصيام والقيام كصيام وقيام نبيّ اللّه داوود عليه السلام.
- الحثّ على إخفاء أعمال البر ليكون أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء.
1178
باب فضل قيام الليل
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللّهَ خَيْرًا مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لساعة: فترة من الزمن.
- يوافقها: يصادفها.
- رجل: المقصود رجل وامرأة.
فوائد الحديث
- الحثّ على القيام في الليل، في أي ساعة من ساعاته.
- إثبات ساعة الإجابة في كل ليلة، والإطلاق في الحديث يمكن أن يحمل على ما جاء مقيدًا بأنّها في الأجزاء الأخيرة من الليل.
1179
باب فضل قيام الليل
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلاَةَ برَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فليفتتح الصّلاة: أي فليبدأ التهجّد.
فوائد الحديث
- استحباب افتتاح صلاة قيام الليل بركعتين خفيفتين.
1180
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الحديث
- استحباب افتتاح صلاة قيام الليل بركعتين خفيفتين أسوة برسول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عليه، وذلك لإذهاب أثر النوم والفتور بعده وجلبًا للنشاط إلى العبادة على وجه الكمال.
1181
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاَةُ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- الصَّلاة من اللَّيل: أي ورده صلّى الله عليه وسلم من قيام اللّيل، وكان إحدى عشرة ركعة.
- من وجع: أي بسبب مرض أو نحوه.
- أو غيره: كاشتغاله بأهم منها.
فوائد الحديث
- من فاته ورده لعذر يستحب أن يقضيه بعد ذهاب عذره، كما فعل النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
- جواز قضاء النوافل.
1182
باب فضل قيام الليل
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- حزبه: ما يعتاده الإنسان من صلاة وقراءة وغير ذلك كالورد.
- كتب له: أي سجل له في صحيفة أعماله.
فوائد الحديث
- استحباب تعويض ما يفوته من أعمال الخير.
- الحديث يشير إلى أن عدد الركعات التي يقضيها بالنهار يستحب أن يكون بالمقدار الذي يواظب عليه بالليل.
- قضاء ما فاته له أجره كما لو فعله في وقته.
1183
باب فضل قيام الليل
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- أيقظ امرأته: أي للصلاة في الليل.
- نضح: رشّ.
فوائد الحديث
- الحثّ على التعاون على الطاعة والعمل الصالح.
- استحباب إيقاظ كل من الزوجين الآخر لقيام الليل، والاستعانة على ذلك بما يذهب عنه النوم الغالب.
- المساواة بين الرجل والمرأة في العبادة أداء لحقّ اللّهِ تعالى.
1184
باب فضل قيام الليل
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا قَالا: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا -أَوْ صَلَّى- رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
فوائد الحديث
- فضيلة أمر الرجل أهله من زوجه وغيرها بالنوافل والتطوعات.
- فضل من صلى مع أهله قيام الليل وأنهما من الذاكرين والذاكرات، قال تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٣٥].
1185
باب فضل قيام الليل
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبّ نَفْسَهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- نعس: من النعاس وهو الوسن من غير نوم، وعلامته أن يسمع كلام الحاضرين وإن لم يفهم معناه.
- يذهب يستغفر: أي يريد أن يستغفر.
- فيسبّ نفسه: أي بسبب غلبة النعاس.
فوائد الحديث
- كراهة إجهاد النفس بالعبادة بشرط عدم فوات الفريضة.
- الاقتصاد وترك الغلوّ في العبادة وحُمِل على نفل الليل لأنّه محلّ النوم.
- المُغالَاة في الأمور حتى في الطاعات قد تؤدِّي إلى عكس المُراد منها فيَقع في الإثْم بدلَ حُصولِ الأجر.
- الحثُّ على اليقَظَةِ والتَّنبُّهِ في الصَّلاةِ وعلى الخشوع وحضور القلب في العبادة.
1186
باب فضل قيام الليل
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ القُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فاستعجم: أي أصبح لا يدري ما يقول والتبس الكلام عليه.
- فليضطجع: فلينم.
فوائد الحديث
- الحثّ على الصلاة في الليل حال النشاط والقدرة على الفهم والخشوع واستحضار القلب مع اللّه عزً وجلّ.
- أنّ فضل التهجّد في الليل لا يتحقق مع النعاس والكسل.
- أنّ الصلاة في هذه الحال مكروهة.
- يستحب لمن داهمه النعاس وهو يقوم من الليل أن ينام قليلًا حتى يستعيد نشاطه، ويقاس على النعاس في الكراهة كل شاغل يشغله عن الخشوع والحضور فيستحب له التفرغ منه قبل الصلاة، ويقاس على صلاة الليل غيرها من الصلوات.
1187
باب استحباب قيام رمضان وهو التراويح
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- قام رمضان: أحيا لياليه بالعبادة.
- احتسابًا: إخلاصًا للّه تعالى.
فوائد الحديث
- الحثّ على قيام رمضان إيمانا واحتسابا.
- فضل قيام رمضان، وأنه من أسباب مغفرة الذنوب.
- وجوب الاحتساب والإخلاص للّه تعالى في فعل العبادة.
- يحصل قيام ليالي رمضان بصلاة التراويح، وقد صلاها النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ ثماني ركعات عدا ركعات الوتر، وتجوز فيها الزيادة كما فعل الصحابة رضوان اللّهِ عليهم.
- فيه جواز قول (رمضان) بدون أن تتقدمه كلمة (شهر).
1188
باب استحباب قيام رمضان وهو التراويح
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يرغّب: أي يذكر الثواب.
- بعزيمة: بحتم وإيجاب.
فوائد الحديث
- تأكيد استحباب قيام الليل في رمضان والحثّ على الإكثار من العبادة فيه.
- سميت تراويح لأنهم كانوا لطول قيامهم يستريحون بعد كل تسليمتين.
- أول من جمع الناس لقيام رمضان بعد رسول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ عمر رضي اللّهُ عنه واشتهر ذلك، وإنّما فعل ذلك لأنّ النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ صلّاها جماعة ثلاث ليال فلمّا كثر الناس في الثالثة وغصّ المسجد تركها خوفًا من أن تفرض عليهم.
1189
باب فضل قيام ليلة القدْر وبيان أرجى لياليها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- من قام ليلة القدر: أحياها بالعبادة.
- إيمانًا واحتسابًا: موقنًا بثوابها ومخلصًا في قيامها.
فوائد الحديث
- بيان فضل ليلة القدر والحثّ على قيامها وأنّ ذلك يكفر ما تقدم من ذنوب العبد.
- بيان سعة رحمة اللّهِ وفضله على عباده بتجاوزه عن ذنوبهم وسيئاتهم.
- فضل قيام ليلة القدر بعموم الطاعات وإن لم يعلمها.
1190
باب فضل قيام ليلة القدْر وبيان أرجى لياليها
عَنِ ابنِ عُمَرَ رضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرُوا ليْلَةَ القَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ فِي السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أُروا: من الرؤيا أي قيل لهم في المنام ذلك، أو رأوا تلك الليلة في الرؤيا.
- رؤياكم: لأنّها لم تكن رؤيا واحدة.
- تواطأت: توافقت.
- متحريها: التحري: القصد والاجتهاد في الطلب.
فوائد الحديث
- الاستئناس بالرؤى وعدم التعويل عليها؛ لأنها مِن الْمُبَشِّرَات، ولا يُجزَم معها بشيء، ولا يُبنى عليها أحكام شرعية إلا بإقرار من النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
- دليل على إخفاء ليلة القدر؛ لأن الشيء البيِّن لا يحتاج إلى الْتِماس وتَحَرٍّ.
1191
باب فضل قيام ليلة القدْر وبيان أرجى لياليها
عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجاوِزُ فِي العَشْـرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، ويَقُولُ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يجاوز: يعتكف.
- العشر الأواخر: أولّها ليلة الحادي والعشرين والتي تبدأ بغروب شمس يوم العشرين من رمضان، ونهايتها انقضاء الشهر.
فوائد الحديث
- من الحِكم في إخفاء ليلة القدر أن يتحفّز الناس للعبادة والدعاء في كلّ العشر، وألّا يخصّوا ليلة منها بعينها ويتركوا غيرها.
1192
باب فضل قيام ليلة القدْر وبيان أرجى لياليها
عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَحرَّوْا لَيْلةَ الْقَدْرِ فِي الْوَتْـرِ مِن الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- في الوتر: أي في الليالي المفردة؛ كإحدى وعشرين، وثلاثة وعشرين وهكذا.
فوائد الحديث
- أنّ ليلة القدر تكون في العشر الأواخر من رمضان والراجح أنّها في الليالي المفردة منه.
- الحثّ على الاعتكاف وإحياء ليالي العشر الأواخر من كلّ رمضان وتخصيصها بمزيد من الاجتهاد رجاء مصادفتها ليلة القدر، وهذه هي الحكمة من إبهامها فيه.
1193
باب فضل قيام ليلة القدْر وبيان أرجى لياليها
عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- أيقظ أهله: أقام منهم من يطيق القيام للعبادة.
- جدّ: بذل جهده وطاقته في أداء الطاعة.
- شدّ المئزر: المئزر هو الإزار وكني بشدّه عن اعتزال النساء أو التشمير للعبادة، يقال: شددت لهذا الأمر مئزري أي شمّرت له.
فوائد الحديث
- أنّ النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ كان يخصّ العشر الأواخر من رمضان بمزيد من الاجتهاد والعناية وتحرٍّي.
- عنايته صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ الخاصّة بأهله وحرصه على تحصيلهم لهذا الثواب العظيم.
1194
باب فضل قيام ليلة القدْر وبيان أرجى لياليها
عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي رَمَضَانَ مَا لا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ منْهُ مَا لا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يجتهد: يبذل جهده في العبادة ووجوه الخير والإقبال على اللّهِ عزّ وجلّ.
فوائد الحديث
- الحثّ على الإكثار من وجوه الطاعات في شهر رمضان عامّة والعشر الأخير منه خاصّة.
- إحياء ليالي العشر الأخير بالعبادة والدعاء رجاء موافقة ليلة القدر.
- يستحبّ للرجل حثّ أهله من زوج أو ولد على أعمال الخير، والتعرض لنفحات اللّهِ عزّ وجلّ في مواسم القبول كالعشر الأخير من رمضان.
- فضل شهر رمضان على غيره من الشهور وفضل العشر الأخير منه على غيره.
- الحثّ على الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان وهو سنّة مؤكّدة.
1195
باب فضل قيام ليلة القدْر وبيان أرجى لياليها
عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- أرأيت: أي أخبرني.
- عفوّ: صيغة مبالغة من العفو، أي من شأنك العفو عن الكبير والصغير.
فوائد الحديث
- أنّ أهمّ مطلب للمسلم طهارته من الذنوب ونجاته من تبعات المعاصي.
- الحثّ على طلب العفو من اللّهِ سبحانه والإلحاح في ذلك وبخاصّة في ساعات القبول وأفضلها ليلة القدر.
- ذكر العلماء أنّ من أمارات ليلة القدر انشراح الصدر وشعور المسلم بالطمأنينة القلبيّة مع اللّهِ تعالى.
- الحرص على أن يدعو المسلم بهذا الدعاء في العشر الأواخر من رمضان.
1196
باب فضل السّواك وخصال الفطرة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي -أَوْ عَلَى النَّاسِ- لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لولا أن أشق: لولا خوفي من حدوث المشقة.
- لأمرتهم: أمر إيجاب.
- بالسواك: يطلق على الفعل، ويطلق على الآلة التي تستعمل في ذلك كما يطلق عليها مسواك.
- مع كل صلاة: أي عند إرادة الصلاة.
فوائد الحديث
- الترغيب في السواك عند كل صلاة فرضًا كانت أم نفلًا ويحصل أصل السنّة باستعمال كل منظف للأسنان.
- بيان ما كان عليه النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ من الرفق والرأفة بالأمّة وإرشادهم لما فيه نفعهم.
- قيل من الحِكم من مشروعية السواك إزالة ما يكون في الفم من رائحة كريهة، وبخاصة عند الإقبال على الله عز وجل.
- مراعاة الآداب الاجتماعية، وعدم إيذاء الناس بكريه الرائحة.
1197
باب فضل السّواك وخصال الفطرة
عَنْ حُذيفَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- يَشُوصُ: الشَّوْصُ هو الدَّلْكُ.
فوائد الحديث
- استحباب السواك عقب الاستيقاظ من النوم لإذهاب ما قد ينشأ عنه من تغير الفم.
- أدب النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ وتأدّبه مع ربِّـه، فيستاك، ويُطيّب فمه قبل أن يقف بين يدي ربِّـه.
1198
باب فضل السّواك وخصال الفطرة
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كُنَّا نُعِدُّ لِرَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللّهُ مَا شَاءَ أَنْ يبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ ويُصَلِّي»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- نعد: نهيئ.
- طهوره: الماء الذي يتطهر به.
- فيبعثه: فيوقظه من نومه.
- ما شاء أن يبعثه: أي وقت مشيئة إيقاظه.
فوائد الحديث
- استحباب السواك عند الوضوء والأفضل أن يكون عند المضمضة.
- عناية أزواج النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ وحِرصهنَّ على ما يرضي النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ من تهيئة ما يلزمه للطاعة والعبادة.
1199
باب فضل السّواك وخصال الفطرة
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- أكثرت عليكم: بالغت في تكرار طلبه منكم وإيراد الأخبار في الترغيب فيه.
فوائد الحديث
- الحثّ على التزام استعمال السواك في جميع الأحوال الوارد فيها استحبابه.
1200
باب فضل السّواك وخصال الفطرة
عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِيءٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- بأي شيء: أي من الخصال التي طلب القيام بها في المنزل.
فوائد الحديث
- استحباب الاستياك، والترغيب لمن دخل منزله أن يبدأ بالسواك، فإنّه أزيد في طيب فمه، وأدعى لمعاشرة أهله، ويذهب ما في فمه من تغير رائحته.
1201
باب فضل السّواك وخصال الفطرة
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَاَل: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
فوائد الحديث
- كثرة اعتناء النبي صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ بالسواك، وأنه يكون لجميع الفم من أسنان ولسان.
- حرص الصحابة رضي اللّهُ عنهم على نقل أحوال النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ وما كان عليه.
1202
باب فضل السّواك وخصال الفطرة
عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي «صَحِيحِهِ» بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. • وذكـر البخاريُّ رحمه اللّه في صحيحهِ هذا الحديث تعليقا (في كتاب الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم) بصيغةِ الجزم فقال: وقالت عائشةُ رضي اللّهُ عنها… إلى آخر الحديث.
مفردات الحديث
- مطهرة: سبب الطهارة.
- مرضاة: سبب رضا اللّه تعالى.
فوائد الحديث
- أنّ السواك وسيلة لتنظيف الفم لما فيه من فوائد صحية واجتماعية وذلك أمر ظاهر.
- أنّ السواك من الأسباب الجالبة لرضوان اللّه عزّ وجلّ، لما فيه من امتثال أمر اللّه تعالى وطاعة رسوله صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
1203
باب فضل السّواك وخصال الفطرة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ -أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ-: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الفطرة: الجبلّة التي خلق اللّه الناس عليها وجبلهم على فعلها وجعل العقول الصحيحة تستحسنها.
- خمس: أي من خصال الفطرة خمس، وليس المراد بها الفطرة.
- الختان: مصدر ختن بمعنى قطع، والمراد قطع الجلدة التي تكون على مقدمة ذكر الصبي عند الولادة.
- الاستحداد: حلق الشعر الذي يكون حول الفرج أو فوقه وهو ما يسمى بالعانة مأخوذ من استحد إذا استعمل الحديد.
فوائد الحديث
- أنّ هذه الخصال من السنّة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع القديمة، وهي أمور تقتضيها النظافة والطبيعة الإنسانية.
- أنّ خصال الفطرة تدل على اعتناء الإسلام بالطهارة قلبًا وقالبًا.
- الختان سنة قديمة، ففي البخاري قال رسول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّم: "اختتن إبراهيم خليل الرحمـٰن بعدما أتت عليه ثمانون سنة".
1204
باب فضل السّواك وخصال الفطرة
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» قَالَ الرَّاوِي: وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ. قَالَ وَكِيعٌ -وَهُوَ أحَدُ رُوَاتِهِ–: «انْتِقَاصُ المَاءِ»
يَعْنِي: الِاسْتِنْجَاءَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- إعفاء اللحية: إطلاقها وتوفير شعرها من عفا الشيء إذا كثر وزاد.
- استنشاق الماء: إيصاله إلى أعلى الأنف.
- الْبَرَاجِم: هِيَ عُقَدُ الْأَصَابِعِ.
- الاستنجاء: إزالة أثر النجاسة عن مخرجها بالغسل أو المسح مأخوذ من النجاء وهو الخلاص، نجا من الأمر خلص منه.
فوائد الحديث
- هذه الأحاديث تتعلق بخصال الفطرة، أي خصال السنّة التي فطر اللّه عليها العباد وشرعها لهم، وجعل استحسانها مفطورا في العقول.
- قص وتقصير الأظافر من السّنن التي دعا لها الإسلام، حيث حثَّ في العديد من النصوص على العناية والاهتمام بالأظافر وعدم إهمالها، وذلك لما تحمله من الفضلات والقاذورات في الحياة اليوميّة إذا ما كانت طويلة.
- غسل عقد الأصابع: وهي التعرّجات والعقد التي بين الأصابع التي قد تتجمّع الأوساخ فيها، فيميل الإنسان لغسل هذه البراجم.
- الاستنجاء: وهو إزالة الخارج من السبيلين بماء أو حجر، فهو لازم وشرط من شروط الطهارة.
- إزالة شعر العانة والإبط: وتحصل السنّة بحلق العانة ونتف الإبط وإن شقّ عليه نتفه فإنه يحلقه، والأفضل أن لا يؤخر ذلك عن وقت الحاجة ويكره تأخيره عن أربعين يومًا.
1205
باب فضل السّواك وخصال الفطرة
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى»
مُتَّفَقُ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أحفوا الشوارب: بالغوا في قصها من الحفاوة وهو المبالغة في الإكرام.
فوائد الحديث
- أنّ السنّة في حفّ الشارب إمّا حفًّا بأن يقص أطرافه مما يلي الشفة حتى تبدو، وإما أن يأخذ منه جميعًا بأن يُحْفِيَهُ، وقال العلماء: "من جزّ الشارب حتى تظهر الشفة العليا أو أحفاه فلا حرج عليه، لأن الأحاديث جاءت بالأمرين".
- أنّ اللحية نعمة جليلة عظيمة تفضل اللّهُ بها على الرجال وميزهم بها عن النساء، وجعلها زينة لهم لما تفضي عليهم من سيما الرجولة والهيبة والوقار.
- حث الإسلام على النظافة والبعد عن كل ما يسبب النفرة والتقزز.
1206
باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلّق بها
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لَا إلـٰهَ إِلَّا اللّهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بني: أُسِّسَ.
- على خمس: أي دعائم أو قواعد أو أركان.
- إيتاء الزكاة: إعطاء ما فرض في مال الأغنياء لمُستحقيه من الفقراء.
فوائد الحديث
- بيان أنّ الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة وتجب على كل من ملك النصاب وحَال عليه الحول كما هو مبين في كتب الفقه.
1207
باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلّق بها
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبيْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإِذا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَواتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: «لا، إِلّا أَنْ تَطَّوَّعَ» فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وهُوَ يَقُولُ: وَاللّهِ لا أَزِيدُ عَلَى هَـٰذَا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- جاء رجل: هو ضمام بن ثعلبة.
- ثائر الرأس: منتشر شعر الرأس.
- نسمع دوي صوته: أي نسمع صوتًا شديدًا لا يفهم.
- دنا: اقترب.
- إلّا أن تطّوّع: المعنى إلّا أن تزيد نفلًا من تلقاء نفسك.
- أدبر: ابتعد عن المكان.
- أفلح إن صدق: أي فاز ونجا إن صدق.
فوائد الحديث
- حكمة النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ في الدعوة إلى اللّهِ وتعليم الناس أركان الإسلام واضحة خالية من أي تعقيد، ولذلك كانت كفيلة بنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان في لحظات.
- أنّ هذه الأركان مؤثرة في نفس الإنسان وأنّ التهاون فيها يؤدي إلى الخروج عن الإسلام أو إضعاف الإيمان.
- الإسلام عقيدة وعمل فلا ينفع عمل من غير إيمان كما أنّه لا وجود للإيمان من غير عمل.
- أنّ أداء الزكاة من أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة.
1208
باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلّق بها
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَـٰهَ إِلّا اللّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللّهَ افْتَرَضَ عَليْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِك فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللّهَ افَتَرضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بعث معاذًا: هو الصحابي معاذ بن جبل رضي اللّهُ عنه.
- افترض: أي فرض.
فوائد الحديث
- التدرج في الدعوة إلي الإسلام والتمسك بأركانه ركنّا بعد آخر حتى لا ينفر الناس من كثرتها لو اجتمعت، وأول ما يجب الاهتمام به في الدعوة التوحيد لأنّه أصل الدين ولا يصح أي شيء قبل الاعتراف بوحدانية اللّهِ تعالى.
- قوله (وترد على فقرائهم) اقتصر عليهم مع أن مستحقيها أصناف مذكورة في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٦٠] لمقابلة الفقراء بالأغنياء ولأنّ الفقراء هم الأغلب، والإضافة تقتضي منع صرف الزكاة لكافر.
- بيان فرضية الزكاة، وأن ذلك لا يكون من نفائس الأموال.
1209
باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلّق بها
عَنِ ابْنِ عُمَر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَـٰهَ إِلّا اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إِلّا بِحَقِّ الْإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أن أقاتل: أي الكفرة، لا أهل الذمة ومن ألحق بهم.
- عصموا: منعوا وحفظوا.
- إلّا بحق الإسلام: أي إلا تنفيذًا لأحكام الإسلام فيمن أتى حدًا من حدود اللّهِ تعالى كالقصاص أو الزنا مع الإحصان أو الارتداد.
فوائد الحديث
- لا يتوقف الجهاد مع الأعداء حتى يعلنوا شعائر الإسلام وأركانه الأساسية أو الخضوع إلى نظامه.
- الزكاة أحد شعائر الإسلام الأساسية وركن من أركانه.
- أنّ من أتى بالشهادتين فقد دخل في الإسلام، ثم يطالب بحق الإسلام، من الصلاة والزكاة والصيام والحج، فإن أدى ما أوجب اللّهُ عليه فهو مسلم حقًا، وإن لم يلتزم أخذ بحق الإسلام.
1210
باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلّق بها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولوُا: لا إلَـٰهَ إِلّا اللّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللّهِ»؟! فَقَالَ: وَاللّهِ، لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللّهِ، لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللّهِ، مَا هُوَ إِلّا أَنْ رَأَيْتُ اللّه قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- فرّق بين الصلاة والزكاة: أي أنكر وجوب إحداهما أو امتنع عن فعل إحداهما.
- عقالا: الحبل الذي يعقل به البعير.
فوائد الحديث
- عزيمة أبي بكر رضي اللّهُ عنه الصادقة في قتال المرتدين وفقهه العظيم في حرب من فرق بين الصلاة والزكاة.
- قتال مانع الزكاة وكفر جاحدها لأنّها معلومة من الدين بالضرورة.
- أول عمل يطالب به المؤمن الصلاة وهي عبادة البدن ثم الزكاة وهي عبادة مالية.
- الاجتهاد في النوازل والمناظرة والرجوع إلى الحق.
- الإسلام كلّ لا يتجزأ وعبادته المتكاملة تحقق الشخصية الإسلامية المطلوبة.
1211
باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلّق بها
عَنْ أَبي أَيُّوبَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَّنَةَ، قَالَ: «تَعْبُدُ اللّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- تصل الرحم: أي تصل الأقارب بالزيارة والمساعدة.
فوائد الحديث
- أنّ المحافظة على هذه الأمور المذكورة والتي منها الزكاة سبيل إلى علو منزلة المؤمن في الجنّة
- الرحم هم القرابة من جهة الأب أو من جهة الأم وصلتهم تكون بما جرى به العرف.
1212
باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلّق بها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: «تَعْبُدُ اللّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- ولى: أدبر.
- إلى رجل من أهل الجنّة: هذه بشارة من النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ لهذا الأعرابي بالجنة.
فوائد الحديث
- أداء الزكاة من أسباب دخول الجنة.
- أنّ النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ كان يكتفي من الأعراب الحديثي العهد بالإسلام بفعل الواجبات لئلا يثقل عليهم ذلك فيملوا.
- أنّ المبشّر بالجنّة أكثر من العشرة كما ورد النص في الحسن والحسين وأمهما وجدتهما وأزواجهما، فتحمل بشارة العشرة على أنّهم بشروا دفعة واحدة، أو بلفظ بشّره بالجنة، أو أن العدد لا ينفي الزائد.
- توجيه للدعاة في نقل المدعوين إلى الإسلام بالتدرج حتى يتمكن الإسلام كليًا في نفوسهم، فيقبلوا على الاستزادة من أحكام الإسلام عن طواعية ورغبة.
1213
باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلّق بها
عَنْ جَريرِ بْنِ عَبدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- بايعت: عاهدت والتزمت.
فوائد الحديث
- بيان أنّ الزكاة أحد أركان الإسلام.
- بذل النصيحة لجميع الناس.
- الدِّين يطلق على العمل لقول النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ: "الدِّين النصيحة".
- اقتصر في الحديث عن الصلاة والزكاة لاشتهارهما من أركان الإسلام.
1214
باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلّق بها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلّا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ.» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: «وَلا صَاحِبِ إِبلٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا -وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا- إِلّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلا صَاحِبِ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلّا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلا جَلْحَاءُ، وَلا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأظْلافِهَا، كُلَّمَا مرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبيِلُهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ فالخيْلُ؟ قَالَ: «الخَيلُ ثَلاَثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ، فَأمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإسْلاَمِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللّهِ فِي ظُهُورِهَا، وَلا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ لِأهْلِ الإسْلامِ فِي مَرجٍ وَرَوْضَةٍ، فَمَا أكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أرْوَاثِهَا وَأبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلاَ تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إِلّا كَتَبَ اللّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلا يُرِيدُ أنْ يَسْقِيَهَا إِلّا كَتَبَ اللّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلّا هَذِهِ الآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ
مفردات الحديث
- لا يؤدي منها حقها: أي الحقّ الواجب منها وهو الزكاة قال تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج: ٢٤].
- صفائح: أي من الحديد.
- فأحمي عليها: أي أوقد عليها حتى صارت ذات حرّ شديد.
- أعيدت له: أي حارة وحامية، والمراد دوام التعذيب واستمرار شدة الحرارة في الصفائح.
- فالإبل؟: أي ما حكمها بعد أن عرّفتنا حكم النقدين الذهب والفضة؟
- يوم وردها: أي ورودها الماء بأن تحلب ويسقى من ألبانها للمارة والواردين للماء.
- بطح: طرح على وجهه، ويجوز أن يكون على الظهر أو على الوجه وهذا التفسير يتفق مع رواية البخاري " تخبط وجهه بأخفافها ".
- بقاع قرقر: صحراء واسعة مستوية، وقرقر أي ملساء.
- فصيلًا: ولد الناقة بعد أن يفصل عن أمه.
- عقصاء: ملتوية القرنين.
- جلحاء: لا قرن لها.
- عضباء: مكسورة القرن والمراد أن البقر والغنم سليمة القرون فيعظم تعذيبه بها.
- بأظلافها: المنشق من القوائم، وهي للبقر والغنم والظباء بمنزلة الخف للإبل.
- لرجل وزر: أي إثم.
- ولرجل ستر: أي تستر حالته التي هو فيها من الفقر أو الضيق.
- ونواءً: معاداة وحربًا.
- مرج: أرض ذات نبات ومرعى.
- ولا تقطع طِوَلها: الطِوَل حبل طويل يشد طرفه في وتد ونحوه وطرفه الآخر في يد الفرس أو رجلها لتدور فيه وترعى فيما حولها.
- فالحمر: جمع حمار.
- الفاذة: المنفردة في معناها.
- الجامعة: الشاملة لأبواب الخير.
- مثقال ذرة: أي زنة نملة صغيرة أو جزء من أجزاء الهباء.
فوائد الحديث
- ذكر النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والخيل والحمر وذكر حكم كل منها عليه الصلاة والسلام وهكذا كان يبين للناس بيانا شافيًا كافيًا حتى ترك أمته وقد أكمل اللّه به الدين وأتم به النعمة على المؤمنين
- الترهيب من منع الزكاة وبيان عاقبة البخلاء ومانعي الزكاة يوم القيامة وأنّهم يعذبون بنفس الأموال والأنعام التي منعوا زكاتها لتكون حسرة عليهم.
- إخباره صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ عن المغيبات التي ستحصل يوم القيامة.
- لا تَجِب الزكاة في المال إلّا بثلاثة شروط:
- بُلُوغ الـنِّصَاب، والنِصابُ مِن المال: هو القَدَر الذي تجِب فيه الزكاة إذا بلغَه.
- تَمام الملْك، وهو أن يَملِك الْمَال ملكًا تامًّا.
- حَولان الْحَوْل، أي أن يَدوُر عليه الْحَول، وهو مرور عام كامل منذ أن مَلك المال.
1215
باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْد اللّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. • وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، والْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا». • وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللّهُ تَعَالَى: إِلّا الصَّوْمَ، فَإنَّهُ لِي، وَأنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أطْيَبُ عِنْدَ اللّهِ مِنْ رِيحِ المِسك».
مفردات الحديث
- إلّا الصوم فإنّه لي: أي أستأثر به لنفسي لعظمة شأنه عندي، فأجري عليه من الأحكام ما لا أجريه على سائر الأعمال.
- وأنا أجزي به: أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته.
- الصيام جنّة: الجنّة كل ما ستر، ومعنى كونه الصوم جنّة أنّه وقاية من الشهوات. فيكون وقاية من النار لأنّ النار حفت بالشهوات.
- فلا يرفث: المراد بالرفث في هذا الحديث: الفحش ورديء الكلام.
- ولا يصخب: لا يصيح غضبًا ولا يكثر لغطه.
- خلوف: هو تغير ريح فم الصائم من ترك الأكل والشرب.
فوائد الحديث
- بيان فضل الصيام وأنّه يحفظ صاحبه من الضلال في الدنيا ومن عذاب النار في الآخرة.
- أنّ الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره.
- أنّ الأعمال قد حُددت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء اللّه إلّا الصيام فإن اللّه يثيب عليه بغير تقدير.
- أنّ أعمال ابن آدم يجري فيها القصاص بينه وبين المظلومين، فيقتصون منه يوم القيامة بأخذ شيء من أعماله وحسناته إلّا الصوم فإنه لا يجري فيه القصاص.
- أجرُ الصائمِ عظيم كثير بِلا حساب، ففي الصيام صبْرٌ على طاعةِ اللّهِ، وصبرٌ عن مَحارِم اللّهِ، وصَبْرٌ على أقْدَارِ اللّهِ المؤلمة مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وضعفِ البَدَنِ والنَّفْسِ، فَقَدِ اجْتمعتْ فيه أنْواعُ الصبر الثلاثةُ، وَتحقَّقَ أن يكون الصائمُ من الصابِرِين.
- من آداب الصوم ترك الكلام الفاحش واللغط، والصبر على أذى الناس ومقابلة إساءتهم بالصبر والإحسان.
- للصوم أكثر من معنى ترك الطعام والشراب والشهوات فإنه يشمل ترك جميع القبائح والتحلي بالفضائل.
1216
باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللّهِ نُودِيَ مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، وَأرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- زوجين: في بعض طرق الحديث " وما زوجان؟ " قال: فرسان أو عجلان أو بعيران.
- في سبيل الله: يحتمل أن يكون هذا الحديث عاما في جميع أعمال البر من صلاتين أو صيام يومين أو شفع صدقة بأخرى، أو أن يكون خاصا بالجهاد في سبيل اللّهِ، والعموم أولى لما يفيده باقي نص الحديث.
- زوجين: مجموع الفردين من الجنس الواحد، مثل: فرسين، صدقتين، كما تفيد كلمة زوج معنى المثل والنظير،
- الريان: من الرَّيِّ، وهي نقيض العطشان، كما تفيد اسم العلم ومعناه: المروي بعد العطش.
- وأرجو أن تكون منهم: أي آمل راجيا، قال النبي صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ " أرجو " تأدبًا مع الله تعالى.
فوائد الحديث
- بيان فضل أبي بكر الصديق رضي اللّهُ عنه وأنّه تجتمع له أعمال البر فيدعى من جميع أبواب الجنة تشريفًا له.
- جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا لم يخف عليه العجب.
- يدعى الصائمون يوم القيامة من باب الريان إكرامًا لهم.
- قد يدعى العبد للدخول منها كلها إذا استوفى حقها وكان من أهلها جميعها بالمداومة على الاستزادة من جميع أنواع البر والطاعات.
- قوله "من ضرورة " أي نقص أو خسارة على من يُدعى للدخول من جميعها فيفوته بعضها لاستحالة دخوله من جميعها معا، والحاصل كما هو ثابت: أنه يخير في الدخول من أي باب شاء، لأن الغاية التي يصل إليها دخول الجنة.
1217
باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- بيان فضل الصائمين وتفضيلهم على سائر الخلق يوم القيامة.
- بشارة الصائمين أنّهم يدخلون الجنّة من باب الريان.
1218
باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به
عَنْ أَبي سَعِيدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا في سَبِيلِ اللّهِ إِلّا بَاعَدَ اللّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- ما من عبد: أي مكلف ويشمل الرجل والمرأة والحر والعبد لأنّ الجميع عبيد اللّه تعالى.
- سبعين خريفًا: أي مسافة سير الإنسان سبعين سنة.
- في سبيل اللّهِ: أي في مرضاة اللّهِ، فيصوم قاصدًا بذلك وجهَ اللّهِ تعالى
فوائد الحديث
- بيان فضل الصوم ولو كان يومًا واحدًا، وأنّه يكون وقاية لصاحبه من النار.
- عظيم رحمة اللّهِ بنا حيث جعل للصيام هذا الأجر في الإبعاد عن النار.
- الحثّ على صيام التطوع ولو يومًا واحدًا، لأنّ رمضان فريضة والناس فيه سواء، كما أنّه لا يشار إلى رمضان بصيام يوم واحد.
1219
باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- إيمانًا: أي موقنًا بوجوبه، مؤمنًا بما ورد فيه من الثواب.
- واحتسابًا: أي مخلصًا في صيامه قاصدًا به وجه اللّه تعالى، راجيًا عنده الأجر والثواب.
فوائد الحديث
- بيان ثواب الصوم الخالص للًه تعالى وأنّه سبب في غفران صغائر الذنوب. وكبيرها إن شاء اللّه إذا رافقته التوبة النصوح، إلّا ما كان في حقوق الناس فيلزم فيه رد الحقوق.
- الحديث فرّق بين من يصوم عادة أي دون حضور القلب واستحضار النية، ومن يصوم عبادة حاضر القلب محتسب الأجر عند اللّه تعالى.
1220
باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- صفدت: قيدت بالأصفاد، وهي القيود.
فوائد الحديث
- إكرام شهر رمضان، وبشارة الصائمين فيه بأنّ هذا الشهر المبارك موسم عبادة وخير.
- ضعف مداخل الشيطان إلى المسلم في شهر رمضان فيتقوّى على الطاعة والعبادة.
- لما كانت الغاية من الصيام تحقيق التقوى فمن رحمة اللّه أنّه هيأ للعبد أسبابها من فتح أبواب الجنّة، وإغلاق أبواب النار، وتصفيد الشياطين، فلا يبقى للعبد عذر إلّا غلبة هواه ونفسه الأمارة بالسوء فلا يلومَنَّ إلّا نفسه.
1221
باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ غَبيَ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا.»
مفردات الحديث
- صوموا لرؤيته: أي لرؤية هلال رمضان.
- وأفطروا لرؤيته: أي لرؤية هلال شوال.
- فإن غبِيَ: أي خفيَ.
- فإن غم: أي حال دون رؤية الهلال غيم أو نحوه من غممت الشيء إذا غطيته.
فوائد الحديث
- أنًه يجب على المسلمين أن يلتمسوا الهلال عند غروب اليوم التاسع والعشرين من رمضان حتى يتبينوا أمر صومهم وإفطارهم.
- يجب صيامُ رمضان حتى يثبُتَ دخول الشهر، ويُحكَم بدخولِ شهر رمضان بواحدٍ من أمرين:
- رؤية هلال شهر رمضان عقب غروب الشمس من يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان.
- إكمال شهرِ شعبانَ ثلاثين يومًا إذا لم يُرَ هلال رمضان، أو حال دون رؤيتِه غيمٌ أو غبار أو غيرهما.
1222
باب الجود وفعل المعروف والإكثار من الخير في شهر رمضان والزيادة من ذلك في العشر الأواخر منه
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- وكان أجود الناس: أكثر الناس كرمًا وسخاءً، وعطاءً وبذلًا من غير مسألة ولا انتظار عوض. وقيل إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة.
- فيدارسه القرآن. المدارسة: أن يقرأ على غيره ويعيد الثاني ما قرأ الأول.
- أجود بالخير من الريح المرسلة: أي أنّه في الإسراع بالجود أسرع من الريح المطلقة في دوام هبوبها وعموم نفعها
فوائد الحديث
- تأكيد استحباب الجود ومدارسة القرآن في رمضان تأسيًا برسول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
- يستحب للصائم الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداءً برسول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم فيه بالعبادة عن مكاسبهم.
1223
باب الجود وفعل المعروف والإكثار من الخير في شهر رمضان والزيادة من ذلك في العشر الأواخر منه
عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَشَدَّ المِئْزَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- دخل العشر: أي العشر الأواخر.
- أحيا الليل: بالقيام فيه.
- وشد المئزر: كناية عن المبالغة في الجد وعمل الخير، وقيل كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادات.
فوائد الحديث
- استحباب الاجتهاد في العبادة والاعتكاف في المسجد وتحري ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.
- أهمية إشراك الأسر في العبادات تربية وتعليما لهم.
1224
باب النّهي عن تقدّم رمضان بصوم بعد نصف شعبان إلا لمن وصله بما قبله أو وافق عادةً له بأن كان عادته صوم الاثنين والخميس فوافقه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكمْ رَمَضَانَ بِصَومِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَوْمَ صَوْمِهِ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا يتقدمن أحدكم: نهي تحريم استقبال شهر رمضان بصوم يوم أو يومين قبله لمن لم تكن له عادة، وذكر اليومين لإفادة تأكيد تحريم اليوم.
- يصوم صومه: أي اليوم الذي اعتاد صومه كالاثنين والخميس أو صوم يوم وإفطار يوم.
فوائد الحديث
- النهي عن الصوم قبل رمضان بيوم أو أكثر إلّا لمن اعتاد صومًا فوافق مجيئه بهـٰذا اليوم، أو لقضاء فريضة.
- المنع من الزيادة على ما شرع اللّه وسنَّ رسوله في العبادات.
- العبادات في الإسلام توقيفية فلا يصح فيها زيادة ولا نقصان بغير دليل شرعي.
1225
باب النّهي عن تقدّم رمضان بصوم بعد نصف شعبان إلا لمن وصله بما قبله أو وافق عادةً له بأن كان عادته صوم الاثنين والخميس فوافقه
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ فَأكْمِلُوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- قبل رمضان: أي قبله بيوم على نية الاحتياط أن يكون من رمضان، وهو ما يعرف بيوم الشك.
- غيَايَة: سحَابَة.
فوائد الحديث
- النهي عن الصوم في الأواخر من شعبان إلّا لمن كانت له عادة.
- الصوم لرؤية الهلال والإفطار له، فإن لم تتحقق الرؤية يجب إكمال شعبان ثلاثين يومًا عند الصوم وإكمال رمضان ثلاثين يومًا عند الإفطار.
1226
باب النّهي عن تقدّم رمضان بصوم بعد نصف شعبان إلا لمن وصله بما قبله أو وافق عادةً له بأن كان عادته صوم الاثنين والخميس فوافقه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ فَلَا تَصُومُوا»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- فلا تصوموا: أي صوم تطوع، عن غير عادة أو قضاء فريضة، أو أن يبدأ بالصيام في النصف الثاني من شعبان دون النصف الأول.
فوائد الحديث
- النهي رحمة بالأمة أن يضعفوا عن حقّ القيام بصيام رمضان على وجه النشاط.
- من صام شعبان كله يتعود الصوم ويزول عنه الكلفة، لذا قيد النهي بالبدء بالصيام في النصف الثاني.
1227
باب النّهي عن تقدّم رمضان بصوم بعد نصف شعبان إلا لمن وصله بما قبله أو وافق عادةً له بأن كان عادته صوم الاثنين والخميس فوافقه
عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
مفردات الحديث
- يشكّ فيه: أي يرتاب الناس بشأنه أهو من شعبان أم من رمضان.
فوائد الحديث
- تحريم صوم يوم الشكّ من شعبان إلّا لمن كان له عادة كمن يصوم يومي الاثنين والخميس
- أن المقصود بالنهي الخوف من أن يحتاط الإنسان لدخول رمضان فيقول أصوم قبله بيوم أو يومين احتياطًا فإنّ هذا الاحتياط لا وجه له ولهذا قال صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته أي لرؤية الهلال.
1228
باب ما يقال عند رؤية الهلال
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلالَ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإيمَانِ، وَالسَّلامَةِ وَالْإسْلامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللّهُ، هِلالُ رُشْدٍ وخَيْرٍ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- أهلّه: اجعله يهل ويشرق بالأمن الدائم والإيمان الثابت.
- هلال رشد: الرشد ضد الغي. ومعناه الهدى والصلاح ويقابله الضلال والفساد.
فوائد الحديث
- أنّ من السنّة أن يدعو المسلم عند رؤية الهلال بالأدعية الواردة عن رسول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
1229
باب فضل السحور وتأخيره ما لم يخش طلوع الفجر
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رسولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- تسحروا: أمر استحباب.
- السحور: تناول للطعام في وقت السحر.
فوائد الحديث
- يسن السحور للصائم ويحصل أصل السنّة بقليل الطعام ولو جرعة ماء، وسبب البركة في السحور أنه يقوي الصائم وينشطه ويهون عليه الصيام.
1230
باب فضل السحور وتأخيره ما لم يخش طلوع الفجر
عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ. قِيلَ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسُونَ آيَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- ثم قمنا إلى الصلاة: أي صلاة الصبح.
فوائد الحديث
- استحباب تأخير السحور.
- أنّ الزمن بين بدء السحور والأذان قدر قراءة خمسين آية متوسطة لا طويلة ولا قصيرة، وقدرها أحد العلماء بأربع دقائق.
- أنّ أوقات الصحابة رضي اللّهُ عنهم كانت مستغرقة بالعبادة حتى كان تقديرهم للأوقات بما اشتغلوا به.
- جواز الاجتماع على السحور.
1231
باب فضل السحور وتأخيره ما لم يخش طلوع الفجر
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنَانِ: بِلاَلٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ بِلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»
قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يرقى: يصعد
فوائد الحديث
- يستحب أن يتخذ مؤذنان لصلاة الصبح يؤذن كل واحد منهما بأذان.
- استحباب الأذان الأول للصبح قبل دخول وقته ليُستعد للصلاة.
- المستحب تأخير الأكل وغيره ما لم يخش طلوع الفجر الصادق، لأنّه أقرب إلى التَّقَوِّي على العبادة.
1232
باب فضل السحور وتأخيره ما لم يخش طلوع الفجر
عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فصل: فاصل وفارق.
- أهل الكتاب: اليهود والنصارى.
فوائد الحديث
- أنّ السحور من خصائص الأمة الإسلامية وأنّ اللّه تفضّل به على هذه الأمّة.
- في السحور التزام بسنّة النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ، وفائدة للصائم بالتزود من الطعام ليتقوى على مواصلة الصوم طوال النهار.
1233
باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر عليه، وما يقوله بعد إفطاره
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا يزال الناس بخير: أي في دينهم.
فوائد الحديث
- أنّ المستحب للصائم تعجيل الفطر بعد التحقق من غروب الشمس بالرؤية أو الإخبار.
- سبب بقاء الخير في دين الناس هو اتباعهم للسنّة ووقوفهم عند هديها وحدودها.
- من الحِكم في تعجيل الفطور أنّه لا يزيد في النهار من الليل، ولأنّه أرفق بالصائم وأقوى على العبادة، وفي تعجيل الفطر وتأخير السحور قطع الطريق على المتنطعين الذين ربما زادوا في وقت الصوم حتى يصل إلى الحرج والمشقة.
1234
باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر عليه، وما يقوله بعد إفطاره
عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا، فَقَالَ لَهَا مَسْرُوقٌ: رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كِلاهُمَا لَا يَأْلُو عَنِ الْخَيْرِ: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَالإِفْطَارَ؟ فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ؟ قَالَ: عَبْدُ الله، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- يعجل المغرب: أي يعجل صلاة المغرب.
فوائد الحديث
- بيان السنّة النبويّة الفعليّة في تعجيل صلاة المغرب وتعجيل الإفطار بعد تحقق الغروب.
1235
باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر عليه، وما يقوله بعد إفطاره
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «أحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- أعجلهم فطرًا: أي أسرعهم إلى الإفطار بعد التحقق من الغروب اتباعًا لسنّة النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
فوائد الحديث
- أنّ من حرص على اتباع السنّة في تعجيل الفطر بعد الغروب نال محبة اللّه تعالى ورضاه.
1236
باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر عليه، وما يقوله بعد إفطاره
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أقبل من هاهنا: أي من جهة المشرق.
- وأدبر النهار من هاهنا: أي من جهة المغرب.
- غربت الشمس: غاب جميع قرصها.
- فقد أفطر الصائم: أي حان وقت إفطاره حكمًا، وقيل: صار مفطرًا شرعًا وإن لم يتناول شيئًا لانتهاء وقت الصوم.
فوائد الحديث
- تحديد وقت الإفطار الشرعي.
- أنّ العبادات في الإسلام مقيدة بأزمنة محدودة ومخصوصة، فلا تصلح إلّا في مواقيتها الزمنية المعلومة.
- أنّ يكون المسلم دائم اليقظة والصلة باللّه تعالى مع تنظيم شؤون حياته والاستفادة من الوقت وأن لا يكون مهملا للواجبات، مسترسلًا في الفوضى وعدم الاكتراث بالوقت.
1237
باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر عليه، وما يقوله بعد إفطاره
عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ: «يَا فُلانُ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ»
وَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يا فلان: ورد في بعض الروايات يا بلال.
- اجْدَحْ: أَي اخْلِطِ السَّوِيقَ بِالْمَاءِ.
- السويق: هو قمح أو شعير يغلى ثم يطحن ويمزج تارة بماء وتارة بسمن وتارة بسمن وعسل.
فوائد الحديث
- استحباب المبادرة إلى الإفطار عند دخول أول الوقت.
- التأكيد على الأمر بالشيء أسلوب نبوي جميل لتعليم الناس.
- بيان أن الأحكام الشرعية توقيفية في شروطها وصفاتها وأوقاتها، وأنّها أبلغ من الحس، وفوق الرأي والعقل.
1238
باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر عليه، وما يقوله بعد إفطاره
عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ.. فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- فإنه طهور: أي طاهر مُطَهِّر مزيل للخبائث المعنوية والحسية.
فوائد الحديث
- أنّه يستحب للصائم أن يفطر على تمر فإن لم يجد فعلى ماء.
1239
باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر عليه، وما يقوله بعد إفطاره
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
فوائد الحديث
- أن المستحب للصائم أن يفطر على رطبات وترًا فإذا لم يجد فعلى تمرات فإن لم يجد أفطر على الماء.
1240
باب أمر الصّائم بحفظ لِسانِه وجَوارحه عن المخالفات والمشاتمة ونحوها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا يرفث: لا يفحش في القول.
- لا يصخب: لا يرفع صوته أو يكثر اللغط.
- أو قاتله: أي ضاربه.
فوائد الحديث
- أنّ على الصائم كف الجوارح عن الآثام وحفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء، والاشتغال بذكر اللّه تعالى وتلاوة القرآن الكريم.
1241
باب أمر الصّائم بحفظ لِسانِه وجَوارحه عن المخالفات والمشاتمة ونحوها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- من لم يدع قول الزور: من لم يترك كل قول باطل، فقول الزور أعم من شهادة الزور.
- فليس للّه حاجة أن يدع طعامه وشرابه: أي إنّ اللّه غني عن صيامه، قال العلماء: ليس معناه أن يؤمر بالأكل والشرب، وإنما معناه التحذير من قول الزور والعمل به.
فوائد الحديث
- التخويف من إحباط أجر الصوم وثوابه، فإن من لم يدع الكذب وهو صائم لا يثاب على صومه.
- من معاني الصيام الامتناع عن الأمور الحسية من الطعام والشراب والجماع، والامتناع عن الأمور المعنوية كالغيبة والنميمة والكذب وفحش القول وسوء الخلق.
1242
باب في مسائل من الصّوم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللّهُ وَسَقَاهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- أنّ الصائم إن أكل أو شرب ناسيًا لا يبطل صومه سواء كان فرضًا في رمضان أو نفلًا أو قضاءً.
- أنّه لا قضاء عليه ولا كفارة، ويشمل هذا كل ما يشابهه مما يدخل إلى الجوف عن طريق الفم أو الأنف أو العِرق ولا فرق بين قليل ذلك أو كثيره.
- سماحة الإسلام ومراعاته للفطرة البشرية في عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ وما يترتب عليهما بشرط عدم التفريط والتساهل في ذلك.
1243
باب في مسائل من الصّوم
عَنْ لَقِيطِ ابْنِ صَبِرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ؟ قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أنْ تَكُونَ صَائِمًا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- أسبغ الوضوء: أتمَّه بغسل ما زاد في حدود المفروض في الوجه واليدين والرجلين.
- وخلل الأصابع: ويحصل التخليل بالتشبيك مبالغة في إيصال الماء وتحقيق النظافة.
- وبالغ في الاستنشاق: أي المضمضة مع الاستنشاق ويكون بإيصال الماء إلى الخيشوم وجذبه بالنفس في الاستنشاق والغرغرة في المضمضة.
فوائد الحديث
- المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنّة لغير الصائم، يكره للصائم أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق خشية وصول الماء إلى جوفه فيفطر.
1244
باب في مسائل من الصّوم
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- يدركه الفجر: أي يدخل وقت الفجر ويلزمه الصوم وهو جنب، ولا يعني هذا أبدا أنها تدركه الصلاة فيتأخر عنها
فوائد الحديث
- أنّ من أصبح وهو جنب فإن ذلك لا يمنعه من الصوم ولا يبطله.
- لا علاقة للصيام بالجنابة لأنّ الطهارة ليست من شروط الصيام.
1245
باب في مسائل من الصّوم
عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَتَا: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْبِحُ جُنُباً مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- من غير حلم: وفي رواية: "من غير احتلام"، وفي روايات أخرى: "جنبا من جماع لا من حلم" والمراد منه التأكيد على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع، وهو آكد في وجوب الغسل، ومع ذلك يصوم قبل أن يغتسل.
فوائد الحديث
- أنّ الجماع قبل الصبح لا يضر الصوم وإن تأخر الغسل، ويومئ إلى ذلك قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ [البقرة: ١٨٧]؛ إذ يلزم من حله آخر أجزاء الليل، وطلوع الفجر عليه وهو جنب لا يؤثر على صحة صومه.
- أنّ النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وسلم لا يحتلم لأنّ الاحتلام من تلاعب الشيطان.
- الأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو أدركه الفجر وهو جنب صح صومه وعليه الاغتسال قبل طلوع الشمس ليدرك صلاة الفجر.
1246
باب فضل صوم المحرّم وشعبان والأشهر الحرم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْد الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- شهر اللّهِ: إضافة الشهر إلى اللّهِ تعالى إضافة تشريف وتفخيم.
- المحرّم: شهر المحرّم من الأشهر الحرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم وهو رأس السنة الهجرية.
فوائد الحديث
- أنّ الصيام في شهر المحرّم أفضل من كل شهر بعد رمضان.
- أنّ من أفضل الصلوات بعد الفريضة صلاة الليل.
1247
باب فضل صوم المحرّم وشعبان والأشهر الحرم
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إلَّا قَلِيلًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- يصوم شعبان كلّه: المراد أكثره.
فوائد الحديث
- بيان فضل الصيام في شعبان لأنّ النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ كان يكثر من الصيام فيه.
- من الحِكم في تفضيله الاستعداد للقاء رمضان، ولأنّه ترفع فيه الأعمال إلى اللّهِ تعالى.
1248
باب فضل صوم المحرّم وشعبان والأشهر الحرم
عَنْ مُجِيبَةَ البَاهِلِيَّةِ، عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَمِّهَا: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ انْطَلَقَ، فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهَيْئَتُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: «وَمَنْ أَنْتَ؟» قَالَ: أَنَا الْبَاهِلِيُّ الَّذِي جِئْتُك عَامَ الأَوَّلِ، قَالَ: «فَمَا غَيَّرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ؟» قَالَ: مَا أَكلْتُ طَعَامًا مُنْذُ فَارَقْتُكَ إلَّا بلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَذَّبْتَ نَفسَكَ» ثُمَّ قَالَ: «صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَيَوْمًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» قَالَ: زِدْنِـي، فَإِنَّ بِي قوَّةً، قَالَ: «صُمْ يَوْمَيْنِ» قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «صُمْ ثلاثَةَ أَيَّامٍ» قَالَ: زِدْني. قَالَ: «صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ»
وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاثِ فَضَمَّهَا، ثُمَّ أَرْسَلَهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- شَهْرُ الصَّبْرِ: رَمَضَانُ.
فوائد الحديث
- أنّ صوم النفل مستحب لأنّه طاعة يحبها اللّه ورسوله ولا سيما في الأشهر الحرم.
- يكره صوم الدهر غير يومي العيد وأيام التشريق لمن خاف ضررًا أو فوت حقٍّ واجبٍ أو مستحبٍّ لما رواه البخاري ومسلم: "لا صام من صام الدهر".
- أنّ الاسلام يعطي كل ذي حقّ حقّه فهنا وجد النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ الرجل وقد أثّر عليه الصيام فنهاه عن فعله ذلك وأمره أن يخفّف على نفسه في الصيام.
1249
باب فضل الصوم وغيره في العشر الأول من ذي الحجة
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلى اللّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ؟ قَالَ: «وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- العمل الصالح: المراد به العمل الذي يشمل مختلف أنواع الخير والبر والعبادة والطاعة.
- يعني أيام العشر: أي العشر الأول من شهر ذي الحجة.
- فلم يرجع بشيء: أي بذل نفسه وماله في سبيل اللّهِ فمات شهيدًا ولم يرجع بشيء
فوائد الحديث
- أنّ العمل الصالح في العشر الأول من ذي الحجة أفضل منه في غيرها لأنّها من فضائل الأيام وكرائمها فهي أيام الحج وقد أقسم الله تعالى بها فقال: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١-٢]. تحمل هذه الآية على العشر الأواخر من رمضان، وتحمل على العشر الأوائل من ذي الحجة.
- بيان فضل الجهاد وعظم مكانته في الإسلام.
- إذا سأل سائل أيهما أفضل العشر الأواخر من رمضان أو عشر ذي الحجة؟ قلنا فضل عشر رمضان وخيريتها في لياليها حيث تُتحرى فيها ليلة القدر بالقيام والدعاء، وعشر ذي الحجة في نهارها حيث تُؤدى المناسك وتقام العبادات.
1250
باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء.
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يوم عرفة: أي يوم الوقوف على جبل عرفة وهو يوم التاسع من ذي الحجة.
- يكفر السّنة الماضية والباقية: أي يكون سببًا في مغفرة ذنوب السّنة الفائتة التي آخرها شهر ذي الحجّة والسّنة الآتية التي أولها شهر المحرّم، والمراد صغائر الذنوب، وكبائرها إن شاء اللّه إذا رافقته التوبة النصوح.
فوائد الحديث
- استحباب صوم يوم عرفة إلّا لمن كان في الحجّ فصومه غير مستحب لأنّه يضعّفه عن أداء الطاعات والاجتهاد في التلبية والذكر والدعاء.
1251
باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- عاشوراء: هو اليوم العاشر من شهر المحرم.
فوائد الحديث
- حرص النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ على صيام يوم عاشوراء والحثّ على صيامه، والأمر النبوي بصيامه دليل حمله على سبيل الاستحباب المؤكد.
1252
باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء.
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل يوم عاشوراء وأنّ صيامه يكفر ذنوب سنة ماضية.
1253
باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- إلى قابل: أي عام قابل، وفي رواية: "فإذا كان العام المقبل".
- لأصومنّ التاسع: وهو اليوم التاسع من شهر المحرّم.
فوائد الحديث
- استحباب صيام يوم التاسع والعاشر من شهر المحرّم،
- الحكمة من ضم التاسع هي مخالفة اليهود الذين يفردون اليوم العاشر بالصيام.
- قال بعض أهل العلم أنّ المخالفة تحصل بصيام يوم قبله أو بعده، وضعّف غيرهم هذا القول لاعتماده على حديث ضعيف. والأولى صيام التاسع عملا بهذا الحديث الصحيح.
1255
باب استحباب صوم الاثنين والخميس
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الاثْنَيْنِ فقَالَ: «ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ -أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ- فِيهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أنزل عليّ فيه: أي بدأ تنزيل القرآن في يوم الاثنين.
فوائد الحديث
- بيان فضل الصيام في يوم الاثنين.
- أنّ سبب هذه الأفضلية أنّ النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ ولد في يوم الاثنين، وبدأ نزول القرآن عليه في يوم الاثنين السابع عشر من شهر رمضان.
- أنّ النّبيّ كان يتقرب إلى اللّهِ بأحبّ الطاعات إليه في اليوم الذي ولد فيه، وأوحي إليه فيه.
1256
باب استحباب صوم الاثنين والخميس
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»
رَوَاهُ التِرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوَاهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ ذِكْرِ الصَّوْمِ
مفردات الحديث
- تعرض الأعمال: أي تعرضها الملائكة الحفظة.
فوائد الحديث
- استحباب صوم يوم الاثنين والخميس لأنّهما يومان تعرض فيهما الأعمال.
- ثبوت عرض الأعمال في يومي الاثنين والخميس فيستحب للعبد إحسان العمل فيهما وأفضل الأعمال الصوم كما ورد في الحديث
- دلّ مجموع الأحاديث على أنّ هناك ثلاث حالات لرفع الأعمال:
- الرفع اليومي: عمل الليل في آخره قبل النهار، وعمل النهار في آخره قبل الليل.
- الرفع الأسبوعي: يومي الاثنين والخميس.
- الرفع السنوي: في شهر شعبان.
- إلى أن يحين الأجل وتطوى صحائف الأعمال ويرفع عمل العمر كله.
1257
باب استحباب صوم الاثنين والخميس
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
مفردات الحديث
- يتحرى: أي يتوخى ويلتمس مع الحرص والاهتمام.
فوائد الحديث
- استحباب صوم يوم الاثنين والخميس.
- الحثّ على تقصي وترقب الأيام والأوقات الفاضلة، والسعي في طلبها، والاجتهاد فيها بالتقرب إلى اللّهِ بالطاعة والعبادة ومختلف أعمال الخير.
1258
باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل صيام ما يعرف بالأيام البيض التي يكتمل فيها القمر بدرا، وسميت بذلك لأنها أيام مضيئة مشرقة نهارا بنور الشمس، وليلًا بضوء البدر.
- عظم محبّة الصحابة للنّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ فهنا قال أبو هريرة أوصاني خليلي.
1259
باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: أَوْصَانِي حَبِيبِي صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاةِ الضُّحَى، وبألَّا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- ما عشت: أي مدة حياتي.
فوائد الحديث
- استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى والوتر.
1260
باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- التصريح بأنّ صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر.
- رحمة الله عز وجل بعباده، وكرمه وسعة فضله أن أثاب بالأجر العظيم على العمل القليل.
- رحمة النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وسلم ورأفته بأمّته أنّه لم يترك خيرًا ونفعًا إلّا بيّنه لهم وأرشدهم إليه وكان أسوتهم فيه.
1261
باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ: أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ يَصُومُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- لم يكن يبالي: لم يكن يهتم.
- من أي الشهر يصوم: أي لم يكن النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ يخصص ثلاثة أيام معينة من الشهر.
فوائد الحديث
- عدم التخصيص في صيام ثلاثة أيام من كل شهر بثلاث مخصوصة منه، وحصول الثواب بصيام أي ثلاث، ولكن ورد ما يدل على أنّ الأفضل صيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
- أنّ في عدم التخصيص رحمة وسعة للعباد بأنّ من فاته صيام الأيام البيض لا يحزن على فوات الأجر ويجزئه عنها صيام أي ثلاث من الشهر.
1262
باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثًا فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ»
رَوَاهُ التِّرِمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
فوائد الحديث
- استحباب صيام هذه الأيام الثلاثة لمزيد فضلها.
- اتباع سنّة النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ تُعين العابد على العبادة بشكل صحيح.
1263
باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
عَنْ قَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ: ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ.
فوائد الحديث
- تحديد الأيام البيض واستحباب صومها.
- سميت بالأيام البيض لأنّها مضيئة ليلًا بالبدر مشرقة نهارًا بالشمس.
1264
باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضِ فِي حَضَرٍ وَلا سَفَرٍ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
فوائد الحديث
- أنّ صيام الأيام البيض من كل شهر سنّة مؤكدة لملازمة النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ عليها في الحضر والسفر.
- حرص النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ على هذه الأيام يؤكد فضلها وأهميتها
1265
باب فضل من فطّر صائمًا وفضل الذي يؤكل عنده ودعاء الآكل للمأكول عنده
عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- من فطًر صائمًا: أي قدّم له شيئًا يفطر عليه ولو تمرة أو شربة ماء بهذا يحصل الأجر، وإذا زاد فاللّه أكثر كرمًا وأوسع فضلًا.
فوائد الحديث
- بيان فضل من فطّر صائمًا واستحباب ذلك والترغيب فيه، لما فيه من حصول المحبة والتكافل بين المسلمين.
1266
باب فضل من فطّر صائمًا وفضل الذي يؤكل عنده ودعاء الآكل للمأكول عنده
عَنْ أُمِّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ طَعَامًا، فَقَالَ: «كُلِي» فَقَالَت: إِنِّي صَائِمَةٌ، فقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصَّائِمَ تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّى يَفْرُغُوا» وَرُبَّمَا قَالَ: «حَتَّى يَشْبَعُوا»
رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- تصلي عليه الملائكة: تستغفر له.
- يفرغوا: ينتهوا.
فوائد الحديث
- بيان فضل من أُكِلَ عنده وهو صائم.
- ينبغي للصائم الحرص على الأجر والثواب مع ملازمة الصيام كإطعام جائع أو سقيا الماء.
1267
باب فضل من فطّر صائمًا وفضل الذي يؤكل عنده ودعاء الآكل للمأكول عنده
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسْنَادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- أفطر عندكم الصائمون: أي أثابكم اللّه إثابة من فطّر صائمًا.
- الأبرار: الأتقياء.
- وصلّت عليكم الملائكة: أي استغفرت لكم.
فوائد الحديث
- أنّ أعظم الطعام أجرًا ما يقدم للصائم.
- تقديم ما تيسر للصائمين واستحباب هذا الدعاء لمن قدم طعامًا، دعاء له بالبركة وصلاة الملائكة عليه.
- كتاب الاعتكاف
1268
باب فضل الاعتكاف
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- يعتكف: الاعتكاف هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه، والمراد هنا لزوم المسجد والمكث فيه بنيَّة التفرغ لعبادة اللّه.
فوائد الحديث
- الاعتكاف من العبادات المشروعة المستحبة، وهو عبادة معروفة في الشرائع السابقة، ويدل على ذلك قوله تبارك وتعالى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة: ١٢٥].
- حرص النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان دليل على زيادة فضله فيها لعِظَم شأنها.
- جواز الاعتكاف في أي وقت ثابت، وتخصيص هذه العشر هو للجمع بين فضل العبادة وفضيلة الزمان وبيان عظم أجره.
1269
باب فضل الاعتكاف
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فوائد الحديث
- جواز اعتكاف النساء.
- أنّ النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ كان حريصا على سنّة الاعتكاف حتى توفاه اللّه عزّ وجلّ. وفي هذا دلالة على أنّه سنّة مؤكدة.
- كان صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ يأمر بخباء "على مثل هيئة الخيمة" فيضرب له في المسجد، فيمكث فيه، يخلو فيه عن الناس، ويقبل على ربه تبارك وتعالى، حتى تتم له الخلوة بصورة واقعية.
1270
باب فضل الاعتكاف
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَان عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- يعتكف في كل رمضان عشرة أيام: هي العشر الأواخر من رمضان إذ حرص النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ على الاعتكاف فيه.
- قبض: تُوفي.
فوائد الحديث
- جواز اعتكاف أغلب رمضان.
- ضاعف النّبيّ مدة اعتكافه كما ضاعف مدارسته للقرآن مع جبريل زيادة في الاجتهاد والطاعة بعد أن أخبر بدنو الأجل.
- أقل الاعتكاف يوم وليلة على الأرجح، وقال بعض العلماء يجوز الاعتكاف يومًا أو ليلةً، وقيل يجوز ولو لساعة من الزمن، ولا حدّ لأكثره.
- كتاب الحجّ
1271
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَـٰهَ إلَّا اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسُولُ اللّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- بيان أسس الإسلام التي بني عليها.
- أنّ الحجّ أحد أركان الإسلام الخمسة وهو معلوم من الدين بالضرورة ويكفر جاحده.
- ركنية الحج مقيدة بالاستطاعة وهذا وارد في ألفاظ أخرى للحديث.
1272
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا» فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلمَا اسْتَطَعْتُمْ» ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لوجبت: أي لوجب الحجّ كل عام لصدور ذلك عن النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
- ذروني ما تركتكم: دعوني من كثرة السؤال عما لم أبادركم ببيانه.
- بكثرة سؤالهم: أي من غير حاجة للسؤال وبغير قصد التعلم، بل لمجرد التعنت وبقصد الإيذاء، أو بدافع الفضول والاستعجال.
فوائد الحديث
- وجوب الحجّ مرة واحدة في العمر على المستطيع.
- أنّ هذا الدين قائم على التيسير ورفع الحرج ولذلك لا يكلّف الإنسان فيه ما يرهقه ويشق عليه.
- ترك المرء السؤال عما لا يعنيه وعما يسوؤه لو أبدي له.
- الأوامر مقيّدة بالاستطاعة، أما النواهي فإنّه ينبغي الكفّ عنها مطلقًا.
1273
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ» قِيَلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّه» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- بيان فضل الحجّ وأنّه من أكثر الأعمال ثوابًا عند اللّهِ تعالى بشرط الإخلاص فيه والبعد عن أي معصية.
- حرص الصحابة رضوان اللّه عليهم على تعلم الخير والاستزادة منه.
1274
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَم يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدتْهُ أُمُّهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- فلم يرفث: أنّ الرفث في الحديث يشمل الفحش في القول، والجماع معًا.
- ولم يفسق: من جاهد نفسه حتى لا يصدر منها سيئة ولا معصية أو جدل أو سوء خلق.
فوائد الحديث
- أنّ الحجّ مكفر للذنوب صغيرها وكبيرها وماحٍ للآثام المقتَرَفة قبله، وهذا مع التوبة من الكبائر، ورد حقوق العباد لأصحابها.
- ما ذكر من تكفير الذنوب مشروط بأن يكون الحجّ مبرورًا قد تحقق فيه الإخلاص والصواب، وسعى فيه العبد لتحقيق الشروط والأركان، وتُوِّج بالعزم على التوبة ورد حقوق الناس، وسلِم من الآثام والمعاصي والسيئات.
1275
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- بيان فضل الحجّ والعمرة والحثّ عليهما.
- أنّ الحجّ الذي لم يخالطه إثم وأدّاه صاحبه على أكمل وجه ليس له جزاء إلّا الجنة.
1276
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: «لَكُنَّ أفْضَلُ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
فوائد الحديث
- الحجّ للنساء أفضل من الجهاد ما لم يتعيّن بأمر الإسلام أو دخول العدو إلى البلد وتمكنهنَّ من القتال وعدم الخوف عليهن.
- التعبير عن الحجّ بالجهاد إشارة إلى عظيم فضله وثوابه وحضّ النساء عليه.
1277
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَعْتِقَ اللّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يعتق: أي ينجّي ويخلّص من النار.
فوائد الحديث
- بيان فضل يوم عرفة وأنّ اللّه تعالى يعتق فيه أكثر من باقي الأيام.
- أنّ اللّه عزّ وجلّ في يوم عرفة يباهي بعباده ويفاخر بهم ملائكته فيغفر لهم ويرحمهم.
1278
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعدِلُ حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- تعدل حجّة: تقوم مقامها في الثواب لا أنّها تعدلها في كل شيء فإنّه لو كان عليه حجّة فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجّة.
فوائد الحديث
- بيان فضل العمرة في رمضان وأنّ الصوم فيه لا ينافي زيارة الكعبة المشرفة وأداء مناسك العمرة.
- ميزة العمرة في رمضان على غيرها لاجتماع العبادتين في وقت واحد.
- فضيلة أداء العمرة في رمضان وأنّها تعدل حجةََ مع النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
1279
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَثبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أدركت أبي: أي وجب عليه الحجّ وهو على هذه الحال من الشيخوخة وظاهر الحديث يدل على أن المانع هو عدم الاستطاعة الجسدية بسبب الشيخوخة مع توفر الاستطاعة المادية من امتلاك الزاد والراحلة عندها.
- لا يثبت: لا يستقر.
- الراحلة: ما يركب من الدواب ليرحل عليه.
فوائد الحديث
- تأكيد أمر الحجّ حتى إنّه لا يسقط عن المكلّف إذا عجز عن مباشرته بنفسه بل ينيب عنه من يقوم به ويؤديه بالواسطة عنه.
- مباشرة الحجّ بالنفس فيه فضل عظيم وثواب وفير.
- برّ الوالدين والاعتناء بهما والقيام بمصالحهما الدينية والدنيوية.
- جواز الحجّ عن المتوفى.
1280
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنْ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ، وَلَا الظَّعَنَ؟ قَالَ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- لا يستطيع الحجّ ولا العمرة: أي لا يستطيع تحمل مشقتهما ومباشرتهما بالارتحال والمشي.
- الظعن: الارتحال والسفر.
فوائد الحديث
- جواز تأدية الحجّ والعمرة عن الغير إن كان عاجزًا بسبب مرض لا يرجى برؤه أو شيخوخة لكن يشترط فيمن يحج عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه.
- رفَع اللّهُ تَعالى الحرَجَ عن أُمَّةِ الإسلام، ويَسَّرَ لها التَّكاليفَ الشَّرعيَّة.
1281
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فوائد الحديث
- جواز إحجاج الصبي قبل البلوغ ومباشرته النسك إذا كان مميزًا وذلك ليتمرن على العبادة فيألفها بعد البلوغ.
1282
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضَيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللّهِ» فَرَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًا فَقَالَتْ: أَلِهَذا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- الروحاء: موضع بالمدينة.
فوائد الحديث
- لا يجب الحجّ على الصغير لأنّه ليس بمكلف ولو حجّ صح وكان تطوعًا.
- أَنَّ حجّ الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزيه عن حجّة الإسلام، بل يقَع تطوُّعًا.
- حصول الأجر لمن يصحب الصغير إلى الحجّ.
1283
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ زامِلَتَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- حجّ: أي في عام حجّة الوداع لأنّ النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ لم يحجّ غيرها.
- رحل: وهو الشداد الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه صاحبه، بمنزلة السرج للفرس، والمراد أنّ النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ حجّ على البعير من غير محمل.
- وكانت زاملته: أي وكانت تلك الرحل وحدها هي حاملته، وحاملة أمتعته، وزاده، والمراد أن النّبيّ لم يكن معه زاملة لحمل طعامه ومتاعه بل كانت راحلته هي الراحلة والزاملة.
فوائد الحديث
- تواضع النّبيّ وتخففه من متاع الحياة الدنيا في ذهابه للحجّ، وكان من دعائه وهو على هذه الحالة: "اللهم اجعله حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة".
- أهمية التزود بما يعين الحاجّ على سفره والاقتصار على قدر الكفاية اقتداءً برسول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ، وتجنب كل مظاهر الإسراف فإن هذا أسلم للنفس وأصفى للقلب موطن النية وأبلغ تحقيقًا لمعنى الحجّ وتشبيهه بالجهاد ووصفه بأنّه أحد الجهاديْن.
1284
باب وجوب الحجّ وفضله
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَتْ عُكَاظُ وَمِجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْواقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْموَاسِمِ، فَنَزَلَتْ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ [البقرة ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- فتأثموا: أي تحرّجوا من الوقوع في الإثم.
- في المواسم: المراد أشهُر الحج.
فوائد الحديث
- أنّ التجارة في الحجّ لا تنافي صحته، وإن كان الكمال خلوّ يد الحاجّ منها، لأنّها تشغل عن تمام التوجه إلى اللّه تعالى.
- تيسير الإسلام للعباد سبل العمل وكسب الرزق حتى وقت المواسم الفاضلة.
- كتاب الجهاد
1285
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللّهِ ورَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- بيان أنّ الجهاد في سبيل اللّهِ من أفضل الأعمال.
1286
باب فضل الجهاد
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلى اللّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- بيان أنّ الجهاد في سبيل اللّهِ من أحبّ الأعمال إلى اللّهِ.
- خصّ عليه الصلاة والسلام، الصلاة وبرّ الوالدين والجهاد بالذكر لأنّها عنوان على ما سواها من الطاعات، مثال ذلك أن من ضيع الصلاة المفروضة حتى خرج وقتها من غير عذر مع خفة مؤنتها وعظم فضلها فهو لما سواها أضيع.
- لا تعارض بين هذا الحديث وسابقه من حيث تقديم الجهاد وتأخيره. فالسؤال في الحديث السابق عن أفضل الأعمال أي أعلاها أجرًا وأرفعها منزلةً فقُدِّم الجهاد. وفي هذا الحديث السؤال عن أحب الأعمال إلى اللّهِ فقدمت الصلاة على وقتها وبر الوالدين.
1287
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِاللهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- أنَّ خيرَ الأعمالِ صحَّةُ الإيمانِ باللّهِ ويدخل فيه ضمنًا الإيمان برسوله صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
- الإيمان يمثل الجانب القلبي، والجهاد يمثل الجانب العملي، ولا يكون إيمان بلا عمل.
- تخصيص الجهاد بالإضافة إلى الإيمان فيه بيان لأهميته وفضله وعظم أجره على سائر الأعمال لما فيه من بذل للنفس والمال في سبيل إعلاء كلمة اللّه، ورغبة عن متاع الدنيا طمعًا فيما عند اللّه في الآخرة.
1288
باب فضل الجهاد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الغدوة: أي السير أو الخروج أول النهار ما بين الفجر وطلوع الشمس، وقيل من أول النهار إلى انتصافه.
- الروحة: أي السير أو الخروج وقت زوال الشمس وسط النهار إلى غروبها آخر النهار.
- سبيل الله: أي الجهاد.
فوائد الحديث
- يُحمل هذا الحديث على وجهين:
- أ- أن قصير الزمانِ وصغير المكان وأقل النعيم من الجنة في الآخِرَة خيرٌ من طويل الزمان وكبير المكان وكثير المتاع في الدّنيا، تَزهيدًا فيها، وتصغيرًا لها، وترغيبًا في الجهاد في سبيل اللّهِ.
- ب- أن غدوة واحدة أو روحة في سبيل اللّهِ مع قصر وقتها وصغير مكانها ومحدود مشقتها قياسًا إلى مدة الدنيا وخلود الآخرة خير للعبد مما لو حصلت له الدنيا ودامت له بكل متاعها فأنفقها في طاعة اللّهِ.
- فضيلة الجهاد على غيره من الأعمال.
1289
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللّه، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- شِعب: انفراجٌ بين الجبلين والجمع: شِعابٌ.
فوائد الحديث
- بيان فضل الجهاد في سبيل اللّهِ بالنفس والمال.
- أنّ اعتزال الناس يكون في زمن الفتن وخوف الإنسان على دينه، أو فيمَن لا يَصبِرُ على أذى الناس وإلّا فإنّ الخلطة بالناس ومعاشرتهم ونفعهم والإحسان إليهم باب عظيم لأعمال الخير والبر والاستزادة من الحسنات.
1290
باب فضل الجهاد
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبيلِ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللّهِ تَعالى أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَمَا عَليْهَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الرباط: مراقبة العدو في الثغور "الأماكن التي تفصل بين المسلمين والكفار" المجاورة لبلادهم لحراسة من بها من المسلمين وملازمتها لدرء الأعداء
- موضع سوط: أي المكانَ الَّذي يُساوي الموضِعَ الَّذي توضع عليه العصا.
فوائد الحديث
- الحضّ على الرباط في سبيل اللّهِ والترغيب في الجهاد لإعلاء كلمة اللّه تعالى.
- التزهيد في الدنيا لفنائها والترغيب في الجهاد لعظيم ثوابه عند اللّهِ تعالى.
- إنّ الثواب الحاصل على مشية واحدة في الجهاد خير لصاحبها من الدنيا وما فيها لو جُمعت بحذافيرها.
1291
باب فضل الجهاد
عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإنْ مَاتَ فِيهِ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أمن الفتّان: أي أمن من فتنة القبر وسؤال الملكين له.
فوائد الحديث
- أنّ ثواب عمل المرابط لا ينقطع بالموت، وأنّ رزقه لا ينقطع أيضًا لأنّه سيرزقه من الجنّة كما يرزق الشهداء فهم أحياء عند ربهم يرزقون.
- أنّ المرابط في سبيل اللّهِ لا يُسأل في قبره، وقال البعض يحتمل أنّه لا يأتيه الملكان بما يسبب له الفزع والفتنة.
- أنّ نفع الرباط متعدٍّ، إذ فيه حفظ للمسلمين في دينهم وأعراضهم وأموالهم وبلدانهم، أمّا الصوم فــالمستفيد منه هو صاحبه دون غيره.
- فضيلة المجاهد المرابط بشكل خاص على غيره لما في رباطه حماية لأعراض المسلمين وممتلكاتهم.
1292
باب فضل الجهاد
عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إلَّا الْمُرَابِطَ فِي سَبيلِ اللّهِ، فَإِنَّهُ يُنَمَّى لهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيُؤَمَّنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- يختم على عمله: ينقطع عمله بالموت فلا يزداد ثوابًا.
- ينمّى: يبقى له ثواب عمله ورباطه ويزداد.
فوائد الحديث
- فضل الرباط في سبيل اللّهِ وبيان ما أعده اللّه له من دوام الأجر ووقاية فتنة القبر.
1293
باب فضل الجهاد
عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبيلِ اللّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- خير من ألف يوم: أي في الأجرِ والثَّوابِ والفضلِ.
- فيما سِواه: أي فيما سِوى الرِّباطِ في سَبيلِ اللّهِ والدِّفاعِ عَن دينِ اللّهِ من الأعمال والطاعات.
- مِن المَنازلِ: أي مَواضِعِ الخيراتِ وأماكن مضاعفة أجر الطَّاعاتِ.
فوائد الحديث
- بيان زيادة أجر المرابط على غيره ويختلف ذلك بحسب اختلاف حال الناس نية وإخلاصًا.
- أنّ الإقامة في أرض الرباط للجهاد والمرابطة خير من الإقامة في غيرها من المنازل.
- أجمع العلماء على أنّ إقامة الرجل في أرض الرباط مرابطًا أفضل من إقامته في مكة والمدينة وقد ثبت أنّ أصحاب النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ ومن ورائهم التابعين تركوا مكة والمدينة وتوجهوا إلى أرض الرباط في الشام إلى أن ماتوا شهداء ومرابطين فيها.
1294
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَضَمَّنَ اللّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبيلِهِ: لا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادٌ فِي سَبيلِي، وَإِيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَيَّ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبيلِ اللّهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ
مفردات الحديث
- تضمّن اللّه: تكفّل اللّه فضلًا منه وإحسانًا.
- إيمان بي: تصديق بوعدي.
- ضامن: كفيل وملتزم.
- كَلْم: جُرْح.
- يكلم: يجرح.
- أشقّ: أوقعهم في المشقّة والعسر.
- سعة: مالًا.
- فأحملهم: فأجهزهم للحرب.
- لوددت: تمنيت.
- أحيا ثم أقتل، ثم أحيا: لما في فضل الشهادة من الخير العظيم.
فوائد الحديث
- أنّ الإخلاص في الجهاد ينيل صاحبه إحدى الحسنيين إمّا الجنّة أو الرجوع بالثواب الأخروي والغنيمة الدنيويّة.
- أنّ اللّه يبقي الشهيد على هيئته التي قتل عليها ليكون معه شاهد فضيلته ببذل نفسه في طاعة ربه، تفوح رائحة دمه مسكًا.
- المبالغة في بيان فضل الجهاد والقتال في سبيل اللّه تعالى.
1295
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- كلمهُ يدمى: أي جرحه يسيل منه الدم.
فوائد الحديث
- أنّ اللّه يُبقي الشهيد على هيئته التي قتل عليها ليكون معه شاهد فضيلته ببذل نفسه في طاعة ربه.
1296
باب فضل الجهاد
عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا الزَّعْفَرَانُ، وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- فُواق ناقة: هو هنا كناية عن قليل الجهاد.
- نكب نكبة: هو ما يصيب المجاهد من ابتلاءات، وما يحل عليه من حوادث، ومنها الجُرحُ والخدش وكل أنواع الأذى.
- كأغزر: أي تجيء يوم القيامة أكثر وأوفر وأبلغ مما كانت عليه في حينها.
فوائد الحديث
- بيان فضل من جُرح أو نُكب أو أوذي في سبيل اللّه.
- طيب دم المجاهد يوم القيامة لأنّه صادر عن أعظم العبادات.
1297
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَةٍ فَأَعْجَبَتْهُ فَقَالَ: لَوِ اعْتَزَلْتُ النَّاسَ، فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ، وَلَنْ أفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «لا تَفْعَلْ، فَإنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا، ألَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ؟ اغْزُوا فِي سَبيلِ اللّهِ، مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- بشعب: طريق في الجبل، ما انفرج بين الجبلين.
- عيينة: عين ماء صغيرة.
- عذبة: طيبة.
- اعتزلت الناس: تركت الاختلاط بهم.
- مُقام: المنزلة، المرتبة، الثبات موضع الإقامة.
- فُوَاق: أي الزمن ما بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ للناقة.
فوائد الحديث
- زيادة الترغيب في الجهاد في سبيل اللّهِ تعالى.
- بيان ما كان عليه الصحابة من الأدب مع رسول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ فإنّ أحدهم كان لا يفصل في أمر حتى يعرض ذلك على النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّم.
- أنّ الجهاد أفضل من النافلة، وحمل هذا جمهور العلماء على ما إذا هجم الكفار على بلاد المسلمين وخُشِيَ استيلاؤهم عليها، وذلك لما في الجهاد من إنقاذ المسلمين، وهذا نفع متعدّ، ونفع الصلاة قاصر على صاحبه.
1298
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ؟ قَالَ: «لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ» فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ» ثُمَّ قَالَ: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلاةٍ وَلَا صِيَامٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ، قَالَ: «لَا أَجِدُهُ» ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟»
فَقَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟
مفردات الحديث
- ما يعدل الجهاد: أي ما يساويه في الثواب.
- لا أجِدُه: أي لا عمَلَ يَعدِلُ الجهادَ.
- القانت: المطيع القائم يقرأ آيات اللّهِ.
- القائم: الذي يقوم الليل مصليًا.
فوائد الحديث
- تفضيل الجهاد على باقي العبادات، وذلك حين يكون الجهاد متعينًا لحفظ الدين والدنيا ونشر الإسلام والدعوة إليه، لما في ذلك من النفع العام.
1299
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَى مَتْنِهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ أَوِ الْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ أَوْ شَعَفَةٍ مِنْ هذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأتِيَهُ الْيَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إلَّا فِي خَيْرٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- معاش رجل: أي ما به يكون العيش وبه تقوم حياة الناس من الرزق وغيره.
- ممسك بعِنَان فَرَسِه في سبيلِ اللّهِ: أي ملتزم لِجَامَه وزِمَامَه محتبسه في الجهاد.
- يطير: أي يسرع متخطيًا كل العوائق.
- متنه: ظهره.
- هيعة: صَيْحَةً يُفزَعُ منها ويُجْبَن، ويقصد بها هنا صوت الحرب.
- فزعة: أي سرعة الاستجابة لنصرة المستغيث.
- مظانه: أي المكان الذي يظن وجوده فيه وينشد فيه غايته وهو مكان المعركة موطن الشهادة أو قتل العدو.
- شعفة من هذه الشعف: أي في قمة جبل من قمم هذه الجبال.
- اليقين: الموت.
فوائد الحديث
- بيان فضل الجهاد والموت في سبيل اللّهِ والاستعداد الدائم له.
- بيان فضل الانقطاع للعبادة بعيدًا عن أهل الشر والفتن من الناس، يؤدي حق اللّه تعالى وحق العباد، راجيًا ثواب الآخرة، زاهدًا في الدنيا قانعًا منها بغُنَيْمَة وذلك عند فساد الناس.
- أَفضلية المجاهد على العابد المنقطع للعبادة.
1300
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- ما بين الدرجتين: التَباعد ما بين الدرجتين من هذه الدرجات المئة التي أُعِدَّت للمجاهِدين، هو كتباعد ما بين السماء والأرض.
فوائد الحديث
- بيان عظيم ما أعدّ اللّه للمجاهدين من جزيل الثواب ورفيع المقامات في الجنّة.
1301
باب فضل الجهاد
عَن أبي سعيدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «مَنْ رَضِيَ بِاللّهِ رَبًّا، وبالإسْلامِ دِينًا، وَبمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» فَعَجِبَ لهَا أبو سَعِيدٍ فَقَالَ: أعِدْها عَلَيَّ يا رَسولَ اللّهِ، فَأَعادَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: «وَأُخْرى يَرْفَعُ اللّهُ بِها العَبْدَ مِئَةَ درَجةٍ في الجَنَّةِ، ما بيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» قال: وما هِيَ يا رسُولَ اللّهِ؟ قال: «الجِهادُ في سبِيلِ اللّهِ، الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- أنّ دخول الجنّة بالإيمان والتفاضل فيها بالأعمال.
- عظم رفعة المجاهد، وفي الجنّة درجات لا تحصى ومنازل لا تعد وللمجاهد مائة درجة منها.
- تشويق النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ أصحابه للجهاد في سبيل اللّهِ.
1302
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ يَقُولُ: قَالَ رسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَبْوَابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَألْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ، فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- أبواب الجنّة تحت ظلال السيوف: عَبَّرَ عنها بالظِّلالِ كِنايةً على أنَّها مُشهَرَةٌ وليستْ في غِمدِها، ولا يَحصُلُ ذلك إلَّا بالقُربِ والدُّنوِّ منَ العَدوِّ
- جفن سيفه: غلافه وغمده.
فوائد الحديث
- الحضّ على الجهاد والإخبار بالثواب عليه.
- بيان أنّ الجهاد من أعظم أسباب دخول الجنّة.
1303
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي عَبْسٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- ما اغبرّت: أصابها غبار.
فوائد الحديث
- البشارة للمجاهد بالنجاة من النار.
1304
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- لا يلج: لا يدخل.
- حتى يعود اللبن في الضرع: الضرع هو الغدد الثديية للدابة، وهي كناية عن الاستحالة، إذ من المستحيل أن يعود اللبن في الضرع أبدًا بعد خروجه منه.
فوائد الحديث
- البشارة بالنجاة من النار، لمن اتصف بما ذكر الحديث وهذا لمن استقامت عقيدته وصحت نيته.
- بيان عظم أجر الجهاد بذكر أدنى الأذى فيه وهو غبار الحرب يصيب المجاهد فيكون نجاة له من نار جهنم فكيف بمن خرج مجاهدًا في سبيل اللّهِ بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء.
1305
باب فضل الجهاد
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «عَيْنَانِ لا تَمسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللّهِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- خشية اللّهِ: الَّذي يَبْكي خَوفًا ورَجاءً للّهِ عزَّ وجلَّ عندَ توبةٍ أو ذِكرٍ أو طاعةٍ.
- تحرس في سبيل اللّهِ: أي الَّذي يُجاهِدُ في سبيلِ اللّهِ، وبالأخَصِّ الَّذي بات على ثغورِ المسلِمين يَحرُسُها مِن الأعداءِ
فوائد الحديث
- بيان فضل الحراسة في سبيل اللّهِ.
- فضل البكاء من خشية اللّهِ لما فيهما من صدق الإيمان وكمال المراقبة.
1306
باب فضل الجهاد
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- جهز غازيًا: أعد للمجاهد ما يحتاج إليه من أدوات القتال ونفقاته.
- خلف: كان له خليفة في رعاية أهله ونفقتهم.
فوائد الحديث
- أنّ من أعان غازيًا في رعاية أهله كان له مثل أجر الغازي، ومن أعان مؤمنًا على الجهاد في سبيل اللّهِ بتجهيزه وإمداده بما يلزم كان له مثل أجره.
- الحثّ على تكافل المسلمين بعضهم بعضًا بالتعاون والتناصر.
1307
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ، وَمَنِيحَةُ خَادِمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ طَرُوقَةِ فَحْلٍ فِي سَبِيلِ اللهِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- فسطاط: بيت من الشَّعر يستظل به الغازي.
- منيحة خادم: منح الغازي خادمًا ليخدمه.
- طروقة فحل: أي منح الغازي ناقة بلغت سنًا يطرقها به الفحل، ليستعين بها في الجهاد.
- فحل: ذكر الإبل القادر على الجماع.
فوائد الحديث
- الترغيب في إعانة الغزاة بما يتقوون به على القتال من أسباب الراحة والقوة والنفقة، ويدخل فيها إعانة المحتاجين عامة ابتغاء وجه الله.
- خُصَّت هذه المعونات بالذكر دون غيرها لأفضليتها وحاجة الناس إليها في زمانها، ويُحمل عليها اليوم ما يضاهيها من حيث الحاجة والأهمية.
1308
باب فضل الجهاد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ فَتىً مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ، قَالَ: «ائْتِ فُلاَنًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ» فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ وَيَقُولُ: أَعْطِنِي الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ، قَالَ: يَا فُلاَنَةُ، أَعْطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلَا تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئًا، فَوَاللّهِ، لَا تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئًا فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الحديث
- تعاون المسلمين فيما بينهم في إعداد وسائل قتال الأعداء.
- جواز أمر الإمام من تجهز للغزو ثم منعه عذر أن يعطي جهازه لمن طلب الجهاد وليس عنده ما يجاهد به.
- أهمية العطاء بسخاء عن طيب نفس وابتغاء وجه اللّهِ لتحصيل الأجر الموعود.
1309
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى بَنِي لَحْيَانَ فَقَالَ: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا، وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: «لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ» ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِ: «أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ».
مفردات الحديث
- نِصفِ أَجْرِ الخارجِ: يَعنِي أَنَّهما شَريكانِ في الأَجرِ.
فوائد الحديث
- أنّه إذا لم يكن هناك حاجة للنفير العام كان من الواجب أن ينفر بعض المسلمين للجهاد، ويقيم في الأوطان بعضهم للإنتاج وتقديم ما يحتاج إليه الوطن من السلاح وغيره ورعاية أسر المجاهدين والأجر بينهم سواء.
- تكامل الأدوار بين المجاهدين والقاعدين ولا يكتمل الجهاد إلا بذلك.
- حسن تدبير النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ لأمور المجاهدين في سبيل الله.
1310
باب فضل الجهاد
عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بالْحَدِيدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ؟ قَالَ: «أَسْلِمْ، ثُمَّ قَاتِلْ» فَأسْلَمَ، ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ
مفردات الحديث
- مقنع بالحديد: رجُلٌ مغطًّى وجهُه بالحديدِ.
فوائد الحديث
- بيان فضل الشهادة في سبيل اللّهِ وكبير أجرها عند اللّهِ تعالى.
- أنّ الأعمال الصالحة لا يعتد بها إلا بعد الإسلام.
- أنّ الإسلام يجُبُّ ما كان قبله حتى أكبر الكبائر الكفر والشرك.
1311
باب فضل الجهاد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ». • وَفِي رِوَايَةٍ: «لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لِما يرى مِنَ الكرامةِ: ممَّا له مِن النَّعيمِ والحَظِّ الَّذي فضَّله اللّهُ به على غَيرِه في الآخرةِ.
فوائد الحديث
- بيان فضل الشهادة والترغيب في الجهاد.
- الحثّ على السعي للتضحية في سبيل اللّهِ والتفاني فيها، فلا يُنال عز الدنيا وسعادة الآخرة بغير تضحية.
1312
باب فضل الجهاد
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الدَّيْنَ»
مفردات الحديث
- إلّا الدَّين: أي أنَّ دَيْنَ الآدَمِيِّ لا بُدَّ مِن إيفائِه في الدُّنيا وإلَّا حُمِل في الآخِرَةِ، لذلك لا يَنبغِي للإنسانِ أنْ يَتساهَلَ في أمرِ الدَّيْنِ.
فوائد الحديث
- أنّ القتل في سبيل اللّهِ تعالى يكفّر الذنوب إلّا الدَّين، ولكن بشروط: الصبر والاحتساب والإقبال على الجهاد وترك الفرار.
- حقوق اللّهِ مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاححة.
- أنّ الشهادة رغم فضلها وعِظَم أجرها لا تُسقط حقوق الناس بل لا بد من أدائها إلَّا أن يُعجَز عن ذلك.
1313
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ، وَالْإيمَانَ بِاللّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَرأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، وَأنْتَ صَابرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ لِي ذَلِكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أرأيت: أي أخبرني.
- محتسب: أي مخلصٌ للّهِ عزَّ وجلَّ طالبٌ لِلأجرِ والمثوبةِ لا لِلرِّياءِ وَالسُّمْعَةِ.
- كيف قلت: أي أَعِدِ القولَ والسُّؤالَ، استعاد سؤاله ليعيد جوابه مقيدًا بما يأتي، مبالغة في عظم أمر الدَّين.
فوائد الحديث
- أنّ للمجاهد فضيلة عظيمة وهي تكفير خطاياه كلها إلّا حقوق الآدميين.
- أنّ تكفير الخطايا مشروط بما ذكر في الحديث من الصبر والاحتساب والإقبال على الجهاد وترك الفرار.
- أنّ الأعمال لا تنفع بغير إخلاص.
- تنبيه
- كون الديون لا تكفّر محمول على من امتنع من الأداء مع تمكنه منه، وأمّا إذا قصد الوفاء ولم يجد له سبيلًا فالمرجو من كرم اللّهِ أن يُرضِي عنه خصومه كما جاء في بعض الأحاديث.
1314
باب فضل الجهاد
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ أنَا يَا رَسُولَ اللّهِ إنْ قُتِلتُ؟ قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ»
فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فألقى تَمَرَاتٍ كُنَّ في يَدِه: تمرات كان يأكلها فأَلْقَاها وطَلَب الجَنَّةَ، إيمانًا بوَعْدِ اللّهِ تعالى ووَفَاءً منه بعهدِه معه في القِتال في سَبِيله.
فوائد الحديث
- من مات في سبيل اللّهِ فهو في الجنّة.
- استحباب السؤال عن مصير العمل.
- استحباب التبشير بالخير على العمل وقد أخبر الرسول صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ الرجل أنّه في الجنّة لمّا علم منه الإخلاص في الجهاد.
- الحثّ على المسارعة في أعمال الخير والبر والمسابقة إلى رضوان اللّهِ.
1315
باب فضل الجهاد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَقْدَمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ» فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالْأرْضُ» قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأرْضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: بَخٍ بَخٍ! فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟» قَالَ: لَا وَاللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ إلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أهْلِهَا، قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا» فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ! فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- لا يقدمن أحد منكم إلى شيء: هذا نهي عن عمل أي شيء قبل أن يأذن رسول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ ويأمر به حرصًا على المصلحة العامة.
- حتى أكون دونه: حتى أكون أنا قبله وأقرب منه إليه.
- قُومُوا إلى جَنَّةٍ: أي إلى عمَلٍ هو سببُ دُخولِها.
- فَدنَا المشركونَ: اقْتَرَبُوا مِن صفوفِ المسلمينَ.
- بخ بخ: كلمة تدل على المدح والرضا بالشيء وتُكَرَّر للمبالغة في تفخيمه.
- قَرَن: هُوَ جُعْبَةُ النَّشَّابِ.
فوائد الحديث
- الترغيب في الجهاد واستثارة همم المقاتلين بذكر أوصاف الجنة.
- بيان ما يفعله الإيمان في عزائم المؤمنين من حبّ التضحية والإقدام على الشهادة واستعجال الموت حبًا في الأجر والثواب.
- بيان أهمية دور القائد في الحرب ووجوب طاعته وتنفيذ أوامره واتباع توجيهاته.
1316
باب فضل الجهاد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَا القُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمُ: الْقُرَّاءُ، فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ، فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَحْتَطِبُونَ، فَيَبِيعُونَهُ وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ، فَبَعَثَهُمُ النَّبيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ، بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا، وَأتَى رَجُلٌ حَرَامًا خَالَ أَنَسٍ مِنْ خَلْفِهِ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا، وَإنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ، بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ
مفردات الحديث
- ناس: جماعة من أهل نجد عليهم أبو براء بن ملاعب الأسنة.
- الصفّة: مصطبة مظللة في مؤخرة المسجد يأوي إليها الفقراء.
- فعرضوا لهم: أي اعترضوا طريقهم، إذ عرض لهم عدو اللّهُ عامر بن الطفيل واستصرخ عليهم قبائل من عصية وسليم ورعل فقتلوهم.
- رضينا عنك: أي خضعنا لِما أمرتنا، ورضينا بما قدَّرتَ لنا، وسعدنا بما أكرمتنا وأفضت به علينا من فضلك ونعمتك ورحمتك.
- ورضيت عنا: بهدايتنا لطاعتك، وتوفيقنا لما يرضيك عنا، وقبولك عملنا وتحقيق ما وعدتنا.
فوائد الحديث
- من صدق في الجهاد في سبيل اللّهِ صدقه اللّه بالشهادة.
- بيان إقبال الصحابة على قراءة القرآن وطلب العلم واستجابتهم لرسول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ فيما يأمرهم به ويرسلهم إليه مهما كلفهم ذلك من مخاطر.
- رضى الصحابة بما كتب عليهم من القضاء والقدر، وتكريم اللّه لهم بتسخير الوحي للإخبار عنهم.
- جواز وضع الطعام والشراب في المسجد إذا كان يأوي إليه الفقراء.
1317
باب فضل الجهاد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، غِبْتُ عَنْ أوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللّهُ أشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاءِ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ -يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أنسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَمَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ، قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى -أَوْ نَظُنُّ- أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: مِنَ المُؤمِنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ إِلَى آخِرِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- انكشف المسلمون: تركوا أماكنهم وانهزموا.
- أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه: أي من الفرار.
- أبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين: أي من قتال الرسول صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّم.
- ...من دون أُحد: أي من مكان أقرب منه، وهذا كناية عن استحضار الجنّة والشعور بقربها من الشهيد، أو أنّه وجد ريحها حقيقة.
- مثل به المشركون: شوهوا وجهه.
فوائد الحديث
- الشهيد يبشر بالجنة عند موته.
- أنّ من صدق وعد اللّه صدق اللّه وعده له.
- محبة الصحابة للجهاد لما علموا فيه من الأجر العظيم، وحرصهم على عدم تفويت ذلك.
- بيان أهمية الإخلاص للّه والتوكّل عليه في قبول العمل حيث أرجع الأمر كله إلى الله.
1318
باب فضل الجهاد
عَنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتيَانِي، فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أحْسَنَ مِنْهَا، قَالَا: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهُوَ بَعْضٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعِلْمِ، سَيَأْتِي فِي (بَابِ تَحْرِيمِ الْكَذِبِ) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
مفردات الحديث
- رأيت: أي في المنام.
- رجلين: أي ملكين على صورة رجلين وهما جبريل وميكائيل.
فوائد الحديث
- بيان فضل الشهداء وعظيم ما أعدّ اللّه لهم في دار كرامته.
- أنّ رؤيا الأنبياء حقّ وأنّ الملائكة قادرون على التشكل بالأشكال البشرية.
1319
باب فضل الجهاد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ -وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقةَ- أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَلَا تُحدِّثُني عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بدْرٍ- فَإنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
فوائد الحديث
- أنّ الجنّة جنان ومنازل وأنّ الشهداء في أعلاها.
- تلطف النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ بأمّ الشهيد وبشارته لها ببيان منزلة الشهيد في الجنّة.
- عزاء أمهات الشهداء بمنزلة أبنائهن العالية في الجنة.
- أنّ الفردوس الأعلى هو أفضل منازل الجنّة.
1320
باب فضل الجهاد
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ فَنَهَانِي قَوْمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَا زَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- مُثِّل به: شُوّهت معالم خلقته، وذلك يوم أحد حينما استشهد.
- ما زالَت الملائِكةُ تُظِلُّه: أي استمرَّت تُظَلِّله تَكريمًا له.
فوائد الحديث
- تشريف الشهداء، فملائكة الرحمٰن تغشاهم بأجنحتها تشريفًا وتكريمًا.
- بيان فضل عبد اللّهِ أبي جابر رضي اللّهُ عنهما.
1321
باب فضل الجهاد
عَنْ سَهْل بْنِ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- من صدقت نيّته في طلب الشهادة نالها وإن مات على فراشه.
- الصدق في النية قد يبلغ العمل ويُنال أجره.
1322
باب فضل الجهاد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أعطيها: أي أعطي ثوابها.
فوائد الحديث
- حثّ المسلمين على الشجاعة والفداء مع الصدق والإخلاص.
- أنّ الإنسان يثاب على نيته وحسن قصده وإن لم يبلغ فعل ما أراده.
- بيان فضل تمني الشهادة.
1323
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- مسّ القتل: ألمه.
- القرصة: عضّة النملة ونحوها، إشارة إلى الألم الخفيف الذي يزول سريعا.
فوائد الحديث
- عناية اللّه تعالى بالشهيد حيث يهوِّن عليه الموت ويخفّف عنه آلامه فلا يحس من ألم القتل ومعالجة الموت إلّا ما يكون من ألم القرصة.
1324
باب فضل الجهاد
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْض أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ انْتَظَرَ حَتَّى مَالتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللّهَ العَافِيَةَ، فَإذَا لقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ، مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأحْزَابِ اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- مالت الشمس: تحرَّكَتْ عن وَسَطِ السَّماءِ.
- العافية: السلامة من المحن.
فوائد الحديث
- تقديم السلم والمهادنة وسؤال اللّه العافية والسلامة -خاصة إذا جنح إليه العدو- لما في الحرب والقتال من البلاء والفتنة والشدة والمشقة والضرر، فإذا لم يكن من لقائه بدّ فالصبر والثبات والإقدام وبارقة السيوف وإثخان العدو طريق الجنة.
- استحباب بدء القتال بعد زوال الشمس تفاؤلًا بانتقال الحال من الكرب إلى الفرج، وتجنبًا لحر الشمس وما يلحق بسببه من الأذى مع حر القتال.
- النهي عن تمني ملاقاة العدو لما فيه من العُجب والاعتماد على قوة النفس والرغبة في القتال والركون إلى القوة وذلك سبب الفشل.
- أهمية التحلي بالصبر، والتضرع إلى اللّهِ، والتوجه إليه بالدعاء طلبًا للنصر عند ملاقاة العدو، لما في ذلك من صدق التوكّل عليه والاستعانة به والإقرار بأنّ النصر من عنده سبحانه.
1325
باب فضل الجهاد
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ -أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ- الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحَمُ بَعْضُهُم بَعْضًا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- ثنتان: أي دعوتان.
- النداء: الأذان.
- البأس: اشتداد الحرب.
- يلحم بعضهم بعضًا: أي تَشتَبِك صُفوفُ المسلمين بصفوفِ العَدُوِّ وتَبْدأ المعركةُ.
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء في هذين الوقتين لما لهما من فضيلة الإجابة.
1326
باب فضل الجهاد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا غَزَا قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- عضدي: أي أنت عوني ومعتمدي وبك قوتي، والعضد ما بين المرفق إلى الكتف.
- أحول: أقوى وانتقل من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال لمحايلة العدو ودفع أذاه.
- أصول: أي أثِب على العدو وانتصر عليه.
- بك أقاتل: أي بعونك وتأييدك وفي سبيلك وإعلاء كلمتك.
فوائد الحديث
- التوجه إلى كمال الاعتماد على اللّهِ واللجوء إليه والاستعانة به.
- أنّ هذا لا ينافي إعداد وتهيئة الأسباب كاملة والأخذ بها فإنّ ذلك ممّا هو مأمور به.
- أهمية هذا الدعاء عند الخروج في سبيل اللّهِ لما فيه من البراءة من حول النفس وقوتها والركون إليها، والإقرار بحول اللّهِ وقوته وعزته فهذه أولى الخطوات نحو تحقيق التوفيق والتأييد والنصر من اللّه.
1327
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- نحورهم: النَّحْرُ هو موضِعُ الذَّبْحِ والقَتْلِ، والمعنى: أن يحول اللّه بيننا وبينهم فيَكفِيَنا شرهم ويدفع عنا أذاهم إذا أرادونا بسوءٍ.
- نعوذ: نعتصم.
فوائد الحديث
- أنّ التحصّن بأسماء اللّهِ تعالى واللوذ به سبحانه والالتجاء إليه نجاة وحفظ للإنسان مما قد ينزل به ممّا يشفق منه ويخشاه
1328
باب فضل الجهاد
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّىٰ اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- معقود: مربوط، والمقصود أنّه ملازم لها منوط بها.
- نواصيها: هي مقدمة الرأس أعلى الجبين، وتقال أيضًا للشعر المسترسل على الجبهة، وهي هنا كناية عن ذات الخيل.
فوائد الحديث
- استحباب اقتناء الخيل وإعدادها لغزو أعداء اللّهِ وقتالهم.
- الخير إنّما يكون فيها إذا ما استعملت في الجهاد، وقد كانت يومئذ من أعظم وسائل القتال ولم ينقطع حتى في إبان تقدم وسائل القتال.
- أنّ الجهاد قائم وباقٍ إلى قيام الساعة، وأنّ الخير والفضل حاصل ومستمر بقيامه.
1329
باب فضل الجهاد
عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الْأَجْرُ، وَالْمَغْنَمُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الأجر: أي الثواب المترتّب على ربطها في سبيل اللّهِ، وهو خير آجل.
- والمغنم: وهو النصر على الأعداء، والغنائم التي تكتسب منهم كالمال وغيره، وهو خير عاجل.
فوائد الحديث
- أنّ الخيل المعدّة للجهاد في سبيل اللّهِ قد اقترن بها الخير ولازَمها، إلى يوم القيامة، وهي في سعيها ذلك لا تخرج عن الأجر، والغنيمة، وربما ظفرت بهما معا.
1330
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللّهِ، إِيمَانًا بِاللّهِ، وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- احتبس: أي ربط فرسًا وأعدّه للجهاد، وجعَله وَقْفًا للجهادِ في سبيلِ اللّهِ، والدِّفاعِ عن المُسلِمين.
- بوعده: أي الثواب المرتب على ذلك.
- رِيَّه: شربه حتى الارتواء.
- روثه وبوله: ما يخرج منه من فضلات طعامه وشرابه.
- في ميزانه: أي يثاب ويؤجر على كل ذلك، ويكونُ هذا الثَّوابُ في ميزانِه يومَ القيامةِ.
فوائد الحديث
- الترغيب في إعداد الخيل في سبيل اللّهِ وأنّ ما ينفقه الإنسان عليها يكون في ميزان حسناته يوم القيامة، وأنّ كل ما يدخل جوفها من طعام وشراب وما يخرج منها يؤجر عليه.
- تخصيص الخيل دون غيرها من الدواب بذكر هذه الفضائل -ولكلٍّ خيره ونفعه- لِمَا خصّها اللّهُ به من الصفات المُعِينة في القتال.
1331
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَاقةٍ مَخْطُومَةٍ فَقَالَ: هذِهِ في سَبيلِ اللّهِ، فقَالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُ مِئَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- مخطومة: أي مجعول في رأسها الخطام وهو الزمام وسمي بذلك لأنّه يقع على خطم الدابّة وهو مقدم الأنف، وهو دليلٌ على كونِها ذَلُولًا صالحةً للحَمْلِ والرُّكوبِ.
فوائد الحديث
- الترغيب في التبرع بما يستعان به على القتال من فرس أو ناقة أو نحو ذلك.
- فضل الصدقة في سبيل اللّهِ.
1332
باب فضل الجهاد
عَنْ عُقْبةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ألَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، ألَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، ألَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»
رَوَاهُ مُسْلِم
مفردات الحديث
- ألا إن القوة الرمي: المعنى أنّ أعظم أنواع القوة وأكثرها نكاية بالعدو وأنفعها في الحرب إنّما هي الرمي.
فوائد الحديث
- أنَّ القُوَّةَ المذكورَةَ في كِتابِ اللّهِ المُرادُ بها الرَّميُ، إلَّا أنَّه خصَّ الرَّميَ في تَفسيرِ القُوَّةِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى مُمارسةٍ دائمةٍ وتَدريبٍ مُستمِرٍّ حتَّى لا ينسى، ولأنَّه أكثرُ نِكايةً في العدوِّ مِن غيرِه.
- وجوب إعداد القوة التي بها يرهب العدو ويصان الإسلام وتنشر الدعوة، وذلك بكل أنواع السلاح وفي مقدمتها وسائل الرمي وهي تختلف من زمان إلى آخر.
- التوجيه إلى استعمال أشد أنواع الأسلحة نكاية بالعدو.
1333
باب فضل الجهاد
عَنْ عُقْبةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أرَضُونَ، وَيَكْفِيكُمُ اللّهُ، فَلَا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يكفيكم الله: أي الحرب والقتال لانتصاركم على معظم الأعداء وظهور دينكم.
- فلا يعجز: فلا يقعد ولا يضعف.
- أن يلهو: أن يشغل وقت فراغه بالرمي بها تمرنًا.
فوائد الحديث
- دعوة الإسلام إلى الإعداد والاستعداد وحتى في أوقات السلم تحسبًا لكل طارئ.
- استحباب الرمي والتمرن عليه ولو في غير وقت الحاجة إليه، عِندَها يأمَنُ المسلمون ويُكْفَوْنَ أَمْرَ الأعداءِ.
1334
باب فضل الجهاد
عَنْ عُقْبةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّىٰ اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عُلِّمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَيْسَ مِنَّا، أَوْ فَقَدْ عَصَى»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ليس منَّا: أي ليس على هَدْينا وسُنَّتنا.
فوائد الحديث
- التشديد العظيم على من تعلم الرمي ثم نسيه بغير عذر، وسبب ذلك أنّ الذي تعلم الرمي قد حصلت له أهلية الدفاع عن دين اللّه ونكاية العدو وتأهله لوظيفة الجهاد، فإذا تركه فقد فرّط في القيام بما تعين عليه.
1335
باب فضل الجهاد
عَنْ عُقْبةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّىٰ اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاثةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ، يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِي بِهِ، وَمُنْبِلَهُ، وَارْمُوا وَارْكَبُوا ، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عُلِّمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا» أَوْ قَالَ: «كَفَرَهَا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- يحتسب: يرجو الثواب.
- منبله: أي الذي يرد النبل على الرامي، وقيل: الذي يناول النبل إلى الرامي أو الذي يجهزه به.
- رغبة عنه: إعراضًا عنه وزهدًا فيه لا لعذر من مرض ونحوه.
فوائد الحديث
- الترغيب في إعداد العدة للقتال وأنّ الثواب حاصل لكل من شارك فيه، وعلى المسلمين أن يهتموا يعتنوا بما هو أهم في السلاح وألزم لنصرهم على عدوهم.
- المؤاخذة على إهمال مزاولة أدوات الرمي والحرب بعد تعلمها رغبة عن الجهاد من غير عذر.
1336
باب فضل الجهاد
عَنْ سَلَمَةَ بنِ الْأكوَعِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ صَلَّىٰ اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- ينتضلون: يترامون بالسهام للسبق.
- بنو إسماعيل: هم العرب، وكان رامِيًا مُتقِنًا للرَّمْيِ عليه السَّلام.
فوائد الحديث
- الترغيب في الرمي لأجل التمرن عليه.
1337
باب فضل الجهاد
عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَهُوَ لَهُ عِدْلُ مُحَرَّرَةٍ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- من رمى بسَهمٍ في سَبيلِ اللّهِ: مَن رمَى بسَهمٍ مِن قَوسِه وأَوصلَه إلى كافِرٍ وأصابَه به.
- عدل محررة: أي مثل ثواب رقبة معتقة في سبيل اللّهِ.
فوائد الحديث
- بيان فضل الرمي في سبيل الله وعظيم ثوابه.
1338
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي يَحْيَى خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللّهِ كُتِبَ لَهُ بِسَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
فوائد الحديث
- مضاعفة الثواب لكل من أنفق نفقة في سبيل اللّهِ يبتغي بها الأجر عند اللّه.
1339
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللّهِ إلَّا بَاعَدَ اللّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرْيفًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- إنّما ذكر هذا الحديث في باب الجهاد لعموم مدلول عبارة "في سبيل الله تعالى" بما يشمل الجهاد وغيره من الطاعات. فيكون المعنى: مجاهدة النفس على صيامِ يومٍ تطوعًا، وتحمُّل مشقة الصيام في سبيل اللّهِ ابتغاء مرضاته ورجاء ثوابه.
1340
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللّهِ جَعَلَ اللّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- خندقًا: الخَنْدَق: أُخدودٌ عميقٌ مستطيلٌ، يُحفر في ميدان القتال، ليَتَّقي به الجنود، والمراد: يكونُ له حجاب من النار عُمْق ما بين السَّماءِ والأرضِ.
فوائد الحديث
- من حبس نفسه يومًا مجاهدًا في سبيل اللّهِ تعالى جعل اللّهُ بينه وبين النار حاجزًا.
- أنّ الخندق كناية عن البعد عن النار.
1341
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بغَزْوٍ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ نِفَاقٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لم يغز: لم يباشر القتال في سبيل اللّهِ.
- لم يحدث نفسه: لم ينو الغزو.
- شعبة: خصلة.
فوائد الحديث
- أنّ من لم يغز ولم يحدث نفسه به فقد أشبه المنافقين في تخلفهم عن الجهاد.
- أنّ من لم يتمكن من عمل الخير ينبغي له العزم وعقد النيّة على فعله، إذا ما أتيح له وتمكن منه فيكون له أجر نيته بدلًا من فعله، أمّا إذا لم يتمكن من الفعل ظاهرًا ولم يعزم عليه باطنًا فذلك تشبه بالمنافقين الذين لا يعملون الخير ولا ينوونه، خصوصًا الجهاد الذي أعزّ اللّه به الإسلام وأظهره على الدين كله.
1342
باب فضل الجهاد
عَنْ جَابرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَاِدِيًا إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ» وَفِي رِوَايةٍ: «حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «إلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ
فوائد الحديث
- أنّ من لم يستطع الخروج للجهاد تكفيه النيّة الصادقة على البذل والتضحية ليشارك المجاهدين في الأجر.
- اهتمام النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ بالصحابة المجاهدين وعلمه واطلاعه على اعذارهم.
1343
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ ليُرَى مَكَانُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. وَفِي رِوَايةٍ: وَيُقَاتِلُ غَضَبًا فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أعرابيًا: الأعراب هم سكان البادية من العرب.
- للمغنم: طلبًا للغنيمة.
- ليرى مكانه: أي مرتبته في الشجاعة.
- حمية: أنفة ومحاماة عن عشيرته.
- كلمة اللّهِ: أي كلمة التوحيد.
فوائد الحديث
- أنّ المقاتل المأجور هو من قاتل الكفّار الذين يصدون عن سبيل اللّهِ، وكان قتاله إيمانًا واحتسابًا لغرض ديني، لا المقاتل لغرض دنيوي.
- أنّ سبيل الله: تشمل صون العقيدة من التحريف، وإقامة دين اللّهِ وتحكيم شرعه، وحماية الأنفس والأعراض والأموال والأوطان والمقدسات.
- لا يتعارض مع صدق نوايا المجاهدين ما يجدونه من مغانم ومصالح في الجهاد شرط أن تكون نيتهم وغايتهم الأولى إعلاء كلمة اللّهِ وهذا هو الهدف الأسمى للجهاد.
1344
باب فضل الجهاد
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إلَّا تَمَّ أَجُورُهُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- غازية: طائفة غازية.
- سرية: قطعة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة.
- تخفق: من الإخفاق أي لم يحصل لهم مقصودهم.
فوائد الحديث
- أنّ الغزاة إذا سلموا وغنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم.
- قلة الأجر هنا لا تعني ضَعف فضل العمل، بل أنّ السلامة والغنيمة للمجاهد في سبيل اللّهِ هي عنوان النصر والعزة وهي غاية المطلوب ولها كامل أجرها، وإنّما المراد من المعنى تحذير من سَلِم وغَنِم من الفتنة، ومواساة من جاهد فأخفق وأُصيب في بيان زيادة أجره بما أصابه من الخيبة والابتلاء فنال أجرًا فوق أجر، أو استشهد فنال عظيم الأجر بالشهادة.
1345
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ
مفردات الحديث
- السياحة: مفارقة الوطن والذهاب في الأرض.
فوائد الحديث
- أنّ أفضل أنواع الضرب في الأرض إنّما هو السعي فيها للجهاد في سبيل اللّهِ، لما فيه من إعزاز الإسلام.
- لعل الرسول صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ لم يأذن للرجل في السياحة لتعيّن الجهاد عليه أو أنّه أرشده لما هو أفضل له.
- أنّه لا يجوز أن يؤثر الإنسان الراحة بالسياحة والأسفار لغير قصد مشروع ويترك الجهاد في سبيل اللّهِ تعالى، والوطن بحاجة إليه سواء كان الجهاد بالنفس أو بالمال أو بالعلم والدعوة إلى اللّهِ تعالى فإنّه جهاد وإعلاء لكلمة اللّهِ تعالى.
1346
باب فضل الجهاد
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ
مفردات الحديث
- قَفْلَة: أي الرُّجُوعُ مِنَ الْغَزْوِ بَعْدَ فَرَاغِهِ.
فوائد الحديث
- أنّ المجاهد يثاب ذاهبًا وآيبًا لأنّ في قفوله حظًا لأهله وراحة لنفسه واستعدادًا بالقوة للعود للجهاد ثانية.
- أنّ طريق العودة غير آمن ولا يزال محفوفًا بالمخاطر حتى يبلغ الغزاة ديارهم فيكتب لهم فيه كأجر خروجهم.
1347
باب فضل الجهاد
عنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَلَقَّاهُ النَّاسُ، فَلَقِيتُهُ مَعَ الصِّبْيَانِ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِهَذَا اللَّفْظِ. • وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ: ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ.
مفردات الحديث
- تلقاه الناس: أي: استَقْبَلوه واستَعَدُّوا لقُدومِه.
- الصبيان: الغلمان قبل البلوغ.
- ثنية الوداع: مكان قرب المدينة سميت بذلك لأن المسافر كان يودع عندها.
فوائد الحديث
- استحباب استقبال الناس للراجعين من الجهاد في سبيل الله.
- فيه تنشيط للمجاهدين وفرح بالعائدين منهم لما يلقونه من الناس من فرح استبشار بقدومهم.
1348
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللّهُ بِقَارعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- القارعة: مصيبة أو داهية أو شدة مهلكة تلطم قلبه بهولها وفجأتها.
فوائد الحديث
- التحذير من تعجيل العقوبة على ترك الجهاد أو ترك إعانة المجاهدين في سبيل اللّهِ بالمال أو بمساعدتهم في رعاية أهلهم.
- كل أمة ترغب عن الجهاد في سبيل اللّهِ تعالى ستحل عليها قارعة تزلزل أركانها.
- يخلف أهله "بخير" تحديد لصفة خلافته فيهم، وتحذير من أن يخلفه فيهم بسوء أو أذى.
1349
باب فضل الجهاد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُمْ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
فوائد الحديث
- وجوب الجهاد بإنفاق المال في الحرب وبذل النفس حبًا في النصر ورغبة في الشهادة ومقارعة الكفر بالحجة والبرهان، ولا بد من كل هذا لنشر الإسلام وصون الأوطان وإزالة معالم الكفر والطغيان.
1350
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي عَمْرٍو -وَيُقَالُ: أَبُو حَكِيمٍ- النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ أوَّلِ النَّهَارِ أخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فوائد الحديث
- استحباب تحيُّن الفرص المناسبة للقتال.
- أفضلها في الصباح حين برودة الجو، أو بعد الزوال حتى يبرد الجو ويسهل لبس السلاح وركوب الخيل والكرّ والفرّ ويكون مع ذلك النصر بالتأييد الإلهي.
- ذكاء السياسة النبوية الحربية واختيار المصلحة المؤاتية.
1351
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ صَابِرُوا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- عدم تمني لقاء العدو، ووجوب الصبر إذا وقع اللقاء.
1352
باب فضل الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- خدعة: احتيال على العدو للتمكن منه.
فوائد الحديث
- الأمر باستعمال الحيلة في هزيمة العدو مهما أمكن لأنّ العدو المقاتل للإسلام والمسلمين حلال الدم والمال، وكفه عن العدوان واجب.
- الخداع في الحرب جائز كيفما كان إلّا بالإيمان والعهود.
- التنبيه لأخذ الحيطة والحذر لأن الخدعة قد تأتي من العدو
1353
باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، والْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الشهداء: جمع شهيد وهو من مات من المسلمين في سبيل اللّهِ دون غرض من الدنيا.
- المطعون: الذي أصابه مرض الطاعون الساري ومات به.
- المبطون: الذي مات بمرض البطن.
- صاحب الهدم: الذي مات تحت الهدم والأنقاض.
فوائد الحديث
- أنّ هذه الأصناف الأربعة من الناس الذين ماتوا بتلك الأسباب لهم عند اللّهِ في الآخرة منازل الشهداء -إذا كانوا من المسلمين- تفضُّلًا من اللّهِ تعالى على ما ابتلاهم به فصبروا.
1354
باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ» قَالَوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، والْغَرِيقُ شَهِيدٌ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- من قتل في سبيل اللّهِ: هو من قضى مقتولًا بيد الكفار في ميدان المعركة مقبلًا مجاهدًا مخلصًا لإعلاء كلمة اللّهِ. وهذا هو الأصل شرعًا في الشهادة التي تجرى عليها أحكامها الشرعية في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة.
فوائد الحديث
- أنّ الشَّهادة أنواع كثيرة ودرجات متفاوتة.
- أنّ أشرف أنواع الشهادة لمن قُتل مجاهدًا للعدو في أرض المعركة، يليها موت من خرج في سبيل اللّهِ مجاهدًا أو حاجًّا ومنها: الموت بالطاعون أو الغرق أو مرض البطن، وغير ذلك مما نصت عليه الأحاديث الصحيحة.
- المُراد بِشهادة هؤلاء كلهم -غيرِ المقتولِ في سبيل اللّهِ- أنّهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأمّا في الدنيا فلا تجري عليهم أحكام الشهيد فَيُغَسَّلون ويصلَّى عليهم.
1355
باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- دون ماله: أي مدافعًا صادًّا لمن يريد أخذ ماله ظلمًا وقهرًا.
فوائد الحديث
- أنّ من قُتل دفاعًا عن ماله يؤخذ منه عنوة وظلمًا فهو شهيد له حكم الشهداء في ثواب الآخرة.
- أنّه ينبغي للإنسان إذا اعتدى عليه أحد وأراد أخذ ماله عنوةً وظلمًا أن يقاتل دون ماله ويدافع عن نفسه ولا يكونَ صيدًا سهلًا، فهذا يَحُدُّ من انتشار مثل هذه الظواهر الخطيرة في المجتمعات.
1356
باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار
عَنْ أَبِي الْأَعْوَرِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ -أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- ومَن قتل دونَ دَمِه: أي: دِفاعًا وحفاظًا على نَفسِه ممَّن يُريدُ أن يَعتدِيَ عليه.
- ومَن قتل دونَ أهلِه: أي: دفاعًا ورَدًّا لمَن أراد أن يَعتدِيَ على زَوجتِه وأقاربِه.
فوائد الحديث
- جواز الدفاع عن هذه الحقوق التي ذكرت، وأنّ من قتل مظلومًا وهو يدافع عنها أو عن أحدها فإنّ له عند اللّهِ في الآخرة منازل الشهداء في الفضل والأجر.
- قدّم ذكر المال، لأنّ الطمع فيه أكثر، وحتى لا يظنّ أنّ التفريط فيه مطلوب أو الاعتداء عليه مباح.
1357
باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: أَرأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أرأيت: أخبرني.
- أخذ مالي: أي ظلمًا بغير حقّ.
فوائد الحديث
- جواز القتال دفاعًا عن المال إن عُدِم غيره من الوسائل، والحثّ عليه إن بادر الغاصب بالقتال. أنّ صاحب المال إن قُتِل إذ ذاك كان شهيدًا من حيث ثواب الآخرة، ولا تجري عليه أحكام الشهيد في الدنيا ولكن يغسل ويُصلى عليه، وإن قَتَلَ دفاعًا وهو لا يريد القتل فلا إثم عليه.
- الصائل المعتدي على المال إن قتلَ وسَلَبَ مستحلًا مال أخيه مهدرًا دمه كان في النار مخلدًا فيها.
- لا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
- المدافعة للمعتدى عليه تكون بالأسهل كالضرب والكلام والوعيد فإن لم يندفع الأذى إلا بالقتل ساغَ القتل.
1358
باب فضل العتق
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمةً أَعْتَقَ اللّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- من أعتق: أي حرر نفسًا مسلمة من الرق.
- بكل عضو منه: أي بكل عضوٍ من المعتَق في سبيل اللّهِ.
- عضوًا منه: أي ما يقابله من المعتِقِ.
فوائد الحديث
- الحثّ على العتق إن وُجِد مسلمون أرقاء لما فيه من تحقيق العزة للمسلمين بإزالة ذل العبودية عنهم.
- أنّ في تخليص الرقاب من الأسر نجاةً من النار يوم القيامة ورفعًا للدرجات في الجنة.
1359
باب فضل العتق
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِاللّهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبيلِهِ» قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «أنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أي الرقاب أفضل: أي أكثرها ثواباً عند عتقها.
- أنفَسها: أحسنها وأجودُها وأرغبُها عند أهلِها.
- عند أهلها: مالكيها.
فوائد الحديث
- الحثّ على العتق، وكلما كان المملوك أكثر نفعًا لمالكيه وأكثر ثمنًا كان عتقه أفضل وأكثر ثوابًا.
- أنّ الإيمان أساس الأعمال الصالحة، وأنّ أفضل الأعمال مع الإيمان الجهاد لإعلاء كلمة اللّه عزّ وجلّ.
- يستحب التبرع بأحبّ المال إلى صاحبه تقربًا إلى اللّهِ بالأفضل والأجود.
- خيرُ الأعمالِ صدقُ الإيمانِ باللّه وصحةُ الاتباع لرسوله.
- أنّ أجرَ الفعلِ يتعلَّقُ بنَفعِه، وكلما عمَّ النفع عَظُمَ الأجر بفضل من الله.
1360
باب فضل الإحسان إلى المملوك
عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُويْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلامِهِ مِثْلُهَا، فَسَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أنَّهُ سَابَّ رَجُلًا على عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّك امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِليَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللّهُ تَحْتَ أَيْدِيِكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حلّة: هي ثَوبانِ إزارٌ ورداءٌ.
- فسألته عن ذلك: أي عن سبب مساواته مع عبده في اللباس خلافًا لمألوف الناس من التفاوت بينهما.
- فيك جاهلية: أي فيك صفات من صفات الجاهلية.
- هم خَوَلُكُمْ: أي هم الَّذين يُخوَّلُون أمورَكم بمعنى يُصلِحونها وهم إخوانُكم في الدِّينِ.
- تحت أيديكم: تحت تصرفكم وأمركم.
- ما يَغْلِبُهُمْ: ما يعجزون عنه أو يلحق بهم مشقّة لا تحتمل عادةً لأمثالهم.
فوائد الحديث
- الحثّ على الإحسان إلى المماليك والخدم.
- من مستحب ومندوب أن يعاملهم مثل ما يعامل نفسه وعياله ويلبسهم مثل لباسه، أما الواجب فهو أن يقدم لهم ما يسدّ حاجتهم من الطعام واللباس المعتاد لأمثالهم في ذلك البلد.
- يلحق بالعبيد في ذلك من هم بوصفهم ومعناهم كالأجير والخادم، وكل من كان تحت تصرف الإنسان وفي خدمته. فالإشفاق عليهم، وعدم تكليفهم بما يوقعهم في الحرج وما لا طاقة لهم به، ومساعدتهم عند تكليفهم، فيه من الرحمة وحسن الخلق ما يثاب عليه المرء وينال به الأجر والرضى والرحمة من الله.
- التحذير من التخلق بأخلاق الجاهلية كالعصبية والتفاخر بالأنساب.
- تحقيق المساواة في الإسلام وأنّ الناس جميعًا إخوة ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى.
1361
باب فضل الإحسان إلى المملوك
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ: فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَليُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقمَتَيْنِ، أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلاجَهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- الْأُكْلَة: هِيَ اللُّقْمَةُ.
- ولي علاجه: قام بطبخه وتهيئته.
فوائد الحديث
- يستحبّ للمرء أن يطعمَ من يصنع له الطعام من خادم وغيره شيئًا من أصل طعامه لا مما يفضل عنه.
- أنّ الأفضل أن يُجلس من يأتيه بالطعام معه على المائدة لما فيه من التواضع وحسن المواساة.
- دلّ هذا الحديث ومثله على الحثّ والترغيب في حسن معاملة الخدم، ومواساتهم، وتطييب نفوسهم ومشاركتهم الطعام خاصة من قام منهم بإعداده وتحضيره لما قد يقع في نفوسهم من اشتهائه
1362
باب فضل المملوك الذي يؤدّي حقّ اللّه وحقّ مواليه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- العبد: أي المملوك ذكرًا كان أو أنثى.
- نصح لسيده: أي أخلص لمالكه الطاعة، وصدقه المشورة، وأعانه على الخير والصلاح، وأحسن خدمته، وحفظه في ماله وكل ما ائتمنه عليه.
- أحسن عبادة اللّهِ: التزم بأداء عباداته وواجباته الشرعية وجاء بها مستوفية للأركان والشروط والآداب.
فوائد الحديث
- بيان فضل المملوك الذي يؤدي حقَّ اللّهِ وحقَّ مواليهِ.
- الإخلاص والصدق في العمل يدخل أيضا في المناصحة وهو سبب لحصول الأجر ومضاعفته.
- بيان أنّ كل عباد اللّهِ سواسية في التكليف، والمحاسبة، واستحقاق الأجر ومضاعفته، وحفظ الحقوق والواجبات سواء العبد أو السيد.
1363
باب فضل المملوك الذي يؤدّي حقّ اللّه وحقّ مواليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الْمُصْلِحِ أَجْرَانِ»، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ، والْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- المصلح: المحسن في عبادة ربه، القائم بنصح سيده وطاعته بالمعروف، الساعي في الخير والصلاح.
- لولا الجهاد: أي لولا فضل القيام بهذه الأعمال وأن الرق يمنع منها لأنّ الرقيق محبوس لخدمة سيده.
- وأنا مملوك: أي لأنال الأجر مضاعفًا.
فوائد الحديث
- بيان فضل المملوك الذي يؤدي حقَّ اللّهِ وحقَّ مواليهِ.
- تواضع أبي هريرة وحرصه على تحصيل الأجر، لذلك تمنى أن يكون مملوكًا لما علم من كبير الأجر للمماليك مع قلة التكليف.
- بيان فضل اللّهِ ورحمته وعدله بأن جعل للمملوك مضاعفة الأجر بما وجب عليه من طاعته لربه وإخلاصه لسيده لَمَّا حرمه رِقُّه من أفضل الأعمال في الإسلام كالجهاد والحج وحق التصرف في المال والوقت وبذلهم في سبيل اللّهِ.
1364
باب فضل المملوك الذي يؤدّي حقّ اللّه وحقّ مواليه
عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ لَهُ أَجْرَانِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- الذي عليه: ما وجب عليه.
- الطاعة: أي في غير معصية اللّهِ عز وجل.
فوائد الحديث
- بيان فضل المملوك الذي يحسن عبادة اللّهِ عزّ وجلّ ويؤدي ما عليه من طاعة سيده وأنّ له أجريْن بذلك.
1365
باب فضل المملوك الذي يؤدّي حقّ اللّه وحقّ مواليه
عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلاَثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أهل الكتاب: اليهود والنصارى.
- مواليه: جمع مولى وهو المالك للعبد.
- أمة: امرأة مملوكة.
- فأدبها: رباها على الأخلاق الإسلامية.
- علمها: أي ما تحتاج إليه في حياتها دنياها وأخراها.
- فتزوجها: أي بالشروط المشروعة ومنها إعطاء المهر.
فوائد الحديث
- مواساة الضعفاء كالعبيد ومَن في معناهم وتطييب خاطرهم وحثّهم على الصبر على ما امتحنوا به وأن يحتسبوا ذلك عند ربهم تبارك وتعالى.
- حثّ المسلمين على العناية بمن في أيديهم من المماليك وإحسان تربيتهم وتعليمهم ما ينفعهم ثم تحريرهم والتزوج بهم وخاصة النساء منهم أو تزويجهن بالكفء.
- حثّ أهل الكتاب على الدخول في الإسلام ليكون لهم فضل الإيمان بنبيهم وفضل الإيمان برسالة محمد صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ فيكون أجرهم مضاعفًا، لإيمانهم بنبيّهم وتصديقه واتباعه على الحقّ الذي جاء به نبيّهم من الإقرار بوحدانية اللّهِ سبحانه وأنّه عبد اللّهِ ورسوله، ثم كمَّلوا دينهم بالإيمان بخاتم النبيّين محمد صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ واتباع شريعته
1366
باب فضل العبادة في الهرج، وهو الاختلاط والفتن ونحوها
عنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- الهرج: المقصود به وقتُ الفِتَنِ واختِلاطِ الأُمورِ، وحالات الفوضى والفساد والاضطراب والاقتتال وفقد الأمن والأمان.
- كهجرة إلي: لها مثل ثواب من هاجر إلى مدينة النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ حين كانت الهجرة إليها واجبة.
فوائد الحديث
- الحثّ على العبادة والإقبال على اللّهِ تعالى أيام الفتن واضطراب الأمور، لأنّ الناس يغفلون عنها في هذه الأحوال -إلا القليل- بسبب الخوف والذعر أو الانشغال بها.
- أنّ من يترك ما حرم اللّه عزّ وجلّ إلى فعل ما أمر به، ويفرّ من الفتن معتصمًا بعبادة ربه، كالمهاجر يفرّ بدينه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله.
- الحثّ على التزام السنّة والتمسك بشرع اللّهِ عزّ وجلّ تحصنًا من الفتن وحفظًا من الفساد.
1367
باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان، والنهي عن التطفيف، وفضل إنظار الموسر المعسر، والوضع عنه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا» ثُمَّ قَالَ: «أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، لا نَجِدُ إِلّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: «أَعْطُوهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- رجلًا: قيل هو زيد بن شعبة الكناني وأسلم فيما بعد.
- يتقاضاه: يطلب منه أداء ما له عليه.
- فأغلظ: قسا بمطالبته.
- فهمّ أصحابه به: أي أراد أصحاب النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ أن ينالوا منه جزاء غلظته.
- مقالًا: سلطانًا في القول.
- أعطوه: المخاطب بذلك أبو رافع مولى النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
- سنًّا مثل سنّه: جملًا عمره مثل عمر جمله.
- أمثل: أكبر في السن وأفضل.
- قضاء: وفاء للحق الذي عليه.
فوائد الحديث
- أنّ اللّه قَدْ جعل لِصاحِبِ الحقِّ، سواءٌ كانَ دائنًا أو مُؤَجِّرًا أو أجيرًا، الحَقَّ في المطالبة بحقّه، شريطة عدم التعدي على غَيْره.
- أنَّ من عليه دين من قرض أو غيره له أن يردّه بأجود مِن الذي عليه، فذلك من مكارم الأَخلاق المحمودة عرفًا وشرعًا.
- الصّبر عَلى خُشونة قول الغريم.
- أنَّ من عليه دين من قرض أو غيره له أن يردّه بأجود مِن الذي عليه، فذلك من مكارم الأَخلاق المحمودة عرفًا وشرعًا،
- على أن تكون منه تبرعاً ولا يشترطه الدائن.
1368
باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان، والنهي عن التطفيف، وفضل إنظار الموسر المعسر، والوضع عنه
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- سمحًا: سهلًا لينًا.
- اقتضى: طلب قضاء حقه.
فوائد الحديث
- استحباب المسامحة في البيع والشراء وذلك بأن يترك كل من البائع والمشتري ما يسبب ضجر الآخر وإزعاجه، ولعله من المسامحة أن يزيد المشتري في الثمن وأن يزيد البائع في السلعة.
- الحثّ على الليونة في طلب قضاء الحقوق واستحباب التنازل عن شيء منها.
1369
باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان، والنهي عن التطفيف، وفضل إنظار الموسر المعسر، والوضع عنه
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- كرب: غم تضيق به النفس لشدته.
- فليُنفِّس عن معسر: أي يؤخر مطالبة من عليه دين حل أجله ولم يتيسر له وفاؤه، أو يفرج عنه بأن يعطيه مالًا ليوفي دينه.
- يضع عنه: يحط عنه الدين كلًا أو بعضًا.
فوائد الحديث
- الحَثُّ على إنظارِ المُعسِرِ أو إِسْقاطِ الدَّينِ عَنه.
- أنّ إنظار المعسر والتفريج عنه رتّب عليه الأجر العظيم في الدنيا والآخرة.
1370
باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان، والنهي عن التطفيف، وفضل إنظار الموسر المعسر، والوضع عنه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا. فَلَقِيَ اللّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- كان رجل: أي من مؤمني الأمم السابقة.
- يداين: يكثر من التعامل معهم بالدين.
- فَتَاهُ: أجيره.
- فتجاوز عنه: تساهل معه، ويدخل في ذلك حسن المطالبة والحطّ من الدَّين والتأخير في الأجل.
- أن يتجاوز عنا: يعفو عن ذنوبنا لأنّ الجزاء من جنس العمل.
فوائد الحديث
- أنّ اليسير مِن الحسنات إذا كان خالصًا للّه كفّر كثيرًا من السيئات.
- حصولُ الأجر للآمِر بالتيسير، وإن لم يتولّ ذلك بنَفسه.
- أنَّ من عليه دين من قرض أو غيره له أن يردّه بأجود مِن الذي عليه، فذلك من مكارم الأَخلاق المحمودة عرفًا وشرعًا،
- على أن تكون منه تبرعاً ولا يشترطه الدائن.
1371
باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان، والنهي عن التطفيف، وفضل إنظار الموسر المعسر، والوضع عنه
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، وَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ. قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- حوسب: إخبار عمّا سيكون يوم القيامة.
- يخالط الناس: يعاملهم ويداينهم.
- غلمانه: عبيده أو عماله.
- أحق بذلك: أولى بالتجاوز والعفو.
- تجاوزوا عنه: الخطاب للملائكة.
فوائد الحديث
- المداينة والإقراض ومساعدة الآخرين والتجاوز عن المعسرين، خصلة حميدة، وصفة كريمة رتّب اللّه عزّ وجلّ عليها أجرًا عظيمًا.
- أنّ من رحم الناس في الدنيا وتجاوز عنهم وأنظر معسرهم كان ذلك مظنّة أن يتجاوز اللّه عنه يوم القيامة.
1372
باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان، والنهي عن التطفيف، وفضل إنظار الموسر المعسر، والوضع عنه
عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: أُتِيَ اللّهُ تَعَالَى بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ آتَاهُ اللّهُ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا عَمِلْتَ فَي الدُّنْيَا؟» - قَالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا - قَالَ: يَا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ، فكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأُنْظِرُ المُعْسِرَ، فَقَالَ اللّهُ تَعَالى: «أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي» فقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَأَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- أُتيَ: إخبار عن المستقبل.
- آتاه: أعطاه.
- قال: أي حذيفة (وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا): أي لا يستطيعون أن يخفوا شيئًا عنه.
- أبايع: أتعامل معهم بالبيع.
- الجواز: المسامحة.
- أتيسر: أقبل ما فيه نقص قليل أو عيب يسير.
- أنظر: أمهل.
- من في: من فم.
- هكذا سمعناه: أي الحديث عن حذيفة موقوفًا وهما رفعاه إلى النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ، والموقوف في حكم المرفوع لأنّ مثله لا يقال بالرأي.
فوائد الحديث
- فضل الدائن المتسامح وما يناله من عظيم الأجر ويجنيه من حسن العاقبة، إذ يكون تجاوزه عن المدين طريق تجاوز اللّه تعالى عن ذنوبه ودخوله الجنّة.
- الحثّ على مخالطة الناس والتعامل معهم إن كان ذلك يحصل به منفعة ويدفع به مضرة.
- فضل تيسير مصالح الناس ومد يد العون لهم، وجواز التعامل بالدَّين.
1373
باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان، والنهي عن التطفيف، وفضل إنظار الموسر المعسر، والوضع عنه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- أظلّه اللّه: حماه اللّه من حرّ الشمس التي تدنو من رؤوس العباد حتى يلجمهم العرق يوم القيامة.
فوائد الحديث
- الحثّ على التسامح مع المدين إمّا بتأخير أجل وفاء الدين وإمّا بإبرائه من الدَّين كلًا أو بعضًا، والإبراء أفضل إن كان لا يضيق على الدائن.
- الجزاء من جنس العمل فكما أنّ الدائن خلّص المدين من ضيق النفس في الدنيا ونفس عن كربته بتسامحه معه وحماه من لفحات هم الدين وغمه، كذلك يخلّصه اللّه تعالى من كرب يوم القيامة ويحميه من لظى الشمس المحرقة فيها.
1374
باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان، والنهي عن التطفيف، وفضل إنظار الموسر المعسر، والوضع عنه
عَنْ جابرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْهُ بَعِيرًا، فَوَزَنَ لَهُ، فَأَرْجَحَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- فوزن له فأرجح: أي أمر أن يوزن له الثمن ذهبًا أو فضة وأن يزاد له في وزنه على القدر الذي اتفق عليه، وجاء أنّه زاده قيراطًا وهو وزن معين من الذهب، وفيه استحباب الزيادة في الوزن أو الثمن عن المُستحَق أو المُتفَق عليه، على أن تكون منه تبرعًا.
1375
باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان، والنهي عن التطفيف، وفضل إنظار الموسر المعسر، والوضع عنه
عَنْ أَبِي صَفْوَانَ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: جَلبْتُ أَنَا وَمَخْرَمَةُ الْعبدِيُّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ، فَجَاءَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ، وَعِنْدِي وَزَّانٌ يَزِنُ بِالْأَجْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْوَزَّانِ: «زِنْ وَأَرْجِحْ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- بزًا: ثيابًا.
- هجر: اسم بلد قريبة من البحرين.
- فساومنا: أي سألنا عن ثمنها من المساومة، والمساومة هي المجادلة بين البائع والمشتري على السلعة وفصل ثمنها.
- سراويل: يطلق على المفرد والجمع، وهو لفظ أعجمي معرب وهو مثل البنطال ونحوه.
- زن وأرجح: زن قدر الثمن المتفق عليه وزد شيئاً عليه.
فوائد الحديث
- جواز المفاصلة شريطة ألّا يكون في ذلك ما يضجر البائع أو يبخس الحقّ.
- يستحب للمشتري أن يتسامح مع البائع ويزيد له شيئًا على الثمن المتراضى عليه، وكذلك يستحب للبائع أن يتنازل عن شيء من الثمن أو يزيد شيئًا في السلعة بعد الرضى بها.
- بيان ما كان عليه النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ من تسامح وحسن معاملة وكريم خلق.
- كتاب العلم
1376
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ مُعاوِيةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يفقّهه في الدين: يجعله على معرفة في أحكامه وتعاليمه، والفقه في اللغة: الفهم.
فوائد الحديث
- بيان فضل العلم وأنّه جماع الخير وعنوان توفيق اللّه عزّ وجلّ ورضاه.
1377
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللّهُ مَالًا فَسلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا، وَيُعَلِّمُهَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حسد: المقصود هنا الغبطة وهي تمني ما يسرُّ النفس وتهفو إليه من مثل ما عند الغير من النعم دون تمني زواله عنه، وهذا من جبلة النفس وفطرتها.
- اثنتين: أي من الخصال.
- آتاه: أعطاه.
- فسلّطه على هلكته في الحقّ: مكَّنه منه، وجعل له سلطة وقدرة على الرغبة عنه، والتحكم فيه وإفنائه بإنفاقه بسخاء وطيب نفس في الواجب والمستحب من وجوه الخير والبرّ في سبيل اللّه.
- يقضي: يفصل بين المتنازعين ويفتي المستفتين بما عنده من علم صحيح.
فوائد الحديث
- استحباب رجاء مثل ما عند الغير من الخير والنعم دون تمني زواله عنه، لِمَا في هذا من الدافع إلى المنافسة الحميدة والرغبة في السعي لتحصيل مثله.
- تخصيص هاتين الخصلتين بالذكر ليس للحصر وإنّما لبيان ما في مثله تُحمد الغبطة وتُستحب لما فيه من خير الدنيا، وصلاح الدين، وثواب الآخرة.
- الحثّ على طلب العلم، ووجوب العمل به وتعليمه للناس واستخدامه فيما يقضي مصالحهم.
- استحباب تمني الغنى، والسعي المشروع لتحصيل المال الحلال، وعقد النيّة على إنفاقه في الواجب والمستحب من وجوه الخير، لمن عَلِمَ وأمِنَ أداء حقّه، وحرص على تسخيره في رضى اللّه وطاعته، لأنّ الغنى بشرطه وحقه خير من الفقر.
- أنّ من المشروع سؤال اللّه تعالى من نِعَمِ الدنيا ما أمنت فيه الفتنة، وابتُغِيَ فيه وجه اللّه عزّ وجلّ، وصلُحت به الآخرة.
- بيان فضل الحكمة، وهي حالة قلبية وصفة عقلية تعين على التمييز والتسديد والإصابة، قوامها العلم والمعرفة والعدل والبصيرة.
- استحباب المنافسةِ في الخيرِ، وبيان دور الغبطة في الحضِّ عليها.
1378
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وزَرَعُوا، وأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِي قِيعَانٌ، لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- طائفة: بقعة.
- طيبة: جيدة التربة.
- الكلأ: المرعى رطبًا كان أم يابسًا.
- العشب: الكلأ ما دام رطبًا.
- أجادب: صلبة لا تشرب الماء سريعًا فيستقر عليها ولا ينضب.
- قيعان: جمع قاع، وهو الأرض المستوية الملساء التي لا نبات فيها.
- من لم يرفع بذلك رأسًا: كناية عن شدّة إعراضه وجهله وقد بلغه العلم فلم ينتفع به ولم ينفع غيره.
فوائد الحديث
- الحثّ على الاجتهاد في طلب العلم وأداء حقّه بالعمل به وتعليمه ليكون النفع أعم وأشمل.
- أنّ العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة هو أصل الفقه ورأس العلوم، وتشبيهه بالغيث إشارة إلى ما فيه من النفع ومقومات الحياة فكما الأرض يحييها المطر كذلك القلوب والنفوس تحيا بهذا العلم.
- أنّ الناس بالنسبة للعلم ثلاثة أصناف باعتبار التفاوت بينهم من حيث الاهتمام به والحرص عليه، ومن حيث تفاوت القدرات على فهمه وتبليغه: منهم من يحرص على طلبه ويتقّن حفظه فيعمل به ويعلمه، فينفع نفسه وغيره، وهذا أفضل الأحوال والأصناف. ومنهم من يحفظ العلم وينقله لغيره ممن يستفيد منه دون أن يكون له اجتهاد في العمل بمقتضاه، وهذا أقل رتبة ممن سبق، ومنهم من يعرض عن العلم، فلا يسمعه لينتفع به، ولا يحفظه لينقله لغيره، وهذا الصنف من أسوأ الناس.
1379
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: «فَوَاللّهِ، لأَنْ يَهْدِيَ اللّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حمر النعم: جمع أحمر. والنعم: الأبل، وهو مثل يضرب لكل نفيس، والأصل أنّ الإبل الحمراء كانت أنفس الأموال عند العرب.
- خير لك: أي أكثر فضلًا وأعظم أجرًا عند اللّه من اقتناء وامتلاك هذه النعم أو بذلها في سبيل اللّه.
فوائد الحديث
- بيان فضل الدعوة إلى اللّه عزّ وجلّ وأنّ الإخلاص فيها من أسباب التوفيق.
- الحثّ على التسبب في هداية الخلق إلى الحق.
- أنّ الهداية من اللّه عزّ وجلّ.
- فضل العلم وأهمية تبليغه.
- أنّ الدعوة الموفقة المفضية إلى الهداية يلزم أن تقوم على أصول من العلم والفقه والمعرفة في أساليبها ووسائلها وموادها.
1380
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ولَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- ولو آية: أي ولو كان المبلغ آية من آيات اللّه، والأمر بتبليغ القرآن الذي تكفّل اللّه بحفظه تنويه بتبليغ الحديث الذي تُرك حفظه للناس من باب أولى.
- ولا حرج: ولا إثم ولا ذنب.
- ومن كذب عليّ متعمّدًا: إشارة واضحة إلى تبليغ السنّة، لأنّ الكذب من خلالها أقوى وأقدر على الوقوع منه في تبليغ آيات القرآن.
- فليتبوّأ مقعده من النار: فليتخذ لنفسه منزلًا فيها، وهذا خبر بلفظ الأمر.
فوائد الحديث
- وجوب تبليغ ما أُنزِل على نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من الكتاب والسنّة، بأن يُعْلِمَ الحاضرُ الغائبَ، ويُفقِّه العالِمُ الجاهلَ ولو بأقل القليل كل قدر استطاعته.
- وجوب طلب العلم، ليتمكن من تبليغ شريعة اللّه عزّ وجلّ، وهو من الفروض الكفائية التي إذا قام بها بعض المسلمين سقط الوجوب عن الباقين، وإذا لم يقم بها أحد أثم الجميع.
- جواز التحدث عمّا جرى لبني إسرائيل لأخذ العبرة والعظة، شريطة أن لا يكون الحديث مما ثبت كذبه، ويتحرى ما كان ثابتًا وموافقًا للشرع الإسلامي.
- الكذب في دين اللّه عزّ وجلّ وعلى لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من أكبر الكبائر التي تؤدي بفاعلها إلى النار.
- الحثّ على تحري الصدق في الكلام والحيطة في الحديث حتى لا يقع في الكذب، وخاصة في شرع اللّه عزّ وجلّ، وهذا يحتاج إلى العلم الصحيح والدقيق
1381
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ومَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل طلب العلم، وأنّه طريق دخول الجنّة، لأنّه يجعل المسلم على بينة من أمره، ويرشده إلى أعمال البرّ، ويجعل في قلبه نورًا يميز به الحقّ من الباطل ويعرف به العمل الصحيح من الفاسد.
- جواز الارتحال في طلب العلم، والحثّ على أخذ الأسباب وبذل الجهد في تحصيله.
- العلم الشرعي هو رأس العلوم لأنّه طريق الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة.
- كل علم من علوم الدين والدنيا يُبتغى به وجه اللّه، ويُلتمس فيه العزّة والنصر والرفعة للأمة، ويقصد به الخير والنفع للبشرية هو علم مأجور مُثاب عليه بإذن الله.
1382
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- دعا إلى هدى: نادى إلى فعل الحق وحثّ عليه ببيانه قولًا أو فعلًا.
فوائد الحديث
- بيان مضاعفة أجر من تعلّم العلم وعلّمه الناس ودعا إلى تعلّمه، لعموم فضله وكثرة نفعه.
1383
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- انقطع عمله: أي الإثابة على عمله، لأنّ العمل يتوقف بالموت فيتوقف الثواب المترتب عليه.
- صدقة جارية: كالوقف من مسجد ومشفى وغير ذلك.
- علم ينتفع به: كتعليم غيره أو تأليف كتب في العلم.
فوائد الحديث
- فضل طلب العلم وتعليمه، والحثّ على ذلك، ليحصل على تنمية الأجر والثواب بعد موته.
- فضل الصدقات الجارية التي يستمر نفعها، والحثّ على تربية الأولاد تربية إسلامية صالحة، ليستفيد الوالد من صالح عمل ولده كاستغفاره له ودعائه.
1384
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلّا ذِكْرَ اللّهِ تَعَالَى وَمَا وَالاهُ، وَعَالِمًا وَمُتَعلِّمًا»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- وَمَا وَالاهُ: أي طَاعَةُ اللّهِ.
فوائد الحديث
- الحثّ على تعلّم العلم وتعليمه، ليحصل على القرب من اللّه تعالى وينجو من الطرد من رحمته.
- طلب العلم ليس من الدنيا المذمومة ولو كان مما يتعلق بشؤونها إذا أخلص في النيّة، وصدق اللّه تعالى في قصد مصلحة العباد.
1385
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ أنسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللّهِ حَتَّى يَرْجِعَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- في سبيل اللّه: أي متلبس بطاعته ساعِِ لإعلاء كلمته.
- يرجع: أي لمكانه الذي خرج منه.
فوائد الحديث
- أنّ طلب العلم جهاد في سبيل اللّه، فلطالب العلم أجر المجاهد في ميادين القتال، لأنّ كلًا منهما يقوم بما يحيي الدين ويحميه.
- من مات وهو يطلب العلم كان له مثل أجر الشهيد.
1386
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ أَبِي سَعيدٍ الخدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الْجَنَّةَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَديثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- يشبع: يقنع.
- منتهاه: مآله ونهايته، أي لا يكف عن الخير حتى تأتيه منيته وهو يفعله، فيكون ما اكتسبه من عمل صالح سبب دخوله الجنة.
فوائد الحديث
- الحثّ على أعمال البرّ والاستمرار عليها ومن أشرفها العلم تعلمًا وتعليمًا، لأنّه يضبط العمل ويكون حاكمًا عليه.
1387
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عن أوس بن أوس رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعلِّمِي النَّاسِ الْخَيْرَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- العالِم: أي الذي يعرف العلم النافع ويصرف وقته في طلبه وتعليمه بعد قيامه بفرائض العبادات.
- العابد: الذي يقضي وقته بالعبادة بعد تعلمه ما وجب عليه معرفته من أحكام.
- أدناكم: أقل المسلمين رتبة في الفضل.
- النملة: بيان لما كان غاية في الصغر من حيوانات البر.
- جحرها: ثقبها الذي تسكنه.
- الحوت: المراد حيوانات البحر، وذكر النملة والحوت للمبالغة، وليجمع بين حيوانات البر والبحر.
- ليصلّون: المراد بالصلاة هنا التضرع والدعاء.
- معلمي الناس الخير: أي العلماء والدعاة.
فوائد الحديث
- بيان فضل العلم والتعلم، والحثّ على توقير العلماء وطلاب العلم والدعاء لهم.
- الحثّ على فعل ما يعم نفعه الفاعل وغيره.
- طلب العلم الزائد عن الواجب أفضل من العبادات النافلة، لأن العبادات يقتصر نفعها على فاعلها، والعلم يعم نفعه الفاعل وغيره.
1388
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي الْسَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِياءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ، أَخَذَ بِحظٍّ وَافِرٍ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَالتِّرْمِذِيُّ
مفردات الحديث
- تضع أجنحتها: أي تواضعا وتوقيرا، وقيل: المراد أنّها تكفّ أجنحتها عن الطيران وتنزل لتحضر مجالس العلم.
- ليستغفر له: الاستغفار من كلٍّ على حسبه، واللّه تعالى يعلم لغة الجميع.
- فضل العالم: أي من حيث عموم نفعه لغيره.
- كفضل القمر: من حيث عموم ضيائه لغيره.
- ورثة الأنبياء: خلفاء عنهم في العلم والعمل وهداية الناس.
- بحظ: بنصيب.
- وافر: تام وكامل.
فوائد الحديث
- الحثّ على توقير طلاب العلم، والتواضع لهم، والرضا عن صنيعهم، والدعاء والاستغفار لهم.
- فضل العلم، لما يشعه من نور يضيء للناس طرق الخير والحقّ.
- العلم أعظم ثروة وأشرفها، ينبغي لمن حازها أن يحترمها ويكرمها.
- كمال العلم بالعمل والاقتداء برسول اللّه صَلّى اللّهُ عليه وسلّم في الخلق والسلوك.
- إهانة العلماء وإيذاؤهم فسوق وضلال، لأنّهم حملة ميراث النبوة.
1389
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَضَّرَ اللّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- نضّر: هي في الأصل حسن الوجه والبريق.
- شيئًا: أي من العلم.
- أوعى: أكثر وعيًا أي تنبهًا لخفايا المعاني.
فوائد الحديث
- بيان فضل العلم والحثّ عليه، والأمانة في نقله.
- الاحتياط في حفظ العلم وفهمه.
1390
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجامٍ مِنْ نَارٍ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- عِلم: أي مُحتاج إليه ويلزمه تعليمه.
- كتمه: لم يبينه.
- ألجم: هو ما يوضع في فم الفرس، والمراد: أنّ من كتم العلم كأنّه ألجم نفسه بلجام، فكان جزاؤه من جنس فعله.
فوائد الحديث
- كتمان العلم من الكبائر التي يستحق عليها الوعيد الشديد والعقاب الأليم.
- وجوب تبليغ العلم إذا كان متعينًا عليه، وخاصة ما يتعلق بأمر الدين.
1391
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَعلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لا يَتَعلَّمُهُ إِلّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
يَعْنِي رِيحَهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- يبتغي: يطلب ويقصد.
- ليصيب به عرضًا: لينال بسببه شيئًا من متاع الدنيا من منصب أو جاه.
- لم يجد عرف الجنّة: لم يشم ريحها، وهو كناية عن بعده عنها وعدم دخولها مع الناجين.
فوائد الحديث
- وجوب الإخلاص في طلب العلم، وأن يكون القصد منه إرضاء اللّه عزّ وجلّ.
- من طلب العمل للّه تعالى وجاءته الدنيا تبعًا جاز له أخذها ولم يضره ذلك.
1392
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا للّه
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا يقبض العلم: أي لا يرفعه، والمراد في آخر الزمان.
- انتزاعًا: من النزع وهو الجذب والقلع.
- بقبض العلماء: بموتهم.
- رؤوسًا: جمع رأس، وفي رواية "رؤساء" جمع رئيس.
فوائد الحديث
- أنّ العلماء أمان للناس في الأرض وينابيع فضل وخير.
- بشارة العلماء في إتمام فضل اللّه عزّ وجلّ عليهم بعدم سلبهم ما أتهم به عليهم من العلم.
- الحثّ على طلب العلم، ليكثر العلماء وينعم الناس بهم بالاستفادة والتبصر في أمور دينهم.
- من ادعى العلم وأفتى الناس على جهل، أضر بنفسه في الافتراء على اللّه تعالى بالكذب، وأضرّ بالناس لتلبيس الحقّ عليهم.
- التحذير من استفتاء الجاهلين أو الفتوى بغير علم.
- قلة العلم بالدين من علامات قرب القيامة.
- كتاب حمد الله تعالى وشكره
1393
باب فضل الحمد والشكر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أسري به: أي إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء.
- بقدحين من خمر ولبن: أحدهما مملوء خمرًا والآخر لبنًا.
- هداك: أرشدك وألهمك أن تختار علامة الفطرة، والمراد بها هنا الاستقامة والتوحيد وسلامة العاقبة، وجعل اللبن علامة عليها، لكونه سهلًا طاهرًا سائغًا للشاربين يفيد البدن ولا يؤذيه.
- لو أخذت الخمر غوت أمتك: أي انهمكت في الجهل والضلال، لأنّ الخمر أم الخبائث ومجلبة الشرور.
فوائد الحديث
- حمد اللّه تعالى على ما يكون من نعم عامة على الأمة.
- أنّ الإسلام دين الفطرة الذي تتقبله النفس السليمة، وتدركه الأفهام القويمة.
- الحثّ على حمد اللّه تعالى على ما يوفق إليه من خير وفضل.
- الخمر أم الخبائث، وتعاطي الأمة لها عنوان الجهل وانحراف الفهم، ونذير الدمار والهلاك.
1394
باب فضل الحمد والشكر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ للّهِ أَقْطَعُ»
حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَغَيْرُهُ
مفردات الحديث
- أمر: شأن من شؤون الدنيا أو الآخرة.
- ذي بال: أي ذي أهمية، والبال في الأصل القلب والخاطر.
- بالحمد للّه: أي بهذه الصيغة.
- أقطع: ناقص وقليل البركة والخير.
فوائد الحديث
- من الآداب أن يبدأ المسلم قوله أو فعله بحمد اللّه تعالى، والأفضل الجمع بين البسملة والحمد للّه.
- أنّ ذكر اللّه تعالى سبب في حصول البركة.
1395
باب فضل الحمد والشكر
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللّهُ تَعَالَى لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: فَمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيقُولُ اللّهُ تَعَالَى: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- قبضتم؟: الاستفهام للتنبيه على عظم المقام.
- ولد عبدي: الولد يطلق للصغير والكبير.
- ثمرة فؤاده: كناية عن الولد لشدة تعلق القلب به، فصار كأنّه ثمرته المقصودة.
- استرجع: أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فوائد الحديث
- فضل الصبر عند المصيبة، وحمد اللّه تعالى على قضائه، وكلما كانت المصيبة أكبر كان الأجر أعظم.
- العبد مبتلى، والمؤمن يرضى بقضاء اللّه ويحتسب المصاب عنده.
- الحثّ على حمد اللّه تعالى في كل حال.
- مراعاة الإسلام للفطرة وتقريره لتعلق الوالد بولده.
1396
باب فضل الحمد والشكر
عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَليْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل حمد اللّه تعالى وعظيم أجره، والحثّ عليه مهما قل المحمود عليه أم كثر.
- كتاب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
1397
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَن عبدالله بنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقُولُ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ بِهَا عشْرًا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- صلاة: صلى مرة واحدة بأي صيغة.
- بها: أي بدلًا عنها أو بسببها.
فوائد الحديث
- بيان فضل الصلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والحثّ عليها.
- مضاعفة الأجر والثواب لكل من يصلي على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
1398
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنِ ابْنِ مسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَليَّ صَلاَةً»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- أولى الناس بي: أخصُّهم بي، وأقربهم مني، وأحقهم بشفاعتي.
- أكثرهم عليّ صلاة: أي من الدنيا.
فوائد الحديث
- الحثّ على الإكثار من الصلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- علو منزلة المكثر من الصلاة على النّبيّ يوم القيامة وأنّه من خاصة النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وَسَلَّمَ.
1399
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» فَقَالَوا: يَا رَسُولَ اللّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَليْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ قَالَ: يَقُولُ: -بَلِيتَ- قَالَ: «إِنَّ اللّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- معروضة علي: أي يعرضها ملائكة موكلون بذلك.
- إنّ اللّه حرّم على الأرض أجساد الأنبياء: أي منعها من أن تُبلي أجسادهم.
فوائد الحديث
- بيان فضل يوم الجمعة، وفضل الصلاة فيه عليه صَلَّى اللّه عليه وسلم.
- بلوغ النّبيّ صَلَّى اللّهِ عليه وسلّم الصلاة عليه، وسيأتي أنّه تعاد إليه صلّى اللّه عليه وسلم روحه حين تعرض عليه الصلاة والأعمال.
- أجساد الأنبياء مصونة محفوظة فلا تبلى بعد موتهم.
1400
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- رغم أنف: أي لصق بالتراب، والجملة كناية عن الذل والحقارة والخسران.
- ذكرت عنده: أي سمع ذكر اسمي.
فوائد الحديث
- أنّه لا بد للمسلم إذا سمع ذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصلي عليه كتابة أو صوتًا.
1401
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيّ، فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- لا تجعلوا قبري عيدًا: أي لا تجتمعوا لزيارتي مرة بعد مرة كما تجتمعون في أيام العيد.
- تبلغني: أي تعرض على وتأتيني ثمرتها.
فوائد الحديث
- الحثّ على الصلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حيثما ذكر فإنّ الصلاة عليه صلّى اللّه عليه وسلّم تبلغه.
- النهي عن فعل ما يخل بالأدب عند زيارته صلّى اللّه عليه وسلّم من لهو وزينة مما رخص به في العيد.
- إشارة إلى أنّ ما ينال النّبيّ منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبره وبعدكم عنه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا.
1402
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسلِّمُ عَلَيَّ إِلّا رَدَّ اللّهُ عَلَيَّ رُوحِي، حَتَّى أَرُدَّ عَليْهِ الْسَّلاَمَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- رد اللّه علي روحي: أي التي تستلزم النطق غالبًا.
فوائد الحديث
- أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حيّ في قبره يرد السلام على كل من يسلم عليه.
- حياة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قبره حقيقتها اللّه أعلم بها، وهي تختلف عن حياتنا.
- الحثّ على الإكثار من الصلاة والسلام على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، حتى يحظى المسلم بشرف ردّ السلام من أكرم المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم
1403
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- ذكرت عنده: سمع ذكري.
فوائد الحديث
- أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يستحق الصلاة عليه كلما ذكر، لما له على الأمة من فضل، لأنّه كان سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم.
- أنّ ترك الصلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عنوان الشحّ ودليل خبث النفس وسوء الطوية، لأنّه ترك لما يعود عليه بالنفع العظيم ولا يكلفه فعله جهدًا ولا ينقصه شيئًا، ولما فيه من ترك امتثال أمر اللّه سبحانه وتعالى.
1404
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجِلَ هَذَا» ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يدْعُوَ بَعْدُ بِمَا شَاءَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُود والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- في صلاته: الظاهر أنّه عقب الانتهاء من الصلاة.
- عَجِلَ هذا: أي استعجل هذا فلم يحمد اللّه تعالى، أو لم يصل على نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم في دعائه.
- إذا صلّى أحدكم: أي إذا أراد أن يدعوَ.
- الثناء عليه: أي بذكر صفاته الذاتية وتنزيهه عما لا يليق به.
فوائد الحديث
- استحباب بدء الدعاء بحمد اللّه تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
1405
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنا: يَا رَسُولَ اللّهِ، قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- علِمنا كيف نسلّم عليك: وقد علمهم صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقولوا في التشهد: السلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته.
- صلِّ على محمد: أي ارحمه رحمةً مقرونةً بتعظيم لائق بمقامه الذي لا يعلمه إلّا أنت.
- آل محمد: هم ذوو القربى من بني هاشم وبني عبد المطلب من الذين آمنوا به، أو المراد كل من اتبع هديه صلّى اللّه عليه وسلّم من الأمة.
- كما صليت: كصلاتك.
- حميد مجيد: صيغتا مبالغة من الحمد والمجد، أي لأنّك أهل الثناء، والمجد والعظمة مستحقة لذاتك.
فوائد الحديث
- استحباب الصلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالصيغة المذكورة وبها تحصل فضيلة الصلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وفضل الاتباع والاقتداء والتزام ما أمر به صلّى اللّه عليه وسلّم.
1406
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللٌهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللّهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- بشير بن سعد: هو ابن سعد بن ثعلبة.
- حتى تمنينا: أي لكثرة ما أطال سكوته شفقة عليه، وسكوته صلّى اللّه عليه وسلّم لاحتمال انتظار الوحي أو الاجتهاد.
- كما قد علمتم: أي في التشهد.
فوائد الحديث
- أنّه يقرن الصلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مع الصلاة على إبراهيم عليه السلام وعلى آله.
- على المسلم أن يسأل أهل العلم عمّا أشكل وخفي عليه من أحكام الدين، ولا يبتدع بنفسه من غير علم ولا سؤال أهل العلم.
1407
باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- استحباب الصلاة والتبريك على أزواجه وذريّته صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا يكون ذلك إلّا تبعًا، ويكره إفراد أحد غير الأنبياء بالصلاة عليه.
- كتاب الأذكار
1408
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلِمتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقيِلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ الْعَظِيمِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- كلمتان: المراد بالكلمة هنا المعنى اللغوي وهو الجملة المفيدة.
- خفيفتان: سهلتان على اللسان.
- ثقيلتان: يعني في وزْنِ الحسناتِ الَّتي يُحصِّلُها العبدُ عند التلفُّظِ بهما.
- حبيبتان إلى الرحمن: يحبهما اللّه تعالى.
- سبحان اللّه وبحمده: تسبيحُ اللّهِ تعالى هو تنزيهُه عَن كلِّ نقصٍ وعيبٍ.
فوائد الحديث
- بيانُ سَعةِ رحمةِ اللّهِ بِعبادِه، حيثُ يَجزي على العملِ القليلِ بِالثَّوابِ الجزيلِ.
- الحثّ على ذكر اللّه وفضل الإكثار منه.
1409
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللّهِ، وَالْحَمْدُ للّهِ، وَلا إَلٰهَ إِلّا اللّهُ، وَاللّهُ أكْبَرُ أَحَبُّ إِليَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أحبُّ إليَّ ممَّا طَلَعتْ عَليهِ الشَّمسُ: أي أحبُّ إليَّ مِن كلِّ الدُّنيا وما فيها منَ الأَموالِ وَغيرِها.
فوائد الحديث
- الحثّ على ذكر اللّه تعالى بتنزيهه وحمده وتعظيمه وتوحيده وتكبيره.
- إنّما كانت هذه الأذكار خيرًا من الدنيا، لأنّها من أعمال الآخرة، وهي الباقيات الصالحات.
1410
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكثَرَ مِنْهُ» وَقَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- له الملك: أي له السلطنة والقهر دون سواه.
- عدل عشر رقاب: أي ما يساوي ثواب إعتاق عشر رقاب.
- حرزًا: حفظًا.
- عمل أكثر منه: أي زاد على المائة.
- زبد البحر: رغوته وما يطفو على وجهه.
فوائد الحديث
- بيان فضل هذا الذكر.
- لم يشترط في الحديث متابعة التهليل المذكور مائة مرة لنيل هذا الفضل، فالظاهر أنّ الأمر في ذلك واسع، وأن قيد الأجر الحاصل هنا هو وقوعها في يوم واحد، والأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار لتكون له حرزًا في يومه كله.
1411
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي أَيُوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أرْبَعَةَ أَنفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيلَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أَعْتَقَ أرْبعةَ أَنفُسٍ مِن وَلِد إسْماعِيلَ: سبب تخصيص ذرية إسماعيل بالذكر هو أنهم أشرف من سبي واسترق.
فوائد الحديث
- بيان فضل هذا الذكر.
- أنَّه حِرزٌ من الشَّيطانِ، وسببٌ لزِيادةِ الحَسَناتِ، وغُفرانِ الذُّنوبِ.
1412
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ إِنَّ أَحَبَّ الْكَلامِ إِلَى اللّهِ: سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل هذا الذكر.
- أنّه من أحب الكلام إلى اللّه تعالى فحريّ بالمسلم الإكثار من ذكر اللّه.
1413
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للّهِ تَمْلأُ الْمِيْزَانَ، وَسُبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ للّهِ تَمْلآنِ -أَوْ تَمْلأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاواتِ والْأَرْضِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- الطهور: أي الوُضوءَ، والطَّهارةُ أصْلُها النَّظافةُ والتَّنَزُّهُ.
- شطر الإيمان: أي: نِصْفُهُ، والمرادُ أنَّ الأجْرَ في الوُضوءِ يَنتهي إلى نِصْفِ أجْرِ الإيمانِ، لِمَا في الإيمانِ مِن نظافةِ النَّفسِ والقَلْبِ، ولِمَا في الطَّهارةِ مِن نَظافةِ الجَسَدِ.
فوائد الحديث
- الحثّ على الطهارة الحسيّة والمعنويّة، وعظيم ثواب هذه الأذكار، بحيث لو كانت هذه الكلمات أجسامًا لملأت الميزان، وملأت ما بين السماء والأرض.
- بيان سعة فضل اللّه سبحانه وعظيم رحمته.
- بيانُ بعضِ الأقوالِ والأعمالِ الإيمانيَّةِ التي تُعتِقُ صاحبَها من النَّارِ.
1414
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيٌّ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ: عَلِّمْني كَلامًا أَقُولُهُ، قَالَ: «قُلْ: لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، اللّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ للّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللّهِ العَزِيزِ الْحَكِيمِ» قَالَ: فَهَؤُلاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْني»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان عظيم فضل هذه الأذكار في رفع الدرجات وتكفير السيئات، والحفظ من غوايات الشيطان، وذلك لاشتمالها على التقديس والتنزيه والثناء بأنواع الجميل.
- ما تمحوه هذه الأذكار من السيئات إنّما هو الصغائر، وأما الكبائر، فلا بد لها من التوبة.
- انشغال المسلم بمثل هذه الأذكار المأثورة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تجعله دائم الصلة باللّه تعالى وتصرفه من وساوس الشيطان وفضول الكلام.
1415
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ ثَوبَانَ رَضِيَ اللّّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَف مِنْ صِلاتِهِ اسْتَغفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ، أَنْتَ السَّلامُ، وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ» قِيلَ لِلأَوْزَاعِيِّ -وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ-: كَيْفَ الاِسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: يَقُولُ: أَسْتَغْفرُ اللّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللّهَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فوائد الحديث
- بيان بعض الأذكار التي تقال بعد الصلاة.
- أنَّ الاستِغفارَ ليسَ منَ الذُّنوبِ فقطْ بلْ يكونُ جَبرًا للطَّاعةِ والتَّقصيرِ فِيها.
1416
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الجدّ: الحظّ والغنى، أي لا ينتفع الغني من غناه، ولا يجديه منه إلا ما قدمه من عمل صالح.
فوائد الحديث
- بيان بعض الأذكار التي تقال بعد الصلاة.
- أنّ الأذكار تجبر النقص في الصلاة لأنّ الانسان مهما فعل من العبادات إلّا وهو مقصر في ذلك فيجبر ذلك بالاستغفار.
1417
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللّهُ عنْهُمَا: أَنَّهُ كانَ يقُولُ دُبُرَ كَلِّ صَلاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللّهِ، لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ، وَلا نَعْبُدُ إلّا إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافرُونَ. قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- دبر كل صلاة: خلفها وبعد الفراغ منها.
- لا حول: أي لا قوة.
- الثناء: المدح.
فوائد الحديث
- استحباب المحافظة على هذه الأذكار الجامعة لنعوت الكمالات الإلهية بعد كل صلاة مكتوبة.
- التوجيه إلى الاعتماد على اللّه تعالى والتسليم لحكمه.
1418
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهمُ فَضْلٌ مِنْ أمْوَالٍ: يَحُجُّونَ، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُون، فَقَالَ: «أَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إلّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُم؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: «تُسبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ» قَالَ أَبُو صَالِحٍ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِنَّ، قَالَ: تَقُولُ: سُبْحَانَ اللّهِ، وَالْحَمْدُ للّهِ، وَاللّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ»
مفردات الحديث
- ثلاثًا وثلاثين: الأكمل أن يأتي بكل واحدة منها ثلاثًا وثلاثين على حدة كما يدل على ذلك الحديث الآتي.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الذكر بعد الانتهاء من الصلاة.
- أبواب الخير ليست قاصرة على التصدق بالمال.
- فضيلةُ التَّسبيحِ وسائرِ الأذكارِ.
- فضيلةُ الصَّدقةِ وعِظَمُ أجرِها.
1419
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ اللّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَحَمِدَ اللّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَكَبَّرَ اللّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِئَةِ: لا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- زبد البحر: كناية عن الكثرة.
فوائد الحديث
- بيانُ فَضيلةِ الذِّكرِ المَسنونِ بعدَ الصَّلواتِ المكتوباتِ.
- أنَّ هذا الذِّكرَ يكونُ سببًا لغُفرانِ الذُّنوب.
1420
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ كعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ لاَ يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ -أَوْ فَاعِلُهُنَّ- دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلاثًا وثَلاثينَ تَسْبِيحَةً، وَثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعًا وَثَلاثِينَ تَكبِيرَةً»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- معقبات: كلِماتٌ تقالُ بعدَ الصَّلاةِ تأتي بعضُها عقِبَ بعضٍ.
فوائد الحديث
- استحباب هذه الأذكار بعد الصلاة وبيان فضلها.
- الحرص على هذه الأذكار بعد الصلوات لما فيهن من الأجر والثواب.
1421
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ سعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعوَّذُ دُبُرَ الْصَّلَاةِ بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ والبُخلِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- أعوذ: ألتجئ.
- أرذل العمر: وهو كِبَرُ السِّنِّ المؤدِّي إلى ضَعْفِ القُوَى.
- فتنة الدنيا: هي الاختِبارُ والامتِحان، وهي أن يبيع الآخرة بما يتعجله فى الدنيا من حال أو مال.
- فتنة القبر: سؤال الملكين.
فوائد الحديث
- استحباب المواظبة على هذا الذكر في دبر الصلوات والجمع بينه وبين الأذكار السابقة أفضل.
- إثباتُ عذابِ القَبرِ وفِتنتِه.
1422
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ» فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- لا تدَعَنَّ: لا تترُكنَّ
- دبر كل صلاة: عندَ الانتِهاءِ مِن كلِّ صَلاةٍ وقيل قُبَيل السَّلام من الصلاة.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الذكر بعد كل صلاة.
- بيان فضل معاذ بن جبل رضي اللّه عنه، ومحبة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم له.
- ذكر اللّه تعالى يسوق المؤمن إلى شكره سبحانه، والشكر يسوقه إلى العبودية الصادقة.
1423
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَليسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنةِ المحْيَا والمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فتنة المحيا: أي من جميع البلايا والمحن الواقعة في الحياة مما يضر ببدن أو دين.
- الممات: أي من الابتلاء الذي يتعرض له الإنسان عند الاحتضار قبيل الممات.
- المسيح: الممسوح إحدى عينيه.
- المسيح الدجال: رجل كذّاب يظهر قرب يوم القيامة، يدّعي الألوهية ويفتن به كثير من الناس.
فوائد الحديث
- استحباب التعوذ باللّه من هذه الأمور التي ذكرت في الحديث بعد التشهد.
- بيان فتنة القبر والسؤال فيه.
- ظهور الدجال، هو من علامات دنو يوم القيامة.
1424
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرفْتُ، وَمَا أَنتَ أَعْلمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلّا أنْتَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أسررت: أخفيت.
- أعلنت: أظهرت.
- أسرفت: أكثرت.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الذكر بعد التشهد.
- بيان كمال خضوعه صلّى اللّه عليه وسلّم لربه، وقيامه بحق مقام العبودية.
- الحثّ على الاستغفار واستشعار الخضوع لمقام الربوبية.
1425
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عنْهَا قَالَتْ: كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- استحباب هذا الذكر حال الركوع والسجود.
1426
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عنْهَا: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبُّوحٌ، قدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- سبوح قدوس: اسمان من أسماء اللّه تعالى يدلان على المبالغة في النزاهة والطهارة عن كل ما لا يليق بجلاله تعالى وكبريائه وعظمته.
- الروح: جبريل عليه السلام وقيل: إنَّها تَصدُق على الرُّوحِ الَّتِي بها قِوَامُ حياةِ الأحياءِ.
فوائد الحديث
- استحباب أن يقول المصلي ذلك في ركوعه وسجوده، اقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
1427
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عنْهُما: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أَمَّا الرُّكوعُ فَعَظِّموا فيهِ الرَّبَّ: يُخصَّص الرُّكوعَ للتَّعظيمِ والثَّناءِ على اللّهِ تعالى.
- قمن: أي جدير.
فوائد الحديث
- وجوب تعظيم الربّ في الركوع، واستحباب الاجتهاد في الدعاء حال السجود.
- ينبغي للمسلم أن ينوّع في الأذكار التي يقولها في ركوعه وسجوده بما ورد من الأدعية.
1428
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهَوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- يستحب في السجود أن يكثر من الدعاء مع التسبيح، لكمال تواضع الإنسان لربه في تلك الحالة وهو واضع رأسه على الأرض امتثالًا لأمر اللّه، ولذلك كان وهو في هذه الحال أقرب ما يكون من ربه.
1429
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يقُولُ فِي سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجُلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- دقه: صغيرَهُ.
- جله: كبيرَهُ.
- علانيته: المعلن عنه.
فوائد الحديث
- استحباب ذكر اللّه تعالى في السجود بهذه الأذكار التي جمعت بين صفات التنزيه والتقديس للّه تعالى ما هو أهل له.
- كان استغفارُ النَّبيِّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم شُكرًا للّهِ وطَلبًا لرحمتِه وفَضْله.
1430
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْها قَالَتْ: افْتَقدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَتَحَسَّسْتُ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ -أَوْ سَاجِدٌ- يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لا إِلَهَ إِلّا أنْتَ» وَفِي رِوَايَةٍ: فَوقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، وَهُمَا منْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللهُمَّ أَعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- افتقدت النبي: أي فقدته ولم أعثر عليه.
- فتحسست: طلبته وبحثت عنه.
- في المسجد: في السجود.
- سخطك: غضبك وانتقامك.
- بمعافاتك: بعفوك.
- أعوذ بك منك: ألتجئ برحمتك من عذابك فلا يجير من عذابك إلا أنت، إذ لا يملك أحد معك شيئًا.
- لا أحصي: لا أطيق أن أحصر أو أعد أوصافك الحسنة الجميلة وأفضالك الكثيرة.
- ثناء عليك: ذكرًا بالجميل.
فوائد الحديث
- مهما بالغ الإنسان في تقديس اللّه تعالى والثناء عليه، فإنّه لا يبلغ مدى عظمة اللّه تعالى، وما أثنى هو به على نفسه سبحانه وتعالى في كثير من آيات كتابه العزيز.
- النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لم يحص ثناءه على ربه بالرغم من أنّه أعلم الناس بربه وفي ذلك كامل العبودية والتواضع للّه عزّ وجلّ.
1431
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُم أَنْ يَكْسِبَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: «يُسَبِّحُ مِئَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. •قَالَ الحُميْدِيُّ: كَذَا هُوَ فِي كِتابِ مُسْلِمٍ: «أوْ يُحَطُّ» قَالَ البَرْقَانيُّ: ورَوَاهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عوانَةَ وَيَحيَى القَطَّانُ عَنْ مُوسَى الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ جِهَتِهِ فقَالُوا: «وَيُحَطُّ»
بِغَيْرِ أَلِفٍ
مفردات الحديث
- يحطّ: أي يوضع عنه فلا يؤاخذ به.
فوائد الحديث
- بيان فضل هذا الذكر، ومضاعفة الحسنات إلى عشر أمثالها، وذلك مثل قوله تعالى: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠] وهذا أقل التضعيف، وإلّا فقد ورد إلى سبعمائة ضعف.
- قيل (أو) في الحديث بمعنى (الواو)، أي ويمحى عنه ألف معصية، وقيل للتنويع: فمن التسبيح ما يكتب له به حسنات، ومنه ما يمحى به عنه من السيئات.
1432
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى مِنْ أَحدِكُمْ صَدَقةٌ: فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِىءُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- سلامى: مفصل.
فوائد الحديث
- بيان فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنّها صدقات عن مفاصل الإنسان.
- تأكيد فضل صلاة الضحى، إذ قامت بأداء شكر عافية الأعضاء وسلامتها من الأدواء.
1433
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللّهُ عَنْها: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهَي جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أرْبَعَ كَلمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَومِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، ومِدَادَ كَلِمَاتِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «سُبْحَانَ اللّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ» • وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: «أَلا أُعلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهَا؟ سُبْحَانَ اللّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ مِدادَ كَلِمَاتِهِ»
مفردات الحديث
- في مسجدها: موضع صلاتها في بيتها.
- أضحى: دخل في وقت الضحى، أي بعد أن ارتفعت الشمس.
- الحال التي فارقتك عليها: أي من التوجه للذكر.
- وزنت: قوبلت.
- لوزنتهن: لساوتهن في الأجر والفضل.
- رضا نفسه: رضا ذاته العليّة.
- زنة عرشه: أي مقدار ما يزن عرشه.
- مداد كلماته: كثرة كلماته، وقيل: علمه وكلامه لا يُعد إن يُعد.
فوائد الحديث
- بيان فضل هذا الذكر.
- أنّ اللّه تعالى يثيب على العمل القليل الموافق للسنّة بالأجر الجزيل.
1434
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُهُ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. • ورَوَاهُ مُسْلِمٌ فقَالَ: «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللّهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لا يُذْكَرُ اللّهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ».
فوائد الحديث
- شبَّه النّبيُّ صلَّى اللّهُ عليه وسلَّم الفَرْقَ بينَ المؤمِنِ الَّذِي يَذكُرُ اللّهَ تعالى وبينَ مَن لا يَذكُرُه بالفَرْقِ بينَ الحَيِّ والميِّتِ في نَفعِه وحُسنِ ظاهرِه وباطِنِه.
- أنّ ترك الذكر يشبه الموت، إذ أنّ تركه يورث الغفلة والبُعد عن فعل الخير فيقلّ النفع أو ينعدم، وهذا يشبه الميت في عدم الانتفاع به.
1435
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يقُولُ اللّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- عند ظنّ عبدي بي: أي أنا عند اعتقاد عبدي بي وتيقنه من الوثوق بوعدي والرهبة من وعيدي.
- ذكرني في نفسه: أي سرًا.
- ذكرته في ملأ: في جماعة من الذاكرين.
- ملأ خير من ملئه: وهم الملائكة الكرام.
فوائد الحديث
- وجوب حسن الظنّ باللّه تعالى، فلا يظن به إلّا خيرًا، فهو يقبل التوب ويغسل الحوب ويجير المضطر ويكشف السوء، لذلك كان اليأس من رحمته كفرًا.
- فضل الذّكر سرًا وعلانيةً.
- أنّ اللَّه عزّ وجلّ يُجازي العبد بحسب عمله.
1436
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ» قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللّهَ كَثيرًا وَالذَّاكِراتُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- المفردون: هم المُفَرِّدونَ أَنفُسَهم عن أَقرانِهم، المُميِّزونَ أَحوالَهم عن إِخوانِهم بنَيلِ الزُّلفَى والعُروجِ إِلى الدَّرجاتِ العُلى، لأنَّهم أُفرِدُوا بذِكرِ اللّهِ عمَّن لم يَذكُرِ اللّهَ.
فوائد الحديث
- استحباب الإكثار من الذكر والانشغال به عن اتباع الشهوات وإتيان اللذات.
- أنّ السبق في الآخرة إنّما يكون بكثرة الطاعات والإخلاص في العبادات.
1437
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لا إلَـٰهَ إِلّا اللّهُ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
فوائد الحديث
- أنّ كلمة التوحيد أفضل الكلام والذكر، لأنّها إثبات للوحدانية ونفي للشركاء، وهي أفضل ما قاله الأنبياء، ومن أجلها بعثوا، وتحت رايتها قاتلوا، وفي سبيلها استشهدوا، وهي مفتاح الجنّة والخلاص من النار.
- كلمة التوحيد ينبني عليها صلاح أعمال العباد وفسادها.
1438
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّ شَرائِعَ الإِسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: «لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللّهِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- شرائع الإسلام: أحكامه من الواجبات والمندوبات التي شرعها اللّه لعباده.
- أتشبث: أتعلق به وأعتصم، ليكون مغنيًا عن كثرة النوافل التي غلبتني وعجزت عنها.
- رطبًا: رطوبة اللسان عبارة عن سهولة جريانه، وهذا كناية عن المداومة على الذكر.
فوائد الحديث
- عجز الإنسان عن استقصاء الطاعات لكثرتها، فإذا أراد أن يعوض عن استقصائها ثوابًا، فليكن لسانه مع قلبه مشغولين بذكر اللّه تعالى وتسبيحه وهذا سهل يسير على الإنسان.
- سعة فضل اللّه تعالى فيعطي الثواب الجزيل عن العمل القليل.
1439
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل هذا الذكر المشتمل على تنزيه اللّه تعالى عن النقائص وإثبات الكمالات له.
- بيانُ فضل الذّكر للّه بالتّسبيحِ والحمدِ معَ الاعتقادِ بالقلبِ.
- أنّ التمرة من ثمار الجنّة، والنخلَ من شجَرِها، كما قال تعالى: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن: ٦٨].
1440
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنِ ابْنِ مسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ أَقْرِىءْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللّهِ، وَالْحَمْدُ للّهِ، وَلا إِلَـٰهَ إِلّا اللّهُ، وَاللّهُ أَكْبَرُ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- قيعان: جمع قاع، وهو المكان الواسع المستوي من الأرض.
فوائد الحديث
- بيان سَلامِ نبيِّ اللّه إبراهيم عليه السَّلام على أمةِ النّبيّ صلَّى اللّه عليه وسلم.
- الحَثُّ على الاجتهادِ لدخول الجنَّة والظَّفَر بتُربتِها الطَّيِّبةِ ومائها العذب، والحثُّ على الإكثارِ مِن غراسِ الجنَّة، التسبيح والتحميدِ والتهليلِ والتكبيرِ.
1441
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللٌهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللٌهِ صَلَّى اللٌهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- أزكاها: أطهرها وأكثرها ثوابًا.
فوائد الحديث
- أنّ المداومة على ذكر اللّه ظاهرًا وباطنًا من أعظم القرب وأنفعها عند اللّه تعالى، لأنّها تشغل الوقت كله والعمر كله.
- أنّ ذكر اللّه نوع من الجهاد الذي يحمل الناس على التقوى، ويبعدهم عن الفتن وشهوات النفس الأمارة بالسوء فيكون المؤمن على صلة دائمة بربه.
1442
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ سعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى -أَوْ حَصًى- تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَالَ: «أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَليْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ» فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّماءِ، وَسُبْحَانَ اللّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللّهِ عَدَدَ مَا بيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ ، وَاللّهُ أَكْبرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ للّهِ مِثْل ذَلِكَ، وَلا إِلَـٰهَ إِلّا اللّهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللّهِ مِثْلَ ذَلِكَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- نوى: جمع نواة وهي بذرة التمر.
فوائد الحديث
- أنّ الإتيان بهذه الألفاظ على نحو ما ورد في الحديث أفضل من استعمال الحصى أو السبحة، لأنّ قوله عدد ما خلق وما ذكر بعد يكتب له به ثواب بعدد المذكورات، وما تعده بالحصى أو النوى قليل بالنسبة لذلك الكثير الذي لا يعلم كنهه وعدده إلا اللّه تعالى.
1443
باب فضل الذكر والحثّ عليه
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: «لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- كنز: الكنز المال المدفون، والمراد به ذخائر الجنّة ونفائسها.
فوائد الحديث
- استحباب الإكثار من الحوقلة، لأنّها تعني الاستسلام والتفويض للّه، وأنّ العبد لا يملك من أمره شيئًا وليس له حيلة في دفع شر ولا جلب خير إلّا بإرادة اللّه تعالى.
1444
باب ذكر اللّه تعالى قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومحْدثًا وجُنبًا وحائضًا إلّا القرآن فلا يحل لجنب ولا حائض
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مفردات الحديث
- على كل أحيانه: أي في كل أوقاته وأحواله.
فوائد الحديث
- بيان مشروعية الذكر واستحبابه في كل وقت وعلى كل حال به.
1445
باب ذكر اللّه تعالى قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومحْدثًا وجُنبًا وحائضًا إلّا القرآن فلا يحل لجنب ولا حائض
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَه قَالَ: بِاسْمِ اللّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا: فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- جنبنا الشيطان: أبعده عنا.
- فقضي: فقدر.
فوائد الحديث
- استحباب أن يقول الإنسان هذا الذكر قبل الشروع في الجماع، أما في حين الجماع فإنه يكره الكلام.
- حفظ المولود من مس الشيطان وأذاه ببركة هذا الذكر فيما إذا حملت المرأة من ذلك الجماع.
1446
باب ما يقوله عند نومه واستيقاظه
عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَا: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِراشِهِ قَالَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا وَأَمُوتُ» وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِليْهِ النُّشُورُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- أحيانا: أيقظنا.
- أماتنا: الموتة الصغرى وهي النوم.
- النشور: الحياة بعد الموت.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الذكر عند النوم وعند الاستيقاظ، ليظل هذا الذكر حاملًا المرء على التيقظ، للإقبال على مولاه يقظة ونومًا، ويستقبل ليله ونهاره بذكر اللّه تعالى، فلا يكون غافلًا عن ربه
1447
باب فضل حِلَق الذكر والندب الى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «إن للّه تعالى ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذّكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون اللّه عز وجل تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ-: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: يُسبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَك، وَيَحْمَدُونَكَ، ويمَجِّدُونَكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُون: لا، وَاللّهِ مَا رَأَوْكَ، فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْني؟! قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، فَيَقُولُ فَمَاذَا يَسْأَلُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا، وَاللّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟! قال: يقولون: لو أنّهم رأوها كانوا أشدّ عليها حرصا، وأشدّ لها طلبًا، وأعظم فيها رغبةً، قال: فممّ يتعوذون؟ قَالَ: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيقُولُ: وَهَل رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا وَاللّهِ مَا رَأَوْهَا، فَيَقُولُ: كَيْف لَو رَأوْها؟! قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكم أنّي قد غفرتُ لهم، قال: يقولُ مَلَكٌ من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنّما جاء لحاجةٍ، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسُهم» متفق عليه. وفي روايةٍ لمسلمٍ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النّبيّ صَلّى اللّهُ عليه وسلّم قال: «إنّ للّه ملائكة سيّارةً فُضُلًا، يتتبّعون مجالس الذّكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكرٌ قعدوا معهم، وحفّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين السّماء الدّنيا ، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ -وَهُوَ أَعْلَمُ-: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لك في الأرض، يسبّحونك، ويكبّرونك، ويهلّلونك، ويحمدونك، ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لا، أَيْ رَبِّ، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟! قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟! قالوا: ويستغفرونك، فيقول: قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتُهم ممّا استجاروا، قال: يقولون: ربّ، فيهم فلانٌ عبدٌ خطّاءٌ، إنّما مرّ، فجلس معهم، فيقول: وله غفرت، همُ القومُ لا يشقى بهم جليسُهم».
مفردات الحديث
- يلتمسون: يبحثون.
- أهل الذّكر: الذّكر يشمل الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء بخير الدارين، وطلب العلم، ونحو ذلك.
- تنادوا: نادى بعضهم بعضًا.
- هلموا: تعالوا.
- يحفّونهم: يطوفون بهم ويدورون حولهم.
- يتعوّذون: يستجيرون ويحتمون.
- سيّارة: سيّاحين سائرين.
- فضلًا: أي زائدين على الحفظة، فهم سيّارة لا وظيفة لهم إلّا قصد حلق الذكر.
- يتتبعون: يبحثون.
فوائد الحديث
- بيان فضل الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأنّ جليس الذاكرين يندرج معهم في جميع ما يتفضّل عليهم ربّهم إكرامًا لهم وإن لم يشاركهم في أصل الذكر.
- محبّة الملائكة للذاكرين من بني آدم واعتناؤهم بهم.
- أنّ السؤال قد يصدر ممّن هو أعلم بالمسؤول عنه من المسؤول، للتنويه بقدر المسؤول عنه، وإعلان شرف منزلته.
1448
باب فضل حِلَق الذكر والندب الى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر
عن أبي هريرة وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالا: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلّا حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الْسَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- حفتهم: أحاطت بهم.
- غشيتهم الرحمة: نزلت عليهم آثارها من الفضل الإلهي.
- السكينة: خلق من مخلوقات اللّه العظيمة تنزل مع الملائكة لتستمع للذكر.
فوائد الحديث
- فضل الذكر، وبيان شرف الذاكرين عند اللّه تعالى.
1449
باب فضل حِلَق الذكر والندب الى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ الْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ: فَأَوَى إِلَى اللّهِ فَآوَاهُ اللّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللّهُ عَنْهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- فرجة: مكانًا فارغًا.
- حلْقة: بإسكان اللام، رجال جالسين مستديرين بين يديه صلّى اللّه عليه وسلّم كالحلقة.
- فأدبر: رجع وانصرف.
- آوى: نزل في مكان الفرجة يستمع ذكر اللّه فأكرمه اللّه بفضيلة ذلك المجلس المبارك.
- فاستحيا: أي امتنع من المزاحمة لما فيها من التضييق فجلس خلف الحلقة.
فوائد الحديث
- استحباب الجلوس في مجالس العلم والجلوس في المكان الفارغ.
- بيان فضيلة الحياء وعدم مضايقة الناس.
- ذم الإعراض عن مجلس العلم بغير عذر، وأنّ من أعرض عن ذلك فقد تعرض لسخط اللّه تعالى.
1450
باب فضل حِلَق الذكر والندب الى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللّهَ، قَالَ: آللّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلّا ذَاكَ؟ قَالُوا: مَا أَجْلَسَنَا إِلّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهَمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللّهَ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلامِ وَمَنَّ بِهِ عَليْنَا، قَالَ: «آللّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلّا ذَاكَ؟» قَالُوا: وَاللّهِ، مَا أَجْلَسَنَا إِلّا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهَمَةً لَكُمْ، وَلَـٰكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلاَئِكَةَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- تهمةً لكم: شكًا في صدقكم.
- يباهي: يفاخر.
فوائد الحديث
- بيان فضل مجالس الذكر، وكرامة الذاكرين على اللّه تعالى.
1451
باب الذكر عند الصباح والمساء
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلّا وَاحِدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- أنّ الاستكثار من هذا الذكر محبوب إلى اللّه تعالى، وأنّه ليس له حدّ لا يتجاوز عنه، وحِكمة تخصيص الصباح والمساء بالذكر، ليكون البدء والختم بعمل ديني وطاعة فيكون كفارة لما يكون في باقي النهار.
1452
باب الذكر عند الصباح والمساء
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْربٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: «أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ما لقيت: أي شيء عظيم لقيته.
- أعوذ: ألتجئ.
- كَلِمَات اللّهِ التامات: الكاملات المنزهات عن كل نقص.
فوائد الحديث
- بيان فضيلة هذا الذكر في حفظ الإنسان من كل سوء.
1453
باب الذكر عند الصباح والمساء
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ» وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: «اللهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نمُوتُ، وَإِلَيْكَ المَصِيرُ»
رَوَاهُ أَبو دَاوُودَ، والتِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- بك أصبحنا: بقدرتك دخلنا في الصباح.
- النشور: البعثُ بعدَ الموتِ والتَّفرُّقِ بعدَ الجَمعِ.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الذكر في الصباح والمساء لما فيه من التذكير بالبعث والنشور.
1454
باب الذكر عند الصباح والمساء
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيِقَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَـٰهَ إِلّا أنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ» قَالَ: «قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- فاطر: خالق على غير مثال سبق.
- الغيب والشهادة: ما غاب وما يشاهد فلا يغرب عن علمه شيء.
- مليكه: مالكه.
- وشركه: أي ما يدعو إليه من الإشراك بالله.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الذكر في الصباح والمساء.
1455
باب الذكر عند الصباح والمساء
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمْسَى قَالَ: «أَمْسَيْنَا وأَمْسَى الْمُلْكُ للّهِ، وَالْحَمْدُ للّهِ، لا إِلَـٰهَ إِلّا اللّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ» قَالَ الرَّوِاي: أُرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: «لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَسُوءِ الْكِبَرِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ» وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للّهِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- قال فيهن: أي قال معهن.
- سوء الكبر: المرض والهرم.
فوائد الحديث
- استحباب المواظبة على هذه الأذكار في الصباح والمساء وعند النوم واليقظة، ليظل الإنسان حاضر الذهن مع ربه، راجيًا منه الحفظ والهداية والنجاة والسلامة من شر مؤذيات الدنيا والآخرة، مقرًا له بالربوبية، معترفًا له بالألوهية.
1456
باب الذكر عند الصباح والمساء
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ خُبَيْبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَأْ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَ (الْمُعَوِّذَتَيْنِ) حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كلِّ شَيْءٍ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- تكفيك: أي من غيرها من الأذكار، لتحصيل الثواب والوقاية من سائر المؤذيات.
فوائد الحديث
- استحباب قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين في الصباح والمساء، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقرؤها إذا أخذ مضجعه، ويمسح بها من جسمه ما وصلت إليه يداه.
1457
باب الذكر عند الصباح والمساء
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِاسْمِ اللّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ إِلَّا لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ»
رواه ابو داوود والترمذي وقال حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- باسم اللّه: أي أحتمي باسمه تعالى العزيز.
فوائد الحديث
- تأكيد الإتيان بهذا الذكر، ليتحصن الإنسان بقدرة اللّه تعالى من جميع البأس والضرر.
- الاعتماد على اللّه تعالى وحده في طلب النجاة والسلامة والعافية من جميع النوائب والمصائب والنوازل، فإنّه سبحانه هو الواقي والحافظ للإنسان، وبقدرته يصرف كل أذى وبلاء.
1458
باب ما يقوله عند النوم
عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا وَأَمُوتُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
فوائد الحديث
- استحباب أن يقول المسلم هذه الكلمات قبل النوم، تأسيًا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- يستحب أن يكون الإنسان المسلم مستحضرًا للموت في كل حال.
1459
باب ما يقوله عند النوم
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ وَلِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: «إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا -أَوْ: إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا- فَكَبِّرا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ» وفي رِوَايَةٍ: «التَّسْبِيحُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ» وَفِي رِوَايَةٍ: «التَّكْبِيرُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أويتما إلى فراشكما: اتجهتما إلى الفراش لإرادة النوم.
- مضاجعكما: هو مكان الرقود.
فوائد الحديث
- الحثّ على ذكر اللّه تعالى بهذه الصيغ، والمداومة على ذلك قبل النوم، وفي حال الاضطجاع.
1460
باب ما يقوله عند النوم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- بداخلة إزاره: أي بالطرف الذي يلي الجسد منه.
- أمسكت نفسي: كناية عن الموت.
- أرسلتها: كناية عن الإبقاء في الدنيا.
فوائد الحديث
- استحباب نفض الفراش قبل الدخول فيه لتنظيفه مما وقع عليه مما يؤذي الإنسان.
- الحثّ على الدعاء الوارد في هذا الحديث، لأنّ فيه التفويض التام للّه والحصول على الهدوء النفسي والطمأنينة الفكرية مما قدر له.
1461
باب ما يقوله عند النوم
عنْ عائشةَ رضي اللَّه عنْها، أَنَّ رسول اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كان إِذَا أَخَذَ مضْجعَهُ نَفَثَ في يدَيْهِ، وَقَرَأَ بالْمُعَوِّذاتِ ومَسح بِهمَا جَسَدَهُ، متفقٌ عليه. وفي رواية لهما: أَنَّ النبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كَانَ إِذَا أَوى إِلى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلةٍ جمَع كَفَّيْهِ ثُمَّ نفَثَ فيهما فَقَرأَ فِيهما: قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِربِّ النَّاسِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ما اسْتطاعَ مِن جسَدِهِ، يبْدَأُ بِهما عَلَى رَأْسِهِ وَوجهِهِ، وما أَقبلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذلكَ ثَلاثَ مرَّات متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- نفثَ: هو نَفخٌ لَطِيفٌ بِلا رِيقٍ.
- بالمعوذات: أي قل هو اللّهُ أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وأُطلق على الثلاثة اسم المعوذات من باب التغليب.
فوائد الحديث
- بيان ما نتحصن به إذا أردنا النوم، ولا ريب أن في ذلك اللجوء التام للّه تعالى والنجاة من كل ضرر.
1462
باب ما يقوله عند النوم
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، وَقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلّا إِليْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلتَ، فَإِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- أسلمت نفسي إليك: جعلتها منقادة لحكمك.
- وجهت وجهي إليك: الوجه كناية عن الذات، أي جعلت ذاتي ونفسي متجهة إليك وحدك.
- ألجأت ظهري إليك: اعتمدت عليك في أموري كلها.
- رهبة ورغبة إليك: أي خوفًا من عقابك وطمعًا في ثوابك.
- الفطرة: دين التوحيد الخالي من أي شرك.
فوائد الحديث
- استحباب التوجه إلى النوم على طهارة، والدعاء بهذا الدعاء، الذي يظهر صدق العبودية والانقياد للّه تعالى.
1463
باب ما يقوله عند النوم
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ لَهُ ولا مُؤْوِيَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- كفانا: من الكفاية.
- آوانا: جعل لنا مسكنًا نأوي إليه.
- لا كافي ولا مؤوي: أي لا راحم ولا عاطف عليه، وقيل: لا وطن له ولا سكن يأوي إليه.
- الكافي والمؤوي: هو الله سبحانه، فهو يكفي الناس رزقهم وييسر لهم المأوى.
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء قبل النوم، وفيه تعداد العبد للنعم التي أنعم اللّه بها عليه، والنظر إلى من جعلهم اللّه دونه في المظاهر الدنيوية، ليعظم ما عنده ويزداد للّه شكرًا.
1464
باب ما يقوله عند النوم
عَنْ حُذيْفَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ وَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يقُولُ: «اللَّهُمَّ، قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ مِنْ رِوَايَةِ حفْصَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا، وَفيهِ: أَنَّهُ كَانَ يقُولُهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
مفردات الحديث
- قني: احفظني.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الدعاء عند النوم.
- بيان خضوع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمولاه، وأداؤه لحقه في دوام التذكر والإجلال.
- تنبيه النّبيّ للأمة أن لا يأمنوا عذاب اللّه، أو يتجاهلوا تقصيرهم نحوه، أو يغفلوا عن الشيطان ووسوسته لهم بالشر.
- كتاب الدعوات
1465
باب فضل الدعاء
عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- الدعاء هو العبادة: وذلك للدلالة على الإقبال على اللّه تعالى والإعراض عما سواه.
فوائد الحديث
- مفهوم العبادة في الإسلام شامل لكل طاعة وتضرع وانقياد للّه تعالى.
- ولكن ليس معنى ذلك أنّ الدعاء يغني عن العبادات المفروضة من صلاة وصوم وزكاة وحج، وإنّما أفاد الحديث أنّ الدعاء داخل في شمول العبادة، وإظهار للعبودية للّه تعالى.
1466
باب فضل الدعاء
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
مفردات الحديث
- الجوامع من الدعاء: أي الأدعية قليلة الألفاظ الجامعة للمعاني الكثيرة.
- يدع: يترك.
فوائد الحديث
- استحباب الإتيان باللفظ اليسير الجامع للمعاني في الدعاء، ليصل الداعي إلى مطلوبه بأسهل طريق.
1467
باب فضل الدعاء
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللُّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذابَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زاد مُسْلِمٌ في رِوَايَتِهِ قَالَ: وكَانَ أَنَسٌ إِذا أَرَادَ أَنْ يَدعُوَ بِدعوَةٍ دَعَا بِهَا، وَإِذَا أَرَادَ أَن يَدعُوَ بدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ.
مفردات الحديث
- وقنا عذاب النار: أي احفظنا من عذاب النار.
فوائد الحديث
- استحباب الإكثار من هذا الدعاء الوارد في القرآن والجامع لخيري الدنيا والآخرة، والذي كان يداوم عليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حرص الصحابة على الاقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أقواله وأفعاله.
1468
باب فضل الدعاء
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «اللُّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- التقى: ملازمة التقوى، وهي فعل ما أمر اللّه به، واجتناب ما نهى اللّه عنه.
- العفاف: الكفّ عن الفواحش والمعاصي وكل ما حرّم اللّه.
- الغنى: أي الاستغناء عن الحاجة إلى الناس.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الدعاء الجامع لأبواب الخير، كلمات قليلة إن تحققت للمسلم فاز في دنياه وآخرته.
1469
باب فضل الدعاء
عَنْ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ طَارِقٍ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ كيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي؟ قَالَ: «قُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي، فَإِنَّ هَؤُلاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ»
مفردات الحديث
- تجمع لك دنياك وآخرتك: أي تجمع لك مطالبهما، فإن الرزق والعافية والرحمة تعم الدنيا والآخرة، والمغفرة تخص الآخرة.
فوائد الحديث
- الحثّ على هذا الدعاء الجامع لمطالب الإنسان في الدنيا والآخرة.
- الاهتمام بالصلاة لأنّها دعامة الإسلام.
1470
باب فضل الدعاء
عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- مصرّف القلوب: أي مغيرها من حال إلى حال ومن شأن إلى شأن.
- صرّف قلوبنا على طاعتك: أي فلا تزغها بعد الهدى.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الدعاء، لأنّ فيه طلب الهداية إلى الطاعة والمداومة عليها.
1471
باب فضل الدعاء
عَنْ أَبِي هُريَرةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ سُفْيَانُ: أَشُكُّ أَنِّي زِدْتُ وَاحِدَةً مِنْهَا. مفردان الحديث جهد البلاء: كل ما أصاب الإنسان من شدة المشقة، وروي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنّه: قلة المال وكثرة العيال. درك الشقاء: أي الشدة والعسر، ويطلق على الهلاك. شماتة الأعداء: الشماتة هي الفرح بحزن العدو. سوء القضاء: يدخل فيه سوء القضاء في الدِّين والدنيا والبدن والمال والأهل، وقد يكون ذلك في الخاتمة.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الدعاء، لأنّه دعاء جامع يدفع وقوع المكروه في الحياة الدنيا والآخرة.
1472
باب فضل الدعاء
عَنْ أَبِي هُريَرةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- عصمة أمري: ما أعتصم به في جميع أموري، والعصمة المنع والحفظ.
- التي فيها معاشي: أي فيها مكان عيشي وزمان حياتي.
- التي فيها معادي: أي مكان أو زمان إعادتي.
فوائد الحديث
- استحباب هذا الدعاء الجامع لخيري الدنيا والآخرة.
1473
باب فضل الدعاء
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي» وَفِي رِوَايَةٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالسَّدَادَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- سددني: وفقني.
- السداد: الاستقامة.
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء بهذه الكلمات الجامعة للتوفيق والرشاد.
- على الداعي أن يحرص على تسديد عمله وتقويمه ولزومه السنّة.
1474
باب فضل الدعاء
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّـي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعجْزِ والكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالهَرَمِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- العجز: عدم القدرة أو ضعفها على فعل الخير.
- الجبن: الخوف وضعف القلب، وهو ضد الشجاعة.
- الهرم: كبر السن.
- ضلع الدين: ثقل الدين وشدته.
- غلبة الرجال: المراد به الاستعاذة من أن يكون ظالمًا أو مظلومًا.
فوائد الحديث
- اللجوء إلى اللّه تعالى، طلبًا للنجاة من هذه الشرور، والتحذير من الوقوع فيها.
1475
باب فضل الدعاء
عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «وَفِي بَيْتِي» وَرُوِيَ: «ظُلْمًا كَثِيرًا» وَرُوِيَ «كَبِيرًا» بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَيُقَالَ: كَثِيرًا كَبِيرًا.
مفردات الحديث
- وفي بيتي: أي بعد قوله: في صلاتي.
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء بهذه الكلمات التي علمها النبي صَلّى اللّهُ عليه وسلّم لأبي بكر الصديق رضي اللّهُ عَنْهُ، والمداومة عليها في البيت والصلاة.
1476
باب فضل الدعاء
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ كَانَ يَدعُو بهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- وفي بيتي: أي بعد قوله: في صلاتي.
فوائد الحديث
- استحباب الدعاء بهذه الكلمات التي علمها النبي صَلّى اللّهُ عليه وسلّم لأبي بكر الصديق رضي اللّهُ عَنْهُ، والمداومة عليها في البيت والصلاة.
1477
باب فضل الدعاء
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أعوذ: ألتجئ.
فوائد الحديث
- الاستعاذة باللّه من شرّ ما وقع من الذنوب ومن شرّ ما يمكن أن يقع لأنّ في ذلك صدق العبودية للّه وترك العجب والتكبر.
1478
باب فضل الدعاء
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- زوال نعمتك: أي زوال ما أعطيتني من النعم الدينية أو الدنيوية.
- تحول عافيتك: أي تبدل ما وهبتني من الصحّة إلى الضعف والمرض.
- فجاءة نقمتك: أي مباغتتي بالعقوبة.
- جميع سخطك: أي أسباب غضبك.
فوائد الحديث
- استحباب الاستعاذة باللّه من زوال النعم، وتبدل العافية، والمباغتة بالعقوبة، ومن جميع أسباب غضبه سبحانه.
- استعمال النعم والعافية فيما يرضي اللّه تعالى، ليكون سببًا في حفظها.
1479
باب فضل الدعاء
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقَولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَموْلاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلمٍ لا يَنْفَعُ، ومِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشبَعُ، وَمِنْ دَعْوةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- آت نفسي تقواها: أي أعطها القوة لامتثال أوامرك، والابتعاد عن متابعة الهوى وارتكاب الفجور.
- زكها: طهرها من الرذائل.
- أنت وليها: ناصرها.
- مولاها: مالكها وسيدها.
- من علم لا ينفع: أي علم لا نفع فيه، وقيل: هو الذي لا يعمل به.
- لا يخشع: لا يخضع لجلال اللّه تعالى، وهو القلب القاسي.
- لا تشبع: أي للحرص الباعث لها على ذلك، ومعناه النهم وعدم الشبع.
فوائد الحديث
- استحباب الاستعاذة من هذه الأمور المذكورة في الحديث.
- الحثّ على التقوى ونشر العلم والعمل به.
- على المؤمن أن يلتزم التقوى وينهض بالطاعة وأداء الواجب ويجعل من نفسه ما تصفو بالخير، ويعتمد على اللّه تعالى في نصره وتوفيقه في العمل.
- يجب طلب العلم النافع لدينه ودنياه، وأن يهجر ما لا فائدة فيه وأن يرضى بالقناعة.
1480
باب فضل الدعاء
عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعَلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إِلَـٰهَ إِلّا أَنْتَ». زادَ بعْضُ الرُّوَاةِ: «وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- إليك أنبت: أي رجعت إليك وحدك.
- بك خاصمت: أي في سببك عاديت وبك انتصرت عليهم.
- إليك حاكمت: أي مبالغة في حكمت.
فوائد الحديث
- بيان كمال الرجوع إلى اللّه تعالى والركون إليه في الأحوال كلها، والاعتصام بحبله المتين، واللجوء إليه دون غيره.
1481
باب فضل الدعاء
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْها: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ الْغِنَى وَالْفَقْرِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُودَ
مفردات الحديث
- من فتنة النار: أي من الابتلاء بها.
- من شر الغنى والفقر: وفي رواية الترمذي "ومن شر فتنة الغنى، ومن شر فتنة الفقر" لأنّ الغنى يورث الشَّرَه في جمع المال من الحلال والحرام، ويصل بالإنسان إلى الشحّ والكبر والترف، ولأنّ الفقر قد يوقع الإنسان في اليأس والضجر والتبرم من القدر.
فوائد الحديث
- الخوف من النار والابتعاد عن اقتراف ما يسبب دخولها من المعاصي والمخالفات.
- أنّ في الغنى والفقر خيرًا لمن أحسن استغلالهما.
- التحذير من فتنة الغنى والفقر.
1482
باب فضل الدعاء
عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ، عَنْ عَمِّهِ -وَهُوَ قُطبَةُ بْنُ مَالِكٍ- رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- منكرات الأخلاق: ما يُنكَرُ مِن الأفعالِ الباطنةِ، كالحِقدِ والحسَدِ والكِبْرِ وما شابَه.
- منكرات الأعمال: كالزنى وشرب الخمر وسائر المحرمات.
- منكرات الأهواء: كالاعتقادات الفاسدة، والمقاصد الباطلة، والأفكار الهدامة، والعادات الدنيئة.
فوائد الحديث
- الاحتراز من المنكرات والدعوة إلى التمسك بالأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة.
- أنّ الأخلاق في الإسلام ثابتة لا تتغير بتغير المصالح والأهواء كما هو حال المجتمعات الغربية الفاسدة.
1483
باب فضل الدعاء
عَنْ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً، قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- شرّ سمعي: أي بأن أسمع كلام الزور والبهتان والغيبة وسائر ما حرم اللّه سمعه، أو ألّا أسمع الحقّ.
- شرّ بصري: وذلك بالنظر إلى عورات الناس، أو إلى ما حرم اللّه.
- شرّ قلبي: بأن أشغله بغير ذكر اللّه تعالى أو أن يعتقِدَ اعتقادًا فاسدًا، يكونَ به حِقْدٌ أو حسَدٌ أو حبٌّ للمعاصي وأهلِها.
- شرّ منيّي: المنيّ ما يخرج من الرجل من ماء بشهوة ولذة، وقيل المراد هنا الفرج، ويكون شرّه إذا وضعه في غير محله المشروع.
فوائد الحديث
- الحثّ على حفظ السمع والبصر واللسان والقلب والفرج وذلك باستعمالها فيما يرضي اللّه تعالى، والدعاء بحفظ هذه الأعضاء.
- التنويه بمسؤولية الإنسان عن حواسه كما أخبر سبحانه وتعالى: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا سورة الإسراء: الآية ٣٦
- ينبغي للعبد أن يحفظ حواسّه من الشر ويشغلها بفعل الخير لأنها غذاء القلب.
1484
باب فضل الدعاء
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوُذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَسَيِّءِ الْأَسْقَامِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- البرص: مرض يحدث بالجلد بياضًا.
- الجذام: علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها، وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح.
- سيء الأسقام: أي شديد الأمراض كالشلل والعمى.
فوائد الحديث
- الاستعاذة من الأمراض الشديدة المهلكة التي قد تذهب بصبر الإنسان، فلا تبقي له شيئًا من الأجر.
1485
باب فضل الدعاء
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الْضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- الضجيع: المصاحب.
- الخيانة: وهي نقضُ العهدِ والأماناتِ سواءٌ من أن تقعَ مِنه أو تقعَ مِن غَيرِه عليهِ.
- البطانة: الخصلة الباطنة.
فوائد الحديث
- الاستعاذة من الجوع الشديد، والتحذير من اعتياد الخيانة.
1486
باب فضل الدعاء
عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِي عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي، قَالَ: أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلٍ دَيْنًا أَدَّاهُ عَنْكَ؟ قُل: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- مكاتبًا: أي عبدًا كاتبه سيده على مبلغ من المال ليؤديه مقابل تحريره وإعتاقه.
- كتابتي: أي الدين اللازم لي بها.
فوائد الحديث
- أنّ الدعاء بهذه الكلمات سبب في وفاء الدين، ودليل على الاستغناء بالله عن الناس.
1487
باب فضل الدعاء
عن عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ أَبَاهُ حُصَيْنًا كَلِمتَيْنِ يَدْعُو بِهِمَا: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- ألهمني رشدي: أي ألهمني الهدى بالتوفيق للأعمال المرضية.
- أعذني: اعصمني.
- من شر نفسي: من شرور نفسي وأهوائها، المؤدية إلى الهلاك في الدنيا والطرد من رحمة اللّه في الآخرة.
فوائد الحديث
- التحذير من شرور النفس، وطلب الهداية والاستقامة والسداد في جميع الأمور.
1488
باب فضل الدعاء
عن أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللّهَ تَعَالَى، قَالَ: «سَلُوا اللّهَ الْعَافِيَةَ» فَمَكَثْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللّهَ تَعَالَى، قَالَ لِي: «يَا عبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللّهِ، سَلُوا اللّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
فوائد الحديث
- الحثّ على طلب العافية من اللّه تعالى في الدنيا والآخرة، لأنّ فيها السلامة من الأسقام والآثام.
1489
باب فضل الدعاء
عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- يا مقلب القلوب: يا مصرف القلوب ومحولها من الضلال إلى الهدى.
فوائد الحديث
- استحباب مداومة الدعاء بثبات القلب على الدِّين.
- خضوع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم للّه تعالى وتواضعه له، وتعلميه هذا الدعاء لأمته.
- الإشارة إلى أهمية الاستقامة والثبات وأنّ العبرة بالخاتمة.
1490
باب فضل الدعاء
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُودَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي، ومِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- ومن الماء البارد: خص الماء البارد بالذكر، لشدة ميل النفس إليه زمن الحر، فهو أحب المستلذات إليها.
فوائد الحديث
- الحضّ على طلب محبّة اللّه والسعي إليها بالعمل الصالح، واتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال تعالى: قل إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم الله.
- مجاهدة النفس وتقديم طاعة اللّه وطاعة رسوله على نفسه وأهله وكل ما تهوى نفسه وتشتهيه.
1491
باب فضل الدعاء
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَلِظُّوا بِيَاذَا الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ الصَّحَابِيِّ، قَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
مفردات الحديث
- أَلِظُّوا: مَعْنَاهُ الْزَمُوا هذِهِ الدَّعْوَةَ، وأَكْثِرُوا مِنْهَا.
فوائد الحديث
- الحثّ على الإكثار من الدعاء، وبدئه بقول ياذَا الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ، لما فيها من الثناء التام للّه تعالى ووصفه بصفات الكمال.
1492
باب فضل الدعاء
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ، لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ دَعَوْتَ بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ: «أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ؟ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحمَّدٌ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَأَنْتَ المُسْتَعَانُ، وَعَلَيْكَ الْبَلاغُ؛ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللّهِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- المستعان: المطلوب منه الإعانة.
- عليك البلاغ: أي الكفاية أو ما يبلغ الكفاية من خير الدنيا.
فوائد الحديث
- استحباب المداومة على هذا الدعاء الجامع، وتظهر فائدة هذا الحديث خاصة لمن لا يحفظ من أدعية النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا من يسر الإسلام وسعة رحمة اللّه تعالى بعباده.
1493
باب فضل الدعاء
عَنِ ابْنِ مسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثمٍ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍ، وَالفَوْزَ بِالْجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ»
رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ
مفردات الحديث
- موجبات رحمتك: أي ما يوجبها.
- عزائم مغفرتك: الأمور التي تقتضي غفرانك.
- السلامة من كل إثم: أي معصية.
- الغنيمة من كل بر: أي الإكثار من كل خير.
فوائد الحديث
- السعي في أعمال البرّ والطاعات، والبعد عن الشرّ والمعاصي، والدعاء بالتوفيق لذلك.
- أنّ المطلوب من الأدعية كغيرها من الأعمال هو طلب النجاة من النار ودخول الجنّة بسلام.
1494
باب فضل الدعاء بظهر الغيب
عَنْ أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سمِعَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ملك: أي ملك موكل مأمور بهذا العمل خاصة.
فوائد الحديث
- استحباب أن يدعو المسلم لنفسه ولأخيه المسلم، لتستجاب دعوته ويحصل له مثلها.
1495
باب فضل الدعاء بظهر الغيب
عَنْ أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ يقُولُ: «دَعْوةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ؛ عِنْدَ رأْسِهِ ملَكٌ مُوكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، ولَكَ بمِثْلٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- ترغيب المسلم بالدعاء لأخيه بظهر الغيب فيؤمن له الملك ويحصل له مثل ما دعا به.
- آمين: اسم فعل أمر بمعنى استجب.
1496
باب في مسائل من الدعاء
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- أبلغ في الثناء: أي بالغ في ثنائه على فاعله، وجازى المحسن إليه بأحسن مما أسداه إليه.
فوائد الحديث
- قبول الدعاء من المؤمن، وعدم المنِّ بالإحسان، والاعتراف بالجميل لأهله.
1497
باب في مسائل من الدعاء
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلا تدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ساعة يُسأَلُ فِيهَا عَطاءً: لئلَّا تُصادِفوا ساعةَ إِجابةٍ ونيلٍ فتُستجابَ دَعوتُكمُ بالسُّوءِ.
فوائد الحديث
- النهيُ عن الدعاء على النفس أو الأولاد أو المال بشيء من الضرر، لئلا يصادف هذا الدعاء القبول.
- أنّ للأزمنة خواصَّ يتقبل اللّه فيها الدعاء، فليتخير المؤمن الساعات المباركة بالدعاء، وليكن دعاء خير ورحمة وعافية، لا دعاء عذاب وهلاك.
1498
باب في مسائل من الدعاء
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- فضل الدعاء في حالة السجود.
- أنّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فينبغي الإكثار من الدعاء حال السجود.
1499
باب في مسائل من الدعاء
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «يُسْتجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لمُسْلِمٍ: «لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتعْجِلْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ مَا الاِسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: «يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ»
مفردات الحديث
- بإثم: بمعصية.
- فيستحسر: أي يحزن ويتعب من الاستعجال.
فوائد الحديث
- النهي عن الاستعجال المانع من الإجابة والذي يؤدي إلى ترك الدعاء.
- أن يدعو المسلم ربه، وأن يكون دعاؤه بخير، وأنّه يستجاب ما لم يدع بإثم أو يستعجل.
1500
باب في مسائل من الدعاء
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- جوف الليل: وسطه.
- دبر الصلوات المكتوبات: أي عقب الصلوات الخمس المفروضات.
فوائد الحديث
- بيان أرجى الأوقات لإجابة الدعاء، فعلى المسلم أن يكثر من الدعاء فيها.
1501
باب في مسائل من الدعاء
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللّهَ تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إِلّا آتَاهُ اللّهُ إِيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللّهُ أَكْثَرُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيِدٍ، وَزَادَ فِيهِ: «أَوْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَهَا»
مفردات الحديث
- إذًا نكثر: أي إذا كانت الدعوة بغير إثم مستجابة فنحن نكثر من الدعاء.
- اللّه أكثر: أي أكثر إحسانًا ونوالًا مما تطلبون.
- صرف: منع.
فوائد الحديث
- أنّ الدعاء لا يضيع، فهو إما أن يستجاب ويحصل المطلوب، أو يمنع اللّه به من السوء بقدره، أو يدّخر له من النفع مثله.
- أنّ ما عند اللّه من الخير أكثر مما يطلب الناس ويسألون.
1502
باب في مسائل من الدعاء
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كَانَ يقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لا إِلَـٰهَ إِلّا اللّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لا إِلَـٰهَ إِلّا اللّهُ رَبُّ العَرْشِ الْعَظِيمِ، لا إِلَـٰهَ إِلّا اللّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الكرب: الشدة.
فوائد الحديث
- أنّ الدواء عند الشدائد والأزمات هو توحيد اللّه عزّ وجلّ وعدم النظر إلى سواه بعد تعاطي الأسباب، والإكثار من الدعاء وذكر اللّه سبحانه.
1503
باب كرامات الأولياء وفضلهم
عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَرَّةً: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ» أَوْ كَمَا قَالَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ جَاءَ بِثَلاثَةٍ، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ، وَأَنَّ أبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُّمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِم، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا، فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لا هَنِيئًا، وَقَالَ: وَاللّهِ لا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، قَالَ: وَايْمُ اللّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمةٍ إِلّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لا وَقُرّةِ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاثِ مَرَّاتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ -يَعَنْي يَمِينَهُ- ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَمَضَى الْأَجَلُ، فَتَفَرَّقْنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللّهُ أَعْلَم كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لا يَطْعَمُهُ، فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لا تَطْعَمَهُ، فَحَلَفَ الضِّيْفُ -أوِ الأَضْيَافُ- أَن لا يَطْعَمَهُ -أَوْ يَطْعَمُوهُ- حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَدَعَا بِالطَّعَامِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلّا رَبَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي، إِنِّهَا الْآنَ لأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ، فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذَكَرَ إنَّه أَكَلَ مِنهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ، فَإنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا، فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: اطْعَمُوا، قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا، قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ، فَأَبَوْا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَسَكَتُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَسَكَتُّ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَا جِئْتَ فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ، فَقَالُوا: صَدَقَ، أتَانَا بِهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي، وَاللّهِ لا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ الآخَرُونَ: وَاللّهِ لا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، قَالَ: وَيْلَكُمْ مَا لَكُمْ لا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هَاتِ طَعَامَكَ، فَجَاءَ بِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ، فَقَالَ: بِاسْمِ اللّهِ، الْأَولَى مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- الصفة: الظلة التي جعلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مؤخرة المسجد ليأوي إليها من لا أهل له من فقراء الصحابة.
- لبث: بقي عند النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لأمر اقتضاه ذلك.
- وقد عرضوا: أي الخدم، أو الأهل، وفي رواية البخاري. "وقد عرضنا عليهم فامتنعوا".
- غُنْثَرُ: هُوَ الْغَبِيُّ الْجَاهِلُ.
- فَجَدَّعَ: أَي شَتَمَهُ.
- يَجِدُ عَلَيَّ: أَي يَغْضَبُ.
- ربا: زاد.
- يا أخت بني فراس: بنو فراس قبيلة من كنانة.
- وقرة عيني: واو القسم، وقرة العين: كناية عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان.
- فحلفت المرأة: أي زوجة أبي بكر.
- هذه من الشيطان: أي حلفه أن لا يأكل، أو الحالة من الغضب الناشئ عنها اليمين.
- دونك أضيافك: أي خذ أضيافك وتوجه إلى خدمتهم.
- فافرغ من قراهم: أي انته من ضيافتهم وإكرامهم.
- رب منزلنا: صاحبه.
- تنحيت: أي تجيء.
فوائد الحديث
- تكثير الطعام كرامة لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه.
- كرم أبي بكر وزوجته وولده، وتكدر نفوسهم بسبب امتناع الضيوف عن الطعام.
- جواز الحنث باليمين والتكفير عنها إذا رأى غيرها خيرًا منها.
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
- لم يأت في الكتاب والسنة شيء يدل على أن قوما كانوا يسكنون الأرض قبل آدم عليه السلام، وإنما الذي جاء في ذلك هو من أقوال بعض المفسرين من الصحابة والتابعين، ومن ذلك: القول الأول: أن الأرض كان يسكنها الجن (بالجيم المعجمة)، وهم الذين خلقهم الله تعالى من النار، وهذا القول مروي عن أكثر أهل التفسير.
- وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون” سورة البقرة، والإشارة أن كيف عرفت الملائكة بالفساد إلا يكون قد سبق آدم خلق على الأرض
1504
باب كرامات الأولياء وفضلهم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا، وَفِي رِوَايَتِهَا: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: «مُحَدَّثُونَ»
أَي: مُلهَمُونَ
مفردات الحديث
- مُحَدَّثُونَ: أي ملهمون الصواب.
فوائد الحديث
- بيان فضل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.
1505
باب كرامات الأولياء وفضلهم
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا -يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ- رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأْرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هٰؤُلاءِ يَزْعُمُونَ أنَّكَ لا تُحْسِنُ تُصَلِّي، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا وَاللّهِ، فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، لا أَخْرِمُ عَنْهَا: أُصَلِّي صَلاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، قَالَ: ذٰلِكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أبَا إِسْحَاقَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا -أَوْ رِجَالًا- إلَى الكُوفَةِ يَسْأَلُ عَنْهُ أَهْلَ الكُوفَةِ، فَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَني عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ -يُقَالَ لَهُ: أُسامةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ- فَقَالَ: أَمَا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلا يَقْسِمُ بِالسَّويَّةِ، وَلا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدَ ذٰلِكَ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ الرَّاوِي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ فَيَغْمِزُهُنَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا أخرم: لا أنقص
- فأركد: أي أقوم طويلًا من الركود.
- نشدتنا: أي طلبت منا القول.
- لا يسير بالسرية: لا يخرج مع القطعة من الجيش ولا يسير معها.
- لا يقسم بالسوية: أي لا يعطي المال بالعدل والمساواة، وإنّما يؤثر به من يشاء لغرض.
- ولا يعدل في القضية: أي لا يعدل في الحكم والقضاء بين المتنازعين.
- رياء وسمعة: أي ليراه الناس ويسمعوه، فيكون له بذلك ذكر وشهرة.
فوائد الحديث
- فضل سعد بن أبي وقاص، وأنّه مستجاب الدعوة، وقد روى الترمذي وابن حبان والحاكم عن سعد أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك".
- جواز عزل الإمام للوالي الذي يُشتكى منه، وإن كُذِب عليه إذا وجد مصلحة في هذا العزل، لئلّا يبقى عليهم أميرًا وفيهم من يكرهه.
1506
باب كرامات الأولياء وفضلهم
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتُ أَوْسٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَادَّعَتْ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أرْضِهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ قَالَ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» فَقَالَ لَهُ مرْوَانٌ: لا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هٰذَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أرْضِهَا، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَيْنَمَا هِي تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرةٍ فَمَاتَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لمُسْلِمٍ عَنْ مُحمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَعَنْاهُ، وَأَنَّهُ رَآهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدٍ، وَأَنَّهَا مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِي الدَّارِ الَّتِي خَاصَمَتْهُ فِيهَا، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا.
مفردات الحديث
- سعيد بن زيد: الصحابي أحد العشرة المبشرين بالجنة.
- إلى سبع أرضين: أي يعاقب على كل شبرٍ أخذه في الدنيا ظلمًا بالخسف إلى سبع أرضين، فيكون كل أرض في هذه الحالة طوقًا في عنقه.
- بينة: أي حجةً ودليلًا.
فوائد الحديث
- فضل سعيد بن زيد رضي اللّه عنه، وكرامته في استجابة دعوته، ومعرفته بحدود اللّه تعالى.
- التحذير من إيذاء الصالحين.
- أنّ العقوبة قد تقع في الدنيا.
1507
باب كرامات الأولياء وفضلهم
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لمَّا حَضَرَتْ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، واسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أوَّلَ قَتِيلٍ، ودَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمَ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذُنِهِ، فَجَعَلتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- ما أراني: ما أظنني.
- فاقض: أي رد الدين إلى أصحابه.
فوائد الحديث
- كرامة عبد اللّه أبي جابر رضي اللّه عنهما بعدم تفسخ جسده بعد موته مدة طويلة، وإحساسه بدنو أجله، وطلبه للشهادة بصدق من اللّه تعالى.
- مدى محبة الصحابة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وتفضيلهم له على النفس والأهل والولد.
1508
باب كرامات الأولياء وفضلهم
عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصبَاحَيْنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طُرُقٍ؛ وَفِي بَعْضِهَا: أَنَّ الرَّجُلَيْنِ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
فوائد الحديث
- كرامة هذين الصحابيين، ومعجزة النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وسلّم، لأنّ ما ظهر بين أيديهما من النور من بركة إيمانهم بالنّبيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
- إعانة اللّه تعالى لمن خرج لأداء الفرائض، والقيام بحق اللّه سبحانه.
1509
باب كرامات الأولياء وفضلهم
عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَشَرَةَ رَهْطٍ عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَليْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَوا بِالْهَدْأَةِ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالَ لهُمْ: بَنُو لَحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِئَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَؤُوا إِلَى مَوْضِعٍ، فَأحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَلّا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ: أَيُهَا الْقَوْمُ أَمَّا أَنَا فَلا أَنْزِلُ عَلَى ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا، وَنَزَل إِلَيْهِمْ ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ: خُبَيْبٌ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ، فرَبَطُوهُمْ بِهَا، قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللّهِ لا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي بِهَؤُلاءِ أُسْوةً -يُرِيدُ الْقَتْلَى- فَجَرُّوهُ وَعَالَجُوهُ، فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ، وَزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ، حَتَى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْن نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ خُبَيْبًا، وَكَانَ خُبَيبٌ هُوَ قَتَل الحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فلَبِثَ خُبيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى يَسْتحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ، فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ، فَقَالَ: أتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَل ذَلِكَ، قَالَتْ: وَاللّهِ، مَا رَأيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، فَوَاللّهِ لَقَدْ وَجدْتُهُ يَوْمًا يَأَكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللّهُ خُبَيْبًا. فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ لِيقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: وَاللّهِ لَوْلا أَنْ تَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، واقْتُلْهُمْ بِدَدًا وَلا تُبْقِ مِنْهُم أَحَدًا، وقَالَ: فلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ للّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلاةَ، وَأَخْبَرَ -يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُريْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ أَنْ يُؤْتَوا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَبَعَثَ اللّهُ لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي الْبَابِ أحاديثُ كَثِيرَةٌ صحِيحَةٌ سَبَقَتْ في مَواضِعِهَا مِنْ هَذَا الكِتَابُ، مِنْهَا: حَدِيثُ الْغُلامِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي الرَّاهِبَ والسَّاحِرَ، ومِنْهَا: حَديثُ جُرَيْجٍ، وحَدِيثُ أصْحَابِ الْغَارِ الَّذِينَ أَطْبقَتْ علَيْهِمُ الصَّخْرَةُ، وحَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَ صَوْتًا في السَّحابِ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ. والدَّلائِلُ في الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وبِاللّهِ التَّوْفِيقُ.
مفردات الحديث
- رهط: الجماعة من سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة.
- عينًا: أي عينًا على العدو، ليأتوا بأخباره وأسراره.
- فنفروا لهم: أي خرجوا لهم بسرعة محاربين.
- فأعطوا بأيديكم: أي استسلموا فالجملة كناية عن الدخول في الطاعة والأسر.
- ورجل آخر: هو عبد اللّه بن طارق.
- استمكنوا منهم: أي قدروا عليهم.
- أوتار قسيهم: أي أوتار أقواسهم.
- يستحد: يحلق شعر عانته.
- فدرج بنيّ: أي دب طفل على رجليه ويديه.
- في الحل: أي أخرجوه إلى التنعيم، مبتعدين به عن أرض الحرم.
- جزع: خوف من الموت.
- مصرعي: موتي.
- أوصال: أعضاء.
- شِلْو: جسد.
- ممزع: مقطع.
- الظُّلَّةُ: السَّحَابُ.
- الدَّبْرُ: النَّحْلُ.
- اقْتُلْهُمْ بِدَدًا: أي اقْتُلْهُـمْ حِصَصًا مُنْقَسِمَةً لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمْ نَصِيبٌ، وقيلَ: مَعَنْاهُ: مُتَفَرِّقِينَ في القَتْلِ واحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، مِنَ التّبْدِيدِ.
فوائد الحديث
- فضل هذا الرهط من أصحاب النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وسلّم، وبيان شجاعتهم وصبرهم.
- كرامة خبيب وعاصم، وبيان مدى صبرهما على إيذاء المشركين، وحماية اللّه تعالى لهما بعد موتهما.
- على المؤمن أن لا يلين مع أعدائه، وعليه أن يتمسك بمبادئه وأخلاقه في الأسر والتعذيب من قبل أعدائه.
- ندب صلاة ركعتين عند الاستشهاد، لأنّ خبيبًا فعلهما وأقر ذلك النّبيّ صَلَّى اللّهُ عليه وسلّم.
1510
باب كرامات الأولياء وفضلهم
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَقُولُ لِشَيءٍ قَطُّ: إِنِّي لأَظُنُّهُ كَذَا، إِلّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فوائد الحديث
- فضل عمر بنِ الخطاب رضي اللّه عنه، وصدق حدسه، وقوة ذكائه، وفضلُ اللّه تعالى عليه، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يمنح عبده الصالح الصادق مثل ذلك.
- كتاب الأمور المنهي عنها
1511
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللٌهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- من كان يؤمن: أي إيمانًا كاملًا.
- ليصمت: ليسكت عن الكلام عن إرادة وقصد.
فوائد الحديث
- أنّ من كمال الإيمان باللّه تعالى أن يتكلم خيرًا، أو يكف لسانه عن ذلك الكلام الذي لا فائدة فيه.
- وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَلّا يَتَكَلَّمَ إِلّا إِذَا كَانَ الْكَلامُ خَيْرًا، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، وَمَتى شَكَّ فِي ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فَلا يَتَكَلَّمُ.
1512
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْه
مفردات الحديث
- سلم: أمن.
- من لسانه ويده: خص اللسان واليد لكثرة صدور الأذى عنهما.
فوائد الحديث
- النهي عن إيذاء الناس، وأنّ أفضل المسلمين من لم يصدر منه أي إيذاء.
- بَيان أنّ المسلم الحقَّ لا يتصِف بالسوء والشر، ولا يوصله لأحد من الناسِ.
1513
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يضمن: أي يلتزم بالحفظ.
- ما بين لحييه: اللحيان عما العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان علوًا وسفلًا، وما بين لحييه هو اللسان.
- ما بين رجليه: كناية عن الفرج، فلا يزني، ولا يأتي حرامًا.
فوائد الحديث
- حفظ اللسان والفرج من الوقوع في الحرام، سبيل لدخول الجنّة والنجاة من النار.
1514
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يَتَبَيَّنُ: يَتَفَكَّرُ أنَّهَا خَيْرٌ أمْ لا.
- يزل: يقع في الزلل ويسقط.
فوائد الحديث
- على المرء أن يحفظ لسانه، ولا يطلقه بالكلام، وأن يوزن الكلام قبل إلقائه ومعرفة عواقبه.
- أنَّ موضوعَ الكلامِ هو مَا يُحدِّد أثرَه المترتِّب عليه، فقد يَخرُج المُسلِمُ من إسلامِه بسَببِ كلمةٍ، وقد يَنصُر اللّهُ الإسلامَ بكلمةٍ.
1515
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللّهِ تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللّهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- ما يلقي لها بالًا: أي لا يهتم ولا يكترث بها.
- يهوي: ينزل.
فوائد الحديث
- الوعد برفع الدرجات في الجنّة على التكلم بالخير، والوعيد بالهوي في النار على التكلم بالشر.
- أنّ الكلمة شأنها عظيم فهي قد ترفع صاحبها، وقد تهوي به في نار جهنم فليحذر العبد مما يقوله.
1516
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِلالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللّهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللّهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللّهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ»
رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
فوائد الحديث
- أنّ موضوع الكلام هو ما يُحدِّد أثره المترتب عليه، فقد يَخرُج المسلِم من إسلامِه بسَبب كلمةٍ، وقد يَنصُر اللّهُ الإسلامَ بكلمة.
1517
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: «قُلْ: رَبِّيَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- أعتصم: أتمسك به وأنجو.
- ثمّ استقم: أي داوم على فعل الأوامر واجتناب النواهي.
فوائد الحديث
- الأمر بتحقيق وجود الإيمان أولًا ثم إتباعه بالأعمال الصالحة، لتدل عليه وترسخه.
- أنّ الإيمان هو الأساس لجميع الأعمال الصالحة.
- عظم شأن اللسان والتحذير من شروره، لأنّه سريع الانزلاق والتردي في الهلاك.
1518
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تُكْثِرُوا الْكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللّهِ، فَإنَّ كَثْرَةَ الْكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللّهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
مفردات الحديث
- قسوة القلب: غلظ القلب وعدم تأثره بالمواعظ.
فوائد الحديث
- أنّ كثرة الكلام فيما لا فائدة فيه سبب لقسوة القلب والبعد عن رحمة اللّه تعالى.
- أنّ الإكثار من الكلام مذموم إلّا ما كان فيه فائدة دنيوية أو أخروية.
1519
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ وَقَاهُ اللّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- وقاه اللّه: حماه وحفظه.
- ما بين لحييه: لسانه.
- ما بين رجليه: فرجه.
فوائد الحديث
- المحافظة على ضبط اللسان بعدم إطلاقه بما لا يُرضي اللّه تعالى من غيبة ونميمة.
- المحافظة على الفرج من الوقوع في الحرام من زنا وفواحش.
1520
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- ما النجاة؟: أي ما سبب الوصول إلى النجاة.
- وليسعك بيتك: أي اشتغل بما هو سبب في لزوم البيت من طاعة اللّه تعالى.
فوائد الحديث
- الحثّ على حفظ اللسان وانشغال الإنسان بنفسه إذا عجز عن نفع غيره، أو خاف الضرر على دينه ونفسه إذا خالط الناس.
1521
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللّهَ فِينَا، فَإنَّما نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
مفردات الحديث
- إذا أصبح: أي دخل في الصباح.
- تُكَفِّرُ اللِّسَانَ: أَيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.
- نحن بك: أي مجازون بما يصدر عنك.
فوائد الحديث
- أهمية حفظ اللسان في سلامة الإنسان، وذلك لأنّه خليفة القلب وترجمانه، والإنسان بأصغريه: لسانه وفؤاده.
- أنّ الأعضاء تتأثر بخطأ العضو ووقوعه في المعصية.
- صَلاحُ القلبِ أو فَسادُه يَظهَرُ في منطوق اللِّسانِ.
1522
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «لَقدْ سَأَلْتَ عنْ عَظِيمٍ، وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى منْ يَسَّرَهُ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ثُمَّ تَلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٦-١٧]. ثُمَّ قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ، وَعَمُودِهِ، وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ» ثُمَّ قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- جُنَّة: وقاية من النار.
- الصدقة تطفئ الخطيئة: أي تطفئ أثر الخطيئة فلا يبقى لها أثر.
- جوف الليل: وسطه.
- تتجافى: ترتفع وتبتعد.
- عن المضاجع: عن الفرش والمرقد.
- ذروة سنامه: كناية عن أعلاه.
- بمِلاك ذلك: بقوامه، أي ما يقوم به كله.
- ثكلتك: فقدتك.
- يكبّ: يقلبهم في النار.
فوائد الحديث
- بيان أهمية كل ركن من أركان الإسلام.
- بيان خطر اللسان، وأنّه إذا لم يحفظ من الشرور كان سببًا في كبّ صاحبه في النار.
1523
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَدْرُونَ ما الغِيبَةُ؟» قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أفرأيت: أخبرني.
- بهته: افتريت عليه الكذب.
فوائد الحديث
- تحديد معنى الغيبة والبهتان بما لا يدع مجالًا في أمرهما، وأنّهما من آفات اللسان.
- النهي عن الغيبة والبهتان لما فيهما من الظلم والشقاق بين الاخوان.
1524
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنَى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- يوم النحر: يوم ذبح الأضاحي.
- يومكم: يوم النحر.
- في شهركم هذا: شهر ذي الحجة.
- بلدكم هذا: مكة.
فوائد الحديث
- تحريم التعرّض لدم المسلم أو ماله أو عرضه بما لم يأذن به الشرع.
- تحريم الاعتداء على المسلم بالغيبة.
- أنّ هذه الأمور كلها مجتمعة في حرمتها كحرمة بيت اللّه.
1525
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَسْبُك مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا -قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: تَعْنِي قَصِيرَةً- فَقَالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ!» قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- حسبك من صفية: كافيك منها.
- صفية: أم المؤمنين بنت حيي بن أخطب من بني النضير.
فوائد الحديث
- شدة أمر الغيبة وخطرها على المجتمع المسلم، حتى لو كانت كلمة واحدة.
1526
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- عرج بي: أي صعد بي إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج.
- يخمشون وجوههم: يجرحونها.
- يأكلون لحوم الناس: أي يغتابون الناس، وشبهت الغيبة بأكل اللحم بجامع التلذذ في الأكل.
- ويقعون في أعراضهم: أي يتناولون أعراضهم بالكلام القبيح.
فوائد الحديث
- تشبيه المغتاب بآكل لحوم البشر والساقط في المهاوي السحيقة.
- الترهيبُ من الغِيبةِ، والتحذير الشديد من الوقوعِ في أعراضِ الناسِ.
1527
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- حرام: أي محرم.
- عرضه: هو النفس والحسب.
فوائد الحديث
- حرص الإسلام على صيانة الدماء والأعراض والأموال، وحفظ كرامة الناس.
- أنّ هذه الأمور هي من مقاصد الشريعة التي حثّت على حفظها وعدم المساس بها.
1528
باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها والإنكار على قائلها فإن عجز أو لم يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- من ردّ عن عرض أخيه: أي دافع عن أخيه في الإيمان والإسلام أمام من يغتابه.
فوائد الحديث
- أنّ الدفاع عن المسلم في الدنيا سبيل إلى النجاة من عذاب النار يوم القيامة.
- أنّ الدفاع عن أعراض المسلمين سبب للنجاة من دخول النار.
- أهمية عرض المسلم عند اللّه عز وجل.
1529
باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها والإنكار على قائلها فإن عجز أو لم يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه
عَنْ عِتْبَانَ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فَقَالُوا: «أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللّهَ وَلا رَسُولَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَقُلْ ذَلِكَ، أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لا إِلَـٰهَ إِلّا اللّهُ يُريدُ بِذَلكَ وَجْهَ اللّهِ تَعَالَى؟! وَإِنَّ اللّهَ قدْ حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَـٰهَ إلّا اللّهُ يبْتَغِي بِذلكَ وجْهَ اللّهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حرم على النار: أي على سبيل الخلود المؤبد، فقد يعذب المؤمن على معاصيه إذا لم يعف عنه.
فوائد الحديث
- النهي عن الغيبة الوارد في هذا الحديث للتحريم، ويكون النهي عن الغيبة، إمّا لمنع من يريد اغتياب المسلم، وذلك بزجره وردعه عنها، وإمّا برد ما قاله عليه.
- أنّ العمل الصالح لا ينفع منه إلّا ما أريد به وجه اللّه تعالى وأداء عبوديته والتقرب به إليه.
1530
باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها والإنكار على قائلها فإن عجز أو لم يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه
عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ -وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ التَّوْبةِ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللّهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: بِئْسَ مَا قُلْتَ وَاللّهِ يَا رسُولَ اللّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا، فَسكَتَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- حبسه برداه: أي منعه من حضور المعركة.
- برداه: أي ثوباه كناية عن ترفه.
- عِطْفَاهُ: جَانِباهُ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِعْجَابِهِ بِنَفْسِهِ.
فوائد الحديث
- إقرار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ بن جبل في الدفاع عن أخيه كعب بن مالك رضي اللّه عنهما.
- التوجيه لمثل هذا العمل النبيل في حفظ غيبة المسلمين.
1531
باب بيان ما يباح من الغيبة
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ؟»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. احْتَجَّ بهِ الْبُخَارِيُّ فِي جَوَازِ غِيبَةِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَأَهْلِ الرِّيَبِ
مفردات الحديث
- أخو العشيرة: أخو القبيلة.
فوائد الحديث
- جواز غيبة أهل الفساد والريب، تحذيرًا من الاغترار بظواهرهم.
- فَعَلَ معه النَّبيُّ صلَّى اللّهُ عليه وسلَّم ذلكَ، مُداراةً اتقاءً لِشرِّه وفُحشِه.
1532
باب بيان ما يباح من الغيبة
عَنْ عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَظُنُّ فُلانًا وفُلانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ أَحَدُ رُواةِ هذا الْحَدِيثِ: هَذَانِ الرَّجُلانِ كَانَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ.
مفردات الحديث
- ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا: أي ليسوا على شيء من الإسلام حقيقة.
فوائد الحديث
- جواز غيبة أهل النفاق حتى لا يلتبس ظاهر حالهم على من يجهل أمرهم.
1533
باب بيان ما يباح من الغيبة
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَتيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا الْجَهْمِ وَمُعَاوِيَةَ خَطَبَانِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ، وأمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَلا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَأَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ» وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِرِوَايَةِ: «لا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: كَثِيرُ الْأَسْفَارِ
مفردات الحديث
- صعلوك: أي فقير.
- عاتقه: ما بين منكبه وعنقه.
فوائد الحديث
- جواز التوضيح للخاطب أو المخطوبة وبلا مواربة في ذكر المساوئ، ولا يعتبر ذلك من الغيبة.
- فضلُ اتِّباعِ أَمْرِ النَّبيِّ صلَّى اللّهُ عليه وسلَّم.
- الحثُّ على اختيارِ الأكْفَاءِ عندَ الزَّواجِ.
- التَّنفيرُ من ضَرْبِ النِّساءِ.
1534
باب بيان ما يباح من الغيبة
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَأرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللّهِ بْن أُبَيٍّ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ: مَا فَعَلَ، فَقَالُوا: كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى تَصْدِيقِي: إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ ثُمَّ دَعَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- عبد اللّه بن أبيّ بن سلول: زعيم المنافقين في المدينة.
- ينفضوا: يتفرقوا.
- فاجتهد يمينه: أي حلف وأكد الأيمان بتكراره.
- شدة: كرب.
- لوّوا رؤوسهم: أي أمالوا رؤوسهم إعراضًا ورغبة عن الاستغفار.
فوائد الحديث
- جواز إفشاء أسرار المنافقين والخائنين، ولا يعتبر ذلك من الغيبة.
1535
باب بيان ما يباح من الغيبة
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَتْ هِنْدُ امْرأَةُ أَبِي سُفْيَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ؟ قَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- هند: هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية وهي أم معاوية، أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها بليلة، وبايعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- شحيح: بخيل حريص.
- بالمعروف: أي من غير سرف ولا تقتير.
فوائد الحديث
- جواز غيبة أحد الزوجين الآخر عند الاستفتاء، لما يترتب عليه من أحكام شرعية.
- يجوز للمرأة أن تأخذ حقها من مال زوجها بغير إذنه إذا كان يمنعها من ذلك من غير حق.
1536
باب تحريم النميمة وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد
عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قاَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- نمّام: كثير النم، واشٍ، ناشر الإشاعات والأكاذيب.
فوائد الحديث
- أنّ النمّام الذي يستحل النميمة وهو يعلم أنّه مجمع على تحريمها لا يدخل الجنّة مطلقًا، وإن نمّ عاصيًا فلا يدخل الجنّة ابتداء مع الفائزين الأولين.
1537
باب تحريم النميمة وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبيرٍ، بَلَى إنَّهُ كَبِيرٌ: أمَّا أحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَة، وَأمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ إِحْدَى روَايَاتِ الْبُخَارِيِّ
مفردات الحديث
- وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبيرٍ: أَيْ كَبِيرٍ فِي زَعْمِهِمَا، وَقِيلَ: كَبِيرٌ تَرْكُهُ عَلَيْهِمَا.
- لا يستتر من بوله: أي لا يستتر عن أعين الناس، أو لا يتوقى من بوله.
- وفي رواية: "لا يستبرئ من بوله" أي لا يطلب البراءة منه ويصطبر حتى ينقى ما في مجرى بوله.
فوائد الحديث
- تحريم النميمة، وأنّها من الكبائر التي تسبب لصاحبها العذاب في القبر.
- وجوب الاستتار عند البول، ووجوب الاستبراء منه.
- إثبات عذاب القبر، وأنّ من أسبابه النميمة وعدم التوقي من البول أو الاستتار عنده.
1538
باب تحريم النميمة وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- الْعَضْهُ: وَرُوِيَ الْعِضَةُ وَهِيَ الْكَذِبُ وَالْبُهْتَانُ.
- القالة: اسم للقول الفاشي في الناس، خيرًا كان أوشرًّا
فوائد الحديث
- التحذير من النميمة، وأنّها سبب في التفرقة والخصومة.
1539
باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذا لم تدع إليه حاجة كخوف مفسدة ونحوه
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَالتِّرْمِذِيُّ
مفردات الحديث
- لا يبلغني: يخبرني ويوصل إليَّ.
- شيئًا: أي ممّا أكرهه وأغضب عليه.
فوائد الحديث
- مدى اهتمام النّبيّ صَلّى اللّهُ عليه وسلّم بسلامة صدره، فهو ينهى ويحذِّر من أن يُنْقَل إليه ما يُوغِر صَدْره، ويغيِّر قلبه تجاه أصحابه الكرام، رضوان اللّه عليهم أجمعين.
1540
باب ذم ذي الوجهين
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ: خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوا، وَتَجِدُونَ خِيارَ النَّاسِ في هذا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- تجدون الناس معادن: أي ذوي أصول ينسبون إليها ويتفاخرون بها.
- فقهوا: علموا الأحكام الشرعية.
- في هذا الشأن: أي في الإمارة والخلافة.
فوائد الحديث
- أنّ أصحاب الأصول الحسنة في الجاهلية يزيدون بدخولهم في الإسلام أصالة وشرفًا، إذا علموا أحكام الشرع.
- أنّ خير الناس لتولي منصب الحكم الزاهد في ذلك، لأنّه إن ولي وقف عند حدود اللّه وكان حريصًا على تنفيذها.
- المراد من ذي الوجهين الذي يأتي كل طائفة ويظهر لهم أنّه منهم ومخالف للآخرين، فهو من شر الناس، وأما من أتى كل طائفة وحاول الإصلاح فهذا محمود.
1541
باب ذم ذي الوجهين
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِجَدِّهِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ بِخِلافِ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ؟ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ هَذَا نِفَاقًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مفردات الحديث
- سلاطيننا: أي أصحاب الولاية علينا.
- نقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم: أي نثني عليهم بحضورهم، ونذمهم إذا خرجنا.
- كنا نعد هذا نفاقًا: أي نفاقًا في العمل.
فوائد الحديث
- الصدق في الحضرة والغيبة شأن المؤمنين الصادقين، أما المدح عند الحضور والذم بعد الخروج فهو شأن الجبناء المنافقين.
- المسلم يبذل النصيحة للحاكم، ولا يذل له لقاء منفعة زائلة.
1542
باب تحريم الكذب
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللّهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللّهِ كَذَّابًا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- البر: اسم جامع لكل خير.
- الفجور: هو الفسق والانغماس في المعاصي والمجاهرة بها، وهو اسم جامع لكل شر.
فوائد الحديث
- الحثّ على تحري الصدق والاعتناء به، فإنّه إذا اعتنى به وأكثر منه، عُرف به.
- التحذير من الكذب والتساهل فيه، والكذب أشد الأشياء ضررًا، والصدق أشدها نفعًا.
- الصدق يدل على الشجاعة في مواجهة الواقع، والكذب يدل على الجبن والتردد وعدم الثقة في مواجهة الواقع.
- الاعتياد على أمر وملازمته يصبح سجية في المرء يعرف بها.
1543
باب تحريم الكذب
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا أؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- فجر: بالغ في الخصومة والأيمان الكاذبة.
فوائد الحديث
- وجوب الابتعاد عن هذه الخصال لأنّها من خصال المنافقين.
1544
باب تحريم الكذب
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ، وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- تَحَلَّمَ: أَيْ قَالَ إِنَّهُ حَلَمَ فِي نَوْمِهِ وَرَأى كَذَا وَكَذَا وَهُوَ كَاذِبٌ.
- أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل: وذلك ليطول عذابه في النار، لأنّ عقده بين طرفي الشعيرة غير ممكن.
- الْآنُكُ: الرَّصَاصُ الْمُذَابُ.
فوائد الحديث
- الوعيد الشديد لمن يكذب في المنام، لأنّ ذلك كذب على اللّه تعالى وعلى الناس.
- الترهيب من التجسس واستراق السمع، لمعرفة ما يتحدث به الناس.
- الوعيد الشديد للمصورين، لأنّهم ينازعون الخالق في قدرته.
1545
باب تحريم الكذب
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْرَى الْفِرَى: أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- أفرى: أكذب.
- الفرى: جمع فرية: الكذبة.
فوائد الحديث
- التحذير من اختلاق الصور الكاذبة في اليقظة أو المنام، ومَعْنَاهُ: يَقُولُ رَأَيْتُ فِيمَا لَمْ يَرَهُ.
1546
باب تحريم الكذب
عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟» فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا قَالا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ هَهُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأخُذُهُ، فَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الْأوْلَى» قَالَ: «قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللّهِ! مَا هَذَا؟ قَالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَديدٍ ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بالْجَانِبِ الْأوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمرَّةِ الْأُوْلَى» قَالَ: «قُلْتُ: سُبْحَانَ اللّهِ مَا هَذَانِ؟ قَالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ قَالَ: فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا، قُلْتُ: مَا هَؤُلاءِ؟ قَالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَحْمَرُ مِثْلُ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهْرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فاهُ، فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَيَنْطَلِقُ فَيَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ، فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا. قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ، أَوْ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلاً مَرْأًى، وَإِذَا هُوَ عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ قَالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَويلٌ لا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّماءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأيْتُهُمْ قَطُّ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ وَمَا هَؤُلاءِ؟ قَالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا إِلَى دَوْحَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ دَوْحَةً قَطُّ أَعْظمَ مِنْهَا وَلا أَحْسَنَ قَالا لِي: ارْقَ فِيهَا، فَارْتَقَيْنَا فِيهَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ وَلَبِنٍ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، وَإِذَا هُوَ نَهْرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: قَالا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ البَيْضَاءِ، قَالا لِي: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ؟ قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللّهُ فِيكُمَا، فَذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ، قَالا: أمَّا الْآنَ فَلا، وَأَنْتَ دَاخِلُهُ، قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا؟ فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ: أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ: فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، ومِنْخَرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ: فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ، وَأمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ هُمْ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ: فَإنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَليْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ، وَيُلْقَمُ الْحِجَارَةَ: فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا: فَإنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ: فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ: فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ» وَفِي رِوَايَةِ الْبَرْقَانِيِّ: «وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ». فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَأَوْلادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وَأَوْلادُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبيحٌ: فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللّهُ عَنْهُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ» ثُمَّ ذَكَرَهُ وَقَالَ: «فَانْطَلَقْنَا إِلَى نَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نارًا، فَإِذَا ارْتَفَعَتِ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا، وَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ». وَفِيهَا: «حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ، وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ في فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ». وَفِيهَا: «فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ». وفِيهَا: «الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ: فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وَفيهَا: «الَّذِي رَأيْتَهُ يُشْدَخُ رَْأسُهُ: فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللّهُ الْقُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهارِ، فَيُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ: دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ: فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قَالا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالا: إنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَهُ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- ذات غداة: أي صبح يوم.
- يَثْلَغُ رَأْسَهُ: يَشْدَخُهُ وَيَشُقُّهُ.
- يَتَدَهْدَه: أَيْ يَتَدَحْرَجُ.
- حتى يصبح رأسه كما كان: أي حتى يرجع صحيحًا، كما كان قبل.
- أن يشدخ شدقه: جانب فمه.
- الْكَلُّوبُ: كلُّ ما وثِّق به شيءٌ، كالحبْل، ومن الحديدة.
- فَيُشَرْشِرُ: يُقَطِّعُ.
- التنور: ما يخبز فيه، ويكون حفيرة في الأرض، أو على وجه الأرض.
- ضَوْضَوْا: صَاحُوا.
- نور الربيع: زهره.
- المحض: الخالص.
- جنة عدن: من عدن بالمكان إذا أقام، أي جنة خالدة وباقية.
- فذراني: اتركاني.
- يأخذ القرآن: يحفظه.
- فيرفضه: يهمل تعهده بالمذاكرة فينساه.
- الآفاق: النواحي والجهات.
- تجاوز اللّه عنهم: غفر لهم وعفا عنهم.
- نقب: خرق.
فوائد الحديث
- الترهيب من نسيان القرآن بعد حفظه، والتحذير من ترك العمل به.
- الوعيد الشديد لمن يتكاسل عن الصلاة المفروضة، والترهيب من الكذب وبيان عذابه الشديد، والتحذير من الزنا وأكل الربا.
- بيان مكانة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وبيان فضل الشهداء ومنزلتهم عند اللّه تعالى.
- بيان أنّ العذاب في النار والنعيم في الجنة حق لا ريب فيه.
- أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شاهد أكثر أمور الآخرة.
1547
باب الحثّ على التثبت فيما يقوله ويحكيه
عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- التثبت من الأخبار، وعدم تصديق كل ما يقال.
- الزجر عن التحدث بكل ما يسمع المرء، فإنّه يسمع الصدق والكذب.
- النهي عن نقل الكلام بنية الإفساد.
1548
باب الحثّ على التثبت فيما يقوله ويحكيه
عَنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- التثبت من الأحاديث المروية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والتأكد من صحتها قبل روايتها.
- إن صفة الكذاب تطلق على كل من اخترع الكذب وعلى من قام بنقله ونشره بين الناس.
1549
باب الحثّ على التثبت فيما يقوله ويحكيه
عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَي زُورٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- ضرة: امرأة الزوج.
- جناح: إثم.
- الْمُتَشَبِّعُ: هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الشَّبَعَ وَلَيْسَ بِشَبْعَانَ، وَمَعْنَاهُ هُنَا: أَنَّهُ يُظْهِرُ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ فَضِيلَةٌ وَلَيْسَتْ حَاصِلَةً.
- لاَبِسُ ثَوْبَيْ زُورٍ: أَيْ يُزَوِّرُ عَلَى النَّاسِ بِأَنْ يَتَزَيَّى بِزِيِّ أَهْلِ الزُّهْدِ أَوِ الْعِلْمِ لِيَغْتَرَّ بِهِ النَّاسُ، وَلَيْسَ هُوَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ.
فوائد الحديث
- أنّ تظاهر الإنسان بما ليس فيه يجعله من الكذابين والمزورين.
- على المسلم أن يلتزم بحقيقة أمره من غير تدليس أو تزوير أو تغيير لمعالم شخصيته وما يتظاهر به بعض الناس في ما هم فيه هو من الكذب والزور.
1550
باب بيان غلظ تحريم شهادة الزور
عن أبي بكْرةَ رضي اللَّه عَنْهُ قال: قالَ رسولُ اللَّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «ألا أُنبِّئكُم بأكبر الكَبائِر؟» قُلنَا: بَلَى يا رسول اللَّهِ، قَالَ: «الإشراكُ باللَّه، وعُقُوقُ الوالِديْنِ» وكان مُتَّكِئًا فَجلَس، فقال: «ألا وقَوْلُ الزُّورِ، وشهادةُ الزورِ»
فما زال يُكَرِّرُهَا حتى قلنا: لَيْتَهُ سكَت. متفق عليه
مفردات الحديث
- أنبئكم: أخبركم وأعلمكم.
- الإشراك باللّه: وهو نوعانِ أحدهما: أن يجعَلَ للّهِ نِدًّا ويعبُدَ غَيرَه مِن حَجَرٍ أو شجَرٍ أو غيرِ ذلك، والثاني: وهو الشِّركُ الخَفِيُّ، الرِّياءُ، وهو: ما يتسرَّبُ إلى أعمالِ القُلوبِ وخفايا النُّفوسِ
- عقوق الوالدين: إيذاؤهما وعدم طاعتهما.
فوائد الحديث
- التحذير الشديد من قول الزور وشهادة الزور، وعظيم خطرها على الأمة، وشدة عذاب صاحبها يوم القيامة.
- أنّ أبغض الذنوب إلى اللّه تعالى الإشراك باللّه، ثم عقوق الوالدين، ثم قول الزور وشهادة الزور، وفي إدراجها مع الإشراك باللّه ما يدل على مدى ما فيها من قبح وتنفير، لما يترتب عليها من مفاسد وأضرار جسيمة في المجتمع.
1551
باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة
عن أبي زيْدٍ ثابتِ بنِ الضَّحاكِ الأنصاريِّ رضي اللَّه عنهُ، وهو من أهْل بيْعةِ الرِّضوانِ قال: قَالَ رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «من حَلَف عَلى يمِينٍ بِملَّةٍ غيْرِ الإسْلامِ كاذبًا مُتَعَمِّدًا، فهُو كما قَالَ، ومنْ قَتَل نَفسهُ بشيءٍ، عُذِّب بِهِ يوْم القِيامةِ، وَليْس على رجُلٍ نَذْرٌ فِيما لا يَملِكهُ، ولعنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لعنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ: أي كَقَتْلِه في التَّحريمِ، أو في العِقاب.
- كما قال: أي: فَهوَ كائِنٌ كَما قالَ، مِثلَ أنْ يَقولَ: هوَ يَهودِيٌّ أو نَصرانِيٌّ إن كانَ فَعَلَ كَذا.
فوائد الحديث
- أنّ لعن المؤمن من الكبائر.
- من لعن مؤمِنا فهو كقَتْلِه في التَّحريمِ، أو في العِقابِ، أو في الإبْعادِ، لأنَّ اللَّعنَ إبْعادٌ عن رحمة اللَّه، والقتل إبعاد عن الحياة.
1552
باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة
عنْ أبي هُريْرةَ رضي اللَّه عنهُ أنَّ رسُول اللَّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا ينْبغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يكُونَ لَعَّانًا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- اللّعنة: هي الدُّعاءُ بالإِبعادِ مِن رَحمةِ اللّهِ.
- صِدِّيق: أي مُبالغ في الصِّدقِ، وهي صِفةٌ تاليةٌ للنُّبوَّةِ.
فوائد الحديث
- أنّ كثرة اللّعن تتنافى مع كمال التصديق والإيمان.
- المُؤمن الصدّيق يَكونُ مِن أحرصِ النَّاسِ على أنْ يَتمسَّكَ النَّاسُ بِالإِسلامِ وبِتَقوى اللّهِ حتَّى يَقترِبوا مِن رَحمتِه، فصُدورُ اللَّعنةِ مِنه يُنافي ما هوَ عَليه.
1553
باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة
عنْ أبي الدَّردَاءِ رضي اللَّه عَنْهُ قال: قالَ رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا يكُونُ اللَّعَّانُون شُفعَاءَ، ولا شُهَدَاءَ يوْمَ القِيامَةِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- شُفعاءَ: حينَ يَشفَعُ الصَّالحونَ لإِخوانِهمُ المؤمنينَ مِن أهلِ المَعاصي والذُّنوبِ.
- وَلا شُهداءَ: أي لا تُؤخَذُ مِنهمُ الشَّهادةُ عَلى الأُممِ بتَبليغِ رُسلِهم يَومَ القيامَةِ.
فوائد الحديث
- أنّ من يعتاد لعن الناس في الدنيا فاسق، لا تقبل شهادته ولا شفاعته يوم القيامة.
- أنّ من عدالة المؤمن ألّا يكون لعانًا.
1554
باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة
عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَلاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللّهِ، وَلا بِغَضَبِهِ، وَلا بِالنَّارِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالا: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- لا تلاعنوا: أي لا يلعن بعضكم بعضًا.
فوائد الحديث
- النهي عن الدعاء بلعنة اللّه أو غضبه أو النار، لعظم شأن ذلك كله.
- اللعن يقطع أواصر الأخوة الإسلامية بين المسلمين.
1555
باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة
عن ابن مسعودٍ رضي اللَّه عنهُ قال: قال رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَيْس المؤمِنُ بِالطَّعَّانِ، ولا اللَّعَّانِ ولا الفَاحِشِ، ولا البذِيِّ»
رواه الترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- ليس المؤمن: أي الكامل الإيمان.
- بالطعان: الذي يقع في أعراض الناس بالذم والغيبة.
- اللعان: كثير اللعن.
- الفاحش: ذو الفحش في كلامه وفعله، يشتم الناس ويطعن في أنسابهم.
- البذي: السفيه الفاحش في منطقه، وإن كان كلامه صدقًا.
1556
باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا، صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُّمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَإِلّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- مساغًا: أي مدخلًا وطريقًا.
فوائد الحديث
- أنّ اللّعن إن لم يوجه إلى أصحاب المعاصي غير المعينين من المسلمين فإن ضرره يعود على قائله.
- التَّحذيرُ منَ اللَّعنِ، وبيانُ خُطورتِه.
1557
باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ، فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ»
قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- ضجرت: أي اغتمت تلك المرأة من معالجة الناقة وصعوبتها.
- خذوا ما عليها: أي من الرحل والأمتعة.
فوائد الحديث
- الزجر عن اللّعن حتى على الحيوانات.
- الصبر على الحيوان والإحسان في معاملته.
1558
باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: بينما جاريةٌ على ناقَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ الْقَوْمِ، إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَضَايَقَ بِهِمُ الْجَبَلُ، فَقَالَتْ: حَلْ، اللَّهُمَّ الْعَنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- جارية: امرأة شابة.
- حَلْ: هي كلِمةٌ لزَجْرِ الإبلِ.
فوائد الحديث
- أَنَّ الْمُرَاد بالنَّهْي هو أَنْ لا تُصَاحِبَهُمْ تِلْكَ النَّاقَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِهَا وَذَبْحِهَا وَرُكُوبِهَا فِي غَيْرِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- التحذير من اللّعن وتجنب مصاحبة المبتدعين والفاسقين، لأنهم محل اللعنات.
- ليس في الحديث ما يدل على تسييب الناقة، لأنّه لا سائبة في الإسلام، وقد أوضح النووي رحمه اللّه تعالى ذلك.
1559
باب تحريم سب المسلم بغير حق
عنِ ابنِ مَسعودٍ رضي اللَّهُ عَنهُ قال: قال رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «سِباب المُسْلِمِ فُسوقٌ، وقِتَالُهُ كُفْرٌ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- سباب المسلم: أي شتمه والتكلم في عرضه بما يعيبه.
- فسوق: خروج عن طاعة اللّه تعالى.
- قتاله كفر: أي قتله كالكفر في الإثم والتحريم، ويجوز أن يراد من المقاتلة المشادة والمدافعة.
فوائد الحديث
- الزجر من لعن المسلم وقتاله، لما في ذلك من كفران النعمة وعدم أداء حق أخوة الإيمان.
1560
باب تحريم سب المسلم بغير حق
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفِسْقِ أَوِ الْكُفْرِ إِلّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- ارتدت: رجعت.
فوائد الحديث
- قال العلماء: فيه تفسيق من رمى غير الفاسق بالفسق، أي خروجه عن الطاعة، ويحتمل صيرورته فاسقًا بذلك إن أصرّ عليه.
- تكفير من رمى المؤمن بالكفر، أي إن قصد به ظاهره واستحل ذلك.
1561
باب تحريم سب المسلم بغير حق
عنْ أبي هُرَيرةَ رضي اللَّهُ عنْهُ أنَّ رسُولَ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «المُتَسابانِ مَا قَالا فَعَلى البَادِي مِنْهُما حتَّى يَعْتَدِيَ المظلُومُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- المتسابان: اللذان يسب كل منهما الآخر.
- ما قالا: أي إثم ما قالا من السبّ.
- يعتدي المظلوم: أي يتجاوز حد الانتصار.
فوائد الحديث
- أن إثم السباب الواقع بينهما يختص بالبادي منهما كله، إلّا أن يجاوز الثاني قدر الانتصار، فيؤذي الظالم بأكثر مما قاله.
- جواز الانتصار، ولكن الصبر والعفو أفضل.
1562
باب تحريم سب المسلم بغير حق
عنْ أبي هُرَيرةَ رضي اللَّهُ عنْهُ قالَ: أُتيَ النبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِرجُلٍ قَدْ شَرِب قالَ: «اضربُوهُ» قال أبو هُرَيْرَة: فَمِنَّا الضَّاربُ بِيدِهِ، والضَّاربُ بِنعْلِه، والضَّارِبُ بثوبهِ، فلَمَّا انصَرفَ، قال بعض القَوم: أخزاكَ اللَّه، قال: «لا تقُولُوا هذا، لا تُعِينُوا عليهِ الشَّيطَانَ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- قد شرب: أي الخمر.
- أخزاك اللّه: أهانك اللّه وأذلك.
فوائد الحديث
- عدم الدعاء على العاصيين بما يساعد عليهم الشيطان.
- الحدود في الإسلام للتأديب لا للتعذيب.
1563
باب تحريم سب المسلم بغير حق
عنْ أبي هُرَيرةَ رضي اللَّهُ عنْهُ قالَ: سمِعْتُ رسُول اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «من قَذَف ممْلُوكَهُ بِالزِّنا يُقامُ عليهِ الحَدُّ يومَ القِيامَةِ، إلّا أنْ يَكُونَ كما قالَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- قذف: رمى.
- الحدّ: العقوبة المحددة في الشرع للقاذف وهو الذي يتهم غيره بالزنى.
فوائد الحديث
- أنّ ظلم العبيد والخدم، ولو بالكلام، يجلب عذاب اللّه للظالم يوم القيامة، إظهارًا لكمال عدل اللّه تعالى.
1564
باب تحريم سب الأموات بغير حق ومصلحة شرعية
عن عائِشةَ رضي اللَّه عنها قالتْ: قال رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَسُبُّوا الأمواتَ، فَإنَّهُمْ قد أفْضَوْا إلى ما قَدَّموا»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أفضوا: أي وصلوا.
- ما قدموا: أي ما عملوا من خير أو شر.
فوائد الحديث
- النهي عن سبّ أموات المسلمين، أما أموات الكفار فيجوز سبهم عمومًا، وأما المعين منهم فلا يجوز سبّه، لاحتمال أنّه مات مسلمًا، إلّا أن يكون ممّن نصّ الشارع على موته كافرًا كأبي لهب وأبي جهل.
1565
باب النهي عن الإيذاء
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمرو بن العاص رضي اللَّهُ عنْهُمَا قالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «المُسْلِمُ منْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ويدِهِ، والمُهَاجِرُ منْ هَجَر ما نَهَى اللَّه عنْهُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ويده: تشمل اليد الحقيقية، واليد المعنوية وهي السلطة.
- من هجر: أي ترك المعاصي، امتثالًا لأمر اللّه تعالى.
فوائد الحديث
- الابتعاد عن كل ما يلحق الضرر بالمسلمين.
- من كمال الإسلام تطهير النفس من الآثام، ومن كمال الهجرة هجر المعاصي والتحلي بالطاعة.
1566
باب النهي عن الإيذاء
عنْ عبدِ اللَّه بنِ عَمرو بن العاص رضي اللَّهُ عنْهُمَا قالَ: قال رسولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ أحبَّ أن يُزَحْزحَ عن النَّارِ، ويُدْخَل الجنَّةَ، فلتَأتِهِ منِيَّتُهُ وهُوَ يُؤمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأتِ إلى النَّاسِ الذي يُحِبُّ أنْ يُؤْتَى إليْهِ»
رواه مسلم. وهُو بعْضُ حَديثٍ طويلٍ سبقَ في باب طاعةِ وُلاةِ الأمُورِ
مفردات الحديث
- يزحزح: يبعد.
فوائد الحديث
- الأمر بالمداومة والثبات على الإيمان وصالح الأعمال، حتى يأتي الموت.
- دعوة المسلم إلى معاملة الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به.
1567
باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر
عنْ أنسٍ رضي اللَّهُ عَنهُ أنَّ النبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا تَباغَضُوا، ولا تحاسدُوا، ولا تَدابَرُوا، ولا تَقَاطعُوا، وَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخوانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يهْجُرَ أخَاه فَوقَ ثلاثٍ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا تباغضوا: أي لا تفعلوا ما يؤدي إلى البغض بالقلوب.
- لا تحاسدوا: لا يتمن بعضكم زوال نعمة أخيه.
- لا تدابروا: التدابر يكون بالأجساد أي يولي الرجل أخاه إذا لقيه ظهره، إعراضًا عنه.
- لا تقاطعوا: التقاطع ترك التواصل المؤدي إلى البغضاء والنفرة.
- أن يهجر: أن يترك.
فوائد الحديث
- النهي عن هذه الأمور التي تؤدي إلى الفرقة والشتات والضعف بين المسلمين.
- تحريم هجر المسلم بترك السلام عليه والإعراض عنه أكثر من ثلاثة أيام.
1568
باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمْيِسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللّهِ شَيْئًا، إِلّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْن»
وَذَكَرَ نَحْوَهُ
مفردات الحديث
- شحناء: عداوة وبغضاء.
- أنظروا: أخروا، وفي رواية "اتركوا" وهما بمعنى واحد.
فوائد الحديث
- النهي عن التقاطع لغير سبب يسمح به الشرع.
- بيان أن عداوة المسلم ومقاطعته تمنع من دخول الجنّة مع أول الداخلين في الآخرة.
1569
باب تحريم الحسد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإنَّ الْحَسَدَ يَأكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» أَوْ قَالَ «العُشْبَ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- إياكم والحسد: أي احذروا الحسد، وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها سواء كانت نعمة دين أو دنيا.
- يأكل الحسنات: يذهبها.
فوائد الحديث
- النهي عن الحسد، وهو من الكبائر، لأنّه يذهب الحسنات ويبطلها بسرعة، كما تقضي النار على الحطب والعشب اليابس.
1570
باب النهي عن التجسس والتسمّع لكلام من يكره استماعه
عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيًاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلا تحَسَّسُوا، وَلا تَجسَّسُوا، وَلا تَنَافَسُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَروُا، وَكُونُوا عِبَادَ اللّهِ إِخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمْ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا، التَّقْوَى هَهُنَا، التَّقْوَى هَهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ «بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ، إِنَّ اللّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ وَأعْمَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ«. وَفِي رِوَايَةٍ: «لا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللّهِ إخْوَانًا«. وَفِي رِوَايةٍ: «لا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللّهِ إخْوانًا«. وَفِي رِوَايةٍ: «وَلا تَهَاجَرُوا، وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ«. رَوَاهُ مُسْلِمٌ: بِكُلِّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَكْثَرَهَا.
مفردات الحديث
- إياكم والظنّ: أي احذروا الظنّ، أي التهمة التي لا سبب لها، مثل ما يقع في القلب من غير دليل.
- ولا تحسسوا: والتحسس تتبع العيوب والعورات.
- ولا تنافسوا: أي لا ترغبوا في الانفراد بحق غيركم وتتزاحموا في تحصيله.
- ولا يخذله: أي يترك نصرته وإعانته.
- ولا يحقره: أي يهينه ويهمل شأنه.
- بحسب: كافي.
- ولا تهاجروا: أي لا يهجر بعضكم بعضًا.
- ولا تناجشوا: النجش هو الزيادة في السلعة لا بقصد الشراء، وإنما ليغرّ غيره ويخدعه، وهو من أسباب البغضاء.
فوائد الحديث
- الأمر بصون عرض المسلم، وعدم الخوض فيه بالظن أو تتبع عوراته.
- الحفاظ على الأخوة الإسلامية، ومراعاة آثارها العملية، وهي: عدم الظلم وعدم الخذلان وعدم الاحتقار والاستكبار، وحرمة الدم والمال والعرض.
- تحريم المزاودة في السلعة بقصد الإضرار.
- تحريم البيع على البيع لما يؤدي إليه من التنافر والتباغض.
1571
باب النهي عن التجسس والتسمّع لكلام من يكره استماعه
عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمينَ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ»
حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- العَوْراتُ: هي مَواضِعُ الخَلَلِ في النَّاسِ ومواطِنُ القبْحِ.
فوائد الحديث
- الأمر بصون عرض المسلم، وعدم الخوض فيه بالظن.
- الحفاظ على الأخوة الإسلامية، بعدم تتبع عورات المسلمين.
1572
باب النهي عن التجسس والتسمّع لكلام من يكره استماعه
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا فُلانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ نُهِيْنَا عَنِ التَّجَسُّسِ، وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذ بِهِ. حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
فوائد الحديث
- حرص الصحابة على الالتزام بأوامر الإسلام ونواهيه.
- عدم إقامة الحد بالشبهة والتأكد قبل إقامته من وقوع موجبه.
1573
باب النهي عن سوء الظنّ بالمسلمين من غير ضرورة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- التحذير من سوء الظنّ، لما فيه من الاتهام الكاذب للمسلمين.
- تجري الأحكام الشرعية والعقوبات على اليقين لا على الظنّ.
1574
باب تحريم احتقار المسلمين
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا بِطُولِهِ
مفردات الحديث
- يحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ: يَستصِغرُ شأنَه ويَضعُ مِن قَدْرِه؛ فَالاحتقارُ نَاشئٌ عَنِ الكبْرِ.
فوائد الحديث
- التنفير من احتقار المسلم لأخيه المسلم لما ينشأ عن ذلك من سوء علاقة وقطيعة.
- على المسلم أن يحترم أخاه المسلم ويشعره بالمحبة والمودة والنصرة له.
1575
باب تحريم احتقار المسلمين
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟ فَقَالَ: «إِنَّ اللّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- بَطَرُ الْحَقِّ: دَفْعُهُ.
- وَغَمْطُهُمُ: احْتِقَارُهُمْ.
فوائد الحديث
- الكبر المذموم من كبائر الذنوب، وقليله يحرم من دخول الجنة، وضابطه أنّه احتقار الناس وعدم الانصياع للحق.
1576
باب تحريم احتقار المسلمين
عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ، لا يَغْفِرُ اللّهُ لِفُلانٍ، فَقَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ لِفُلانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يتألّى: يحلف.
- أحبطت عملك: أي أبطلت ثوابه.
فوائد الحديث
- سعة رحمة اللّه ومغفرته لعباده.
- الترهيب من احتقار أحد من المسلمين.
- عدم الجزم بحكم ممّا يختص اللّه عزّ وجلّ به، لما فيه من سوء الأدب مع اللّه تعالى.
1577
باب النهي عن اظهار الشماتة بالمسلم
عَنْ وَاثِلةَ بنِ الأسْقَعِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللّهُ وَيَبْتَلِيكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي الْبَابِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ السَّابِقُ فِي (بَابُ التَّجَسُّسِ): «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ»
مفردات الْحَدِيث الشماتة: الفرح بمصائب الآخرين
فوائد الحديث
- النهي عن الفرح بمصيبة أخيه المسلم، وعقوبة من يفعل ذلك في الحياة الدنيا.
- المؤمن الحقّ يتألم ممّا يتألم منه أخوه المسلم ويفرح بما يفرح به.
1578
باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع
عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- اثنتان: أي خصلتان.
- هما بهم كفر: أي إن استحلا مع العلم بالتحريم والإجماع عليه، لأنّهما من أعمال الجاهلية.
- النياحة: رفع الصوت بالبكاء.
فوائد الحديث
- تغليظ تحريم النياحة والطعن في النسب حتى جعلا من الكفر.
1579
باب النهي عن الغشّ والخداع
عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا«. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟! » قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: «أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».
مفردات الحديث
- حمل علينا السلاح: كناية عن البغي والخروج على جماعة المسلمين.
- فليس منا: أي ليس على هدينا ومن أهل طريقتنا.
- غشنا: للغش أنواع متعددة، فقد يكون غشًا معنويًا وهو أن تلبس الباطل ثوب الحقّ، وقد يكون غشًا ماديًا كإخفاء العيب في السلعة وخلط الجيد بالرديء، وزيادة السلعة بما ليس منها ليزيد في وزنها.
- صبرة: ما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن كالحبوب.
- أصابته السماء: هطلت عليه المطر.
فوائد الحديث
- تحريم شهر السلاح في وجه المسلم، وتحريم الغشّ في التعامل بين الناس، ويجب على البائع أن يبين للمشتري العيب في السلعة إن كانت معيبة.
- الحاكم مسؤول عن مراقبة الأسواق، ومعاقبة الغشاشين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل.
- تعمّد الغشّ إضرارًا بالمسلمين يجعل مرتكبه من أعداء الأمّة والخارجين عليها.
1580
باب النهي عن الغشّ والخداع
عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا تَنَاجَشُوا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا تناجشوا: النجش: هو الزيادة في السلعة لا بقصد الشراء، وإنما ليغرّ غيره ويخدعه
فوائد الحديث
- تحريم النجش لما فيه من الغشّ والخداع.
- النهي عن كل ما يضر بالمسلم في بيعه وشرائه.
1581
باب النهي عن الغشّ والخداع
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ النَّجَشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- النّجش: هو الزيادة في السلعة لا بقصد الشراء، وإنما ليغرّ غيره ويخدعه
فوائد الحديث
- التحذير من هذا التعامل لِما فيه من التغرير.
1582
باب النهي عن الغشّ والخداع
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ«. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مفردات الحديث
- ذكر رجل: هو حبان بن منقذ.
- يخدع: يغبن.
- الخِلابَة: وَهِيَ الْخَدِِيعَةُ.
فوائد الحديث
- ثبوت الخيار للمشتري وحقّه في ردّ السلعة إذا خدع فيها إذا اشترط ذلك.
1583
باب النهي عن الغشّ والخداع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ
مفردات الحديث
- خَبَّب: أَفْسَدَهُ وَخَدَعَهُ.
فوائد الحديث
- تحريم إفساد النّساء أو الخدم أو إيقاع الشقاق بينهم وبين أزواجهنّ وأسيادهم.
- شأن المؤمن دائمًا قائم على التعاون والتناصر.
1584
باب النهي عن الغشّ والخداع
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أرْبعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- منافقًا: النفاق هو: مخالفة الظاهر للباطن، هو قسمان: نفاق اعتقاد: وهو إظهار الإسلام وإضمار الكفر، ونفاق عمل: وهو أن يفعل أفعال المنافقين وهو المراد هنا.
- خصلة: هي الصفة المتأصّلة في النفس.
- فجَر: بالغ في الخصومة.
فوائد الحديث
- أنّ هذه الصفات من حقّها أن تكون قائمة بالمنافق، فينبغي للمؤمن أن يبتعد ويتنزّه عنها.
- النفاق خسّة في الطبع وضرر ينعكس على المجتمع.
1585
باب النهي عن الغشّ والخداع
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عنهُمْ قَالُوا: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَال: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- غادر: من ينقض ما عاهد عليه.
- لواء: راية عظمية.
- غدرة: مصدر مرة من الغدر.
فوائد الحديث
- أنّ للغادر لواء ينشر يوم القيامة زيادة في فضيحته وشناعة أمره، وليعرف غدره في ذلك الملأ العام.
1586
باب النهي عن الغشّ والخداع
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِواءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلا وَلا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- استه: أي دبره، والمراد من ذكر هذا اللفظ الزيادة في تحقيره وازدرائه.
- أمير عامة: صاحب ولاية عامة، والمراد به هنا الرئيس الأول، أو من ينوب عنه في الحكم.
فوائد الحديث
- بيان غلظ تحريم الغدر، ولا سيما من الإمام أو الحاكم، لأنّه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء، ولأنّ غدره يتعدى ضرره إلى المجتمع بكامله.
1587
باب النهي عن الغشّ والخداع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللّهُ تَعَالَى: ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أجْرَهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
مفردات الحديث
- ثلاثة: أي ثلاثة أصناف من المكلفين.
- خصمهم: الخصم المنازع والمغالب.
- أعطى بي: أي أعطى أخاه العهد حال كونه متلبسًا باسمي.
- ثم غدر: أي نقض العهد ولم يف به ذاكرًا مختارًا.
فوائد الحديث
- الحثّ على الوفاء بالعقود، ومنع بيع الحر، وإعطاء الأجير أجره.
- التحذير لهؤلاء الثلاثة وإنذارهم بالعذاب الشديد.
- حرمة الغدر بعباد اللّه وهتك حرمة اسم اللّه تعالى.
- حرمة الاستيلاء على الحرّ مطلقّا سواء باعه وأخذ ثمنه أم لا.
- حرمة الاستخدام بغير عوض، وهذا عين الظلم.
1588
باب النهي عن المنّ بالعطية ونحوها
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ»
يَعْنِي: الْمُسْبِلَ إِزَارَهُ وَثَوْبَهُ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ لِلْخُيَلاَءِ
مفردات الحديث
- لا يكلمهم اللّّه: أي لا يكلمهم، أو لا يكلمهم بما يسرهم.
- ولا ينظر إليهم: نظرة رحمة ومغفرة.
- المسبل: المرخي ثوبه خيلاء.
- المنان: الذي يكفر المن بذكر تعدد نعمه على الناس.
- سلعته: متاعه.
فوائد الحديث
- تحريم المنّ لما فيه من الإيذاء والإذلال للمنعم عليه.
- تحريم إسبال الثياب إن كان للخيلاء، فإن لم يكن للخيلاء فمكروه تنزيهًا.
- تحريم الحلف الكاذب من أجل البيع.
1589
باب النهي عن الافتخار والبغي
عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- أوحى إلي أن تواضعوا: أي أمرني وإياكم بالتواضع والمبالغة فيه.
- يبغي: يستطيل ويبالغ في الظلم والتَّعَدِّي.
فوائد الحديث
- النهي عن الافتخار والبغي، والتحذير من الاغترار بالمال أو الجاه، أو أي شيء من متاع هذه الدنيا الفانية.
- الناس سواسية في الإسلام ولا فرق لأعجمي على عربي إلا بالتقوى.
1590
باب النهي عن الافتخار والبغي
عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إذا قال الرَّجُلُ: هلَكَ النَّاسُ، فهُو أهْلَكُهُمْ» رواه مسلم. وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ: «أَهْلكُهُمْ» بِرفْعِ الْكَافِ، وَرُوِيَ بِنَصْبِهَا ، وَهَذَا النَّهْيُ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ عُجْبًا بِنَفْسِهِ ، وَتَصَاغُرًا لِلنَّاسِ ، وَارْتِفَاعًا عَلَيْهِمْ ، فَهَذَا هُوَ الْحَرَامُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَهُ لِمَا يَرَى فِي النَّاسِ مِنْ نَقْصٍ فِي أَمْرِ دِينِهمْ، وَقَالَهُ تَحَزُّنًا عَلَيْهِمْ، وَعَلَى الدِّينِ فَلا بَأسَ بِهِ. هَكَذَا فَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ وَفَصَّلُوهُ، وَمِمَّنْ قَالَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلامِ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَالْخَطَّابِيُّ، وَالْحُمَيْدِيُّ وَآخَرُونَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِ (الْأَذْكَارِ).
مفردات الحديث
- أهلكهم: أشدهم هلاكًا.
فوائد الحديث
- النهي عن الإعجاب بالنفس وازدراء الآخرين، وعدم الأمن من مكر اللّه تعالى.
- باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك.
1591
باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَقَاطَعُوا، ولا تَدابروا، ولا تباغضُوا، ولا تحاسدُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، ولا يحِلُّ لمُسْلِمٍ أنْ يهْجُرَ أخَاهُ فَوقَ ثَلاثٍ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا تقاطعوا: أي لا تتقاطعوا، والمعنى لا يهجر ويعتزل بعضكم بعضًا.
- ولا تدابروا: لا يدير بعضكم عن بعض إعراضًا عنه وهجرانًا له.
- وكونوا عباد اللّه إخوانًا: أي متواصلين متراحمين، لأنّ ذلك مقتضى الأخوة.
فوائد الحديث
- النهي عن هذه الأمور، لأنّها تتنافى وتتناقض مع الأخوة الإسلامية، ومنها الهجر من غير سبب شرعي.
1592
باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- لا يحل: لا يجوز.
- يهجر أخاه: أي يعتزل أخاه المسلم ويقاطعه دون عذر.
- يعرض هذا: أي يتنحى ويصرف وجهه عنه.
فوائد الحديث
- التعبير في الحديث بالأخوة إشارة واضحة إلى الحثّ على التواصل والتحذير من الهجران والتقاطع.
- خير المتقاطعين الذي يبدأ أخاه بالسلام والكلام ويواصل الأخوة ويزيل أسباب التقاطع.
- تحريم الهجران بين المسلمين أكثر من ثلاثة أيام، والحكمة من تحديد هذه المدة أنّها كافية لإحلال التفكير وإبعاد العاطفة وتناسي الأخطاء ودفن الأحقاد.
- المسلم يتناسى الأحقاد ويسرع إلى الصلح ليفوز بالفضل، والسلام في الإسلام رمز المحبة والإخاء.
1593
باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك
عنْ أبي هُريرةَ رضي اللَّه عنْه قَال: قَال رسُولُ اللَّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «تُعْرضُ الأعْمالُ في كُلِّ اثنين وخَميس، فيغفِر اللَّه لِكُلِّ امْرئ لا يُشْرِك بِاللّه شَيْئًا، إلا امْرءًا كَانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيقُولُ: اتْرُكُوا هذَينِ حتَّى يصْطلِحا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- شحناء: عداوة وبغضاء بسبب أمر دنيوي.
فوائد الحديث
- أنّ الشحناء سبب في عدم حصول المغفرة للمتخاصمين حتى يصلحا ما بينهما من عداوة ونفور.
1594
باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- يئس: من اليأس وفي نسخة "أيس".
- المصلون: المقصود المسلمون.
- التَّحْرِيشُ: الْإِفْسَادُ وَتَغيِيرُ قُلُوبِهِمْ وَتَقَاطُعُهُمْ.
فوائد الحديث
- أنّ الصلاة في الإسلام تحفظ المودة بين المسلمين، وتقوي روابط الأخوة بينهم.
- أنّ الشيطان يعمد إلى إيقاع الخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها بين المسلمين، ولذلك يجب على المسلم أن يجاهد نفسه ويحملها على الابتعاد عن ذلك واللجوء إلى اللّه والاستعاذة به.
- هذا الحديث من معجزات النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنّه أخبر عن مغيب فكان كما أخبر.
1595
باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ«. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
مفردات الحديث
- فوق ثلاث: أي ثلاث ليال مع أيامها، يلتقيان خلالها، فلا يسلم أحدهما على صاحبه ولا يكلمه.
فوائد الحديث
- أنّ من هجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال ومات وهو مصر على الهجر والقطيعة، دخل النار ليعذبه اللّه فيها مع عصاة الموحدين.
1596
باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك
عَنْ أَبِي خِرَاشٍ حَدْرَدِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ، وَيُقَالُ: السُّلَمِيُّ الصَّحَابِيُّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
مفردات الحديث
- كسفك دمه: أي فكأنّما أراق دمه عدوانًا.
فوائد الحديث
- الترهيب من الهجران والمقاطعة، لأنّها قتل معنوي لا يقل سوءًا عن القتل المادي المحسوس.
1597
باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلاثٍ، فَإنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاثٌ فَلْيَلْقَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ، وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنَ الهِجْرَةِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
مفردات الحديث
- قَالَ أَبُو دَاوُودَ: إِذَا كَانَتْ الْهِجْرَةُ للّهِ تَعَالَى فَليْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ.
- باء بالإثم: رجع بالذنب والسيئات.
- المُسَلِّم: بضم الميم وتشديد اللام، اسم فاعل أي البادئ بالسلام.
فوائد الحديث
- النهي تحريمًا عن هجر المؤمن بغير سبب شرعي فوق ثلاثة أيام، أما هجران الوالد لولده أو الزوج لزوجته لنشوزها، فلا يضيق عليهما فيجوز أكثر من ثلاث بغرض التأديب فلا بأس بذلك.
- الوعيد في الحديث لا يتناول من هجر مؤمنًا للّه بأن أرتكب المهجور بدعة سيئة، أو جاهر بمعصية، بل الهجران في هذه الحالة مندوب إليه.
1598
باب النّهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إلّا لحاجة وهو أن يتحدثا سرًا بحيث لا يسمعهما وفي معناه ما إذا تحدثا بلسان لا يفهمه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانُوا ثَلاثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَزاد: قَالَ أَبُو صَالِحٍ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: فَأرْبَعَةً؟ قَالَ: (لا يَضُرُّكَ). وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ»: عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بْنِ عُقْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ، وَلَيْسَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي، فَدَعَا ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً، فَقَالَ لِي وَلِلرَّجُلِ الثَّالِثِ الَّذِي دَعَا: اسْتَأْخِرَا شَيْئًا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِد«.
مفردات الحديث
- فلا يتناجى: الجملة خبر لفظًا نهي معنى، أي: لا يتكلما سرًا.
- استأخرا شيئًا: أي تأخرا بعض التأخر، وذلك ليبلغ المناجي مراده.
فوائد الحديث
- شمول الإسلام بتوجيهاته وتنظيماته كل جوانب الحياة، وفي هذا الحديث يعلمنا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم آداب المجلس.
- النهي عن تناجي اثنين دون الثالث أو تناجي ثلاثة دون الرابع وهذا إذا كان التناجي في الخير، أما التناجي في الشر فحرام وإن لم يكن معهما ثالث، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ [سورة المجادلة: ٩].
- الحكمة من هذا الأدب العظيم أن ترك الواحد بعيدًا عن سماع الكلام أو فهمه يحزنه ويظهر الشك فيه، أما إن كان معه غيره، فلا إثم عليه، لا محذور من التناجي.
1599
باب النّهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إلّا لحاجة وهو أن يتحدثا سرًا بحيث لا يسمعهما وفي معناه ما إذا تحدثا بلسان لا يفهمه
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حتى تختلطوا: أي حتى يختلط الثلاثة بالناس.
فوائد الحديث
- النهي على سبيل التحريم عن تناجي اثنين دون الثالث، أن ذلك يحزنه ويؤذيه.
1600
باب النّهي عن تعذيب العبْد والدّابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب
عنِ ابنِ عُمر رضي اللَّه عنْهُما أنّْ رسول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «عُذِّبتِ امْرَأةٌ في هِرَّةٍ حبستها حَتَّى ماتَتْ، فَدَخلَتْ فِيهَا النَّارَ، لا هِيَ أطْعمتْهَا وسقَتْها، إذ هي حبَستْهَا ولا هِي تَرَكتْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرض»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- خَشَاشُ الأرْضِ: وهي هَوامُّها وحشَراتُها.
فوائد الحديث
- الحثّ على الرفق بالحيوان، وتحريم حبسه مع إجاعته.
- جواز إمساك ما يقتنى من الحيوان بشرط القيام بكفايته.
- ظاهر الحديث أن المرأة كانت مسلمة وعذبت في النار بسبب حبسها للهرة ولا يعني ذلك خلودها في النار.
- إذا كان هذا الوعيد في الحيوانات، فكيف يكون الإثم بالإنسان المعصوم، ممن ولّاهم اللّه إيَّاهم: من زوجةٍ، وولدٍ، وخادمٍ، وغيرهم.
1601
باب النّهي عن تعذيب العبْد والدّابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب
عنِ ابنِ عُمر رضي اللَّه عنْهُما أنَّهُ مرَّ بفِتْيَانٍ مِنْ قُريْشٍ قَدْ نصبُوا طَيْرًا وهُمْ يرْمُونَهُ وقَدْ جعلُوا لِصاحبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رأوُا ابنَ عُمرَ تفَرَّقُوا فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: منْ فَعَلَ هذا؟ لَعنَ اللَّه مَن فَعلَ هذا، إنَّ رسُولَ اللَّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لَعَنَ من اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرضًا. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- نصبوا طيرًا: أي جعلوه هدفًا وغرضًا.
- كل خاطئة: كل نبلة لم تصب الرمي.
- الغرَض: هُو الهَدفُ، والشَّيءُ الَّذي يُرْمَى إلَيهِ.
فوائد الحديث
- النهي تحريمًا عن اتخاذ كل ذي روح هدفًا، لما فيه من تعذيب الحيوان من غير سبب شرعي يقتضيه.
- أن ذلك من الكبائر، لما فيه من لعن فاعل ذلك.
- حفظ الإسلام لحقوق الحيوان وتحريم تعذيبه وقتله.
1602
باب النّهي عن تعذيب العبْد والدّابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب
عَنْ أنَسٍ رضي اللَّه عنْهُ قَال: نَهَى رسُولُ اللَّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أنَّ تُصْبَرَ الْبَهَائمُ. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- تُصْبَر: أي تُحْبسَ للْقَتْلِ.
فوائد الحديث
- النهي عن قتل الحيوان صبرًا، قال العلماء: هو أن يمسك الحي ثم يرمى بشيء حتى يموت، أو كمن يطلق كلاب الصيد على غزال مُقَيَّد.
1603
باب النّهي عن تعذيب العبْد والدّابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب
عَنْ أبي عَليٍّ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ رضي اللَّهُ عنْهُ، قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُني سابِعَ سبْعَةٍ مِنْ بني مُقرِّنٍ مَا لنَا خَادِمٌ إلّا واحِدةٌ لَطمها أصْغرُنَا فأمَرنَا رسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أنْ نُعْتِقَها.
رواه مسلم. وفي روايةٍ: «سابِع إخْوةٍ لي.«
مفردات الحديث
- سابع سبعة: أي أحد سبعة: وهم سبعة إخوة كلهم صحابة مهاجرون لم يشاركهم أحد في مجموع ذلك.
- لطمها: ضربها ببطن كفه.
فوائد الحديث
- غلظ تعذيب المملوك والاعتداء عليه، وندب إعتاقه، ليكون كفارة عن ضربه أو تعذيبه.
- أمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بإعتاقها ليكون إعتاقها كفارة للطمها.
1604
باب النّهي عن تعذيب العبْد والدّابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب
عنْ أبي مَسْعُودٍ البدْرِيِّ رضِيَ اللَّه عنْهُ قَال: كُنْتُ أضْرِبُ غلامًا لي بالسَّوطِ، فَسمِعْتُ صوتًا مِنْ خَلفي: «اعلَمْ أبا مَسْعُودٍ» فَلَمْ أفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضب، فَلَمَّا دنَا مِنِّي إذا هُو رسُولُ اللَّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَإذا هُو يَقُولُ: «اعلَمْ أبا مسْعُودٍ أنَّ اللَّه أقْدرُ علَيْكَ مِنْكَ عَلى هذا الغُلامِ» فَقُلْتُ: لا أضْربُ مملُوكًا بعْدَهُ أبدًا. وفي روَايةٍ: فَسَقَطَ السَّوْطُ مِنْ يدِي مِنْ هيْبتِهِ. وفي روايةٍ: فقُلْتُ: يَا رسُول اللَّه هُو حُرٌّ لِوجْهِ اللَّه تعالى فَقَال: «أمَا لوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أوْ لمَسَّتكَ النَّارُ»
رواه مسلم. بهذِهِ الرواياتِ
مفردات الحديث
- فلم أفهم الصوت: أي لم أفهم ما اشتمل عليه من الكلام.
- دنا: قرب.
- للفحتك النار: أحرقتك.
فوائد الحديث
- الرفق بالمماليك والخدم إذا لم يذنبوا، أما إذا أذنبوا فقد رخص الإسلام في تأديبهم بقدر إثمهم.
- هيبة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في نفوس أصحابه وإسراعهم إلى الالتزام بإرشاداته وتوجيهاته.
1605
باب النّهي عن تعذيب العبْد والدّابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب
عنِ ابْنِ عُمر رضي اللَّه عنْهُمَا أنَّ النبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «منْ ضرب غُلامًا له حَدًا لم يأتِهِ، أو لَطَمَهُ، فإن كَفَّارتَهُ أن يُعْتِقَهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- حدًا: أي العقوبة المقدرة في الشرع.
- لم يأته: أي لم يفعل ما يقتضي ذلك الحد.
- كفارته: أي مكفر إثم ذلك عنه.
فوائد الحديث
- من ضرب غلامًا مملوكًا له بلا ذنب يستحق معه العقوبة ولم يفعل الغلام ما يُوجب حَدَّه فإن كفَّارة تلك المعصية أن يُعْتِقَه.
1606
باب النّهي عن تعذيب العبْد والدّابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب
عن هِشَام بن حكيم بن حزامٍ رضي اللّهُ عنْهُما أنَّهُ مرَّ بالشَّامِ على أنَاسٍ مِنَ الأنباطِ، وقدْ أُقِيمُوا في الشَّمْس، وصُبَّ على رُؤُوسِهِم الزَّيْتُ، فَقَال: ما هَذا؟ قًيل: يُعَذَّبُونَ في الخَراجِ، وَفي رِوايةٍ: حُبِسُوا في الجِزيةِ. فَقَال هِشَامٌ: أشْهَدُ لسمِعْتُ رسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «إنّ اللّه يُعذِّبُ الذِينَ يُعذِّبُونَ النَّاس في الدُّنْيا»
فَدَخَل على الأمِيرِ، فحدَّثَهُ، فَأمر بِهم فخُلُّوا. رواه مسلم
مفردات الحديث
- الأنبَاطُ :الفلاَّحُونَ مِنَ العجمِ.
- يعذبون في الخراج: أي من أجله وبسببه، والخراج: الضريبة الموضوعة على ما يخرج من الأرض.
- فخلوا: أي تركوا من العذاب.
فوائد الحديث
- الترهيب من تعذيب الضعفاء والمساكين بغير حقّ.
- تمسك أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحذير الظالمين من الظلم.
1607
باب النّهي عن تعذيب العبْد والدّابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب
عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي اللّه عَنْهُما قَال: رأى رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حِمارًا مَوْسُومَ الوجْهِ، فأَنْكَر ذلكَ؟ فَقَال:« وَاللّهِ لا أسِمُهُ إلا أقْصى شَيءٍ مِنَ الوجْهِ، وَأمرَ بِحِمَارِهِ، فَكُوِيَ في جاعِرتَيْهِ، فهو أوَّلُ مَنْ كوى الجَاعِرتَيْنِ.»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- موسوم الوجه: أي مكوي الوجه لتعليمه وتمييزه عن غيره.
- الجاعِرتَان: نَاحِيتَا الوركَيْن حوْل الدُّبُر.
فوائد الحديث
- النهي عن وسم الحيوان في وجهه.
- وسم الحيوانات بالكي في الأذن أو في الفخذ لا بأس به والمحرم وسمه في الوجه.
- فضل ابن عباس رضي اللّه عنهما وطاعته لنهي النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن وسم وجه الحيوان.
1608
باب النّهي عن تعذيب العبْد والدّابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب
عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي اللّه عَنْهُما أنَّ النبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: مَرَّ علَيهِ حِمَارٌ قد وُسِم في وجْهِه فقَال:« لعن اللّه الَّذي وسمهُ» رواه مسلم. وفي رواية لمسلم أيضًا: نَهى رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عن الضَّرْبِ في الوجهِ، وعنِ الوسْمِ في الوجهِ.
فوائد الحديث
- النهي عن الوسم في الوجه، وعن الضرب في الوجه، لأن الوجه لطيف يجمع المحاسن والحواس، ووسمه أو ضربه يؤدي إلى تعطيل الحواس وتشويه الوجه.
- النهي عن الضرب عام يشمل اجتناب ضرب وجه الإنسان من ولد وخادم وزوجة للتأديب، وكذلك الوشم لأنّ تأثيره أشد.
1609
باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حتى النملة ونحوها
عنْ أبي هُريْرة رضي اللَّه عنْهُ قَال: بعثنا رسُولُ اللَّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في بعثٍ فَقال: «إن وجدْتُم فُلانًا وفُلانًا» لِرجُلَيْنِ مِنْ قُريش سمَّاهُمَا «فأحْرِقُوهُمَا بالنَّارِ» ثُمَّ قَال رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حِينَ أردْنا الخُرُوج: «إنِّي كُنْتُ أمرْتُكمْ أن تُحْرقُوا فُلانًا وفُلانًا، وإنَّ النَّار لا يُعَذبُ بِهَا إلّا اللَّه، فَإنْ وجَدْتُموهُما فَاقْتُلُوهُما»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- في بعث: أي في جيش مبعوث به.
فوائد الحديث
- النهي عن الإحراق بالنار، والاكتفاء بالقتل كأقصى درجات التأديب والعقوبة حتى للأعداء.
1610
باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حتى النملة ونحوها
عنِ ابنِ مسْعُودٍ رضي اللَّه عنْهُ قَال: كُنَّا مع رسُولِ اللَّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في سفَر، فَانْطَلَقَ لحَاجتِهِ، فَرأيْنَا حُمَّرةً معَهَا فَرْخَانِ، فَأَخذْنَا فَرْخيْها، فَجَاءتْ الحُمَّرةُ تَعْرِشُ فجاءَ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: «منْ فَجع هذِهِ بِولَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدهَا إليْهَا» وَرأى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حرَّقْنَاهَا، فَقال: «مَنْ حرَّقَ هذِهِ؟» قُلْنَا: نَحْنُ، قَالَ: «إنَّهُ لا ينْبَغِي أنْ يُعَذِّب بالنَّارِ إلّا ربُّ النَّارِ»
رواه أبو داود بإسناد صحيح
مفردات الحديث
- حُمَّرة: طائر صغير كالعصفور.
- تعرش: ترتفع وتظل بجناحيها من تحتها.
- من فجع: من رزأ هذه وأصابها بفقد ولدها.
- قرية نمل: مسكن النمل، موْضِعُ النَّمْلِ مَع النَّملِ.
فوائد الحديث
- النهي عن تعذيب الطيور وأخذ أولادها، والنهي عن إحراق النمل والحشرات بالنار، أما إحراق بيت النمل الخالي من النمل فغير منهي عنه.
- من قتل إنسانًا بالنار فإنّه يقتل بها قصاصًا إن شاء ولي المقتول ذلك، وإن شاء اقتص بالسيف.
1611
باب تحريم مطل الغني بحق طلبه صاحبه
عَنْ أبي هُريرَةَ رضي اللَّه عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإذَا أُتبِعَ أحَدُكُمُ عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَع»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- مطل الغني: أي تأخير ما استحق أداؤه مع التمكن منه.
- الغني: هو القادر المتمكّن على وفاء الدين.
- ظلم: أي لصاحب الدَّين في حال الاستحقاق وطلبه.
- أُتبِعَ: أُحِيلَ.
- على مَلِيءٍ: أي الغنيّ.
- فليتبع: فليقبل هذه الحوالة.
فوائد الحديث
- تحريم تأجيل الغنيّ دفع ما استحق عليه من دين ونحوه من غير عذر عند المطالبة.
- الأمر بقبول الحوالة، إذا كان مطل الغني ظلمًا فليقبل من يحال بدينه عليه.
- أنّ المؤمن من شأنه أن يحترز عن الظلم فلا يمطل.
- الدعوة إلى حسن التعامل بين الناس.
1612
باب كراهة عودة الإنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له وفي هبة وهبها لولده وسلمها أو لم يسلمها وكراهة شرائه شيئًا تصدق به من الذي تصدق عليه أو أخرجه عن زكاة أو كفارة ونحوها ولا بأس بشرائه من شخص آخر قد انتقل إليه
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي اللّه عنْهُما أنّ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «الَّذِي يعُودُ في هِبَتهِ كَالكَلبِ يرجعُ في قَيْئِهِ» متفقٌ عليه. وفي روايةٍ: «مَثَلُ الَّذي يَرجِعُ في صدقَتِهِ، كَمَثلِ الكَلْبِ يَقيءُ، ثُّمَّ يعُودُ في قَيْئِهِ فَيَأكُلُهُ» وفي روايةٍ: «العائِدُ في هِبَتِهِ كالعائدِ في قَيْئِهِ»
مفردات الحديث
- يعود في هبته: يرجع.
- كالكلب يرجع في قيئه: مَثَلِ الكَلبِ يَأكُلُ، فإذا شَبِعَ قاءَ ثمَّ عادَ في قَيئِه، أي عاد وأكل قيئه مرة أخرى وهَذا مِن أقبَحِ الأفعالِ، وأكثرِها نُفْرةً.
فوائد الحديث
- الحديث ظاهر في التحريم وهو محمول على هبته لأجنبي، أما إذا وهب لولده وإن سفل فله الرجوع أي بشرطه.
- وقع التشديد في التشبيه من وجهين: أحدهما تشبيه الراجع بالكلب، والثاني تشبيه المرجوع به بالقيء.
1613
باب كراهة عودة الإنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له وفي هبة وهبها لولده وسلمها أو لم يسلمها وكراهة شرائه شيئًا تصدق به من الذي تصدق عليه أو أخرجه عن زكاة أو كفارة ونحوها ولا بأس بشرائه من شخص آخر قد انتقل إليه
عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: حَمَلْتُ عَلى فَرَسٍ في سبيلِ اللّه فأَضَاعَهُ الَّذي كَانَ عِنْدَه، فَأردتُ أنْ أشْتَريَهُ، وظَنَنْتُ أنَّهُ يَبيعُهُ بِرُخْصِ، فسَألتُ النبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَقَالَ: «لا تَشتَرِهِ وَلا تَعُدْ في صدَقَتِكَ وإن أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإنَّ الْعَائد في صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ في قيْئِهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- حمَلْتُ عَلى فَرسٍ في سَبيلِ اللَّه: أي تَصدَّقْتُ بِهِ عَلى بعْض المُجاهِدِينَ.
- فأضاعه الذي كان عنده: أي لم يكرمه بالإطعام ولم يعتن به.
- برخص: أي في السعر لضعفه وهزاله.
- فإن العائد في صدقته: أي ولو بشرائها من المتصدق بها عليه.
فوائد الحديث
- النهي عن الرجوع في الصدقة ولو عن طريق الشراء.
1614
باب تأكيد تحريم مال اليتيم
عن أبي هُريْرة رضي اللّه عَنْهُ عَن النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قَالُوا: يا رَسُولَ اللّه ومَا هُن؟ قال: الشِّرْك بِاللّهِ، وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ التي حرَّمَ اللّه إلّا بِالحقِّ، وَأكْلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مال اليتِيمِ. والتَّولِّي يوْمَ الزَّحْفِ، وقذفُ المُحْصنَاتٍ المُؤمِنَات الغافِلاتِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- المُوبِقَاتُ: المُهْلكَاتُ.
- الشرك بالله: أن يجعل مع اللّه تعالى ندًا في عبادته أو اللجوء إليه.
- التولي يوم الزحف: الهرب من المعركة عند لقاء العدو.
- قذف المحصنات: أي رمي المؤمنات الغافلات بالزنى.
فوائد الحديث
- أنّ أكبر المعاصي هي الشرك باللّه وهذا ظاهر لا خفاء به.
- إرشاد المؤمنين إلى طرق الخير والبعد عن القبائح والشرور.
- بعض المعاصي أكبر في الإثم عند اللّه من بعض.
- ما نهى الشارع عن شيء إلّا وفيه ضرر وإفساد، وهذه الأمور فيها من الأضرار بالأمة ما لا يتسع المجال لتعدادها، وفي اجتنابها تطهير للمجتمع والأمة من أسباب الضلال والانحراف.
1615
باب تغليظ تحريم الربا
عَنِ ابنِ مَسْعودٍ رضي اللَّه عَنْهُ قَالَ: «لَعَنَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم آكِلَ الرِّبَا وموكِلهُ»
رواه مسلم. زاد الترمذي وغيره: «وَشَاهديه، وَكَاتبَهُ»
مفردات الحديث
- آكل الربا: آخذه وإن لم يأكله.
- الربا هو الزيادة في أشياء مخصوصة، والزيادة على الدَّيْن مُقَابل الأجل مطلقًا.
- موكله: معطيه وإن لم يطعمه.
فوائد الحديث
- تحريم الربا والتغليظ الشديد في ذلك، لأنّه إذا لُعِنَ الكاتب والشاهدان مع أنّهما لا يصيبهما منه شيء، فلأن يلعن المباشر له من آخذٍ أو معطٍ بالأولى.
- التحذير الشديد على هذا النوع من التعامل، وكذا كل من يساعد عليه أو يرغب فيه أو يدل عليه، فالإسلام نظام قائم على التعاون والقرض الحسن لا على الاستغلال والأنانية.
1616
باب تحريم الرياء
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «قَالَ اللّه تعَالى: أنَا أغْنى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّركِ، منْ عَملَ عَمَلًا أشْركَ فيهِ مَعِيَ غَيْرِي، تَركْتُهُ وشِرْكَهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أشرك فيه معي غيري: أي قصد مراءاة غير اللّه أو تسميعه، لعله يستفيد منه مالًا أو جاهًا أو ثناءً.
- تركته وشركه: كناية عن إحباط ثوابه وحرمانه من أجره.
فوائد الحديث
- أنّ إطلاق الشرك على الرياء وهو شرك خفي وهو إن كان لا يقدح في أصل الإيمان لكن يبطل ثواب أصل الأعمال المصحوبة به.
1617
باب تحريم الرياء
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يوْمَ الْقِيامَةِ عَليْهِ رجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرفَهَا، قالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيها؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ: قالَ كَذَبْتَ، وَلٰكِنَّكَ قَاتلْتَ لأَنْ يُقالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعلَّم الْعِلْمَ وعَلَّمَهُ، وقَرَأ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمهُ فَعَرَفَهَا. قالَ: فمَا عمِلْتَ فِيهَا؟ قالَ: تَعلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، ولٰكِنَّك تَعَلَّمْت لِيُقالَ: عالم، وقَرَأت الْقرآن لِيقالَ: هو قَارِئ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أمِرَ به، فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ، وَرَجُلٌ وسَّعَ اللّه عَلَيْهِ، وَأعْطَاه مِنْ أصنَافِ المَال، فَأُتِيَ بِهِ فَعرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا. قال: فَمَا عَمِلْت فيها؟ قال: ما تركتُ مِن سَبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فيهَا إلّا أنْفَقْتُ فيها لَك. قَالَ: كَذَبْتَ، ولكِنَّكَ فَعَلْتَ ليُقَالَ: هو جَوَادٌ فَقَدْ قيلَ، ثُمَّ أمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ في النّار»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يُقضي يوم القيامة عليه: أي يُحكم عليه ويُفصل في أمره.
- فعرّفه نعمته: أي عرّف اللّه العبد نعمته التي كانت عليه في الدنيا.
- قاتلت فيك: أي لأجلك ولنصرة دينك.
- جَرِيءٌ: أي شُجَاعٌ حَاذقٌ.
- فقد قيل: أي حصل لك في الدنيا ما أردت.
- فسحب: أي جر.
- هو جواد: أي كثير الجود، وهو من يعطي ما ينبغي لمن ينبغي.
فوائد الحديث
- التحذير من الرياء، وأنّ أول ما يقضى فيه يوم القيامة أعمال الرياء بإظهارها وتأنيب أصحابها وفضحهم.
- لا يكفي العمل الظاهر للنجاة في الآخرة، بل لا بد من الإخلاص وابتغاء وجه اللّه تعالى.
1618
باب تحريم الرياء
عَنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ اللّهُ عَنْهُما أنَّ نَاسًا قَالُوا لَهُ: إنَّا نَدْخُلُ عَلى سَلاطِيننا فَنَقُولُ لهُمْ بِخِلافِ مَا نَتَكَلَّمُ إذا خَرَجْنَا منْ عنْدِهمْ؟ قالَ ابْنُ عُمَرَ رضي اللّه عنْهُمَا: كُنَّا نَعُدُّ هذا نِفَاقًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم.
رواه البخاري
فوائد الحديث
- التحذير من التملق والكذب أمام الحكّام لأنّ ذلك من خصال النفاق.
1619
باب تحريم الرياء
عنْ جُنْدُب بن عَبْدِ اللّه بنِ سُفْيانَ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: قالَ النّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ، ومَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللّه بِهِ»
متفقٌ عليه. • وَرَواهُ مُسْلِمٌ أيضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللّه عَنْهُمَا
مفردات الحديث
- سَمَّعَ: أي أشْهَرَ عمَلَهُ للنَّاس ريَاءً.
- سَمَّعَ اللّه بِهِ: أيْ فَضَحَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
- منْ يرَائي: أيْ مَنْ أَظْهَرَ للنَّاسِ الْعَمَل الصَّالحَ لِيَعْظُمَ عِنْدهُمْ.
- يُرَائِي اللّه بِهِ: أيْ يُظْهر اللّه سَرِيرَتَهُ عَلى رُؤوس الخَلائِقِ.
فوائد الحديث
- التحذير من المراءاة والسمعة وأنّ اللّه تعالى يفضح من يقصد ذلك.
1620
باب تحريم الرياء
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ تَعَلَّم عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يَتَعَلَّمُهُ إلّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
يَعْني: رِيحَهَا. رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ. والأحاديثُ في الباب كثيرةٌ مشهورةٌ
مفردات الحديث
- عرضًا: العرض هو متاع الدنيا وحطامها.
- عَرْفَ الجَنَّةِ: رِيحَهَا.
فوائد الحديث
- التحذير من ترك الإخلاص للّه تعالى في طلب العلم الشرعي.
- أنّ تحصيل الدّنيا بالدّين سبب إلى الحرمان من نعيم الجنّة يوم القيامة، ولكن لا يلزم هذا المنع من دخولها بل يجوز ذلك، ويكون كمنع شارب الخمر في الدنيا من شرب خمر الجنة، ولا بس الحرير في الدنيا من لبسه فيها.
- الحكمة في منع طالب العلم لتحصيل متاع الدنيا من ريح الجنة، أنّه قصر طلبه على الحقير الفاني، واستبدل الأدنى بما هو خير، فناسب أن يمنع ما أعد لمن علت همّته زيادة في تشريفه.
1621
باب ما يتوهم أنّه رياء وليس هو رياء
عنْ أبي ذَرٍّ رضي اللّه عنْهُ قَال: قِيل لِرسُولِ اللَّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: أَرأَيْتَ الرَّجُلَ الذي يعْملُ الْعملَ مِنَ الخيْرِ، ويحْمدُه النَّاسُ عليه؟ قال: «تِلْكَ عاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِنِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أرأيت: أخبرني.
- عاجل بشرى المؤمن: أي المشار إليها بقوله تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [سورة يونس ٦٤].
فوائد الحديث
- أنّ الإخلاص للّه تعالى وقصد التقرب إليه لا يعكره ثناء الناس ومدحهم.
- أنّ إطلاق اللّه تعالى لألسنة الناس بالثناء، دليل على القبول، وشهادة صادقة، وبشرى عاجلة بالفوز والفلاح.
1622
باب تحريم النظر الى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية
عَنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنْهُ عنِ النّبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «كُتِبَ على ابْنِ آدم نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذلكَ لا محالَةَ: الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، والأُذُنَانِ زِنَاهُما الاستِماعُ، واللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ، وَالْيدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، والرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، والْقَلْب يَهْوَى وَيَتَمنَّى، ويُصَدِّقُ ذلكَ الْفرْجُ أوْ يُكَذِّبُهُ»
متفقٌ عليه. وهذا لَفْظُ مسلمٍ، وروايةُ الْبُخاريِّ مُخْتَصَرَةٌ
مفردات الحديث
- كتب: قدر.
- مدرك: محصل.
- زناهما النظر: أي بما لا يحل النظر إليه.
- الاستماع: أي للكلام المحرم استماعه.
- الكلام: أي بما لا يحل التكلم به.
- البطش: هو الأخذ القوي الشديد عدوانًا وظلمًا.
- الخطا: أي المشي إلى فعل الحرام.
- القلب يهوى: أي يهوى وقوع ما تحبه النفس من الشهوة.
فوائد الحديث
- التوجيه إلى ترك الزنا ودواعيه، قال تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [سورة اﻹسراء: ٣٢] أطلق على كل مما ذكر زنا لكونه من دواعيه، فهو من إطلاق المسبب على السبب مجازًا.
- أنّ ابن آدم قدّر عليه نصيبه من الزنا، فمنهم من يكون زناه حقيقيًا، ومنهم من يكون مجازيًا بالنظر المحرّم ونحوه من المذكورات، فكلها أنواع من الزنا المجازي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، بأن يحصل أو لا يحصل ذلك.
- أنّ جريمة الفاحشة لا ترتكب إلّا بعد أن يسبقها مقدمات كالنظر والكلام.
1623
باب تحريم النظر الى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية
عنْ أبي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي اللّه عنْهُ عَنِ النّبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إيَّاكُمْ والجُلُوسَ في الطُّرُقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُول اللّه مالَنَا مِنْ مجالِسِنا بُدٌّ: نَتَحَدَّثُ فيها. فَقالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «فإذا أبَيْتُمْ إلّا المجْلِسَ، فأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: ومَا حَقُّ الطَّرِيق يَا رَسُولَ اللّه؟ قَالَ: «غَضَّ البصر، وكَفُّ الأذَى، وردُّ السَّلامِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهيُ عنِ المُنْكَرِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- إياكم: أي احذروا وابتعدوا.
- مالنا من مجالسنا بد: لا نستطيع الاستغناء عن الجلوس فيها.
- غضّ البصر: كفّ البصر عن المحرمات.
- كفّ الأذى: ردّ الأذى ومنع وقوعه.
فوائد الحديث
- التحذير من الجلوس على حافات الطرق، لأنّها مظنّة الوقوع في الخطايا والذنوب.
- المرافق العامّة ملك المجتمع، فلا يحقّ للفرد أن يستأثر بها، وعلى المسلم أن يكون دائم العمل لنشر الخير والدعوة إليه، ولا يجوز تضييق الطريق على المارين.
1624
باب تحريم النظر الى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية
عَنْ أبي طلْحةَ زيْدِ بنِ سهْلٍ رَضِيَ اللّه عنْهُ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا بالأفنِيةِ نَتحَدَّثُ فيها فَجَاءَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَقَامَ علينا فقال: «مالكُمْ وَلمَجالِسِ الصُّعُداتِ؟» فَقُلنا: إنَّما قَعدنَا لغَير ما بَأس: قَعدْنَا نَتَذاكرُ، ونتحدَّثُ. قال: «إما لا فَأدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ البصرِ، ورَدُّ السَّلام، وحُسْنُ الكَلام»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الأفنية: جمع فناء، وهو المكان المتسع أمام البيت.
- فقام علينا: أي وقف علينا.
- الصُّعداتُ: أي الطُّرقَات.
- نتذاكر: أي في مسائل العلم.
فوائد الحديث
- إباحة الجلوس على حافات الطرق، بشرط أداء حقّ الطريق والتأدب بالآداب الإسلامية.
1625
باب تحريم النظر الى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية
عَنْ جَرِير رضي اللّه عنْهُ قَالَ: سألْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَنْ نَظَرِ الفجأةِ فَقَال: «اصْرِفْ بصَرَك»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الفجأة: أي البغتة من غير قصد لها.
فوائد الحديث
- التحذير من إدامة النظر لما يحرم النظر إليه إذا وقع عليه البصر بغتة ومن غير قصد.
1626
باب تحريم النظر الى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية
عنْ أمِّ سَلَمةَ رضي اللّه عنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وعِنْدَهُ مَيمونة، فَأَقْبَلَ ابنُ أمِّ مكتُوم، وذلكَ بعْدَ أنْ أُمِرْنَا بِالحِجابِ فَقَالَ النبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «احْتَجِبا مِنْهُ» فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللّهِ ألَيْس هُوَ أعْمَى: لا يُبْصِرُنَا، ولا يعْرِفُنَا؟ فقَال النبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أفَعَمْياوَانِ أنْتُما ألَسْتُما تُبصِرانِهِ؟»
رواه أبو داود والترمذي وقَالَ: حَدِيثٌ حسنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- ميمونة: هي بنت الحارث الهلالية زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.
- ابن أم مكتوم: هو عمرو بن قيس مؤذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي اللّه عنها.
فوائد الحديث
- أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم زوجتيه بالاحتجاب من الأعمى لكريم مقامهنّ رضي اللّه عنهنّ، أمّا غيرهنّ من النساء فلا يجب عليهنّ الاحتجاب لحضور الأعمى، لأنّ الحجاب من أجل النظر، وقد صح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: إنّما جعل الاستئذان لأجل النظر.
- تحريم نظر المرأة الأجنبية إلى الرجل وقد ذهب جمع من العلماء إلى جواز ذلك إذا لم يترتب على ذلك مفسدة.
1627
باب تحريم النظر الى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية
عنْ أبي سَعيدٍ رضي اللّه عنْهُ أنَّ رسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلى عوْرةِ الرَّجُلِ، وَلا المَرْأةُ إلى عوْرَةِ المَرْأةِ، ولا يُفْضِي الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ في ثوبٍ واحِدٍ، ولا تُفْضِي المَرْأةُ إلى المَرْأةِ في الثَّوْبِ الواحِدِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- لا يفضي: لا يتقارب.
- في ثوب واحد: أي لا يضطجعان متجرّدَين تحت غطاء واحد.
فوائد الحديث
- حرص الإسلام على طهارة المجتمع.
- النهي عن النظر إلى العورات ولو مع اتحاد الجنس فضلًا عن اختلافه.
- تحريم النظر إلى عورة الرجل من سرته إلى تحت ركبته.
- تحريم النظر إلى عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة ومحارمها وهي من سرتها إلى تحت ركبتها، أما إن وجدت الشهوة فيحرم النظر حتى إلى ما سوى العورة كالصدر والظهر، وأما العورة بالنسبة للرجل الأجنبي فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين إذا أُمنت الفتنة.
- تحريم اضطجاع الرجل مع الرجل في ثوب واحد متجرّدَين، وكذلك المرأة مع المرأة.
1628
باب تحريم الخلوة بالأجنبية
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي اللّه عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ أفَرأيْتَ الْحمْوَ؟ قالَ: «الْحمْوُ المَوْتُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- إياكم: احذروا.
- الدخول على النساء: أي الأجنبيات على وجه الخلوة بهنّ، أو هنّ مكشوفات.
- الْحَمو: قَرِيبُ الزَّوْجِ كأخِيهِ، وابن أخيه، وابْنِ عمِّهِ.
فوائد الحديث
- حرص الإسلام على سلامة المجتمع الإسلامي، وسدّ باب الشرّ ومنع وقوع الزنا ودواعيه.
- أنّ منع ما عدا المحارم من أقارب الزوج من الخلوة بالمرأة، أكثر من غيره، لأنّ الشرّ يتوقع منه والفتنة أكثر، لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير نكير بخلاف الأجنبي.
- الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك، جعله كهلاك الموت، فورد الكلام مورد التغليظ.
1629
باب تحريم الخلوة بالأجنبية
عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي اللّه عنْهُما أنَّ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «لا يَخْلُوَنَّ أحدُكُمْ بِامْرأةٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- بامرأة: أي امرأة أجنبية عنه.
- إلا مع ذي محرم: أي محرم لها لتنتفي الخلوة.
فوائد الحديث
- تحرم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، لأنّ ذلك من بواعث الشرّ والوقوع في الفاحشة.
1630
باب تحريم الخلوة بالأجنبية
عن بُريْدةَ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: قَال رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «حُرْمةُ نِساءِ المُجاهِدِينَ علَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمةِ أمهاتِهمْ، ما مِنْ رجُل مِنْ الْقَاعِدِين يخْلُفُ رجُلًا مِنَ المُجاهدينَ في أهلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِم إلّا وقَف لهُ يَوْم الْقِيامةِ، فَيأخُذُ مِن حسَناتِهِ ما شَاءَ حَتَّى يَرضى» ثُمَّ الْتَفت إليْنَا رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَقَالَ: «ما ظَنُّكُمْ؟»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله: أي يقوم عنه بحوائجهم.
فوائد الحديث
- الحضّ على التكافل بين المسلمين وحرص كل منهم على سلامة الآخرين.
- التحذير من خيانة المجاهدين في سبيل اللّه؛ لأنّ المجاهدين يقومون بنصرة الدين ويدافعون عن القاعدين، فلا يجوز لقاعد أن يتعرض لنسائهم بوجه من وجوه الريب مستغلًا غياب الزوج.
- يجرد المعتدي على نساء المجاهدين من حسناته يوم القيامة ويكون من الهالكين الخاسرين.
- حرص الإسلام على أمن وسلامة أهل المجاهدين والغائبين عن أهليهم.
1631
باب تحريم تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال في لباس وحركة وغير ذلك
عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي اللّه عنْهُما قَالَ: لَعَنَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم المُخَنَّثين مِنَ الرِّجالِ، والمُتَرجِّلاتِ مِن النِّساءِ. وفي رواية: لَعنَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم المُتَشبِّهين مِن الرِّجالِ بِالنساءِ، والمُتَشبِّهَات مِن النِّسَاءِ بِالرِّجالِ.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- المخنثين: المراد من يشابه النساء في أمورهن الخاصة بهن.
- المترجلات: أي النساء اللواتي يشابهن الرجال في أمورهم الخاصة بهم.
فوائد الحديث
- أنّه يحرم على الرجال أن يتشبهوا بالنساء في الحركات ولين الكلام والزينة واللباس وغير ذلك من الأمور الخاصة بهنّ عادةً أو طبعًا، ويحرم على النساء أيضًا أن يتشبهن بالرجال في مثل ذلك.
- قال العلماء: اللعن في الحديث يدل على أنّ التشبه من الكبائر، والحكمة من التحريم أن المتشبه والمتشبهة كل منهما يخرج نفسه عن الفطرة والطبيعة التي وضعها أحكم الحكماء رب العالمين سبحانه وتعالى.
1632
باب تحريم تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال في لباس وحركة وغير ذلك
عنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنهُ قال: لَعنَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم الرَّجُل يلْبسُ لِبْسةَ المرْأةِ، والمرْأةِ تَلْبِسُ لِبْسةَ الرَّجُلِ.
رواه أبو داود بإسناد صحيح
مفردات الحديث
- لبسة المرأة ولبسة الرجل: أي اللباس الخاص بكل منهما.
فوائد الحديث
- يحرم على الرجل أن يلبس ما هو خاص بالنساء من اللباس، كما يحرم على المرأة أن تلبس من اللباس ما هو خاص بالرجال.
- محاكاة الرجل المرأة في لباسها، ومحاكاة المرأة الرجل في لباسه، انحراف عن سنن الفطرة وإهدار لكرامة الجنسين، جريًا وراء التقاليد، وعدم تحكيم الفطرة، فضلًا عن الخروج على هدي الإسلام وسنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
1633
باب تحريم تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال في لباس وحركة وغير ذلك
عنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنهُ قال: قَال رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «صِنْفَانِ مِنْ أهلِ النَّارِ لمْ أرَهُما: قَوْمٌ معهم سِياطٌ كأذْنَابِ الْبقَرِ يَضْرِبونَ بِها النَّاس، ونِساء كاسياتٌ عارِياتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأسْنِمةِ الْبُخْتِ المائِلَةِ لا يَدْخٌلنَ الجنَّةَ، ولا يجِدْنَ رِيحَهَا، وإنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مسِيرَةِ كذَا وكَذَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- من أهل النار: أي ممّن يعذبون في النار، يمكثون فيها أمدًا طويلًا أو يخلدون.
- لم أرهما: أي لم يوجدا في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم.
- سياط: جمع سوط وهو ما يضرب به من عصا ونحوها.
- كأذناب البقر: تشبه أذناب البقر.
- يضربون بها الناس: أي ظلمًا وعدوانًا لا حدًا أو قصاصًا.
- كاسيات عاريات: أي كاسيات مِنْ نعْمَةِ اللَّه، عارِيات مِن شُكْرِهَا، وَقِيل: معناهُ: تسْتُرُ بعْض بدنِها وتَكْشِفُ بعْضَهُ إظْهارًا لِجمالِها ونحوه. وقيل: تَلْبِسُ ثَوْبًا رقِيقًا يصِفُ لَوْنَ بدنِهَا، أو الضيق يصف حجم عورتها، أو المزركش البراق الذي يلفت النظر ويجلب الانتباه ويجعل المارقين من الرجال يتخيلون المرأة مجردة من كل ساتر.
- مائلات مميلات: قيل: مائِلات عَن طاعة اللَّه تعالى وما يَلزَمُهُنَّ حِفْظُهُ، وممِيلاتٌ أيْ يُعلِّمْنَ غَيرهُنَّ فِعْلَهُنَّ المذْمُوم، وقيل: مائِلات يَمْشِينَ مُتَبخْترات مُمِيلات لأكْتَافِهنَّ، وقِيلَ: مائلات إلى الرجال ومميلات لهم إليهنّ مما يبدين من زينتهن ومفاتنهن.
- كأسنمة البخت: أي رُؤُوسُهُنّ كَأسْنِمةِ الْبُخْتِ يُكبِّرْنَها ويُعظِّمْنها بلَفِّ عِمَامة أوْ عِصابةٍ أو نَحْوه، أو حشو الشعر ووصله بغيره ليظهر كثيرًا، والبخت: نوع من الإبل طويلة الأعناق.
- لا يجدن ريحها: لا يشممن ريحها وهو كناية عن المبالغة في البعد.
- كذا وكذا: كناية عن مسافة معينة، وجاء في بعض الروايات أنها مسيرة خمسمائة عام.
فوائد الحديث
- تحريم ضرب الناس وإيذائهم دون إثم فعلوه أو ذنب اقترفوه.
- أنّ أولئك الذين يأخذون الناس بالتُهم ويجلدونهم جلد الرقيق ويذيقونهم ألوان التعذيب ظلمًا وعدوانًا هم قوم كفرة فجرة مارقون من الدين ومجردون عن كل خلق كريم، وأن جزاءهم الهوان في الدنيا والخلود في النار يوم القيامة.
- حثّ المرأة المسلمة على التزام أمر اللّه عزّ وجلّ، والبعد عن كل ما يسخطه ويجعلها تستحقّ العذاب الأليم والجحيم المقيم يوم القيامة.
- إنذار ووعيد للأمة التي وقعت فيما أخبر عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من عريّ وكشف في نسائها، وظلم واعتداء على الحرمات والحقوق والنفوس البريئة وقتل للنفوس وسلب للأموال بغير حق.
1634
باب النهي عن التشبه بالشيطان والكفار
عنْ جابرٍ رضي اللّه عنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يأكُل ويَشْرَبُ بِشِمالِهِ»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- كراهة الأكل والشرب باليد اليسرى، لأنّه من عادة الشيطان.
- الحثّ على ترك كل ما ورد أنّه من فعل الشيطان وشأنه أو يدعو إليه.
1635
باب النهي عن التشبه بالشيطان والكفار
عَنِ ابنِ عُمر رضي اللّه عنْهُما أنَّ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «لا يَأْكُلَنَّ أحدُكُمْ بِشِمالِهِ، وَلا يَشْربَنَّ بِهَا. فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمالِهِ وَيشْربُ بِهَا»
رواهُ مسلم
فوائد الحديث
- كراهة الأكل والشرب باليد اليسرى، لأنّه من عادة الشيطان، ومن فعَله فقد تشبه به، يقاس على الأكل والشرب كل عمل كريم، فيسن فيه التيامن ويكره فيه استعمال الشمال، وبالعكس كل فعل خسيس يسن فيه استعمال الشمال يكره استعمال اليمين فيه، والشيطان يعكس ذلك لخسته وقذاراته.
- بيان آداب الإسلام وكمال توجيهاته، وحرصه على كل شيء يتعلق بمصالح البشرية.
1636
باب النهي عن التشبه بالشيطان والكفار
عَنْ أبي هُرَيرَةَ رضي اللّه عنْهُ أنَّ رَسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «إنَّ الْيهُود والنَّصارى لا يَصْبِغُونَ، فَخَالِفوهُمْ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الخضاب: هو الحناء ونحوه، وخضب وصبغ بمعنى واحد، وقيل: يقال: خضب إذا استعمل الحناء فإذا استعمل غيره قيل صبغ.
- المُرَادُ: خِضَابُ شَعْرِ اللِّحْيةِ والرَّأسِ الأبْيضِ بِصُفْرةٍ أوْ حُمْرةٍ، وأمَّا السَّوادُ، فَمنْهيُّ عَنْهُ كَما سَنَذْكُرُ في الْباب بعْدَهُ، إن شاء اللَّه تعالى.
فوائد الحديث
- استحباب صبغ الشيب بالحناء وغيره سواء كان في اللحية أم غيرها.
- الحثّ على مخالفة اليهود والنصارى في عوائدهم وما كان من شأنهم في مظهر ولباس وغير ذلك.
- للمسلم شخصية متميزة عن غيره في ملبسه وهندامه وسلوكه، فليحرص كل مسلم على التزام السنة النبوية المطهرة، ولا يليق به محاكاة غير المسلمين في تقاليدهم وعاداتهم.
1637
باب نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بسواد
عنْ جابرٍ رضي اللّه عنهُ قَال: أُتِى بأَبي قُحافَةَ والِدِ أبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي اللّه عنْهُما يوم فتْحِ مكَّةَ ورأسُهُ ولِحيتُهُ كالثَّغَامَةِ بياضًا، فَقَالَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «غَيِّرُوا هَذا واجْتَنبُوا السَّوادَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أبو قحافة: هو عثمان بن عامر جاء به أبو بكر رضي اللّه عنهما يوم فتح مكة فأسلم، ومات في خلافة عمر رضي اللّه عنهم.
- الثغامة: هو نبت يكون بالجبال غالبًا إذا يبس أبيض كأنّه الثلج فيشبه به الشيب، وقيل: هو شجر أبيض الزهر والثمر.
- غيروا هذا: أي الشيب.
فوائد الحديث
- كراهة ترك الشيب على حاله، واستحباب تغيير لونه بالصبغ ويحرم استعمال السواد لصبغ الشعر، لما في ذلك من الخداع، ويباح في الجهاد لإرهاب العدو.
1638
باب النهي عن القزع وهو حلق بعض الرأس دون بعض وإباحة حلقه كله للرجال دون المرأة
عنِ ابن عُمر رضي اللّه عنهُما قَالَ: نَهَى رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عنِ القَزعِ.
متفق عليه
مفردات الحديث
- القزع: هو حلق بعض الرأس دون بعض.
فوائد الحديث
- النهي عن حلق شعر بعض الرأس دون بعض، والنهي هنا للكراهة الشديدة، وقيل للتحريم.
1639
باب النهي عن القزع وهو حلق بعض الرأس دون بعض وإباحة حلقه كله للرجال دون المرأة
عنِ ابن عُمر رضي اللّه عنهُما قَالَ: رَأى رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم صبِيًا قَدْ حُلِقَ بعْضُ شَعْر رأسِهِ وتُرِكَ بعْضُهُ، فَنَهَاهَمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَال: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ أو اتْرُكُوهُ كُلَّهُ»
رواهُ أبو داود بإسناد صحيحٍ على شَرْطِ البُخَارِي وَمسْلِم
فوائد الحديث
- عناية الإسلام بظاهر المسلم وشكله لأنّ الظاهر له تأثير على الباطن.
- أهمية متابعة الصغار وعدم التجاوب معهم في طلب بعض ما لا تأذن فيه الشريعة.
1640
باب النهي عن القزع وهو حلق بعض الرأس دون بعض وإباحة حلقه كله للرجال دون المرأة
عنْ عبْدِ اللّه بنِ جعْفَر رضي اللّه عَنْهُما أنَّ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أمْهَل آلَ جعْفَرٍ رضي اللّه عنه ثَلاثًا، ثُمَّ أتَاهُمْ فَقَالَ: «لا تَبْكُوا على أخِي بَعْدَ الْيوم» ثُمَّ قَال: «ادْعُوا لي بَنِي أخِي» فجِيءَ بِنَا كَأَنَّنا أفْرُخٌ فَقَال: «ادْعُوا لي الحلاَّقَ»
فَأَمرهُ، فَحَلَقَ رُؤُوسنَا. رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح على شَرْطِ البخاري ومُسْلِمٍ
فوائد الحديث
- النهي عن حلق شعر بعض الرأس دون بعض، والنهي هنا للكراهة الشديدة، وقيل للتحريم، والحكمة منه أنّه تشويه للخلقة مع ما فيه من التشبه بأهل الكتاب، لأنّه من عادة بعض أحبارهم ورهبانهم، وكذلك هو من عادة أهل الشر والفسوق، ويجوز ذلك للتداوي، أو لعذر يقتضي ذلك.
- جواز حلق شعر الرأس كله، وجواز تركه وتعهده بالنظافة بشرط عدم التشبه بالنساء.
1641
باب النهي عن القزع وهو حلق بعض الرأس دون بعض وإباحة حلقه كله للرجال دون المرأة
عَن عَلِيّ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: نَهَى رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أنْ تحْلِقَ المَرأةُ رَأسَهَا.
رواهُ النِّسائيّ
فوائد الحديث
- كراهة حلق المرأة شعر رأسها، لأنّه نوع من المثلة، وقيل حرام، وإن دعت الحاجة لحلقه كالتداوي مثلًا فهو جائز مطلقًا.
1642
باب تحريم وصل الشعر والوشم والوشر وهو تحديد الأسنان
عَنْ أسْمَاءَ رضي اللّه عنْهَا أنَّ امْرأَةً سألتِ النبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَقَالتْ: يا رَسُولَ اللّه إنَّ ابْنَتِي أصَابَتْهَا الْحَصْبةُ، فتمرَّقَ شَعْرُهَا، وإنِّي زَوَّجْتُها، أفَأَصِلُ فِيهِ؟ فقال: «لَعَنَ اللّه الْواصِلة والْمَوصولة» متفقٌ عليه. وفي روايةٍ: «الواصِلَةَ، والمُسْتوصِلَةَ»
وعَنْ عائشة رضي اللّه عنْهَا نَحْوُهُ، متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الحصبة: بثور تخرج في الجسد، وقيل هي الجدري.
- فَتَمرَّقَ: أي انْتَشَرَ وَسَقَطَ.
- وإني زوجتها: بيان للسبب الداعي لسؤالها عن الوصل، وهو تجميلها لزوجها.
- والْوَاصِلة: التي تَصِلُ شَعْرهَا، أو شَعْر غيرها بشَعْرٍ آخر.
- والمَوْصُولة: التي يُوصَلُ شَعْرُهَا.
- والمُستَوصِلَة: التي تَسْأَلُ منْ يَفْعَلُ ذلكَ لَهَا.
فوائد الحديث
- النهي عن وصل الشعر بغيره أو وضع شعر كامل غيره، وهو ما يسمى بالباروكة الآن، وذهب العلماء إلى تحريم ذلك مطلقًا.
1643
باب تحريم وصل الشعر والوشم والوشر وهو تحديد الأسنان
عَنْ حُميْدِ بنِ عبْدِ الرَّحْمن أنَّهُ سمع مُعاويَةَ رضي اللّه عنْهُ عامَ حجَّ علَى المِنْبَر وَتَنَاول قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ في يد حَرِسيٍّ فَقَالَ: يا أهْل المَدِينَةِ أيْنَ عُلَمَاؤكُمْ؟، سمِعْتُ النبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَنْهَى عنْ مِثْلِ هَذِهِ ويقُولُ: «إنَّمَا هَلَكَتْ بنُو إسْرَائِيل حِينَ اتَّخَذَ هَذه نِسَاؤُهُمْ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- عام حجّ: إي في السنة التي حج فيها وكانت سنة ٥١ هـ.
- قصة: خصلة من الشعر، وقيل هي شعر الناصية، وهي ما يسمى (بالغرة).
- حرسيّ: شرطيّ، سُمي بذلك لأنه مكلَّف بالحراسة.
- أين علماؤكم: السؤال للإنكار عليهم بغضّهم عن هذا وعدم إنكاره
- اتخذها نساؤهم: أي ولم ينكر عليهم ذلك أحبارهم.
فوائد الحديث
- شيوع المنكرات في عامة الناس وعدم إنكارها من الخاصّة سبب لاستحقاق الهلاك وعموم العقاب من اللّه عزّ وجلّ.
- وجوب اهتمام ولاة الأمور بإنكار المنكرات، والحثّ على إزالتها، وتأنيب من قصّر في إنكارها ممّن هو أهل لذلك.
- التحذير الشديد للأمّة الإسلامية لما وقعت فيه من المعاصي وشيوع المخالفات، وخاصة تكشف النساء وتبرجهن وارتكابهن ما هو أشنع من الوصل وغيره.
1644
باب تحريم وصل الشعر والوشم والوشر وهو تحديد الأسنان
عَنِ ابنِ عُمر رضي اللّه عنْهُ أنَّ رسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لَعَنَ الْواصِلَةَ وَالمُسْتوصِلَةَ، والْوَاشِمَة والمُستَوشِمة. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- الواشمة: فاعلة الوشم، وهو أن يغرز في الجلد شيئًا ليخرج الدم ثم يذر على الموضع كحل أو نيل فيخضر به.
- المستوشمة: هي التي تطلب أن تفعل بغيرها، أو التي يفعل بها الوشم.
فوائد الحديث
- تحريم الوصل على ما سبق وهو حرام وكبيرة باتفاق العلماء، وتجب التوبة منه، وتحريم الوشم على الرجال والنساء سواء.
- محل الوشم تجب إزالته إذا أمكن ذلك بدون ضرر فاحش، وتأخير إزالته معصية إلا إذا تعذر أو ترتب عليه ضرر فاحش فلا تجب.
1645
باب تحريم وصل الشعر والوشم والوشر وهو تحديد الأسنان
عنِ ابنِ مَسعُودٍ رضي اللّه عنْهُ قَال: لعنَ اللّه الْواشِماتِ والمُستَوشمات والمُتَنَمِّصات، والمُتَفلِّجات لِلحُسْن، المُغَيِّراتِ خَلْقِ اللّه، فَقَالَتْ لَهُ امْرأَةٌ في ذلكَ. فَقَالَ: وما لي لا ألْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَهُو في كتاب اللّه؟، قَالَ اللّه تَعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- المُتَفَلِّجةُ: هي التي تبْرُدُ مِنْ أسْنَانِهَا لِيَتَباعدَ بعْضُها مِنْ بعْضٍ قَليلًا وتُحَسِّنُهَا وهُوَ الْوَشْـرُ.
- النَّامِصَةُ: هِي التي تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ حـاجب غَيْرِهَا، وتُرَقِّقُهُ لِيـصِيـرَ حَسنًا.
- المُتَنمِّصةُ: التي تَأمُرُ منْ يفْعَلُ بِهَا ذَلِك.
- فقالت له امرأة في ذلك: هي أم يعقوب، والمراد أنها لامته في لعنهن.
- وهو: أي اللعن. في كتاب اللّه: أي لأنّ اللّه أمر بالانتهاء عمّا نهى عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
فوائد الحديث
- لا يجوز تغيير شيء من الخلقة عن الصفة التي خلق اللّه تعالى عليها الإنسان سواء كان التغيير بزيادة أو نقص، للتجميل أو غيره، إلّا إذا كانت هناك ضرورة طبية فيجوز النزع أو الزيادة، وهذا في التغيير الذي يبقى، ومنه ما ذكر في الأحاديث من الوشم والتفلج.
- وأما الذي لا يبقى كالصبغ بالحناء فقد أجازه العلماء إذا لم يطلع عليه أجنبي بالنسبة للنساء.
- تحريم أخذ شعر الوجه من حاجب ووجنة وغيرهما، ويشتد التحريم بالنتف بالخيط وغيره، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة، وذكر النساء خاصّة في الأحاديث لأنّه يغلب فعل هذه الأمور منهنّ، ويجوز للمرأة أن تزيل ما ينبت في وجهها من شعر اللحية والشوارب.
- تحريم التفلج وهو غالبًا ما تفعله العجائز إظهارًا للحسن وإيهامًا بالصغر، ومثله لو كان لها سن زائدة أو مستطيلة فلا يجوز نزعها أو قطع شيء منها إلا إذا كان بقاء ذلك يؤدي إلى إيذاء وضرر فيجوز.
1646
باب النهي عن نتف الشيب من اللحية
عنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عنْ جَدِّهِ رضي اللّه عَنْهُ، عنِ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «لا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، فَإنَّهُ نُورُ المُسْلِمِ يوْمَ الْقِيامةِ»
رواهُ أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ، والنسائِيُّ بأَسَانِيدَ حسنَةٍ، قَالَ الترمذي: هُو حديثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- نور المسلم: بهاؤه وجمال فطرته الإسلامية، وضياء وجهه.
فوائد الحديث
- النهي عن نتف الشيب من بين الشعر حيث كان، لأنّه علامة طول العمر والشيخوخة، ولأنّه النذير إلى الدار الآخرة، وورد أنّ اللّه تعالى يستحيي أن يعذب ذا الشيبة في الإسلام.
1647
باب النهي عن نتف الشيب من اللحية
عنْ عائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «منْ عمِل عملًا لَيْس عليهِ أمْرُنَا فهُو رَدٌّ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- ليس عليه أمرنا: أي لا يدل عليه دليل من ديننا، ولا يشهد له أصل من أصول شريعتنا.
- فهو رد: مردود وغير مقبول.
فوائد الحديث
- أنّ كلّ محدث ومبتدع إذا كان على خلاف الشريعة وأصولها مرفوض ولا يعتد به وغير مقبول من فاعله بل يؤاخذ عليه.
- التحذير من المبتدعات المنافية لتوجيهات الإسلام وأحكامه وآدابه.
1648
باب كراهة الاستنجاء باليمين ومسّ الفرج باليمين من غير عذر
عنْ أبي قَتَادةَ رضي اللّه عَنْهُ عنِ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «إذَا بال أحدُكُمْ فَلا يأْخُذَنَّ ذَكَرهُ بِيَمِينِهِ، وَلا يسْتَنْجِ بِيمِينِهِ، ولا يتنَفَّسْ في الإنَاءِ»
متفقٌ عليه. وفي الْباب أحاديثُ كَثِيرةٌ صحِيحةٌ
مفردات الحديث
- لا يأخذنّ: لا يمسكنّ.
- يستنجي: يزيل أثر النجاسة من بول أو غائط.
فوائد الحديث
- كراهة الاستنجاء ومسّ الذكر باليمين، ومثلهما كل مستقذر، تكريمًا لليمين، ولأنّه يأكل بها.
- كراهة التنفس في الإناء أثناء الشرب.
- يجوز استعمال اليمين لإزالة المستقذرات عند الضرورة إذا كان في اليد اليسرى علة.
- حرص الإسلام على كمال النظافة، والبعد عن القاذورات، وتخصيص اليد اليمنى للأمور الكريمة من أكل وشرب وكتابة ومصافحة، وجعل اليد اليسرى لما سوى ذلك من الأمور المستكرهة.
1649
باب كراهة المشي في نعل واحد أو خف واحد لغير عذر وكراهة لبس النعل والخف قائمًا لغير عذر
عنْ أبي هُريرةَ رضي اللّه عنْهُ أنَّ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «لا يمْشِ أحدُكُم في نَعْلٍ واحِدَةٍ، لِينْعَلْهُما جمِيعًا، أوْ لِيخْلَعْهُمَا جمِيعًا»• وفي روايةٍ «أوْ لِيُحْفِهِما جميعًا»
متفقٌ عليْهِ
مفردات الحديث
- لينعلهما جميعًا: أي يلبس النعلين في كلتا رجليه.
- ليخلعهما: أي ينزع رجليه من النعلين.
- ليحفهما: من الحفاء، وهو المشي بغير نعل.
فوائد الحديث
- كراهة المشي وإحدى الرجلين منتعلة والأخرى حافية، لأنّ في هذا تشويهًا وإخلالًا بالوقار، وفيه عدم عدل بين الأعضاء، كما أنّه يجعل المشي عسيرًا وقد يكون سبب تعثره وسقوطه على الأرض، فإن كان هناك عذر يمنع من لبس النعل في إحدى الرجلين فلا كراهة.
1650
باب كراهة المشي في نعل واحد أو خف واحد لغير عذر وكراهة لبس النعل والخف قائمًا لغير عذر
عنْ أبي هُريرةَ رضي اللّه عنْهُ قَال: سمِعتُ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أحدِكُمْ، فلا يمْشِ في الأخْرى حتَّى يُصْلِحَهَا»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- الشسع: السير الذي يمسك النعل بالقدم، ويكون على ظهرها.
- يصلحها: أي ويلبس النعلين في القدمين.
فوائد الحديث
- كراهة المشي في نعل واحدة أو خفّ واحد بغير عزر، تنزيهًا لا تحريمًا
- لشسع: السير الذي يمسك النعل بالقدم، ويكون على ظهرها، أي الرباط والشريط
1651
باب كراهة المشي في نعل واحد أو خف واحد لغير عذر وكراهة لبس النعل والخف قائمًا لغير عذر
عَنْ جابِرٍ رضي اللّه عنْهُ أنّ رسول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَى أنْ ينْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائمًا.
رواهُ أبُو داوُدَ بإسْنادٍ حَسنٍ
مفردات الحديث
- ينتعل: يدخل رجله في النعل.
فوائد الحديث
- كراهة لبس النعل حال القيام، واستحباب القعود حين الانتعال، وذلك إذا كان يحتاج للاستعانة بيده في لبسه، وحتى لا ينحني ويظهر على هيئة قبيحة، وقد يقع على الأرض أيضًا، فإذا لم يحتج للاستعانة بيده فلا كراهة.
- اهتمام الإسلام بالآداب حتى في كيفية لبس النعل، ليبدو المسلم على أحسن حال.
1652
باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم ونحوه سواء كانت في سراج أو غيره
عنِ ابْنِ عُمرَ رضي اللّه عنْهُمَا عنِ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «لا تَتْرُكُوا النَّار في بُيُوتِكُمْ حِين تَنامُونَ»
متفق عليه
فوائد الحديث
- كراهة ترك شيء مشتعل حال النوم، لأنّ ذلك ربما أدى إلى إحراق المكان بمن فيه
1653
باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم ونحوه سواء كانت في سراج أو غيره
عَنْ أبي مُوسَى الأشْعريِّ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: احْتَرَقَ بيْتٌ بِالمدينةِ على أهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ. فَلَمَّا حُدِّثَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِشَأْنِهِمْ قَال: «إنَّ هَذِهِ النَّار عدُوٌّ لكُمْ، فَإذَا نِمْتُمْ فأطْفِئُوها»
متفق عليه
مفردات الحديث
- بشأنهم: بما جرى لهم.
- إن هذه النار عدو لكم: أي هي كالعدو لما فيها من معنى الإيذاء بإتلاف المال وإهلاك الأبدان.
فوائد الحديث
- كراهة ترك شيء مشتعل حال النوم، لأنّ ذلك ربما أدى إلى إحراق المكان بمن فيه وما فيه، سواء كانت النار للإضاءة كالمصباح والشمعة والسراج أم الاستدفاء كالمدفأة والموقد وغيرها.
- تنتفي الكراهة إذا كانت العاقبة مأمونة، وإن كان الأفضل إطفاءها مطلقًا، ويكره الاشتغال بأمر يلهي عن مراقبتها وغير ذلك.
1654
باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم ونحوه سواء كانت في سراج أو غيره
عنْ جابِر رضي اللّه عنْهُ عنْ رسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «غَطُّوا الإنَاء، وأوْكِئُوا السِّقَاءَ، وَأغْلِقُوا الْباب، وَأطفِئُوا السِّراجَ، فإنَّ الشَّيْطَانَ لا يحِلُّ سِقَاءً، ولا يفتَحُ بابًا، ولا يكْشِفُ إنَاءً، فإنْ لَمْ يجِدْ أحَدُكُمْ إلا أنْ يَعْرُضَ على إنَائِهِ عودًا، ويذْكُر اسْمَ اللّهِ فَلْيفْعَلْ، فَإنَّ الفُويْسِقَةَ تُضْرِمُ على أهْلِ البيتِ بيْتَهُمْ»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- أوكئوا: اربطوا من الوكاء، وهو ما يربط به من خيط أو غيره.
- السقاء: وعاء من جلد يكون للماء.
- لا يحل سقاء: لا يحل وكاءه.
- يعرض: يضعه عليه بالعرض.
- الفُويْسِقَةَ: الفأْرةُ.
- تضرم: تشعل وتُحْرِقُ أي تكون سببًا لذلك؛ بأن تجر الفتيلة إلى الأمتعة فتشتعل النار فيها.
فوائد الحديث
- الحثّ على تغطية أوعية الماء، وذلك صونًا لها من الحشرات والأوساخ وكل ما يؤذي ويستقذر.
- إغلاق أبواب البيوت والغرف عند النوم احتياطًا من الفساق واللصوص وكل خطر يتوقع، وليحصل اطمئنان النفس وارتياحها وتهدأ في نومها.
- الشيطان يعبث بشؤون الناس حين غفلتهم، ويغري هوام الأرض بالإيذاء، ولذا يجب الأخذ بالحيطة والحذر من كل شر متوقع.
- استحباب التسمية عند وضع الأشياء واستعمالها.
1655
باب النهي عن التكلّف وهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه بمشقة
عنِ ابن عُمر، رضي اللّه عنهُما، قَالَ: نُهينَا عنِ التَّكلُّفِ.
رواه البُخاري
مفردات الحديث
- نُهينَا عنِ التَّكلُّفِ: هو أن يتكلَّفَ الإنسانُ ما لا عِلمَ له به، ويُحاول أن يَظهَرَ بمظهرِ العالِمِ وليس كذلك.
فوائد الحديث
- النهي عن التكلّف، والحثّ على البعد عنه سواء في الأمور المادية أو المعنوية.
1656
باب النهي عن التكلّف وهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه بمشقة
عنْ مسْرُوق قَال: دخَلْنَا على عبْدِ اللّهِ بن مسْعُودٍ رضي اللّه عنهُ فَقَال: يا أَيُّهَا النَّاس منْ عَلِم شَيئًا فَلْيقُلْ بهِ، ومنْ لَمْ يعْلَمْ، فلْيقُلْ: اللّه أعْلَمُ، فإنَّ مِنَ الْعِلْمِ أن تَقُولَ لِمَا لا تَعْلَمُ: اللّه أعْلَمُ. قَال اللّه تَعالى لِنَبيِّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [سورة ص: ٨٦]
رواهُ البخاري
فوائد الحديث
- عدم التكلّف في المسائل العلمية، كأن يُسأل عن شيء غير واضح بالنسبة إليه فيتحمل جوابًا له، وربّما أبعد عن الحقيقة في بيانه.
- ألّا يقول في العلم ولا يجرؤ على الفتوى إلّا إذا كان على ثقة من معرفته وتمكن من علم ما يقوله.
- لا ينقص من قدر العالم أن يجهل بعض الأمور ويُعلن عدم معرفته بها.
- الحثّ على الاقتداء برسول اللّه صَلّى اللّه عليه وسلّم في عدم التكلّف مطلقًا.
1657
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عَنْ عُمَر بْنِ الخَطَّابِ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: قَال النبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الميِّتُ يُعذَّبُ في قَبرِهِ بِما نِيح علَيْهِ.» وفي رواية: «ما نِيحَ علَيْهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- بما نيح: أي بسبب النياحة.
- ما نيح: أي مدّة النياحة، والنياحة البكاء مع ارتفاع الصوت وذكر صفات الميت وما شابه ذلك.
فوائد الحديث
- النهي عن النياحة على الميت، وأن الميت يناله شيء من العذاب في القبر بسبب نياحة أهله، وهذا محمولٌ على ما إذا أَوْصى به، فإنَّه يُعذَّبُ على إيصائه، وقيل: إنَّ المقصودَ بالعذابِ الألمُ.
1658
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عنِ ابْنِ مسعُودٍ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعا بِدَعْوَى الجَاهِليةِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ليس منا: أي ليس على هدينا وطريقنا.
- الجيوب: جمع جيب، وهو فتحة الثوب من ناحية العنق، والتعبير به لأنّ الغالب أن يشق الثوب من هنا.
- دعوى الجاهلية: أي ألفاظ الجاهلية التي فيها اعتراض على قدر اللّه.
فوائد الحديث
- النهي عن فعل ما ذكر، وأنّها من الكبائر لما فيها من ظاهر السخط والاعتراض على اللّه سبحانه وتعالى، والتبرّم من القضاء الإلـٰهي.
- النَّهيُ عن التَّعبير عن الحزن باستعمال اليد في شق الثياب، وضَربِ الوجوه، واستعمال اللِّسان في النِّياحة.
1659
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عنْ أبي بُرْدةَ قَالَ: وَجِعَ أبُو مُوسَى الأشعريُّ رضي اللّه عنه، فَغُشِيَ علَيْهِ، وَرَأْسُهُ في حِجْرِ امْرأَةٍ مِنْ أهْلِهِ، فَأَقْبلَتْ تَصِيحُ بِرنَّةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعُ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أفَاقَ، قَال: أنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، إنّ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بَرِيء مِنَ الصَّالِقَةِ، والحَالِقةِ، والشَّاقَّةِ، متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- أبو بردة: هو ابن أبي موسى الأشعري، اسمه عامر وقيل الحارث.
- حجر: حضن.
- امرأة: هي زوجته أم عبد الله صفية بنت أبي دومة.
- فأقبلت: جعلت.
- الرنة: الصيحة والصوت العالي.
- أفاق: صحا من إغمائه.
- الصَّالِقَة: التي تَرْفَعُ صوْتَهَا بالنِّياحةِ والنَّدْبِ
- والحَالِقَة: التي تَحْلِقُ رَأسَهَا عِنْدَ المُصِيبَةِ.
- والشَّاقَّة: التي تَشُقُّ ثَوْبَهَا.
فوائد الحديث
- التنفير الشديد من هذه الأمور، وهي: رفع الصوت بالنياحة والندب على الميت، وحلق أو شد الشعر وتقطيعه أو شق الثياب، أو ما يفعله بعض الجهلاء من إطالة الشعور وغير ذلك بدعوى الحزن على الميت.
- أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بريء من هذه الأمور وهذا يدل على شدة تحريمها، وأنّها تتنافى مع كمال الإيمان والرضى بقضاء اللّه تعالى وقدره.
1660
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عَنِ المُغِيرةِ بنِ شُعْبَةَ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «مَنْ نِيحَ عَليْهِ، فَإنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ علَيْهِ يَوْم الْقِيامةِ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- أنّ الميت يعذب بسبب نياحة أهله يوم القيامة، وهو محمول على من أوصى بالنياحة عليه بعد موته.
1661
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عَنْ أمِّ عَطِيَّةَ نُسيْبَةَ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتحِهَا رضي اللّه عَنْهَا قَالَتْ: أخَذَ عَلَينَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عِنْدَ البَيْعة أنْ لا نَنُوح. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- عند البيعة: أي حين بايع النساء، أو هجرته صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة.
فوائد الحديث
- أنّ النواح من أخلاق الجاهلية التي ينبغي للمسلم أن يتخلى عنها، وقد عاهد على ذلك الصحابيات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم.
1662
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عَنِ النُّعْمانِ بنِ بشيرٍ رضي اللّه عنْهُمَا قَالَ: أُغْمِي على عبْدِ اللّه بنِ رَواحَةَ رضي اللّه عنْهُ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ تبكي، وتَقُولُ: واجبلاهُ، واكذَا، واكَذَا: تُعدِّدُ علَيْهِ. فقَال حِينَ أفَاقَ: ما قُلْتِ شيْئًا إلّا قِيل لي: أنْتَ كَذٰلِكَ؟،
رواهُ البُخَارِي
مفردات الحديث
- تعدد عليه: تذكر شمائله على طريقة أهل الجاهلية.
- شيئًا: أي من الصفات التي ذكرتها.
- قيل لي: الظاهر أنّ القائل الملائكة.
فوائد الحديث
- النهي عن الندب على الميت وغيره، وخاصة إذا كان بصفات ليست في المندوب، وهو إساءة له، لأنّه يقرع على ذلك ويلام عليه.
1663
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عَنِ ابن عُمر رضي اللّه عنْهُمَا قَال: اشْتَكَى سعْدُ بنُ عُبادَةَ رضي اللّه عنْهُ شَكْوَى، فَأَتَاهُ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يعُودُهُ معَ عبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عوْفٍ، وسَعْدِ بنِ أبي وقَّاص، وعبْدِ اللّه بن مسْعُودٍ رضي اللّه عنْهمْ، فلما دخَلَ عليْهِ، وجدهُ في غَشْيةٍ فَقالَ: «أَقضَى؟» قَالُوا: لا يا رسُولَ اللّه. فَبَكَى رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. فَلمَّا رَأى الْقَوْمُ بُكاءَ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بَكَوْا، قَالَ: «ألا تَسْمعُون؟ إنَّ اللّه لا يُعَذِّبُ بِدمْعِ الْعَيْنِ، ولا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، ولٰكِنْ يُعذِّبُ بِهٰذَا» وَأشَارَ إلى لِسانِهِ «أوْ يَرْحَمُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- شكوى: مرضًا يشتكي منه.
- يعوده: يزوره.
- غشية: أي حالة إغماء.
- قضى: مات.
- يعذب بهذا: أي بسببه إن أوقع به محرمًا من نياحة أو ندب.
- أو يرحم: إن أتى به بمطلوب شرعًا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فوائد الحديث
- أنّ بكاء العين وحزن القلب عند المصائب جائز لا عقاب عليه، كما أنّه لا ثواب فيه لأنّه أمر جبلي وفطري، وأمّا العقاب والثواب فمرتبطان بما يدلّ على السخط والضجر أو الرضى والتفويض.
- استحباب عيادة المريض والسؤال عنه، وهي من حقّ المسلم على أخيه المسلم.
- كمال فضله صلّى اللّه عليه وسلّم وتواضعه، ومدى شفقته على أصحابه وحسن تفقده لهم، وتعليمه الناس أحكام الشريعة في المناسبات، وتجلية الأمور لهم، وخاصّة مما شكّوا فيه أو التبس عليهم.
- حسن أسلوبه صلّى اللّه عليه وسلّم في تعليمه وإثارة انتباه السامعين لما يلقيه من إرشاد وتوجيه.
1664
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عَنْ أبي مالِكٍ الأشْعَريِّ رضي اللّه عنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تتُبْ قَبْل مَوْتِهَا تُقَامُ يوْمَ الْقِيامةِ وعَلَيْها سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، ودَرْعٌ مِنْ جرَبٍ»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- سربال: قميص.
- قطران: سائل أسود منتن من شأنه أنه يسرع في شعل النار.
- درع: هو مثل القميص أيضًا.
- جرب: داء يصيب الجلد ويترك فيه تجاويف.
فوائد الحديث
- الزجر عن النياحة، والحثّ على التوبة من فعلها.
- من رحمة اللّه تعالى قبول توبة العبد قبل الموت مهما كان ذنبه.
- بيان العقوبة الشديدة للنائحات، وأنّ ثيابها التي شقّتها تكون داء وبلاء عليها.
1665
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عنْ أُسَيدٍ بنِ أبي أُسِيدِ التَّابِعِيِّ عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ المُبايعات قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أخذ علَيْنَا رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، في المعْرُوفِ الَّذِي أخذَ علَيْنَا أنْ لا نَعْصِيَهُ فِيهِ: أَنْ لا نَخْمِشَ وَجْهًا، ولا نَدْعُوَ ويْلًا، ولا نَشُقَّ جيْبّا، وأنْ لا نَنْثُر شَعْرًا. رَواهُ أبو داوُدَ بإسْنادٍ حسنٍ
مفردات الحديث
- أُسَيد: هو من صغار التابعين.
- المبايعات: أي اللواتي بايعن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم.
- ألّا نخمش: ألّا نجرح من الخمش، وهو أن يجرح ظاهر البشرة بالظفر، ويطلق على الأثر.
- لا ندعو ويلًا: لا نقول يا ويلاه وما شابهه، وهو الندب والنياحة.
- ننثر شعرًا: ننشر وننفش ونمزق، وهو من فعل النساء غالبًا عند المصائب.
فوائد الحديث
- أنّ هذه الفعال من خصال الجاهلية، وأنّها من النياحة المنهي عنها، وعلى المسلمة وكل مسلم أن يتجنبها.
1666
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عَنْ أبي مُوسَى رضي اللّه عنْهُ أنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «ما مِنْ ميِّتٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ باكيهمْ، فَيَقُولُ: وَاجبلاهُ، واسَيِّداهُ أوَ نَحْو ذَلِك إلّا وُكِّل بِهِ مَلَكَانِ يلْهَزَانِهِ: أهَكَذَا كُنتَ؟»
رَوَاهُ التِّرْمِذي وقال: حديثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- ما من ميت: أي كل ميت.
- واسيداه: المراد به هنا السند والملجأ.
- يلهزانه: اللَّهْز الدَّفْعُ بجُمْعِ الْيَدِ في الصَّدرِ.
فوائد الحديث
- النهي عن الندب على الميت وأنّ ذلك مما يسبب له الأذى والعذاب.
- النهي عن أن نقول في الميت ما ليس فيه.
1667
باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
عنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اثْنتَانِ في النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، والنِّياحَة عَلى المَيِّتِ»
رواهُ مسلم
فوائد الحديث
- أنّ الطعن في النسب الثابت شرعًا والنياحة على الميت كل منهما من الكبائر التي قد تخرج مقترفها عن الإسلام، وتكون سبب خلوده في النار.
- التحذير من هاتين الخصلتين اللتين ما يقع فيهما المسلمون دون اكتراث ولا ارعواء.
1668
باب النّهي عن إتيان الكهّان والمنجّمين والعُرّاف وأصحاب الرمل والطوارق بالحصى وبالشعير ونحو ذلك
عنْ عائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلَ رسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أُنَاسٌ عنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَيءٍ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّه إنَّهُمْ يُحَدِّثُونَنَا أحْيَانًا بشْيءٍ فيكُونُ حقّاً؟ فَقَالَ رَسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «تِلْكَ الْكَلمةُ مِنَ الْحَقِّ يخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا في أذُنِ ولِيِّهِ، فَيخْلِطُونَ معهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ» مُتَّفَقٌ عليْهِ. وفي روايةٍ للبُخَارِيِّ عنْ عائِشَةَ رضي اللّه عنْهَا أنَّهَا سَمِعَت رَسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إنَّ الملائكَةَ تَنْزِلُ في العَنانِ وهو السَّحابُ فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ في السَّمَاءِ، فيسْتَرِقُ الشَّيْطَانُ السَّمْع، فَيَسْمعُهُ، فَيُوحِيهِ إلى الْكُهَّانِ، فيكْذِبُونَ معَهَا مائَةَ كَذْبةٍ مِنْ عِنْدِ أنفُسِهِمْ»
مفردات الحديث
- عن الكهان: أي قولهم وتحديثهم عما يكون وغيره.
- والكهان: جمع كاهن، وهو من يخبر عما يكون في المستقبل أو يجري في أماكن بعيدة أو قريبة من الأرض مما خفي عنه.
- ليسوا بشيء: أي من الحقّ والصدق.
- حقًا: أي فيقع على وفق قولهم.
- تلك الكلمة: كلامهم الذي وافق الواقع.
- يخطفها: يأخذها بسرعة.
- فَيَقُرُّهَا: أي: يُلقِيهَا.
- وليه: الذي يستخدمه من الكهان.
- فتذكر الأمر: يخبر بعضهم بعضًا به.
- يسترق السمع: يسمع مستخفيًا.
- فيوحيه: يقوله أو يلقيه.
فوائد الحديث
- النهي عن تصديق الكهّان، وأنّ ما يقولونه كذب واختلاق، وإن صدق في بعض الأحيان.
- ما يصدق من قول الكهّان هو من استراق الجنّ للسمع، وقد كانوا قبل بعثة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقعدون مقاعد دون السماء الدنيا يستمعون ما يجري في الملأ الأعلى، فبطل ذلك ومنعوا منه ببعثة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأصبحوا يسترقون السمع استراقًا فيقذفون بالشهب، وهذا ما أخبر به القرآن الكريم.
1669
باب النّهي عن إتيان الكهّان والمنجّمين والعُرّاف وأصحاب الرمل والطوارق بالحصى وبالشعير ونحو ذلك
عنْ صفيَّةَ بنْتِ أبي عُبيدٍ، عَنْ بَعْضِ أزْواجِ النبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ورضي اللّه عنْهَا عَنِ النبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «مَنْ أتَى عَرَّافًا فَسأَلَهُ عنْ شَيءٍ، فَصدَّقَهُ، لَمْ تُقْبلْ لَهُ صلاةٌ أرْبَعِينَ يوْمًا»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- صفية بنت أبي عبيد: زوج ابن عمر وأبوها أبو عبيد: هو ابن مسعود الثقفي.
- عن بعض أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: في رواية عند مسلم: عن حفصة بنت عمر رضي اللّه عنهما.
- عرافًا: هو الذي يدّعي معرفة مكان المسروق وأمثاله بأسباب ومقدمات يدعي معرفة الأمور بها، وقد يسمى فعله كهانة لأنّه شبيه بها.
- لم تقبل له صلاة: أي لا يكون له فيها ثواب وإن أسقطت عنه الواجب.
فوائد الحديث
- النهي عن تعاطي العرافة واستخدامها.
- النهي عن الاستعانة بالعرافين والكهان لمعرفة أمر من الأمور.
- تصديق العرافين يبطل ثواب العمل الصالح ومنه الصلاة، لأنّه نوع شرك وارتداد عن الإسلام، لما في قولهم من ادعاء علم الغيب واختلاق وكذب.
- بيانُ جزاءِ مَن أتَى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ.
1670
باب النّهي عن إتيان الكهّان والمنجّمين والعُرّاف وأصحاب الرمل والطوارق بالحصى وبالشعير ونحو ذلك
عنْ قَبِيصَةَ بن المُخَارِق رضي اللَّه عنْهُ قَالَ: سمِعْتُ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «الْعِيَافَةُ، والطِّيرَةُ، والطَّرْقُ، مِنَ الجِبْتِ»
رواهُ أبو داود بإسناد حسن
مفردات الحديث
- العيافة: زجر الطير للتشاؤم أو التفاؤل بأسمائها وأصواتها.
- الطِّيرة: التشاؤم
- الطَّرْقُ: هُوَ الضرب بالحصا، وفسر بأنه الخط يخط في الأرض، وكأنه من الطريق يطرقها إذا سار عليها.
- الجِبْتُ: كَلِمةٌ تَقَع على الصَّنَم والكَاهِن والسَّاحِرِ والسحر ونَحْوِ ذلكَ.
فوائد الحديث
- أنّ هذه الأمور الثلاثة على ما ذكر في معناها باطلة، وهي من أنواع الكهانة التي كان يتعاطاها أهل الجاهلية، فنفاها الإسلام وأبطلها ونهى عنها، وأخبر أنّها ليس لها تأثير في جلب نفع أو دفع ضر، وقرر أن تعاطيها والتصديق بها نوع شرك وضلال.
1671
باب النّهي عن إتيان الكهّان والمنجّمين والعُرّاف وأصحاب الرمل والطوارق بالحصى وبالشعير ونحو ذلك
عنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضي اللّه عنْهُما قَالَ: قَال رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «من اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ ما زَاد»
رَوَاهُ أبو داود بإسناد صحيح
مفردات الحديث
- اقتبس: استفاد.
- علمًا من النّجوم: أي من علم تأثيرها
- شعبة: قطعة وخصلة.
- السحر: مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع، وهو رقى وعُقد ونحو ذلك مما يؤثر في الأبدان والقلوب.
- زاد ما زاد: زاد من السحر ما زاد من علم النجوم.
فوائد الحديث
- النهي عن التنجيم على اختلاف أشكاله وعن تصديق المنجمين.
- أنّ التنجيم نوع من السحر، وهو من الكبائر التي تذكر مع الشرك باللّه تعالى وليس المراد بعلم النجوم علم الفلك.
- علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي تقع وستقع في مستقبل الزمان، مما يزعمون إدراكه من الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها.
1672
باب النّهي عن إتيان الكهّان والمنجّمين والعُرّاف وأصحاب الرمل والطوارق بالحصى وبالشعير ونحو ذلك
عَنْ معاويَةَ بنِ الحَكَم رضي اللّه عَنْهُ قَال: قُلْتُ يا رسُول اللّه إنّي حَدِيثُ عهْدٍ بِجاهِليَّةٍ، وقدّْ جَاءَ اللّه تعالى بالإسْلام، وإنَّ مِنَّا رجالًا يأتُونَ الْكُهَّانَ؟ قَال: «فَلا تَأْتِهِم» قُلْتُ: وَمِنَّا رجالٌ يتَطَيَّرُونَ؟ قال: «ذلكَ شَيءٌ يجِدُونَه في صُدُورِهِمْ، فَلا يَصُدُّهُمْ» قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ؟ قَالَ: «كَانَ نبيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ يَخُط، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ، فَذاكَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يأتون الكهان: أي يسألونهم عن أمور مغيبات
- ذلك شيء يجدونه في صدورهم: أي أمر خلقي بحسب الطبع لا يكلفون برفعه.
- فلا يصدهم: لا يعيقهم عن فعل ما عزموا عليه، فهم مكلفون ألّا يعملوا بمقتضاه.
فوائد الحديث
- أنّ ما يطرأ على المسلم من تشاؤم لأول وهلة لا يؤاخذ عليه، وإنّما يدفعه ولا يستسلم له أو يعمل بمقتضاه.
- هناك نوع من الخطّ لا يحرم والظاهر أنّه ما ليس فيه ادعاء غيب، بل هو معرفة أمور بناء على مقدمات وأسباب معلومة.
1673
باب النّهي عن إتيان الكهّان والمنجّمين والعُرّاف وأصحاب الرمل والطوارق بالحصى وبالشعير ونحو ذلك
عَنْ أبي مسعْودٍ الْبدرِي رَضيَ اللّه عنْهُ أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، ومهْرِ الْبَغِيِّ وحُلْوانِ الْكاهِنِ. متفقٌ عليهِ.
مفردات الحديث
- ثمن الكلب: أي بيعه وأخذ ثمنه.
- مهر البغي: ما يعطى للزانية على زناها وسمي مهرًا، لأنّه مال تأخذه مقابل التمكين من نفسها فهو على صورة المهر.
- حلوان الكاهن: ما يعطى للكاهن على كهانته.
فوائد الحديث
- تحريم بيع الكلب أو شرائه وأنّه لا ضمان على متلفه في جميع الأحوال لأنه نجس العين.
- ثمن الكلب وما تأخذه الزانية على زناها والكاهن على كهانته كسب خبيث لا يتملّك ولا يحل أكله، ومثله كل مال محرم أو قيمة محرم.
- لا يجوز إعطاء ثمن الكلب أو أجرة الكاهن وأمثاله، لأن ما حرم أخذه حرم إعطاؤه.
1674
باب النهي عن التطير
عنْ أنَسٍ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ويُعْجِبُني الفألُ» قالوا: ومَا الْفَألُ؟ قَالَ: «كَلِمةٌ طيِّبَةٌ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا عدوى: نفي لانتقال المرض إلى الصحيح، أو هو نهي عن تسبب ذلك.
- لا طيرة: نهي بصيغة النفي أي لا تتشاءموا بالطير وغيره.
- الفأل: هو أن تسمع كلامًا حسنًا فتستبشر به.
- كلمة طيبة: كلام حسن يبعث في النفس التفاؤل والطمأنينة.
فوائد الحديث
- النهي عن اعتقاد تأثير المرض بالصحيح رأسًا بسبب مخالطة المريض وأنّه لا أثر لشيء في شيء آخر إلّا بتقدير اللّه عز وجل.
- النهي عن التسبب بنقل المرض ومنه اختلاط الأصحاء بالمرضى لا سيما إذا ثبت أن الجرثوم يسري من شخص إلى آخر.
- النهي عن التشاؤم والحثّ على التفاؤل واستحبابه لما فيه من حسن الظنّ باللّه عزّ وجلّ.
- استحباب التكلّم بما يبعث في النفس البشرى والأمل والحثّ على استماعه وكراهة التكلّم بما يسوء النفس ويحملها على التشاؤم والتنفير من استماعه.
1675
باب النهي عن التطير
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي اللّه عَنْهُما قَالَ: قَالَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا عَدْوى وَلا طِيَرَةَ، وإنْ كَان الشُّؤمُ في شَيءٍ، فَفي الدَّارِ، والمَرْأةِ وَالفَرَسِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الشؤم: الشرّ، والتشاؤم توقع الشرّ مثل الطير.
فوائد الحديث
- أنّ الشؤم قد يتوقع في الأمور المذكورة، فإذا تشاءم المرء من واحدة منها تركها واستبدل بها غيرها. وقالوا: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليها، وشؤم الدار جار السوء.
- لا شؤم في غير ما ذكر في زمن أو مكان أو شيء من الأشياء مما يتشاءم منه أحيانًا بعض الناس.
1676
باب النهي عن التطير
عَنْ بُريْدةَ رضِيَ اللّه عَنْهُ أنَّ النبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كَانَ لا يتطَيَّرُ. رَواهُ أبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
فوائد الحديث
- كراهة التطير، والحثّ على الاقتداء به صلّى اللّه عليه وسلّم في عدم التطيّر من أي شيء والتفاؤل في كل شيء.
1677
باب النهي عن التطير
عنْ عُرْوَةَ بْنِ عامِرٍ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: ذُكِرتِ الطِّيَرَةُ عِنْد رَسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقَالَ: «أحْسَنُهَا الْفَألُ، وَلا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإذا رأى أحَدُكُمْ ما يَكْرَه، فَلْيقُلْ: اللَّهُمَّ لا يَأتي بالحَسَناتِ إلّا أنتَ، وَلا يَدْفَعُ السَّيِّئاتِ إلّا أنْتَ، وَلا حوْلَ وَلا قُوَّةَ إلّا بك»
حديثٌ صَحيحٌ رَوَاهُ أبو داودُ بإسنادٍ صَحيحٍ
مفردات الحديث
- لا تردّ مسلمًا: أي لا يجعله التشاؤم من شيء ممّا لا شؤم فيه يرجع عمّا عزم على فعله.
- ما يكره: ما يطّيّر به الناس عادة.
- بالحسنات: ما يرضي النفس ويسرها.
- السيّئات: المكروهات للأنفس.
فوائد الحديث
- من خلق المسلم التفاؤل وعدم التشاؤم.
- الاستعانة باللّه تعالى والالتجاء إليه لدفع شرّ ما يتوقع منه الشرّ، واستحضار معنى هذا الدعاء المذكور عند طروء ما يتشاءم منه الناس عادة، أو حصول شيء في النفس.
1678
باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدة أو دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي اللّه عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إنَّ الَّذِين يَصْنَعونَ هذِهِ الصُّورَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لهُمْ: أحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- هذه الصور: أي صور ذات الروح.
- أحيوا ما خلقتم: أي اجعلوا روحًا لما صنعتموه مشابهًا لخلق اللّه تعالى، والطلب للتعجيز.
فوائد الحديث
- النهي الشديد والتحريم الأكيد لصنع الصور، حيث يُعذّب فاعلها يوم القيامة وهو يُطلب منه جعل الروح فيها، ولا قدرة له على ذلك البتة.
- إذا اقتضت الحاجة إلى التصوير في التعليم أو تشخيص المرض فإن في الأمر سعة، ولكن بشرط ألّا تُتّخذ هدفًا وغاية في ذاتها، فإنّ الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، فما جاوزها إلى حدّ المباهاة بالتصوير فذلك حرام.
1679
باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدة أو دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
عَنْ عَائِشَةَ رضي اللّه عنهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لي بِقِرَامٍ فيهِ تماثيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم تَلوَّنَ وجْهُه وقَالَ:« يا عَائِشَةُ أشدُّ الناسِ عَذابًا عِنْدَ اللّه يَوْم الْقِيامةِ الَّذِينَ يُضَاهُون بخَلْقِ اللّه»
قَالَتْ: فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلنا مِنْهُ وِسادةً أوْ وِسادَتَيْن. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- قِرَام: هُوَ السِّتْرُ.
- سهْوة: هِيَ النَّافِذة في الحَائِطِ.
- تلوَّن وجهه: تغير وهو علامة الغضب.
- يضاهون بخلق اللّه: يشابهون خلق اللّه تعالى بصنعهم صور خلقه.
- فقطعناه: أي بحيث زالت الصورة المحرمة، أو زال احترامها.
فوائد الحديث
- النهي عن اتخاذ الصور، ويشتد النهي إذا كان على حالة فيها تعظيم، كأن تكون في إطار أو معلقة على ستائر وغيرها.
- يجب تنبيه الناس إلى حرمة تعليق الصور وتعظيمها، وخاصة، اتخاذها ووضعها على قبر صاحبها، فإن ذلك من البدع التي يجب إنكارها.
1680
باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدة أو دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللّه عنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَيُعَذِّبُهُ في جهَنَّم»
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَما لا رُوح فِيهِ. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- بكل صورة: أي بسببها أو بدلها.
- فاصنع: أي صوّر.
فوائد الحديث
- أنّ التصوير من الكبائر يعذب فاعله عذابًا شديدًا يوم القيامة على قدر ما صنع من صور.
- من استحلّ التصوير وهو يعلم تحريمه والإجماع عليه فهو مخلد في النار، ومن لم يكن كذلك كان مكثه في النار طويلًا.
- يجوز صنع الصور والتماثيل لشجر أو جبل أو نهر وغير ذلك مما لا روح له.
1681
باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدة أو دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللّه عنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورة في الدُّنْيَا، كُلِّفَ أنْ يَنْفُخَ فيها الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافخٍ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- كلف: أي تعجيزًا له.
- وليس بنافخ: أي لا يستطيع ذلك فيعذب على عدم الإتيان بالمأمور به.
فوائد الحديث
- الوعيد الشديد لمن صور صورة في الدنيا عذب بها يوم القيامة في النار والعياذ بالله.
1682
باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدة أو دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
عَن ابن مَسْعُودٍ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- التنفير من التصوير، وبيان عذاب المصورين يوم القيامة.
- التصوير نوعان:
- أ. التصوير والرسم باليد: بأن يخطط الإنسان الصورة بيده حتى يكملها، فتكون مثل الصورة التي خلق اللّه تعالى، لأنّه حاول أن يبدع كإبداع اللّه تعالى ويخلق كخلقه، فلا شكّ في تحريمه وأنّه من كبائر الذنوب.
- ب. أن يكون تصوير ذوات الأرواح بغير اليد: مثل التصوير بالكاميرا التي تنقل الصورة التي خلقها اللّه تعالى على ما هي عليه، من غير أن يكون للمصور عمل في تخطيطها سوى تحريك الآلة التي تنطبع بها الصورة على الورقة، فهذا محل نظر واجتهاد.
1683
باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدة أو دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
عَنْ أبي هُرَيْرَة رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «قَالَ اللّه تَعَالى: ومَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ ذهَب يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يخلق كخلقي: يصنع ما يشابه خلقي.
- ذرة: نملة حمراء صغيرة، أو الجزء الذي لا يتجزأ.
فوائد الحديث
- شدّة قبح عمل المصورين لأنّه اجتراء على مشابهة خلق اللّه تعالى مع ثبوت العجز لديهم عن ذلك.
- إثبات عجز البشريّة عن إيجاد شيء يضاهي خلق اللّه عزّ وجلّ من حيوان أو غيره مهما قل شأنه وصغر، وفي ذلك معجزة للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذ لم يجرؤ على ذلك أحد رغم ما توصلت إليه المعارف والعلوم.
1684
باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدة أو دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
عَنْ أبي طَلْحَةَ رضي اللّه عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الملائكة: أي ملائكة الرحمة لا مطلق الملائكة، لأنّ الحفظة لا يفارقون بسبب ذلك.
- بيتًا: وكل مكان.
فوائد الحديث
- أنّ اتخاذ الصور من الأمور الخبيثة التي تنفر منها الملائكة، ويكون وجودها في المكان سببًا لحرمان الرحمة، ومثلها الكلب.
1685
باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدة أو دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
عنِ ابن عُمرَ رضي اللّه عَنْهُمَا قالَ: وَعَدَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم جِبْرِيلُ أنْ يأتِيَهُ، فَرَاثَ عَليْهِ حتَّى اشْتَدَّ عَلى رَسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَخَرَجَ فَلَقِيهُ جبْرِيلُ فَشَكَا إلَيْهِ. فقَالَ: إنَّا لا نَدْخُلُ بيْتًا فيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أن يأتيه: أي في وقت معين.
- رَاثَ: أبْطأَ.
- اشتدّ عليه: وجد شدّة من تأخره، لطول انتظاره، أو ما لحقه من همّ لعدم مجيئه. فخرج: من المكان الذي انتظره فيه.
- فشكا: أي عاتبه على تأخره.
فوائد الحديث
- أنّ اتخاذ الكلاب من كبائر الذنوب إلّا ما استثنى الصيد والحرث والماشية.
1686
باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدة أو دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
عَنْ عَائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم جبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في سَاعَةٍ أنْ يأتِيَهُ، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعةُ ولم يأتِهِ، قَالَتْ: وَكَانَ بيَدِهِ عصًا، فَطَرَحَهَا مِنْ يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «مَا يُخْلِفُ اللّه وَعْدَهُ وَلا رُسُلُهُ» ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإذا جِرْوُ كَلْبٍ تحْتَ سَريره. فَقالَ: «مَتَى دَخَلَ هذا الْكَلْبُ؟» فَقُلْتُ: وَاللّه مَا دَرَيْتُ بِهِ، فأمر به فَأُخْرِجَ، فَجَاءَهُ جبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَقَال رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «وَعَدْتَني، فَجَلَسْتُ لكَ ولَم تَأتِني» فقالَ: مَنَعني الْكلْبُ الذى كَانَ في بيْتِكَ وإنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صورَةٌ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- ساعة: وقت معين.
- رسله: المراد هنا الملائكة.
- جرو: ولد الكلب والسباع، وقيل: الصغير من كل شيء.
- فجلست لك: انتظرتك.
فوائد الحديث
- سبب عدم دخول الملائكة استنكارهم لمخالفة أمر اللّه عز وجل، ولما في الكلب من رائحة كريهة ونجاسة.
1687
باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدة أو دينار أو وسادة وغير ذلك وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
عَنْ أبي الهيَّاجِ حَيَّانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: قال لي عَليُّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللّه عَنْهُ: ألا أبْعَثُكَ عَلى ما بَعَثَني عَلَيْهِ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ أنْ لا تَدَعَ صُورَةً إلّا طَمسْتَهَا، ولا قَبْرًا مُشْرِفًا إلّا سَوَّيْتَهُ.
رواه مسْلِمٌ
مفردات الحديث
- حيان بن حصين: هو تابعي من الثقات.
- طمستها: أزلتها.
- مشرفًا: مرتفعًا.
- سويته: أي جعلته مستويًا مع الأرض.
فوائد الحديث
- أن التصوير والصور من المنكرات التي يجب على ولاة الأمور منعها وإزالتها.
- النهي عن بناء القبور ورفعها عن الأرض، وأنّ من واجب ولاة الأمور المنع من ذلك.
1688
باب تحريم اتخاذ الكلب إلّا لصيد أو ماشية أو زرع
عنِ ابْنِ عُمَر رضي اللّه عَنْهُما: قَالَ سمِعْتُ رسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «من اقْتَنى كَلْبًا إلّا كَلْب صَيْدٍ أوْ مَاشِيةٍ فإنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يوْمٍ قِيراطَانِ» متفقٌ عليه. وفي روايةٍ: «قِيرَاطٌ»
مفردات الحديث
- اقتنى: من القنية، هي اتخاذ الشيء للتجارة فيه.
- الماشية: الإبل والغنم والبقر، وكلب الماشية ما يتخذ لحراستها.
- قيراطان: مثنى قيراط، وهو جزء من أربعة وعشرين جزءًا من الشيء.
فوائد الحديث
- اقتناء الكلاب لغير حاجة ينقص الثواب، وقد ذكر العلماء في سبب النقص المذكور هو صعوبة الاحتراز عما تحدثه الكلاب من نجاسة، فربما دخل النقص على عبادته بما ينقص ثوابها.
1689
باب تحريم اتخاذ الكلب إلّا لصيد أو ماشية أو زرع
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ أمْسَكَ كَلْبًا، فَإنَّهُ ينْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عملِهِ قِيرَاطٌ إلّا كَلْب حَرْثٍ أوْ مَاشِيَة» متفقٌ عليه. وفي رواية لمسلم: «مَنِ اقْتَنى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، ولا مَاشِيةٍ ولا أرْضٍ فَإنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ قِيراطَانِ كُلَّ يْومٍ»
مفردات الحديث
- أمسك: اقتنى.
- ولا أرض: أي لحراستها، دارًا كانت أم مزرعة.
فوائد الحديث
- تحريم اقتناء الكلاب لغير حاجة ويجوز اقتناؤها للحاجة كالصيد ولحراسة المواشي والزروع والبيوت إن احتاج لذلك.
- قيل في التوفيق بين رواية القيراط ورواية القيراطين: هو باعتبار كثرة الأقذار باتخاذها وقلّتها، أو هو باعتبار المدن والبوادي، فأهل المدن ينقص قيراطان من أجرهم، وأهل البوادي قيراط لأن احتمال الحاجة لديهم أكثر وقيل غير ذلك.
1690
باب كراهية تعليق الجرس في البعير وغيره من الدوابّ وكراهية اصطحاب الكلب والجرس في السفر
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللّه عنْهُ قَالَ: قال رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَصْحَبُ المَلائِكَةُ رُفْقَةً فيهَا كَلْبٌ أوْ جَرَسٌ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- لا تصحب: لا ترافق الملائكة غير الحفظة، وهم ملائكة الرحمة والاستغفار والحفظ.
- رفقة: جماعة ترافقهم في سفرك.
- فيها كلب: معهم كلب غير مأذون باتخاذه.
فوائد الحديث
- كراهة استصحاب الكلب غير المأذون في اتخاذه، كأن يكون لغير الصيد والحراسة.
- الحثّ على ذكر اللّه استحضارًا للملائكة، والابتعاد عمّا ينفرها.
1691
باب كراهية تعليق الجرس في البعير وغيره من الدوابّ وكراهية اصطحاب الكلب والجرس في السفر
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللّه عنْهُ أنَّ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «الجرسُ من مزَامِير الشَّيْطَانِ»
رَواهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- مزامير: هو الزمر والغناء بالقصب ونحوه.
فوائد الحديث
- النهي عن تعليق الأجراس وما شابهها مما يحدث مثل صوتها حتى لا تفوت بركة حضور الملائكة، وخاصة تعليقها على وسائل الركوب في السفر من دابة وغيرها إذ المسافر أحوج ما يكون إلى صحبة الملائكة وبركتهم وحفظهم، وسبب الكراهة ونفور الملائكة أنّه آلة زمر يرغبه الشيطان ويأنس به ويستهوي الناس.
- على المسلم أن يحرص على صحبة الملائكة ويبتعد عن كل ما من شأنه إبعاد الملائكة عنه.
1692
باب كراهة ركوب الجَلَّالة، وهي البعير أو الناقة التي تأكل العَذِرة فإن أكلت علفًا طاهرًا فطاب لحمها زالت الكراهة
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضِيَ اللّه عنْهُما قَال: نَهى رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عنِ الجَلاَّلَةِ في الإبلِ أنْ يُرْكَب عَلَيْهَا.
رواهُ أبو داود بإسناد صحيحٍ
مفردات الحديث
- الجَلاَّلَة: هي التي تأكل النجاسة والبعر، وعلة النهي عن الركوب أنّها تعرق فتلوّث ما عليها بعرقها، وكذلك يتغير ريح مرقها أو لحمها أو طعمها.
فوائد الحديث
- كراهة الركوب على الجلّالة حتى تزول عنها النجاسة، وذلك بأن تحبس وتأكل العلف الطاهر ويتيقن ذهاب النجاسة منها.
- ذكر النوويّ رحمه اللّه تعالى حمل الكراهة إذا اعتادت أكل النجاسات من عذرة وغيرها حتى ظهر عليها ريحها.
- سواء في الجلّالة الإبل والبقر والغنم وغيرها كالدجاج والإوزّ.
- حرص الإسلام على الطهارة والنظافة، والتنفير من القاذورات وما تعافه النفوس من النجاسات وسواها.
1693
باب النهي عن البصاق في المسجد والأمر بإزالته منه إذا وجد فيه والأمر بتنزيه المسجد عن الأقذار
عَنْ أنسٍ رضي اللّه عَنهُ أنَّ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «البُصَاقُ في المسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا»
متفق عليه
مفردات الحديث
- البصاق: ومثله البزاق، وهو ما يخرج من الإنسان من لعابه خارج فمه.
- يواريها: من المواراة، وهي التغييب.
- والمرَاد بِدَفْنِهَا إذا كانَ المسْجِدُ تُرابًا أوْ رَمْلًا ونَحْوَهُ فَيُوَارِيهَا تحْتَ ترابهِ، وقيل: المُرَادُ بِدفْنِهَا إخْرَاجُهَا مِنَ المسْجِدِ إذا كَانَ المْسْجِدُ مُبلَّطًا أوْ مجَصَّصًا، ويَغْسِلُهُ.
فوائد الحديث
- تحريم إلقاء الأقذار في المسجد من بصاق وغيره، وإذا كان القذر نجاسة كان التحريم أشد، ومن ألقى قذرًا في المسجد أثم ويستمر إثمه ما دام القذر موجودًا، وينبغي أن يستغفر اللّه تعالى عمّا فعل ويسرع في إزالته.
1694
باب النهي عن البصاق في المسجد والأمر بإزالته منه إذا وجد فيه والأمر بتنزيه المسجد عن الأقذار
عَنْ عائِشَةَ رضي اللّه عنْهَا أنَّ رسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم رَأى في جِدَارِ الْقِبْلَةِ مُخَاطًا، أوْ بُزَاقًا، أوْ نُخَامةً، فَحكَّه. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- النخامة: ما يخرج من الصدر وقد تطلق على ما يخرج من الأنف.
- فحكّه: أزاله بالحكّ.
فوائد الحديث
- تنزيه وتنظيف المساجد من القاذورات والأوساخ والاسراع في إزالتها.
1695
باب النهي عن البصاق في المسجد والأمر بإزالته منه إذا وجد فيه والأمر بتنزيه المسجد عن الأقذار
عَنْ أنَسٍ رضي اللّه عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إنَّ هذِهِ المسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لشيءٍ مِنْ هذا الْبوْلِ ولا القَذَرِ، إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللّه تَعَالى، وقَراءَةِ الْقُرْآنِ»
أوْ كَمَا قالَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. رواه مسلم
مفردات الحديث
- لا تصلح: لا يليق بها.
- إنّما هي لذكر اللّه: أي أنشئت وهيئت لذلك.
فوائد الحديث
- على المسلم إزالة ما يراه من قذر في المسجد، فإن كان القذر نجاسة وجب عليه إزالته، وإن كان غير ذلك ندب إليه. العناية بالمساجد نظافة وعبادة بذكر اللّه تعالى وقراءة القرآن الكريم وأداء الصلوات والتفقه في أحكام الدين وتعليم العلم النافع.
1696
باب كراهة الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع والشراء والإجارة ونحوها من المعاملات
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «مِنْ سمِعَ رَجُلًا ينْشُدُ ضَالَّةً في المسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدهَا اللّه علَيْكَ، فإنَّ المساجدَ لَمْ تُبْنَ لهذا»
رَواهُ مُسْلِم
مفردات الحديث
- ينشد ضالّة: يطلبها ويسأل عنها.
- ضالّة: الضائع من كل ما يقتنى من مال أو غير ذلك.
فوائد الحديث
- النهي عن البيع والشراء ونشد الضالّة وغير ذلك من أمور الدنيا في المسجد، والنهي للكراهة إن لم يحصل منه تشويش على مصلّ أو قارئ قرآن أو دارس علم ونحوه، فإن حصل شيء من ذلك كان محرما.
1697
باب كراهة الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع والشراء والإجارة ونحوها من المعاملات
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِذا رأَيتم مَنْ يَبِيعُ أَو يبتَاعُ في المسجدِ، فَقُولُوا: لا أَرْبَحَ اللّه تِجَارتَكَ، وَإِذا رأَيْتُمْ مَنْ ينْشُدُ ضَالَّةً فَقُولُوا: لا ردَّهَا اللّه عَلَيكَ»
رواه الترمذي وقال: حديث حسن
مفردات الحديث
- يبتاع: يشتري.
- ضالَّة: وهي الشَّيءُ الضَّائعُ.
فوائد الحديث
- الدعاء على من فعل شيئًا ممّا ذكر بعكس مطلوبه، ويندب ذلك لكل من سمعه أو رآه أو علمه.
1698
باب كراهة الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع والشراء والإجارة ونحوها من المعاملات
عَنْ بُريْدَةَ رضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ في المَسْجِدِ فَقَالَ: منْ دَعَا إِلى الجَملِ الأَحْمرَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم «لا وَجَدتَّ، إِنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- لِما بُنيت له: أي من الصلاة والذكر وتعلّم العلم.
فوائد الحديث
- أنّ المساجد بنيت لذكر اللّه تعالى والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها.
- من أراد أن ينشد ضالّة فليخرج خارج المسجد، ولو كتب ورقة وعلقها على الجدار الخارجي للمسجد فلا بأس بذلك.
1699
باب كراهة الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع والشراء والإجارة ونحوها من المعاملات
عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ فِي المسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فيهِ ضَالَّةٌ، أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ.
رواهُ أَبُــودَاودَ، والتِّرمذي وقال: حَديثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- أن ينشد فيه شعر: أن يقال فيه شعر ممّا ليس مشتملًا على علم من العلوم الشرعية والإسلامية.
فوائد الحديث
- النهي عن البيع والشراء داخل المسجد.
- المساجد بما أنّ اللّه أضافها إلى نفسه وأضافها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ربّه، فلها حرمة ولها أحكام واحترام وتعظيم.
- المساجد أسواق الآخرة وليست أسواق الدنيا، ومن آدابها تنزيهها عن كل ما ليس له علاقة بالآخرة.
- لا بأس بالتحدث في المساجد لمصالح المسلمين فيما يخص أحوالهم الدينية والاجتماعية وما له نفع عام للمسلمين.
1700
باب كراهة الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع والشراء والإجارة ونحوها من المعاملات
عَنِ السَّائِبِ بْنِ يزيدَ الصَّحَابي رَضِيَ اللّه عنْهُ قالَ: كُنْتُ في المَسْجِدِ فَحَصَبني رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللّه عَنْهُ فَقَالَ: اذهَبْ فأْتِني بِهَذيْنِ فَجِئْتُهُ بِهمَا، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ فَقَالا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مسْجِدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ رَوَاهُ البُخَارِي.
مفردات الحديث
- فحصبني: رماني بالحصباء، وهي صغار الحصى.
- في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: تخصيصه بالذكر لبيان مزيد فضله على ما سواه، ويلحق به باقي المساجد.
فوائد الحديث
- كراهة رفع الصوت في المسجد ولو كان في ذكر أو قراءة القرآن ويحرم ذلك إن أحدث تشويشًا، وتشتد الكراهة والحرمة إن كان في خصومة وما شابهها.
- يستحب لمن أراد أن ينبه أحدًا إلى شيء في المسجد أن يشير إليه أو يرميه بشيء حتى لا يرفع صوته.
- الحثّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المسجد وغيره لأنّه من أعظم مقاصد الإسلام، ومنه أمر ونهي من خالف آداب المساجد.
- جواز العقوبة البدنية بالضرب وغيره لمن خالف شرع اللّه عز وجل.
- بيوت اللّه تعالى جعلت للطاعة والعبادة فيجب رعايتها.
1701
باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو غيره ممّا له رائحة كريهة عن دخول المسجد قبل زوال رائحته إلّا لضرورة
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّه عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «منْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْني الثُّومَ فلا يقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» متفقٌ عليه. وفي روايةٍ لمسلم: «مَسَاجِدَنَا»
فوائد الحديث
- نهي من أكل ثومًا من إتيان المسجد لما في ذلك من أذية المصلين والملائكة.
- أنّ هذا النهي عن قربان المساجد لمن أكل ثوما ليس رخصة وإنما هو عقوبة.
1702
باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو غيره ممّا له رائحة كريهة عن دخول المسجد قبل زوال رائحته إلّا لضرورة
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ النبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ فَلا يَقْربنَّا، وَلا يُصَلِّينَّ مَعنَا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- هذه الشجرة: أي الثوم.
فوائد الحديث
- أنّ أكْل الثوم ليس بمحرم؛ لأن الحرام لا يقال فيه: مَن فعَله فلا يفعل كذا.
- من شأن المسلم أن يكون طيب الرائحة وخاصة عند حضور المجتمعات وأماكن العبادة كي لا يكره الناس مجالسته والدنو منه.
1703
باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو غيره ممّا له رائحة كريهة عن دخول المسجد قبل زوال رائحته إلّا لضرورة
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزلْنَا، أَوْ فَلْيَعْتَزلْ مَسْجدَنَا» متفقٌ عليه. وفي رواية لمُسْلِمٍ: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّوم، وَالْكُرَاث، فَلا يَقْرَبَنَّ مسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يتأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدمَ»
مفردات الحديث
- الكراث: بقل يشبه البصل كريه الرائحة مثله.
فوائد الحديث
- كراهة حضور المسلم لصلاة الجماعة ما دامت الرائحة توجد منه ظاهرة، تؤذي من حوله، سواء كان ذلك من أكل الثوم أو البصل أو الكراث، أو غيرها من الأشياء المكروهة الرائحة كالدخان، حتى تذهب الرائحة، مع العلم بأنّ الدخان مع قبح رائحته محرم لأضراره الكثيرة وخبثه المعروف.
- حرص الإسلام على تآلف الناس وإبعاد كل ما من شأنه تنفيرهم أو تفريق جموعهم.
1704
باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو غيره ممّا له رائحة كريهة عن دخول المسجد قبل زوال رائحته إلّا لضرورة
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّهُ خطَبَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ ما أُرَاهُمَا إِلّا خَبِيثَتَيْنِ: الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذَا وَجَدَ ريحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي المَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا، فَلْيُمِتْهُمَا طبْخاً.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- ما أراهما: لا أعلمهما.
- خبيثتين: أي المستكره طعمه أو ريحه كالثوم والبصل.
- البقيع: مقبرة أهل المدينة.
- فليمتهما: أي بإذهاب ريحهما.
فوائد الحديث
- النهي عن أكل البصل والثوم وكل ذي رائحة كريهة لمن أراد المجيء إلى المسجد، وتنتفي الكراهة إذا أُكلا بعد طبخهما وزالت رائحتهما.
- تجب العناية بنظافة المساجد واختيار أطيب الثياب عند ارتيادها ونزع ملابس العمل التي تخرج منها الروائح الكريهة، ويقاس على البصل والثوم الدخان إذا كان مدمنه يؤذي الناس برائحة فمه.
- على ولاة الأمور أن يقوموا بمراقبة المساجد ويعتنوا بنظافتها ويوجهوا الناس إلى ذلك.
1705
باب كراهة الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب لأنه يجلب النوم فيفوت استماع الخطبة ويخاف انتقاض الوضوء
عنْ مُعَاذِ بْنِ أَنسٍ الجُهَنيِّ، رَضِيَ اللّه عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَى عَنِ الحِبْوَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ.
رواهُ أبو داود، والترمذيّ وَقَالا: حدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- الحبوة: الاحتباء هو أن يجلس على أليتيه، ويضم فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعيه ليستند.
فوائد الحديث
- أنّ الحبوة تُكره إن كان في سنده لين.
- نهى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحِبْوَة والإمام يخطب يوم الجمعة لسببين:
- الأول: أنّه ربما تكون هذه الحبوة سببًا لجلب النوم إليه، فينام عن سماع الخطبة.
- والثاني: أنّه ربما لو تحرك لبدت عورته، لأنّ غالب لباس الناس فيما سبق الأزر والأردية، ولو تحرك أو انقلب لبدت عورته. أمّا إذا أمن ذلك فإنّه لا بأس بها؛ لأنّ النهي إذا كان لعلة معقولة فزالت العلة فإنه يزول النهي.
1706
باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي عن أخذ شيء من شعره أو أظافره حتى يضحي
عَنْ أُمِّ سَلَمةَ رضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذا أُهِلَّ هِلالُ ذِي الحِجَّة، فَلا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْره وَلا منْ أَظْفَارهِ شَيْئاً حتى يُضَحِّيَ»
رَواهُ مُسْلِم
مفردات الحديث
- ذبح: أي ما يذبح من الأنعام.
- فلا يأخذنّ: لا يقصنّ.
فوائد الحديث
- ترك قصّ الشعر والظفر بدخول شهر ذي الحجّة لمن أراد أن يضحي وكراهة قصّهما، وقيل من الحِكم في ذلك حتى تشمل المغفرة جميع أجزاء بدنه عند التضحية مثل التضحية بالهدي في الحج.
- إذا اقتضت الحاجة إلى قصّ الشعر أو الظفر لمرض أو جرح عارض جازَ قصُّه.
1707
باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبيّ والكعبة والملائكة والسماء والآباء والحياة والروح والرأس ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة وهي من أشدها نهيًا
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضِيَ اللّه عنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قَالَ: «إِنَّ اللّه تَعالى ينْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا، فلْيَحْلِفْ بِاللّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» متفقٌ عليه. وفي رواية في الصحيح: «فمنْ كَانَ حَالِفًا، فَلا يَحْلِفْ إِلّا بِاللّهِ، أَوْ لِيسْكُتْ»
فوائد الحديث
- أنّ اليمين لا تكون إلّا باللّه تعالى، أو بصفة من صفاته كعلم اللّه وقدرته.
- تحريم الحلف بالآباء وبغيرهم من سائر المخلوقين، لأنّ الحلف تعظيم ولا يستحق التعظيم إلّا اللّه تبارك وتعالى.
1708
باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبيّ والكعبة والملائكة والسماء والآباء والحياة والروح والرأس ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة وهي من أشدها نهيًا
عنْ عَبْدِ الرحْمنِ بْن سمُرَةَ، رضِي اللّه عنْهُ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تحْلِفوا بِالطَّواغِي، ولا بآبائِكُمْ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الطواغي: المراد بالطواغي من طغى في الكفر وجاوز في الشر، وهم عظماؤهم ورؤساؤهم، وقيل هِي الأصْنَام، وَمِنْهُ الحديثُ: «هذِهِ طاغِيةُ دوْسٍ»: أَيْ: صنمُهُم ومعْبُودُهُم، وقيل هُو الشَّيطانُ وَالصَّنمُ، وقيل يطلق على كل باطل.
فوائد الحديث
- تحريم الحلف بالآباء وبالرؤساء والأصنام وما شابهها من كل باطل وهو كفر إن قصد تعظيمها، لا سيما إذا كانت مما يقدس ويعبد من دون اللّه تعالى.
1709
باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبيّ والكعبة والملائكة والسماء والآباء والحياة والروح والرأس ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة وهي من أشدها نهيًا
عنْ بُريْدة رضِي اللّه عنهُ أَنَّ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «من حلَف بِالأَمانَةِ فليْس مِنّا»
حدِيثٌ صحيحٌ، رواهُ أَبُو داود بإِسنادٍ صحِيحٍ
مفردات الحديث
- الأمانة: قيل أراد بالأمانة الفرائض أي لا تحلفوا بالصلاة والحج والصوم ونحوها.
- فليس منّا: أي من أهل سنّتنا.
فوائد الحديث
- تحريم الحلف بالأمانة، واليمين لا تنعقد إلّا باللّه تعالى أو بصفاته وليست منها الأمانة، وإنّما هي أمر من أمره وفرض من فروضه فنهوا عنه، لما يوهمه الحلف بها من مساواتها لأسماء اللّه تعالى.
1710
باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبيّ والكعبة والملائكة والسماء والآباء والحياة والروح والرأس ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة وهي من أشدها نهيًا
عنْ بُريْدة رضِي اللّه عنهُ قال: قال رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «منْ حلفَ، فقال: إِنّي برِيءٌ مِنَ الإِسلامِ فإِن كانَ كاذِبًا، فَهُو كما قَالَ، وإِنْ كَان صادِقًا، فلَنْ يرْجِع إِلى الإِسلامِ سالِمًا»
رواه أبو داود
مفردات الحديث
- فقال إنّي بريء من الإسلام: أي إن لم يكن الأمر كذلك، أو إن لم أفعل كذا.
- فهو كما قال: أي أنّه بريء من الإسلام، لأنّه قال ذلك وهو قاصد له.
- سالمًا: أي من خلل في إسلامه.
فوائد الحديث
- النهي عن الحلف بهذه الصيغة وأشباهها، كأن يقول هو كافر إن فعل كذا، وهو على دين كذا إن كان كذا، وقال العلماء: إن هو حلف بذلك وقصد العزم على الكفر إن حصل ما علق عليه فهو كافر في الحال، وإن قصد الامتناع من المحلوف عليه أبدًا ولم يقصد شيئًا فلا يكفر، لكنّه لفظ شنيع قبيح يجب أن يستغفر اللّه تعالى من إثمه ويأتي بالشهادتين استحبابا إصلاحًا لما قد أصاب إسلامه من خلل.
1711
باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبيّ والكعبة والملائكة والسماء والآباء والحياة والروح والرأس ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة وهي من أشدها نهيًا
عنِ ابْن عمر رضِي اللّه عنْهُمَا أَنَّهُ سمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لا والكعْبةِ، فقالَ ابْنُ عُمر: لا تَحْلِفْ بِغَيْرِ اللّهِ، فإِني سَمِعْتُ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «منْ حلفَ بِغَيْرِ اللّهِ، فَقدْ كَفَر أَوْ أَشرْكَ»
رواه الترمذي وقال: حدِيثٌ حسَنٌ
مفردات الحديث
- كَفر أَوْ أشركَ: هذا للزَّجرِ والتَّغليظِ في النَّهيِ والامتِناع عنْ مثلِ هذا الحلِفِ، وليسَ هذا شِركًا محضًا؛ فالحلفُ بغيرِ اللّهِ من الشِّركِ الأصغرِ وقدْ نَهَى عَنه الشرعُ؛ لأنَّه ذَريعةٌ إلى الشِّركِ الأكبرِ ووَسِيلةٌ للوُقوعِ فيهِ.
فوائد الحديث
- النهي عن الحلف بغير اللّه تعالى وصفاته مطلقًا، فيدخل في النهي ما يكثر الناس الحلف به كالشرف والأولاد ورحمة أبيهم وغير ذلك، كما يدخل في ذلك الحلف بالأماكن المقدسة والأنبياء والصالحين وغيرهم.
- أنّ من حلف بغير اللّه تعالى وصفاته واعتقد أو قصد تعظيم المحلوف به كتعظيمه للّه تعالى فقد كفر.
1712
باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدًا
عَنِ ابْنِ مسْعُودٍ رضِي اللّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «منْ حلفَ علَى مَالِ امْرىءٍ مُسْلِمٍ بغيْرِ حقِّهِ، لقِي اللّه وهُو علَيْهِ غَضْبانُ» قَالَ: ثُمَّ قرأَ عليْنَا رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مِصَداقَه منْ كتاب اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعهْدِ اللّهِ وأَيْمانِهِمْ ثَمنًا قَلِيلًا [آل عمران: ٧٧] إلى آخِرِ الآيةِ: مُتَّفَقٌ عليْه.
مفردات الحديث
- بغير حقّه: أي حلف وهو غير محقّ ليأخذ مال المسلم بيمينه الكاذبة.
- مصداقه: أي ما يصدقه.
فوائد الحديث
- تحريم تعمّد الكذب باليمين والتنفير منه، لاسيما إذا كان في ذلك أكل أموال الناس بالباطل، أو إضاعة الحقوق على أصحابها.
1713
باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدًا
عَنْ أَبي أُمامةَ إِياسِ بْنِ ثعْلبَةَ الحَارِثِيِّ رضِـــيَ اللّه عَنْهُ أَنّ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «منِ اقْتَطعَ حَقَّ امْرِىءٍ مسْلِمٍ بِيمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَب اللّه لَهُ النَّارَ، وحرَّم عَلَيْهِ الْجـنَّةَ» فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: وإِنْ كَانَ شَيْئًا يسِيرًا يا رسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ كان قَضِيبًا مِنْ أَراكٍ»
رواهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- اقتطع: أخذ.
- بيمينه: أي بحلفه الكاذبة وهو يعلم.
- أراك: شجر يؤخذ منه عود السواك.
فوائد الحديث
- عظم ذنب أكل حقوق الناس بالحلف الكاذب ولو كانت الحقوق يسيرة، فإنّ الظلم عاقبته وخيمة مهما كان قدر الظلم ولو كان بمقدار عود الأراك.
- أنّ الوعيد شامل لكل حقّ اقتطعه العبد ظلمًا بيمينه الفاجرة، سواء كان من مسلم أو من ذي عهد.
- أنّه عند التنازع والترافع للقاضي على المدعي البيّنة، وعلى المدَّعى عليه اليمين.
1714
باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدًا
عنْ عبْدِ اللّهِ بْنِ عمرِو بْنِ الْعاصِ رضِي اللّه عَنْهُمَا عن النبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْن، وَقتْلُ النَّفْسِ، والْيَمِينُ الْغَمُوسُ» رواه البخاري. وفي روايةٍ له: أَنّ أَعْرَابِيًّا جاءَ إِلى النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَقال: يَا رَسُول اللّه ما الْكَبَائِرُ؟ قالَ: «الإِشْراكُ بِاللّهِ» قَالَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: «الْيَمِينُ الْغَمُوسُ» قُلْتُ: وَمَا الْيمِينُ الْغَمُوسُ؟ قال: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِىءٍ مسلم»
يعْنِي بِيمِينٍ هُوَ فِيها كاذِبٌ
مفردات الحديث
- اليمين الغموس: الذي يحلف على شيء وهو يعلمُ أنَّه كاذِب، وقيل: سُمِّيَ بذلك؛ لأنّه يَغمِسُ صاحِبه في النار.
فوائد الحديث
- اليمين الغموس من الكبائر التي تستوجب العقاب الشديد من اللّه تعالى وهي في مصافّ الشرك باللّه وقتل النفس وعقوق الوالدين، لأنّ كلًا منها ظلم وباطل واعتداء على الحقوق.
- من حلف يمينًا غموسًا فعليه التوبة وردّ الحقوق إلى أهلها.
1715
باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها أن يفعل ذلك المحلوف عليه ثم يكفّر عن يمينه
عَنْ عبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرةَ رضِي اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ لي رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «وَإِذَا حَلَفْتَ علَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَها خَيْرًا مِنهَا، فائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وكفِّرْ عن يَمِينك»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- وإذا حلفت على يمين: بدأ بالحديث بواو العطف ليدل على أنّه جزء من حديث معطوف على ما قبله، والحلف: هو اليمين وجمع بينهما للتأكيد.
- غيرها: أي غير البرّ باليمين وهو فعل المقسم عليه.
- فائْت: فافعل.
- كفّر: افعل الكفّارة.
فوائد الحديث
- يجوز للمسلم إذا حلف على أمر فرأى غيره أفضل منه أن يحنث في يمينه ويأتي ما هو خير ويكفّر عنها.
- جواز تقديم الكفّارة على الحنث عملًا بظاهر الأحاديث التي تدل على جواز التقديم.
- كفّارة اليمين: قال اللّه تعالى فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة: ٨٩].
- فإن عجز عن إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم صام ثلاثة أيام لقوله سبحانه وتعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: ٨٩] والأَوْلَى أن تكون متتابعة.
1716
باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها أن يفعل ذلك المحلوف عليه ثم يكفّر عن يمينه
عَنْ أَبي هُريْرَةَ رضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «منْ حلَف عَلَى يَمِينٍ فَرأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، ولْيَفْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»
رواهُ مسلم
فوائد الحديث
- يشرع للمسلم إذا حلف يمينًا باللّه تعالى أن يفعل شيئًا أو يتركه، ثم تبين له أنّ هذا الذي حلف على فعله أو تركه ليس خيرًا له، وأنّ الخير في خلافه، فيشرع له فعل ما هو خير له، ويجب عليه أن يكفِّر عن يمينه.
- كفّارة اليمين: قال اللّه تعالى فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة: ٨٩].
- فإن عجز عن إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم صام ثلاثة أيام لقوله سبحانه وتعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: ٨٩] والأَوْلَى أن تكون متتابعة.
1717
باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها أن يفعل ذلك المحلوف عليه ثم يكفّر عن يمينه
عَنْ أَبي مُوسَى رضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِنِّي واللّهِ إِنْ شَاءَ اللّه لا أَحلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنهَا إِلّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِيني، وأَتيْتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- هذا الحديث مطابقٌ لقول اللّه تعالى: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٤]، قال المفسرون معنى الآية: لا تجعلوا الحلف باللّه سببًا مانعًا لكم من البرِّ والتقوى، يُدعَى أحدكم إلى صلة رحمٍ أو برٍّ فيقول: حلفت باللّه ألّا أفعلَه، فيعتلّ بيمينه في ترك البرِّ.
- كفارة اليمين التي افترضها اللّه تعالى هي: إطعام عشَرة مساكين من أوسط الطعام، ويجزئ لكل مسكين كيلو ونصف من قوت البلد مثل الأرز أو الحنطة أو الشعير أو التمر، أو كسوتهم، لكل واحد لباسٌ يستر عورته في الصلاة، أو تحرير رقبة، فمن عجز عن هذه الثلاث، صام ثلاثة أيام، والأفضل في صيام هذه الأيام ولا يشترط أن تكون متتابعة.
1718
باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها أن يفعل ذلك المحلوف عليه ثم يكفّر عن يمينه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِي اللّه عنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ في يَمِينِهِ في أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللّهِ تَعَالى مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتي فَرَض اللّه عَلَيْهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يلَجّ: أَيْ يتَمادَى فِيها، وَلا يُكَفِّرُ وهو يرى أن غيرها خير منها.
- آثَمُ: أَيْ أَكْثَرُ إِثْمًا.
- أن يعطي كفارته التي فرض اللّه عليه: أي أن يحنث بيمينه ثم يدفع الكفارة التي فرضها اللّه تعالى على من حنث بيمينه.
فوائد الحديث
- من استثنى في يمينه فحنث فيها، فلا كفارة عليه، والاستثناء في اليمين هو: أن يقول: سأفعل كذا إن شاء اللّه، أو لن أفعل كذا إلّا أن يشاء اللّه، فمن استثنى في يمينه لم تلزمه اليمين ولا كفارتها، والدليل على ذلك: قول اللّه تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا.
- الحثّ على الاقتداء بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وخاصة في الأمور الشرعية.
1719
باب العفو عن لغو اليمين وأنّه لا كفارة فيه، وهو ما يجري على اللسان بغير قصد اليمين كقوله على العادة: لا واللّه، وبلى واللّه، ونحو ذلك
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّه عَنْهَا قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: لا يُؤَاخِذُكُمْ اللّه بِاللَّغْو في أَيْمَانِكُمْ في قَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللّهِ، وَبَلى واللَّهِ.
رواه البخاري
فوائد الحديث
- أن اليمين على ثلاثة أنواع:
- الغموس: هو اليمين الذي يَغمِسُ صاحِبه في النار، لأنّه يعلم أنَّه كاذِب،
- اللغو: وهي اليمين لا إثم فيها ولا كفارة عليها.
- المنعقدة: وهي اليمين التي يقصد صاحبها فعل شيء أو تركه والتي تجب فيها الكفارة.
1720
باب كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقًا
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «الحَلِفُ منْفَقَةٌ للسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ للْكَسْبِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- منفقة للسلعة: أي سبب نفاق البضاعة، أي رواجها وكثرة طلبها.
- ممحقة للكسب: أي سبب محق الربح، ونقصه وذهاب البركة منه.
فوائد الحديث
- الحثّ على ترك الحلف في التعامل والتحذير منه، لِما فيه من جعلِ اللّه تعالى سببًا لترويج البضاعة وجلب الربح والحصول على عرض من الدنيا قليل.
1721
باب كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقًا
عَنْ أَبي قَتَادَةَ رضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحلِفِ في الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يمحق: يَذهَبُ ببَركةِ الرِّزْقِ الَّذي تَحصَّل مِن بيعِهِ بِالحَلِفِ.
فوائد الحديث
- الحلف في المعاملات كالبيع وإن كان صادقا مكروه، وأما مع الكذب فحرام وهو كبيرة ويمين غموس، يَغمِس صاحِبه في النار.
1722
باب كراهة أن يسأل الإنسان بوجه اللّه عزّ وجلّ غير الجنّة وكراهة منع من سأل باللّه تعالى وتشفع به
عَنْ جابرٍ رضِيَ اللّه عَنْهُ قَال: قالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا يُسْأَلُ بوَجْهِ اللّهِ إِلّا الجَنَّة»
رواه أبو داود
مفردات الحديث
- لا يسأل: لا يطلب.
- بوجه اللّه: كأن يقول السائل: أسألك بوجه اللّه أن تعطيني كذا.
فوائد الحديث
- كراهة السؤال والتوسّل بوجه اللّه تعالى للوصول إلى عرض من أعراض الدنيا.
- جواز السؤال بوجه اللّه تعالى كل ما كان من نعم الآخرة.
1723
باب كراهة أن يسأل الإنسان بوجه اللّه عزّ وجلّ غير الجنّة وكراهة منع من سأل باللّه تعالى وتشفع به
عَن ابْنِ عُمَرَ رضِيَ اللّه عنْهُما قَالَ: قَال رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللّهِ، فأَعِيذُوهُ، ومنْ سَأَل باللَّهِ، فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ، فَأَجِيبُوه، ومَنْ صنَع إِلَيْكُمْ معْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ به، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُموهُ»
حديِثٌ صَحِيحٌ، رواهُ أَبُو داود، والنسائي بأسانيد الصحيحين
مفردات الحديث
- استعاذ: سأل باللّه أن يُجار ويُمنع من شيء.
- فأعيذوه: فأجيروه.
- كافئوه: قابلوه على إحسانه بإحسان مثله أو خير منه.
فوائد الحديث
- الحثّ على إجابة من استعاذ باللّه تعالى بأن يُجار ويُحمى.
- السؤال باللّه تعالى يختلف حكمه حسب علم السائل بالمسؤول، فإن كان يعلم أن المسؤول إذا سئل باللّه تعالى اهتزت مشاعره وأسرع لعطائه واغتنام القرب منه سبحانه جاز له سؤاله، وإن كان الأولى تركه لما فيه من استعمال اسم اللّه تعالى في غرض دنيوي.
- من خلق المسلم أن يقابل الإحسان بالإحسان وأن يعترف بالجميل ولو بالدعاء.
1724
باب تحريم قوله شاهنشاه للسلطان وغيره لأنّ معناه ملك الملوك ولا يوصف بذلك غير اللّه سبحانه وتعالى
عَنْ أَبي هُريْرَةَ رضِيَ اللّه عَنْهُ عن النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إِنَّ أَخْنَعَ اسمٍ عندَ اللّهِ عزَّ وجَلَّ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَملاكِ»
متفق عَلَيه
مفردات الحديث
- أخنع: أذلّ.
- تسمّى: سمّى نفسه أو سماه غيره وأقرّه.
- مَلِكُ الأَمْلاكِ: مِثْلُ شاهِنشَاهِ.
فوائد الحديث
- تحريم وصف المخلوقات بأوصاف العظمة والتقديس التي لا تقوم بغيره سبحانه وتعالى والتي تُخرج العبد عن وصفه الذاتي وهو الخضوع والعبودية للّه عزّ وجلّ.
1725
باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بسيد ونحوه
عن بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللّه عنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَقُولُوا للْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يكُ سَيِّدًا، فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عزَّ وَجَلَّ»
رواه أبو داود بإِسنادٍ صحيحٍ
مفردات الحديث
- إن يكن سيدًا: أي مرتفع القدر على من سواه.
- أسخطتم ربكم: أغضبتم. أي: إنْ أصبحَ هذا مَنهجَكُم واتخذْتُم المنافقينَ سادةً لكُم وكبراءَ علَيْكم، وجَعلتُم لهم الكَلِمةَ فيما بَيْنكم؛ فقدْ أغضَبْتُم اللّهُ مِنكم، واستحقَقْتم عدمَ رِضاهُ عَنكم.
فوائد الحديث
- تحريم وصف المنافق بأوصاف الاحترام والتقدير، وإن وصفه بذلك يستدعي غضب اللّه عزّ وجلّ لأنّه تعظيم لعدوه الخارج عن طاعته المستحق للإهانة والتحقير.
- يلحق بالمنافق الفاسق والكافر والمشرك والملحد والمبتدع المخالف لكتاب اللّه وسنّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم.
- لا يستحقّ الاحترام والتقدير إلّا من تواضع للّه تعالى بطاعته والتزم حدوده.
1726
بابُ كراهية سَبّ الحمّى
عنْ جَابرٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّ رسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم دخَلَ على أُمِّ السَّائبِ، أَوْ أُمِّ المُسَيَّبِ فقَالَ: «مَالَكِ يا أُمَّ السَّائبِ أَوْ يَا أُمَّ المُسيَّبِ تُزَفْزِفينَ؟» قَالَتْ: الحُمَّى لا بارَكَ اللّه فِيهَا، فَقَالَ: «لا تَسُبِّي الحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايا بَني آدم، كَما يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبثَ الحدِيدِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- تُزَفْزِفِينَ: تَتَحرَّكِينَ حرَكَةً سريعَةً، أي: تَرْتَعِدُ.
- خطايا: أي الذنوب الصغيرة المتعلقة بحق اللّه تعالى.
- الكير: الآلة التي ينفخ بها الحداد النار.
- خبث الحديد: الشوائب الغريبة عن معدنه.
فوائد الحديث
- أنّ الآلام والأسقام سبب لتكفير الآثام وزيادة الحسنات.
- كراهة سبّ ما يصيب الإنسان من الأمراض لما في ذلك من التبرم والضجر من قدر اللّه تعالى رغم ما فيها من خير للإنسان وفائدة له كما ذكر، ولا يعني هذا الاستسلام للأسقام وعدم التداوي فإنّه مأمور به شرعًا.
1727
باب النهي عن سبّ الريح وبيان ما يقال عند هبوبها
عَنْ أَبي المُنْذِرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ما تَكْرَهُونَ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هذِهِ الرِّيحِ وخَيْرِ مَا فِيهَا وخَيْرِ ما أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ ما فيها وشرِّ ما أُمِرَتْ بِهِ»
رواه الترمذي وقَالَ: حَديثٌ حسنٌ صحيح
مفردات الحديث
- ما تكرهون: أي من عصفها وشدتها.
- خير هذه الريح: أي الناشئ عنها كجمع السحاب الذي يتسبب عنه الغيث.
- خير ما فيها: الخير الذي فيها كتسيير السفن ونحو ذلك.
- ونعوذ: نستجير.
- شرّ هذه الريح: لكونها عاصفة أو ريحًا مهلكة.
- شرّ ما فيها: من تدمير وغيره.
- ما أمرت به: من إهلاك ما تمر عليه، كريح عاد التي لم تمر على شيء إلا جعلته كالرميم.
1728
باب النهي عن سبّ الريح وبيان ما يقال عند هبوبها
عنْ أَبي هُرَيْرةَ رَضِي اللّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بالعَذَابِ، فَإِذا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللّه خَيْرَهَا، واسْتَعِيذُوا باللّهِ مِنْ شَرِّهَا»
رواه أبو داود بإِسناد حسنٍ
مفردات الحديث
- من روح اللّه: مِن رحْمتِه وفرَجِه، يُرسِلُها ليُريحَ بها المؤمِنينَ.
فوائد الحديث
- النهي عن سبّ الريح.
1729
باب النهي عن سبّ الريح وبيان ما يقال عند هبوبها
عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّه عنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذا عَصِفَتِ الرِّيح قالَ: «اللَّهُمَّ إِني أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وخَيْر ما أُرسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بك مِنْ شَرِّهِا، وَشَرِّ ما فِيها، وَشَرِّ ما أُرسِلَت بِهِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- عصفت: اشتدت.
فوائد الحديث
- كراهة سبّ الرياح وغيرها من ظواهر الكون، لأنّها كلها مسخرة بأمر اللّه تعالى فيما خلقت له.
- ظواهر الكون آيات من آيات اللّه عزّ وجلّ ومظاهر من مظاهر قدرته يكون فيها الخير والرحمة لمن أراد اللّه تعالى رحمته، ويكون فيها الويل والثبور لمن أراد اللّه تعالى عذابه.
- الالتجاء إلى اللّه تعالى والتضرع إليه عند مشاهدة ما يسيء ويخيف من ظواهر الكون.
- الرياح فيها الخير الكثير من صلاح الرزق والبدن، وفيها الشر المستطير من إهلاك الحرث والنسل، فيحسن بالمسلم أن يسأل اللّه تعالى أن يمتعه بخيرها ويحفظه من شرها.
- استحباب الدعاء بما ورد عند هبوب الريح.
- ليس من خلق المسلم السبّ والشتم حتى ولو كان لغير الإنسان.
1730
باب كراهة سبّ الديك
عنْ زيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنيِّ رَضيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَسُبوا الدِّيكَ، فَإِنَّهُ يُوقِظُ للصلاةِ»
رواه أبو داود بإِسنادٍ صحيح
فوائد الحديث
- كراهة التضجر من صياح الديك وسماع صوته، وكراهة سبّه لأنّه يوقظ النائمين وينبههم فيبادرون إلى الصلاة والتهجد.
- من شأن المسلم أن يرغب بكل ما يعينه على طاعة اللّه تعالى وينبهه إلى ذلك.
1731
باب النّهي عن قول الإنسان مطرنا بنَوْء فلان
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: صلَّى بِنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُديْبِيَةِ في إِثْرِ سَمَاءٍ كَانتْ مِنَ اللَّيْل، فَلَمَّا انْصرَفَ أَقْبَلَ عَلى النَّاسِ، فَقَال: «هَلْ تَدْرُون مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤمِنٌ بي، وَكَافِرٌ، فأَمَّا مَنْ قالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللّهِ وَرَحْمتِهِ، فَذلِكَ مُؤمِنٌ بي كَافِرٌ بالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وَكذا، فَذلكَ كَافِرٌ بي مُؤمِنٌ بالْكَوْكَبِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- إِثْر سماء: أي إِثْر مَطَر.
- بنَوْء: أي سقط وغاب، وقيل: إذا طلع ونهض، لأنّ أهل الجاهلية كانوا إذا نزل مطر عند طلوع نجم أو غروبه نسبوا ذلك المطر إليه.
فوائد الحديث
- أنّ الفاعل الحقيقي في الحوادث هو اللّه سبحانه وتعالى، فينبغي نسبتها إليه.
- اعتقاد أن الأسباب مُوجدة لمسبباتها حقيقة كفر وإشراك باللّه عزّ وجلّ.
- نسبة الحوادث لأسبابها مع اعتقاد أن المؤثر الحقيقي هو اللّه تعالى جائز، وإن كان مكروهًا لما في ظاهره كفر لنعمة اللّه تعالى الموجد لها.
1732
باب تحريم قوله لمُسلم: يا كافر
عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّه عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذا قَالَ الرَّجُـلُ لأَخِيهِ: يَا كَافِر، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُما، فَإِنْ كَان كَمَا قَالَ وَإِلّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- باء بها: رجع متلبسًا بمعناها.
- فإن كان كما قال: أي فإن كان المقول له كافرًا كما قال القائل بأنّه ارتكب مكفرًا فهو من أهلها ولا شيء على القائل.
- وإلّا رجعت عليه: أي على القائل.
فوائد الحديث
- تحريم وصف المسلم بالكفر أو بأي وصف فيه معنى الكفر.
- من وصف مسلمًا بالكفر واعتقد كفره دون دليل قاطع عليه فقد كفر لجعله الإيمان كفرًا.
1733
باب تحريم قوله لمُسلم: يا كافر
عَنْ أَبي ذَرٍّ رَضِي اللّه عنْهُ أَنَّهُ سمِعَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «منْ دَعَا رَجُلًا بالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللّهِ، ولَيْس كَذلكَ إِلاَّ حَارَ علَيْهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- دعا رجلاً بالكفر: ناداه به كقوله: يا كافر، أو وصفه به.
- حار عليه: رجع على المنادي أو الواصف.
فوائد الحديث
- تحريم وصف المسلم بالكفر أو بأي وصف فيه معنى الكفر.
- من وصف مسلمًا بالكفر واعتقد كفره دون دليل قاطع عليه فقد كفر لجعله الإيمان كفرًا.
1734
باب النّهي عن الفحش وبذاء اللِّسان
عَن ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَيْس المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ، وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الْفَاحِشِ، وَلا الْبَذِيء»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ
مفردات الحديث
- ليس المؤمن: أي الكامل الإيمان.
- الطعّان: الطعن هو القدح والعيب في الأنساب وغيرها.
- اللعّان: اللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى، والمراد أن يحكم على الآخرين باللعن.
- الفاحش: الفحش هو القول السيء والقبيح
فوائد الحديث
- أنّ كمال الإيمان بالتخلي عن الأخلاق الذميمة والتحلي بالأخلاق الكريمة.
- الحثّ على البعد عن اللعن والطعن والسب والشتم وبذاء الكلام، وأن فعل ذلك دليل نقص الإيمان.
1735
باب النّهي عن الفحش وبذاء اللِّسان
عَنْ أَنَسٍ رضي اللّه عَنهُ قَاَل: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا كَانَ الْفُحْشُ في شَيْءٍ إِلّا شانَهُ، ومَا كَانَ الحَيَاءُ في شَيْءٍ إِلّا زَانَهُ»
رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسن
مفردات الحديث
- شانه: من الشين وهو النقص والعيب.
فوائد الحديث
- الحثّ على ترك الفحش، لأنّ الفاحش يجرؤ على الوقوع في كل معيب وناقص.
- الحثّ على التحلي بالحياء لأنّه يحمل على ترك ما يلام على فعله ويبعد من اتصف به عن ملابسة العيب والناقص.
1736
باب كراهة التقعير في الكلام والتشدّق فيه وتكلّف الفصاحة واستعمال وحشيّ اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُون»
قَالَهَا ثَلاثًا. رَوَاهُ مُسْلِم
مفردات الحديث
- المتنطعون: هم المتعمقون المتكلفون الداخلون فيما لا يعنيهم، الخائضون فيما لا تبلغه عقولهم، وقيل: هم المُبَالِغُونَ في الأَمُورِ.
فوائد الحديث
- التنفير من المغالاة في القول أو الفعل، والحثّ على ترك الأمور تجري ببساطة دون تكلف.
1737
باب كراهة التقعير في الكلام والتشدّق فيه وتكلّف الفصاحة واستعمال وحشيّ اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم
عَن عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللّه عنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِنَّ اللّه يُبْغِضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ الْبَقَرَةُ»
رَواه أَبو داودَ، والترمذي، وقال: حديثٌ حسن
مفردات الحديث
- يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة: أي الذي يتشدق بلسانه في الكلام ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفًا.
فوائد الحديث
- ينبغي للمسلم أن يتكلم بالكلام المتوسط المعتاد والذي يفهمه السامع ويحصل به المقصود ويكره التقعر في الكلام.
1738
باب كراهة التقعير في الكلام والتشدّق فيه وتكلّف الفصاحة واستعمال وحشيّ اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّه عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِليَّ، وَأقْرَبِكمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيامةِ، أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِليَّ، وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يوْمَ الْقيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ، وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ»
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن
مفردات الحديث
- الثرثارون: جمع ثرثار من الثرثرة وهي كثرة الكلام وترديده تكلفًا.
- المتشدقون: أي الذي يلوي الشدق للتفصح، وهو جانب الفم ومثله التقعر وهو أقصى الفم.
- المتفيهقون: أي الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه.
فوائد الحديث
- الحثّ على ترك التشدق والتفيهق في الكلام والإكثار منه دون جدوى، وظاهر الأحاديث تحريم ذلك، لأنّه سبب بغض اللّه تعالى وخذلانه والبعد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم القيامة.
- على المسلم أن يبقى على سجيته وطبيعته في الكلام من غير تقعر وتشدق وتظاهر بالفصاحة والمنطق والبلاغة متكلفًا ذلك، وإنّما ينبغي أن يوضح كلامه ويبينه ويستعمل المفهوم من الكلمات.
- من كمال خلق المسلم أن يتواضع في كلامه وحديثه.
1739
باب كراهة قوله خبثت نفسي
عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللّه عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسي، وَلكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- خبُثَتْ نفسي: أي لَقِسَتْ إنَّما كَرِه خَبُثَت هربًا من لفظِ الخُبث والخَبِيث الذي يُوصَف به الشياطينُ والكَفَرةُ والفَجَرةُ.
- لَقِسَت نفسي: فَتَرت وكسِلت.
فوائد الحديث
- يُكره للمسلم أن يصف نفسه بالخبث، لأنّ اللّه تعالى كرّمه.
- الحثّ على الأدب في النطق واستعمال اللفظ الحسن وهجران الكلام القبيح.
1740
باب كراهة تسمية العنب كرمًا
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضَيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، فإِنَّ الْكَرْمَ المُسْلِمُ» متفقٌ عليه. وهذا لفظ مسلمٍ. وفي روَايةٍ: «فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ» وفي رواية للبخاري ومسلِم: «يَقُولُونَ الْكرْمُ إِنَّمَا الْكَرْمُ قلْبُ المُؤْمِنِ»
مفردات الحديث
- فإن الكرم المسلم: أي إن المستحق للاسم المشتق من الكرم المسلم، ومثله: إنما الكرم قلب المؤمن.
فوائد الحديث
- كراهة تسمية العنب كرمًا، ومن أسباب كراهة ذلك أن لفظة (الكرم) كانت العرب تطلقها على شجر العنب، وعلى العنب، وعلى الخمر المتخذة من العنب، سموها كرما لكونها متخذة منه، ولأنّها تحمل على الكرم والسخاء، فكره الشرع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره؛ لأنّهم إذا سمعوا اللفظة ربما تذكروا بها الخمر، وهيجت نفوسهم إليها، فوقعوا فيها، أو قاربوا ذلك.
1741
باب كراهة تسمية العنب كرمًا
عَنْ وَائِلِ بْنِ حَجرٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «لا تَقُولُوا: الْكَرْمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبُ، وَالحبَلَةُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الحبَلَة: شجر العنب.
فوائد الحديث
- سبب كراهة إطلاق لفظ الكرم على العنب، لأنّه يعطيها شيئًا من المدح الذي هو من خصائص المسلم النقي.
- أنّ تسميتها بما لا مدح فيه لتأكيد ذمها وتحريمها، وأخبر أنّ قلب المؤمن لما فيه من نور الإيمان أولى بذلك الاسم.
1742
باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل إلّا أن يحتاج إلى ذلك لغرض شرعي كنكاحها ونحوه
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّه عنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تُبَاشِرِ المرْأَةُ المَرْأَةَ، فَتَصِفَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا تباشر: لا تنظر إليها ولا تمس بشرتها فتعرف ما فيها من المحاسن الظاهرة والخفية.
- كأنّه ينظر إليها: كأنّه يشاهدها لدقة الوصف.
فوائد الحديث
- تحريم وصف المرأة لرجل أجنبي عنها، لأنّ الوصف في حكم النظر والمشاهدة، ويحرم على الرجل النظر إلى امرأة أجنبية ومشاهدتها.
- أنّ الحكمة من النهي خشية أن يعجب الموصوف له الموصوفة فيتعلق قلبه بها فيقع في الفتنة، وقد تكون الواصفة زوجته كما في الحديث فربما أدى ذلك إلى تطليقها، وفي ذلك من المفاسد ما لا تحمد عقباه.
- لا يجوز ذكر الأوصاف المثيرة للفتنة في كلا الجنسين الرجل والمرأة درءًا للمفاسد، إلّا إذا كان لقصد الزواج.
- على النساء المسلمات أن يتورعن فلا يكشفن عن مفاتنهن وحسنهن وزينتهن أمام النساء اللواتي لا يتورعن من ذكر محاسنهن للرجال.
1743
باب كراهة قول الإنسان: اللّهم اغفر لي إن شئت بل يجزم بالطلب
عنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي إِنْ شِئْتَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْني إِنْ شِئْتَ، لِيعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فإِنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ» متفـــقٌ عليه. وفي روايةٍ لمُسْلِمٍ: «وَلكنْ، لِيَعْزِمْ وَلْيُعْظِمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللّه تَعَالى لا يتَعَاظَمُهُ شَـيْءٌ أَعْطَاهُ»
مفردات الحديث
- ليعزم المسألة: أي الشدة في طلبها مع الجزم، ويجِدّ فيها ويقطعها من غير ضعف في الطلب والتعليق على المشيئة ونحوها، وقيل: هو حسن الظنّ باللّه في الإجابة.
- لا مكره له: تعليل للنهي عن التعليق، والمعنى: أنّه لا يتحقق استعمال المشيئة إلّا في حقّ من يتوجه عليه الإكراه فيُخفف عنه ويعلم أنّه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه واللّه تعالى منزه عن ذلك.
- ليعزم وليعظم الرغبة: ليشتد في طلب ما يريد وليبالغ في مطلوبه.
- ولا يتعاظمه شيء أعطاه: لا يعظم عليه أي مطلوب دنيويًا كان أم أخرويًا.
فوائد الحديث
- استحباب الجزم في الدعاء والطلب من اللّه تعالى، وكراهة التعليق على المشيئة، لما في ذلك من إيهام الاستغناء عن حصول المطلوب، وأنّه يستوي عنده حصوله وعدمه، وأنّه يستغني أيضًا عن المطلوب منه، وأيضاً لما فيه من إيهام التخفيف عليه سبحانه وهو لا مكره له ولا يصعب عليه شيء.
1744
باب كراهة قول الإنسان: اللّهم اغفر لي إن شئت بل يجزم بالطلب
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذا دعا أَحَدُكُمْ، فَلْيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، وَلا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ، فَأَعْطِني، فَإِنَّهُ لا مُسْتَكْرهَ لَهُ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- استحباب الجزم في الدعاء والطلب من اللّه تعالى، وكراهة التعليق على المشيئة، لما في ذلك من إيهام الاستغناء عن حصول المطلوب، وأنّه يستوي عنده حصوله وعدمه، وأنّه يستغني أيضًا عن المطلوب منه، وأيضاً لما فيه من إيهام التخفيف عليه سبحانه وهو لا مكره له ولا يصعب عليه شيء.
- الاجتهاد في الدعاء والإلحاح في الطلب من الله تعالى من خيري الدنيا والآخرة مع الرجاء في الإجابة، وعدم القنوط من رحمته فإنّه كريم لا يخيب من سأله.
- من كان يعلم من نفسه تقصيرًا في جنب اللّه تعالى فلا يمنعه ذلك من الدعاء والطلب منه سبحانه لأنّه عفو كريم، وليجتهد في تدارك تقصيره.
1745
باب كراهة قول: ما شاء اللّه وشاء فلان
عنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «لا تَقُولوا: ما شاءَ اللّه وشاءَ فُلانٌ، ولكِنْ قُولوا: مَا شَاءَ اللَّه، ثُمَّ شَاءَ فُلانٌ»
رواه أبو داود بإِسنادٍ صحيح
فوائد الحديث
- كراهة عطف مشيئة الإنسان على مشيئة اللّه تعالى بالواو، ولما يتوهمه ذلك من المشاركة في وقت المشيئة والفارق بينهما كبير، لأنّ مشيئة اللّه تعالى أزلية قديمة ومشيئة العبد حادثة ممكنة.
- لا كراهة بالعطف بثمّ لأنّها موضوعة للترتيب أي إن معطوفها وهو مشيئة الإنسان هنا لا يكون إلّا بعد المعطوف عليه وهو مشيئة اللّه تعالى هنا.
- يجب التنبيه إلى ضرورة تصحيح عبارات الناس من قولهم ليس لنا إلّا اللّه وأنت، واعتمدنا على اللّه وعليك، وأمثال هذه العبارات ليؤتى بها (بثم) بدل (الواو).
1746
باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة
عَنْ أَبي بَرْزَةَ رَضِي اللّه عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كَانَ يَكرَهُ النومَ قبْلَ العِشَاءِ وَالحَدِيثَ بعْدَهَا. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- قبل العشاء: أي قبل صلاة العشاء.
فوائد الحديث
- كراهة النوم قبل أن يصلي العشاء لأنّه ربما لا يستيقظ حتى يطلع الفجر فتفوته صلاة العشاء في وقتها.
- استحباب النوم عقب صلاة العشاء وعدم التشاغل بالكلام المباح في هذا الوقت، لأنّه ربما كان سببًا في عدم الاستيقاظ لصلاة قيام الليل أو تضييع فضيلة صلاة الصبح أول وقتها أو خروجها عن وقتها، وأيضًا ليكون خاتمة عمل يومه أفضل الأعمال وهو الصلاة فيصلي العشاء وينام. ومثل الكلام في الكراهة كل عمل مباح ليس فيه غرض شرعي.
- تحريم اللّهو والتشاغل الذي يؤدي إلى تفويت الصلاة لأنّه في حكم من تعمد تأخيرها عن وقتها.
1747
باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة
عَنِ ابْنِ عُمرَ رَضِيَ اللّه عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم صَلَّى العِشَاءَ في آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلمَّا سَلَّم، قَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ على رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلى ظَهْرِ الأَرْضِ اليَوْمَ أَحدٌ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- آخر حياته: ورد أنه كان قبل وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم بشهر.
- مائة سنة: أي تأتي بعد هذه الليلة.
- ممن هو على ظهر الأرض: قيل المراد عامة الإنس، وقيل ممن يرونه ويعرفونه من الناس، وكان كما أخبر صلّى اللّه عليه وسلّم فإنّ آخر من ضبط ممّن كان موجودًا أبو الطفيل عامر بن وائلة، وهو آخر الصحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه إنّه مات سنة مائة وعشرة وذلك رأس مائة سنة من مقالته صلّى اللّه عليه وسلّم.
فوائد الحديث
- بيان معجزة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حيث أخبر عن مغيّب ووقع كما أخبر.
1748
باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّهم انْتَظَرُوا النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَجاءَهُمْ قريبًا مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فصلَّى بِهِم، يعني العِشَاءَ قَالَ: ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: «أَلا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا، ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- شطر الليل: نصفه.
- في صلاة: أي يحصل لهم أجر الصلاة.
- ما انتظرتم: أي مدة انتظاركم.
فوائد الحديث
- جواز الحديث واستحبابه بعد صلاة العشاء إذا كان في خير ويترتب عليه مصلحة شرعية كتعليم العلم وتعلمه، وأيضًا الحديث مع الزوجة ومداعبتها إيناسًا وإكرامًا لها وتلطفًا بها.
- الحثّ على التبكير إلى المسجد وانتظار الصلاة حتى يحصل على المزيد من الأجر والثواب.
1749
باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها إذا دعاها ولم يكن لها عذر شرعي
عَنْ أَبي هُريْرةَ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلى فِراشِهِ فأَبَتْ، فَباتَ غَضْبانَ علَيْهَا، لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حتى تُصْبِح» متفقٌ عليه. وفي رواية: «حَتَّى تَرْجِع»
مفردات الحديث
- فراشه: أي النوم معه، وقيل: هو كناية عن الجماع.
- فأبت: امتنعت.
- لعنتها الملائكة: دعت عليها بالطرد من رحمة الله تعالى، وهو كناية عن استحقاق العقاب.
- تصبح: ترجع عن امتناعها كما في الرواية الثانية، والتعبير بتصبح محمول على الغالب من كون دعوتها إلى الفراش في الليل.
فوائد الحديث
- أن للزوج حقوقًا على الزوجة يحرم عليها الامتناع من أدائها، ومن واجب الزوجة أن تلبي رغبة الزوج إذا دعاها للمعاشرة والمتعة من جماع وغيره، ولا يجوز أن تتلكأ في ذلك إلا إذا كان فيها عذر كمرض، أو متلبسة بحيض أو بعبادة مفروضة كصيام رمضان.
- إذا امتنعت الزوجة عن رغبة زوجها دون عذر استحقت العقاب ولعن الملائكة لها إلّا إذا لبت، وظاهر الحديث من تخصيص الليل إنما هو لتأكيد وجوب الإجابة فيه فإن الرغبة فيه أشد.
- إذا علمت المرأة أن زوجها لا يغضب من امتناعها ارتفع المحظور عليها، والأولى الاستجابة لدوام العشرة الزوجية وتوثيقًا للمودة والرحمة.
1750
باب تحريم صوم المرأة تطوعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه
عنْ أَبي هُريْرةَ رضِيَ اللّه عنْهُ أَنَّ رسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «لا يَحِلُّ للمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شاهِدٌ إِلّا بإِذْنِهِ ولا تَأْذَنَ في بَيْتِهِ إِلّا بإِذْنِهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا تأذن في بيته: أي بالدخول إلى بيته.
فوائد الحديث
- يحرم على الزوجة التلبس بشيء من النوافل التي تمنع الزوج من حق التمتع بها إذا كان موجودًا ولم يأذن لها بذلك، لأنّ حقه مقدم على تطوعها، ولأنّ في التمتع صونه وحصانته وهو مقدم على النافلة، فإن تطوعت جاز للزوج أن يفسد لها تطوعها.
- يحرم على الزوجة أن تدخل أحداً إلى بيت زوجها لا يرضى الزوج بدخوله ولو كان من محارمها إلا إذا أذن لها قولاً أو سكت عن ذلك.
1751
باب تحريم رفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام
عنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذا رفَعَ رأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعلَ اللّه رأْسَهُ رأْسَ حِمارٍ، أَوْ يَجْعلَ اللّه صُورتَهُ صُورَةَ حِمارٍ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- تحريم سبق الإمام بركن عملي كالركوع أو السجود أو القيام منهما ودليل التحريم أنّه توعد عليه بالمسخ وهو أشد العقوبات وتعتبر الصلاة صحيحة مع الإثم.
- حرمة من فعل ذلك عامدًا عالمًا بالحكم.
- مراعاة المتابعة للإمام في الصلاة من كمال الصلاة وأقربها قبولًا عند اللّه تعالى.
1752
باب كراهة وضع اليد على الخاصرة في الصلاة
عَنْ أَبي هُريْرةَ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أنّ رسول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: نهى عنِ الخَصْرِ في الصَّلاةِ. متفقٌ عليهِ.
مفردات الحديث
- الخصر: المراد هو وضع اليد على الخاصرة حالَ صَلاتِهِ؛ لِمَا في هذِه الهيئةِ مِن أمورٍ تُنافي الخشوعَ في الصَّلاةِ.
فوائد الحديث
- كراهة التخصر في الصلاة لأنّه يدل على الكبر، وتزول الكراهة إذا كان به عذر كمن وضع يده لوجع في جنبه.
1753
باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام ونفسه تتوق إليه أو مع مدافعة الأخبثين: وهما البول والغائط
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّه عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «لا صَلاةَ بحَضرَةِ طَعَامٍ، وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- لا صلاة: نفي بمعنى النهي، أي لا يصلين أحد، أو المراد نفي الكمال.
- يدافعه الأخبثان: أي بحاجة إلى التبول أو التبرز.
فوائد الحديث
- كراهة الصلاة لمن كان في حالة جوع أو عطش مع وجود الطعام أو الشراب وما في معنى وجودهما حتى يأكل ويشرب، لما في ذلك من ذهاب الخشوع وانشغال القلب بغير الصلاة.
- كراهة الصلاة لمن كان بحاجة إلى تبول أو غائط حتى يتفرغ ويستريح ولما في ذلك من تشويش الذهن والنفس المانع من الخشوع في الصلاة.
- تحمل الكراهة إذا كان في الوقت سعة، وترتفع الكراهة إذا كان الوقت ضيقًا.
1754
باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة
عَنْ أَنسِ بْنِ مَالكٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا بالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ؟» فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ في ذلك حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذلك، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصارُهُمْ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- ما بال: ما شأن.
- فاشتد قوله في ذلك: أي في الوعيد على رفع البصر إلى السماء إما بتكرير هذا القول وإما بغيره مما يفيد المبالغة في الزجر.
فوائد الحديث
- كراهة رفع البصر إلى السماء أثناء الصلاة، ونقل النووي الإجماع على ذلك، لما فيه من مخالفة الأدب وظاهر عدم الخشوع.
- أما خارج الصلاة وأثناء الدعاء أو حال التفكر فمندوب.
1755
باب كراهة الالتفات في الصلاة لغير عذر
عَنْ عَائِشَةَ رضِيَ اللّه عَنْهَا قَالَتْ: سأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَنِ الالْتِفَاتِ في الصَّلاةِ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ الْعَبْدِ»
رواهُ البُخَاري
مفردات الحديث
- عن الالتفات: أي سألته عن حكمة النهي عنه.
- اختلاس: هو الأخذ بسرعة على غفلة.
فوائد الحديث
- كراهة الالتفات في الصلاة لما فيه من دلالة على الغفلة ونقص الخشوع ولذلك كان اختلاسًا من الشيطان.
1756
باب كراهة الالتفات في الصلاة لغير عذر
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ لي رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ في الصَّلاةِ، فَإِنَّ الالْتِفَاتَ في الصَّلاةِ هَلَكَةٌ، فإِنْ كَان لا بُدَّ، فَفي التَّطَوُّعِ لا في الْفَرِيضَةِ»
رواه التِّرمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- إياك: أحذرك.
- هلكة: سبب الهلاك.
- لا بد: أي لا غنى للمصلي عنه.
- التطوع: النوافل.
فوائد الحديث
- كراهة الالتفات في الصلاة لما فيه من دلالة على الغفلة ونقص الخشوع ولذلك كان اختلاسًا من الشيطان.
- أنّ الشيطان يغتنم غفلة المصلى.
- أنّ الالتفات في الصلاة أيضًا سبب الهلاك، لما فيه من الإعراض عن اللّه عزّ وجلّ حال عبادته واتباعًا لوسوسة الشيطان.
- أنّ الاستخفاف بالمكروهات والوقوع فيها يؤدي إلى الوقوع في المحرمات والتعرض إلى العقاب.
- لم يكن الالتفات بالوجه حرامًا لأنّه ليس فيه ترك ركن أو شرط ولا فعل مبطل لها أو محرم فيها.
- إذا كان الالتفات لعذر فلا كراهة وقد ورد أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم أرسل في حنين عينًا في الليل على الأعداء فلمّا صلّى الصبح التفت فيها لأجله.
- الالتفات في النوافل أقل كراهة لأنّ اهتمام الشرع بالفرائض واعتناءه بها فوق اهتمامه واعتنائه بالنوافل.
- كل ما ذكر إذا كان الالتفات بالوجه أما إذا كان بالصدر فحرام وتبطل به الصلاة، لأنّه أخلّ بشرط من شروط الصلاة وهو استقبال القبلة.
1757
باب النهي عن الصلاة إلى القبور
عَنْ أَبي مَرْثَدٍ كَنَّازِ بْنِ الحُصَيْنِ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «لا تُصَلُّوا إِلى القُبُورِ، وَلا تَجْلِسُوا علَيْها»
رواه مُسْلِم
مفردات الحديث
- وَلا تَجْلِسُوا علَيْها: وهذا نَهيٌ عنِ الجُلوسِ عَلى القبرِ، وقدْ نَهى عنِ الجُلوسِ عَلى القَبرِ؛ لِما فيهِ مِن الاستِخفافِ بحَقِّ أَخيهِ المُسلمِ.
فوائد الحديث
- تحريم الصلاة إلى القبر إن قصد استقباله، ويكره ذلك إن لم يقصده ولم يكن بينه وبينه حاجز، فإن كان حاجز ولم يقصد استقباله فلا كراهة، والحكمة من ذلك مخافة فتنة الوقوع في الشرك وتعظيم غير الله تعالى.
- تحريم الجلوس على القبر لما فيه من الإهانة للإنسان الذي كرمه اللّه تعالى ومثل الجلوس ما في معناه.
- قال النووي رحمه اللّه تعالى: قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه والقعود عليه حرام وكذا الاستناد إليه والاتكاء.
1758
باب تحريم المرور بين يدي المصلي
عَنْ أَبي الجُهيْمِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يدي المُصَلِّي مَاذا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»
قَالَ الرَّاوي: لا أَدْرِي: قَالَ أَرْبَعِين يَومًا، أَو أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً. متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لو يعلمُ المارُّ بين يدَيِ المُصَلِّي: أي أمامَه بالقُرْب منه
فوائد الحديث
- تحريم المرور أمام المصلي، فإن كان في المسجد حرم المرور بينه وبين موضع سجوده، وإن كان في غير المسجد، فإن كان يصلي إلى سترة حرم المرور بينه وبينها، وإن كان يصلي من غير سترة لم يحرم المرور من أمامه مطلقًا، والسترة قد تكون شاخصًا من عصا وغيرها، وقد تكون مصليًا أمامه، ويشترط أن لا يكون بينه وبين السترة أكثر من ثلاثة أذرع، أي ما يساوي مترًا ونصف المتر، فإن كان بينه وبينها أكثر لم يحرم المرور بينهما، ولا فرق في كل ما سبق بين أن تكون الصلاة فرضًا أم نفلا.
1759
باب كراهة شروع المأموم في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة سواء كانت النافلة سنّة تلك الصلاة أو غيرها
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِذا أُقِيمتِ الصلاةُ، فَلا صَلاةَ إِلّا المكتوبَةَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أقيمت الصلاة: أقيم لصلاة مفروضة تصلى جماعة.
- فلا صلاة: أي لا يشرع بأي صلاة.
- المكتوبة: المفروضة الحاضرة التي أقيم لأدائها.
فوائد الحديث
- كراهة الشروع في صلاة نافلة بعد البدء بإقامة الصلاة المفروضة أو قرب إقامتها، وهذا مطلق في سائر الصلوات لدى الجمهور، وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما اللّه تعالى: في صلاة الصبح له أن يصلي سنة الصبح بعد الإقامة للفريضة ما لم يخش فوات الركعة الأولى.
- حكمة النهي في ذلك: المحافظة على كمال الفريضة، ومنه أن يشرع بها عقب شروع الإمام بحيث لا تفوته تكبيرة الإحرام معه، وحتى لا يكون هناك اختلاف بين ما يشتغل به الأئمة وما يشتغل به غيرهم.
1760
باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بصلاة
عَنْ أَبي هُرَيْرة رضَيَ اللّه عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «لا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْن اللَّيَالي، وَلا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَة بِصيَامٍ مِنْ بيْنِ الأَيَّامِ إِلّا أَنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- بقيام: المراد به القيام الشرعي، وهو الصلاة في الليل.
- إلّا أن يكون في صوم يصومه أحدكم: أي إلّا أن يوافق يوم الجمعة صوم يوم يصومه لعادة أو نذر، كمن اعتاد أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، أو صيام يوم عاشوراء أو نحو ذلك.
فوائد الحديث
- كراهة تخصيص يوم الجمعة بالصيام أو ليلتها بالقيام.
- لم يحمل على التحريم لعدم وجود سبب الحرمة فيه كالإعراض عن ضيافة اللّه عزّ وجلّ في صومه يوم العيد.
1761
باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بصلاة
عَنْ أَبي هُرَيْرة رضَيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- إلا يومًا قبله أو بعده: أي إلّا أن يصوم معه يومًا قبله وهو الخميس أو يومًا بعده وهو السبت.
فوائد الحديث
- تنتفي كراهة صوم يوم الجمعة في حالتين:
- أن يوافق يوم الجمعة سببًا مشروعًا كنذر أو من عشر ذي الحجة أو عرفة أو غير ذلك.
- أن ينضم له صوم يوم الخميس قبله أو صوم يوم السبت بعده.
1762
باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بصلاة
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللّه عَنْهُ: أَنَهَى النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَنْ صَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- صوم يوم الجمعة: صوم يوم الجمعة منفردًا.
فوائد الحديث
- نهيُ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن صوم يوم الجمعة منفردًا وتخصيصه بالصوم.
1763
باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بصلاة
عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ جُوَيْريَةَ بنْتِ الحَارِثِ رَضِيَ اللّه عَنهَا أَنَّ النَّبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم دَخَلَ عَلَيْهَا يوْمَ الجُمُعَةِ وَهَيَ صائمَةٌ، فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟» قَالَتْ: لا، قَالَ: «تُرِيدينَ أَنْ تَصُومِي غدًا؟» قَالَتْ: لا، قَالَ: «فَأَفْطِري»
رَوَاهُ البُخاري
فوائد الحديث
- من شرع في صوم يوم الجمعة منفردًا ندب له أن يفطر.
1764
باب تحريم الوصال في الصوم وهو أن يصوم يومين أو أكثر ولا يأكل ولا يشرب بينهما
عَنْ أَبي هُريْرَةَ وَعَائِشَةَ رَضِي اللّه عنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهى عَنِ الْوِصالِ. متفقٌ عليه.
فوائد الحديث
- أن الوصال في الصوم حرام على المسلم كما ذهب إليه جمهور العلماء.
1765
باب تحريم الوصال في الصوم وهو أن يصوم يومين أو أكثر ولا يأكل ولا يشرب بينهما
عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللّه عَنْهُما قالَ: نَهَى رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَنِ الْوِصالِ. قَالُوا: إِنَّكَ تُواصِلُ؟ قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِني أُطْعَمُ وَأُسْقَى»
متفقٌ عليه، وهذا لَفْظُ البُخاري
مفردات الحديث
- إنك تواصل: هو استفهام عن حكمة نهيهم مع فعله صلّى اللّه عليه وسلّم، مع أنّهم مأمورون باتباعه فيما يفعل.
- لست مثلكم: أي من حيث التكليف والقدرة.
- إني أطعم وأسقى: ذكر العلماء في معناها عدة أقوال أرجحها قول الجمهور: إنّه كناية عمّا يلزم من الطعام والشراب وهو القوة، أي أنّ اللّه تعالى يجعل فيّ قوة كأني أطعم وأسقى.
فوائد الحديث
- أنّ للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خصوصيات في التكليف، فقد يجب عليه ما لا يجب على الأمة، ويجوز في حقه ما لا يجوز في حقها، ويحرم عليه أحيانًا ما يباح لها زيادة في الابتلاء والتشريف ولا يجوز الاقتداء به صلّى اللّه عليه وسلّم في مثل ذلك من خصوصياته. ومن خصوصياته عليه الصلاة والسلام جواز المواصلة في الصوم، فإنه أعطي من القوة والصبر والتحمل ما لا يعطاه غيره من الناس صلّى اللّه عليه وسلّم.
- الوصال: هو المواصلة في الصوم يومين أو أكثر دون الشرب والأكل بينهما
1766
باب تحريم الجلوس على القبر
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضِي اللّه عنْهُ قَال: قَال رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لأَنْ يجْلِسَ أَحدُكُمْ على جَمْرَةٍ، فَتُحْرِقَ ثِيَابَه، فَتَخْلُصَ إِلى جِلْدِهِ خَيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يجْلِسَ على قَبْرٍ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- فتخلص: أي تصل أو يصل حرقها.
- خير له: أي أقل ضررًا عليه.
فوائد الحديث
- تحريم الجلوس على القبر، ورجّح بعضهم أنّه مكروه، وحملوا الوعيد الشديد على من جلس عليه ليبول أو يتغوط، وهو حرام إجماعًا.
- احترام قبور الموتى بعدم إهانتها والجلوس عليها كما لا يجوز تعظيمها ببنائها وتجصيصها.
1767
باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه
عَنْ جَابِرٍ رضِي اللّه عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيهِ، وأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يجصص: يبيض بالجص، وهو ما يسمى بالجبصين لدى العامة.
- يبنى عليه: أن يجعل عليه قبة ونحوها.
فوائد الحديث
- كراهة تجصيص القبر لما في ذلك من إضاعة المال دون فائدة، وقد يصبح حرامًا إذا بلغ حد السرف، كزخرفته وتزيينه وغير ذلك.
- كراهة البناء على القبر لما فيه من شبهة التعظيم وإضاعة المال.
- كراهة الجلوس على القبر.
1768
باب تغليظ تحريم إباق العبد من سيده
عَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- عبد: رقيق مملوك.
- أبق: هرب من خدمة مالكه.
- برئت منه الذمة: أي ذمة الإسلام.
فوائد الحديث
- عِظم جُرم هروب العبد من مواليه، وأنه وقع في وعيد شديد، حتى يرجع إلى مواليه.
- أنّه تبرَأُ منه الذمة، فلا حفظَ له ولا رعاية ولا ضمان.
1769
باب تغليظ تحريم إباق العبد من سيده
عَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ: عَنِ النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِذا أَبَقَ الْعبْدُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ»
رواه مسلم. وفي روَاية: «فَقَدْ كَفَر»
مفردات الحديث
- أبق: هرب من خدمة مالكه.
- لم تقبل له صلاة: أي لا ثواب له على فعلها.
- فقد كفر: أي بنعمة سيده ولم يؤد حقه، أو بالإسلام إن استحل الإباق.
فوائد الحديث
- تحريم الإباق لما فيه من نقض العهد وإنكار الجميل، وهذا ممّا لا وجود له في زماننا بسبب عدم وجود الرقيق.
- على من التزم بعمل كخدمة ونحوها الوفاء بما التزم به.
- الحثّ على مقابلة الإحسان بالإحسان.
1770
باب تحريم الشفاعة في الحدود
عَنْ عَائِشَةَ رضِيَ اللّهُ عَنْهَا، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المرْأَةِ المخْزُومِيَّةِ الَّتي سَرَقَتْ فَقَالُوا: منْ يُكَلِّمُ فيها رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرئ عَلَيْهِ إِلّا أُسَامَةُ بْنُ زَيدٍ، حِبُّ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللّهِ تَعَالى؟» ثم قام فاختطب ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا أَهلَكَ الَّذينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهمْ كَانُوا إِذا سَرَقَ فِيهم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللّهِ لَوْ أَنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» متفقٌ عليه. وفي رِوَاية: فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رسولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللَّهِ؟»
قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لي يا رسُولَ اللّهِ. قَالَ: ثُمَّ أمرَ بِتِلْكَ المرْأَةِ، فقُطِعَتْ يَدُهَا
مفردات الحديث
- أهمهم: جلب لهم الهم.
- المخزومية: نسبة إلى بني مخزوم، وهي فرع قبيلة من قريش، وقد سرقت هذه المرأة قطيفة وحليًا في غزوة الفتح.
- حبّ: الحبّ هو المحبوب.
- حدّ: الحدّ هو العقوبة المقدرة في الشرع.
- فاختطب: أي خطب كما في رواية البخاري.
- الشريف: ذو المكانة الرفيعة.
- الضعيف: من لا ناصر له.
- فتلون: أي تغير غضبًا وغيظًا.
فوائد الحديث
- منع الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان، وقال مالك: إن من عرف بأذى الناس لا يشفع له مطلقًا سواء أبلغ الإمام أم لا.
- دخول النساء مع الرجال في حدّ السرقة وكذا في سائر الحدود.
- لا محاباة في الإسلام في إقامة الحدّ على من وجب عليه مهما كان قدره وشأنه في قومه.
- لا تقبل الشفاعة في الحدود ولا توسط في تخفيفها، فالحدود المقدرة شرعًا لا تتغير ولا تتبدل.
- يجب الاعتبار بأحوال من مضى من الأمم.
- وفي الحديث فضل أسامة بن زيد ومكانته عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
1771
باب النهي عن التغوط في طريق الناس وظلهم
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «اتَّقُوا الَّلاعِنَيْن» قَالُوا ومَا الَّلاعِنَانِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى في طَريقِ النَّاسِ أَوْ في ظِلِّهِمْ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- اتقوا اللاعنين: أي اتقوا الأمرين اللذين يجلبان لعنة الناس.
- يتخلى: يتغوط.
فوائد الحديث
- حمل الجمهور النهي الوارد في الحديث على التنزيه، وقال الشيخ زكريا الأنصاري: وينبغي تحريمه لما فيه من إيذاء المسلمين، والحديث ظاهر في التحريم، ونقل أنّه من الكبائر للعن فاعله.
- محل النهي عنه في الظل إذا كان معدًا للاجتماع المباح، أما لو كان لاجتماع محرم كميسر أو غيبة وقصد به تفريقهم فلا كراهة، ومثل الظل في الصيف محل الشمس في الشتاء.
- حرص الإسلام على تحقيق النظافة والوقاية من الأمراض والأوبئة، ومراعاة شعور الناس واحترام اجتماعهم على الخير.
1772
باب النهي عن البول ونحوه في الماء الراكد
عَنْ جَابِرٍ رَضيَ اللّه عَنْهُ: أَنَّ رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَى أَنْ يُبَال في المَاءِ الرَّاكدِ.
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- الراكد: الدائم الذي لا يجري.
فوائد الحديث
- النهي عن البول في الماء الدائم ولو كان كثيرًا، والنهي محمول على التنزيه إذا كان الماء ملكًا له أو مباحًا، فإن كان سبيلًا أو مملوكًا للغير حرم به، والكراهة في الغائط أشد وأفحش.
1773
باب كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده على بعض في الهبة
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضِيَ اللّه عنْهُمَا أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْني هذا غُلامًا كَانَ لي، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحلْتَهُ مِثْلَ هَذا؟» فَقَال: لا، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «فأَرْجِعْهُ« وفي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَفَعَلْتَ هَذا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟» قَالَ: لا، قَالَ: «اتَّقُوا اللّه وَاعْدِلُوا في أَوْلادِكُمْ» فَرَجَعَ أَبي، فَردَّ تلْكَ الصَّدَقَةَ. وفي رِوَايَةٍ: فَقَال رسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذا؟» قَالَ: نَعَمْ، قَال: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذا؟» قَال: لا، قال: «فَلا تُشْهِدْني إِذًا فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلى جَوْرٍ» وَفي رِوَايَةٍ: «لا تُشْهِدْني عَلى جَوْرٍ» وفي روايةٍ: «أَشْهدْ عَلى هذا غَيْرِي» ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ في الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بلى، قَالَ: «فَلا إِذًا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- إني نحلت: أعطيته دون مقابل.
- جور: ظلم.
فوائد الحديث
- ضرورة الرجوع في جميع الأمور إلى الإسلام وعلمائه، فقد كان هذا هو شأن صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلما استشكلوا أمرًا أو أرادوا الإقدام على شيء.
- على الآباء أن يعدلوا في رعاية أولادهم ذكورًا وإناثًا وألّا يفضلوا بعضًا على بعض، لما يترتب على ذلك من المفاسد التي تقوض كيان الأسرة.
- إن المساواة في الهبة بين الأولاد لا يلزم التساوي بينهم في النفقة، فقد يحتاج أحد الأولاد إلى نفقة أكثر من غيره كمداواة أو متابعة دراسة أو زواج بشرط عدم الإسراف على حد العرف فلا يدخل هذا في الأمر بالتسوية بين الأولاد. وأما الهبة المطلقة بين الأولاد: فذهب بعض العلماء إلى أن التسوية بين الأولاد -ذكوراً وإناثاً- على حد سواء من غير تفصيل، فتعطى الأنثى مثل الذكر في الهبة، وذهب آخرون، إلى أن الهبة إنّما تكون مقيدة بنصيب الميراث فيعطي الذكر ضعف الأنثى لحاجته إلى الإنفاق أكثر من الأنثى.
- ما يفعله بعض الآباء من تفضيل أحد الأبناء على الآخرين لاعتبارات خاصة كزيادة محبة أو صغر فلا يجوز، فهو جور في الهبة.
1774
باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام إلّا على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام
عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبي سَلَمَةَ رَضِيَ اللّه عَنْهُمَا قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبةَ رَضِيَ اللّه عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حِينَ تُوُفِّي أَبُوها أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ رَضِي اللّه عَنْهُ، فدَعَتْ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةُ خَلُوقٍ أَوْ غَيْرِهِ، فدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْها. ثُمَّ قَالَتْ: وَاللّهِ مَالي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ عَلى المِنْبرِ: «لا يحِلُّ لامْرأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، إِلّا عَلى زَوْجٍ أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» قَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلى زَيْنَبَ بنْتِ جَحْش رَضِيَ اللّه عَنْهَا حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْه، ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا وَاللّهِ مَالي بِالطِّيبِ مِنْ حاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ عَلى المِنْبَر: «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَاليَوْم الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلّا عَلى زوجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أم حبيبة: أم المؤمنين، رملة بنت أبي سفيان -صخر بن حرب- الأموية.
- خلوق: ما يتخلق له في الطيب.
- تحد: إذا حزنت ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة.
- فوق ثلاث: أي زيادة على ثلاث ليال.
فوائد الحديث
- جواز إحداد المرأة على غير الزوج ثلاثة أيام فقط، وما زاد على ذلك فمنهي عنه.
- وجوب إحداد المرأة على زوجها مدة العدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها.
- الحكمة من إحداد المرأة على زوجها التأكد من استبراء الرحم، ونفي التهمة وسوء الظن عن الزوجة.
- اعتراف التشريع بحق الزوج العظيم على زوجته حتى بعد وفاته، وبيان أهمية رابطة الزوجية في الإسلام.
1775
باب تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه والخطبة على خطبته إلّا أن يأذن أو يرد
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيه وَأُمِّهِ.
متفق عليه
مفردات الحديث
- الحاضر: هو المقيم في القرى والمدن.
- البادي: هو الذي يقطن في البادية.
- أن يبيع حاضر لباد: وهو أن يقدم البدوي بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول له الحضري: دعه عندي لأبيعه لك بالتدريج، فيحرم لما فيه من الإضرار، أما لو قدم بما لا تعم الحاجة إليه من الأمتعة، أو بما تعم لكن ليبيعه على التدريج، فقال له الحضري: أنا أتولى لك ذلك، أو قال له: وكلني في بيعه بالسعر الحاضر فلا حرمة.
فوائد الحديث
- النهي عن بيع الحضري للبدوي، لما في ذلك من التغرير بالسعر، وكذلك الحكم لو قدم حاضر فتلقاه باد كان الحكم كذلك، والنهي في الحديث للتحريم.
1776
باب تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه والخطبة على خطبته إلّا أن يأذن أو يرد
عَنِ ابْنِ عمَرَ رضي اللّه عَنْهُما قال: قالَ رَسول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَتَلَقَّوُا السلَع حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إلى الأَسْواقِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- السلع: الأمتعة المجلوبة للبيع.
- حتى يهبط بها إلى الأسواق: أي حتى تصل إلى الأسواق ويعلم القادم بها السعر.
فوائد الحديث
- تحريم تلقي الركبان وهم الذين يأتون بالسلع ليبيعوها في أسواق البلد، واشترط في التحريم العلم بالنهي عن التلقي، وأن يشتري المتلقي من الجالب من غير طلب منه وقبل قدومه البلد ومعرفته بالسعر، سواء قصد التلقي أم لا، كأن خرج لنحو صيد فلقي القادم فاشترى منه.
- الحكمة من تحريم هذا التصرف في الشرع لما فيه من الإضرار بصاحب السلعة والتغرير به.
1777
باب تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه والخطبة على خطبته إلّا أن يأذن أو يرد
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللّه عَنْهُما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَتَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلا يبِعْ حَاضِر لِبَادٍ»، فَقَالَ لَهُ طَاووسُ: ما لا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبادٍ؟ قال: «لا يكُونُ لَهُ سَمْسَارًا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- تَلَقِّي الرُّكبانِ: فهو أن يُقابِلَ التُّجَّارَ الذين يَأتُون بتِجارَتِهم لبيعِها في الأسواقِ، فيَشترِيَ منهم بِضاعتَهم، ثُمَّ يَبِيعها هو في أسواقِ بَلَدِه، وهذا فيه ضَرَرٌ على البائعِ؛ لأنَّه قد يَبِيعُها بأقلَّ مِن ثَمَنِها الحقيقيِّ في أسواقِ هذا البلدِ، كما أنّ ذلك قد يَضُرُّ بأهلِ البلدِ؛ لأنَّ هذا المشترِي قد يَتحقَّق له احتكارُ السِّلعةِ، فيَتحكَّم في سِعرها ويَزِيدُه كما يَشَاء في الأسواقِ.
- بيعُ الحاضرِ للبادِي: فهو أن يَأتِيَ أحدُ أهلِ البادِيَة ليَبِيعَ سِلعتَه في إِحْدَى القُرَى أو المُدُنِ، فيقولَ له أحدُ سُكَّانِ هذه القريةِ أو المدينةِ مثلًا: اتْرُكْها لي وأنا أَبِيعها لك بثَمَنٍ أعلى، فيكون له سِمْسَارًا، وهذا قد يَضُرُّ بالبائِع ويكون سببًا في خِدَاعه.
- سمسارًا: أي دلّالًا، وهو الذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطًا لإمضاء البيع.
فوائد الحديث
- النهي تحريمًا عن تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي.
- سبب النهي لما في ذلك من الإضرار بالجالب في الأول والناس في الثاني، وقد تقدم بيان ذلك.
1778
باب تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه والخطبة على خطبته إلّا أن يأذن أو يرد
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلا تَنَاجَشُوا ولا يبع الرَّجُلُ عَلى بَيْع أَخيهِ، ولا يخطبْ عَلى خِطْبَةِ أَخِيهِ، ولا تسْألِ المرأةُ طلاقَ أخْتِهَا لِتَكْفَأ مَا في إِنَائِهَا. وفي رِوَايَةٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَنِ التَّلقِّي وأن يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لأَعْرابيٍّ، وأنْ تشْتَرِطَ المرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا، وَأنْ يَسْتَام الرَّجُلُ عَلى سوْمِ أخيهِ، ونَهَى عَنِ النَّجَشِ والتَّصْريةِ. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- لا تناجشوا: النجش: هو زيادة في ثمن السلعة لا لرغبة في الشراء بل ليخدع غيره.
- لتكفأ: لتقلب ما في إنائها، كناية عن رغبتها في أن ينكحها أو يصير لها من نفقته ومعاشرته الحسنة ما كان للمطلقة.
- التلقي: أي تلقي الركبان.
- أن يبتاع المهاجر: أي الحضري.
- للأعرابي: أي البدوي القادم بسلعته ليبيعها.
- أن يستام: أي يزيد في ثمن المبيع بعد أن تم الرضى به والاتفاق على ثمنه.
- التصرية: هي ترك حلب الدابة الحلوب ليجتمع اللبن في ضرعها فيتوهم المشتري كثرة لبنها وتعظم رغبته فيها.
فوائد الحديث
- النهي عن هذه الصور من البيع لما فيها من الإيذاء والخداع والإضرار.
- النهي عن كل ما فيه تضييق على الناس وإضرار بهم، والابتعاد عن كل ما يحدث الفرقة والشقاق بين الأسر ويوغر الصدور بالحقد والكراهية.
1779
باب تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه والخطبة على خطبته إلّا أن يأذن أو يرد
عنِ ابْنِ عُمَرَ رضي اللّه عَنْهُمَا، أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «لا يبِعْ بَعْضُكُمْ عَلى بَيْعِ بعْضٍ، ولا يَخْطُبْ على خِطْبة أخِيهِ إلّا أنْ يَأْذَنَ لَهُ»
متفقٌ عليه، وهذا لَفْظُ مسلم
مفردات الحديث
- على خِطبة أخيه: أي طلب المرأة من وليها، وصورتها أن يخطب رجل امرأة فتقبل به ويتفقا ويتراضيا، أو تظهر أَمارات الرضا ولم يبق إلّا العقد فيجيء آخر وهو يعلم بكل هذا فيخطب على خطبة الأول.
فوائد الحديث
- النهي عن البيع وقد تقدم بيان ذلك.
- النهي عن الخطبة على الخطبة، وهذا حرام، لما في ذلك من الإيذاء والتقاطع، ولهذا قيد لحديث إباحة الخطبة على الخطبة بترك الخاطب الأول أو إذنه.
- حكم عقد الزواج للخاطب الثاني أنّه صحيح ويكون الرجل آثمًا وعاصيًا لإقدامه على أمر منهي عنه.
- تحريم أن تخطب المرأة على خطبة امرأة أخرى إلحاقًا لحكم النساء بحكم الرجال.
1780
باب تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه والخطبة على خطبته إلّا أن يأذن أو يرد
عَنْ عُقْبةَ بنِ عَامِرٍ رضي اللّه عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «المُؤْمِنُ أخُو المُؤمِن، فَلا يحِلُّ لِمُؤمِنٍ أنْ يبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أخِيهِ وَلا يَخْطِبْ علَى خِطْبَةِ أخِيه حتَّى يَذَر»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- ولا يَبيعُ الرَّجلُ على بَيعِ أَخيه: أي أنْ يقولَ لِمَنِ اشترى سِلعةً في زمنِ الخيارِ، افسَخْ لِأبيعَك بِأنقَصَ، ومِثلُ ذلك الشِّراءِ على الشِّراءِ كأنْ يقولَ لِلبائعِ: افسخْ لِأشترَي منك بِأزيَدَ.
- ولا يخطب الرجلُ على خِطبة أخيه: وصورتُه أنْ يَخطُبَ رجل امرأةً وتُظهِرُ الرِّضا، ويتَّفِقا على مَهر ولم يَبْقَ إلا العَقد، فيأتي آخر يَخطُبُها ويَزيد في الْمَهر أو غيرِ ذلك مِن وسائل الإغراء.
فوائد الحديث
- تحريم المساومة في البيع على بيع أخيه وتحريم الخطبة على خطبة أخيه المؤمن.
- حرص الإسلام على تآلف المسلمين وعدم تفرقتهم والمحافظة على كرامة الآخرين.
1781
باب النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه التي أذن الشرع فيها
عَنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: قَال رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إنَّ اللّه تَعَالى يَرضى لَكُمْ ثلاثًا، وَيَكْرَه لَكُمْ ثَلاثًا: فَيَرضى لَكُمْ أنْ تَعْبُدوه، وَلا تُشركُوا بِهِ شَيْئًا، وَأنْ تَعْتَصِموا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، ويَكْرهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤالِ، وإضَاعَةَ المَالِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- وأن تعتصموا: أن تتمسكوا.
- بحبل اللّه: كناية عن التمسك بالدين وبالجماعة.
- قيل وقال: المراد الكلام فيما لا يفيد.
- كثرة السؤال: أي عمّا لا تحتاجون إليه على وجه التعنت والجدل.
- إضاعة المال: تبذيره في الطرق الحرام لأن اللّه تعالى جعل المال نظام أمر المعاش وقوام الحياة.
فوائد الحديث
- الحض على إخلاص العبادة للّه تعالى وحده دون شريك والتمسك بأحكام الدين ووحدة جماعة المسلمين.
- ترك الكلام فيما لا يغني ولا يفيد، وترك كثرة الأسئلة فيما لا حاجة إليها ولا فائدة منها.
- الابتعاد عن تبديد المال وإنفاقه في غير الطرق المشروعة.
1782
باب النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه التي أذن الشرع فيها
عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ المُغِيرَةِ بن شُعْبَة قالَ: أمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بنُ شُعبةَ في كتاب إلى مُعَاويَةَ رضي اللّه عنْه، أنَّ النّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كَانَ يَقُول في دبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لا إلَهَ إلّا اللّه وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَله الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا ينْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» وَكَتَبَ إلَيْهِ أنَّهُ« كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيل وقَالَ، وإضَاعَةِ المَالِ، وَكَثْرةِ السُّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأمهَّاتِ، ووأْدِ الْبَنَاتِ، وَمَنْعٍ وهَاتِ»
متفقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- دبر: عقب.
- ذا الجد: أي صاحب الحظ والغنى.
- عقوق الأمهات: بأن يفعل معهن ما يتأذين به من كلام أو فعل.
- وأد البنات: دفن البنات أحياء في التراب، وكان العرب يفعلون ذلك في الجاهلية مخافة الفقر والعار.
- ومنع: أي من أداء الواجب.
- وهات: طلب ما لا يستحق، أو الإلحاح في المسألة
فوائد الحديث
- البدء بتدوين الحديث منذ عهد الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين.
- النهي عن عقوق الوالدين، وخص الأمهات في الحديث لضعفهن واحتياجهن، ولأنّ الغلبة في العقوق فيهن.
- النهي عن الامتناع عن أداء الواجب، والإلحاح في المسألة في طلب الحقوق وغير الحقوق.
1783
باب النهي عن الإشارة إلى المسلم بسلاح ونحوه سواء كان جادًا أو مازحًا والنهي عن تعاطي السيف مسلولًا
عَن أبي هُرَيْرَة رضي اللّه عَنْه عَنْ رَسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «لا يشِرْ أحَدُكُمْ إلَى أخِيهِ بِالسِّلاحِ، فَإنَّهُ لا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ في يَدِهِ، فَيَقَعَ في حُفْرَةٍ من النَّارِ» متفقٌ عليهِ. وفي رِوَايةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ أبُو الْقَاسِمِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ أشارَ إلَى أخيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإنَّ المَلائِكةَ تَلْعنُهُ حتَّى يَنْزِعَ، وإنْ كَان أخَاهُ لأبِيهِ وأُمِّهِ»
مفردات الحديث
- يَنْزِع: معناه يَرْمِي وَيُفْسِدُ، وَأَصْلُ النَّزْعِ: الطَّعنُ وَالْفَسَادُ.
- إلى أخيه: أي المسلم، ومثله الذمي فيحرم ترويعه بالسلاح، وهو ما يقاتل به في الحرب ويدافع به.
- فيقع: أي يسقط السلاح المشهر بسبب ذلك.
فوائد الحديث
- حرص الإسلام على سلامة الإنسان وحفظ كرامته.
- النهي عن ترويع المسلم سواء كان هزلًا أو جدًا، لأنّ ترويعه حرام مطلقًا، ولأنّ السلاح قد يسبقه.
1784
باب النهي عن الإشارة إلى المسلم بسلاح ونحوه سواء كان جادًا أو مازحًا والنهي عن تعاطي السيف مسلولًا
عَنْ جابرٍ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: نَهَى رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا.
رواهُ أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسَنٌ
مفردات الحديث
- يتعاطى: أي يتناول.
- مسلولًا: خارجًا من غمده.
فوائد الحديث
- كراهة تناول السيف مسلولًا، لأنّ المتناول قد يخطئ في تناوله فيجرح يده أو شيئًا من جسده فيتأذى بذلك ويحصل الفساد.
- في معنى السيف السكين فلا يرميها والحد من جهته، ومن الأدب في تناولها أن يمسك النصل المحدود في يده من جهة قفاه ويجعل المقبض إلى جهة أخيه ليتناولها بالنصال.
1785
باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر حتى يصلي المكتوبة
عَنْ أبي الشَّعْثاءِ قال: كُنَّا قُعُودًا مع أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنهُ في المسْجِدِ، فَأَذَّنَ المؤَذِّنُ، فَقَام رَجُلٌ مِنَ المسْجِدِ يَمْشِي، فَأتْبعهُ أبُو هُريْرةَ بصَرهُ حتَّى خَرجَ مِنَ المسْجِدِ، فقَالَ أبُو هُريْرَةَ: أمَّا هَذَا فَقَدْ عصَى أبَا الْقَاسِمِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- فأتبعه أبو هريرة بصره: أي لاحقه أبو هريرة ببصره لينظر مراده.
فوائد الحديث
- كراهة ترك المسجد بعد الأذان، بعد دخول الوقت وقبل أداء الصلاة المكتوبة من غير عذر، لأنّ في ذلك عصيانًا لنهي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
1786
باب كراهة رد الريحان لغير عذر
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ ريْحَانٌ، فَلا يَرُدَّهُ، فَإنَّهُ خَفيفُ المَحْملِ، طَيِّبُ الرِّيحِ»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- ريحان: نبت له ريح طيب. ومثله الطيب.
- المحمل: الحمل.
فوائد الحديث
- استحباب قبول عطية الطيب لأنّه لا مؤنة لحمله ولا منّة في قبوله.
1787
باب كراهة رد الريحان لغير عذر
عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي اللّه عَنْهُ أنَّ النّبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كَانَ لا يَرُدُّ الطِّيبَ.
رواهُ البُخاري
فوائد الحديث
- استحباب قبول عطية الطيب لأنّه لا مؤنة لحمله ولا منّة في قبوله.
- استحباب استعمال الطيب وعرضه على إخوانه ولا سيما عند حضور الجُمع والجماعات.
1788
باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه وجوازه لمن أمن ذلك في حقه
عَنْ أبي مُوسى الأشْعرِيِّ رضي اللّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم رَجُلًا يُثْني عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ في المدْحَةِ، فَقَالَ: «أهْلَكْتُمْ، أوْ قَطعْتُمْ ظَهرَ الرَّجُلِ»
متفقٌ عليهِ
مفردات الحديث
- وَيُطْرِيهِ: الإطْرَاءُ: المُبالَغَةُ في المَدْحِ.
- قطعتم ظهر الرجل: كناية عن إيقاعه في الهلكة، لما يحمله ذلك من العجب المهلك لصاحبه.
فوائد الحديث
- النهي عن المدح في الوجه، وهذا محمول على من خيف عليه الاغترار بالمدح والوقوع في العجب، وأما إذا كان لا يضره ذلك بل يترتب عليه فائدة فلا بأس بذلك.
1789
باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه وجوازه لمن أمن ذلك في حقه
عَنْ أبي بَكْرَة رضي اللّه عنْهُ أنَّ رجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النّبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النّبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «ويْحَكَ قَطَعْت عُنُقَ صَاحِبكَ» يقُولُهُ مِرَارًا «إنْ كَانَ أحَدُكُمْ مَادِحًا لا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وكَذَا إنْ كَانَ يَرَى أنَّهُ كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللّه، ولا يُزَكَّى علَى اللّهِ أحَدٌ»
متفق عليه
مفردات الحديث
- ويحك: كلمة تقال على سبيل الترحم لمن وقع في أمر لا يستحقه.
- لا محالة: لا بدّ.
- أحسبه: أظنه.
- حسيبه اللّه: محاسبه فلا يكذب بالثناء بما يعلم أو يظن خلافه فيقع في الإثم.
- ولا يزكي: ولا يمدح ويقطع بزكاة وطهارة أحد من العيوب.
فوائد الحديث
- النهي عن مدح الناس جزافًا بما ليس فيهم.
- إذا اضطر الإنسان إلى المدح فليمدح بما يغلب على ظنّه أنّه فيهم وليقل: "أظن ذلك" لأنّ حقيقة الناس لا يعلمها إلّا اللّه تعالى.
1790
باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه وجوازه لمن أمن ذلك في حقه
عَنْ هَمَّامِ بنِ الْحَارِثِ، عنِ المِقْدَادِ رضي اللّه عَنْهُ أنَّ رَجُلًا جعَل يَمْدَحُ عُثْمَانَ رضي اللّه عنه، فَعَمِدَ المِقْدادُ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْثُو في وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا في وَجُوهِهِمُ التُّرابَ» رَوَاهُ مسلم. فَهَذِهِ الأحَادِيثُ في النَّهْيِ، وَجَاءَ في الإبَاحَةِ أحَادِيثُ كثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ. قَالً العُلَمَاءُ: وَطريقُ الجَمْعِ بَيْنَ الأحَادِيثِ أنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ المَمْدُوحُ عِنْدَهُ كَمَالُ إيمَانٍ وَيَقِينٍ، وَريَاضَةُ نَفْسٍ، وَمَعْرِفَة تَامَّةٌ بِحَيْثُ لا يَفْتَتِنُ، وَلا يَغْتَرُّ بِذَلِكَ، وَلا تَلْعَبُ بِهِ نَفْسُهُ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلا مَكْرُوهٍ، وإنْ خِيفَ عَلَيْهِ شَيءٌ منْ هَذِهِ الأمُورِ كُرِهَ مَدْحُهُ في وَجْهِهِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ تُنزَّلُ الأحاديثُ المُختَلفَة في ذَلِكَ. وَمِمَّا جَاءَ في الإبَاحَةِ قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لأبي بَكْرٍ رضي اللّه عَنْهُ: «أرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» أيْ: مِنَ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ مِنْ جَمِيعِ أبْوابِ الْجَنَّةِ لِدُخُولِهَا، وفي الحَديثِ الآخَرِ: «لَسْتَ مِنْهُمْ» أيْ: لَسْتَ مِنَ الَّذِينَ يُسْبِلُونَ أُزُرَهُمْ خُيَلاءَ. وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لِعُمَرَ رضي اللّه عَنْهُ: «مَا رَآكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إلّا سلكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّك»، وَالأحَادِيثُ في الإبَاحَةِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْتُ جُمْلَةً مِنْ أطْرَافِهَا في كتاب: «الأذْكَار»
مفردات الحديث
- عمد: قصد.
- فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ: جلس على ركبتيه.
- يرمي الحصباء: صغار الحصى.
فوائد الحديث
- عدم الإصغاء لأقوال المداحين وعدم مكافأتهم على مدحهم.
- يجوز رميهم بالتراب والحصباء، وهذا من باب سدّ الذرائع حتى لا يتخذ المدح وسيلة إلى الكذب والتكسب وحمل الممدوح على العجب والخيلاء.
1791
باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها البلاء فرارًا منه وكراهة القدوم عليه
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللّه عَنْهُمَا أنَّ عُمَر بْنَ الْخَطَّابِ رضي اللّه عَنْهُ خَرَجَ إلَى الشَّامِ حَتَّى إذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَراءُ الأجْنَادِ أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ وَأصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أنَّ الْوبَاءَ قَدْ وَقَعَ بالشَّامِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ لي عُمَرُ: ادْعُ لي المُهاجرِين الأوَّلِينَ فَدَعَوتُهم، فَاسْتَشَارهم، وَأَخْبرَهُم أنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتلَفوا، فَقَالَ بَعْصُهُمْ: خَرَجْتَ لأَمْرٍ، ولا نَرَى أنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّة النَّاسِ وَأصْحَابُ رسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وَلا نَرَى أنْ تُقْدِمَهُم عَلَى هذا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُـمَّ قَالَ: ادْعُ لي الأَنْصَارَ، فَدعَوتُهُم، فَاسْتَشَارهمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهاجرِين، وَاختَلَفوا كَاخْتلافهم، فَقَال: ارْتَفِعُوا عَنِي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عليه مِنْهُمْ رَجُلانِ، فَقَالُوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلاَ تُقْدِمَهُم عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادى عُمَرُ رضي اللّه عَنْهُ في النَّاسِ: إنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ: فَقَال أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ رضي اللّهُ عَنْهُ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّه؟ فَقَالَ عُمَرُ رضي اللّه عَنْهُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أبَا عُبيْدَةَ، وكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلافَهُ، نَعَمْ نَفِرُّ منْ قَدَرِ اللّه إلى قَدَرِ اللّه، أرأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إبِلٌ، فَهَبَطَتْ وَادِيًا لهُ عُدْوَتَانِ، إحْدَاهُمَا خَصْبةٌ، والأخْرَى جَدْبَةٌ، ألَيْسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رعَيْتَهَا بقَدَرِ اللّه، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رعَيْتَهَا بِقَدَر اللّه، قَالَ: فجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي اللّه عَنْهُ، وَكَانَ مُتَغَيّبًا في بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَال: إنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأرْضٍ، فلاَ تَقْدمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلا تخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»
فَحَمِدَ اللّه تَعَالى عُمَرُ رضي اللّه عَنْهُ وَانْصَرَفَ، متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- سرغ: منزل من منازل حجاج الشام، وهي قرية بتبوك قريب من الشام.
- الأجناد: هي مدن أهل الشام الخمس: فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص، ونسرين.
- الوباء: هو الطاعون، وهو مرض معد مميت.
- المهاجرين الأولين: هم من صلوا إلى القبلتين.
- لأمر: هو قتال العدو.
- سلكوا سبيل المهاجرين: أي طريقهم في اختلاف الرأي.
- مهاجرة الفتح: قيل هم الذين أسلموا قبل فتح مكة، وقيل هم مسلمو الفتح الذين هاجروا بعده.
- مصبح على ظهر: أي مسافر وراجع.
- عُدْوَتَان: الْعُدْوَة: جانِبُ الْوادِي.
- خصبة: ذات كلأ ومرعى.
- جدبة: أي لا مرعى فيها.
فوائد الحديث
- خُروجُ الإمامِ بِنفْسِهِ لِمُشاهَدةِ أحْوالِ رَعِيَّتِه.
- أنَّ مِنْ هَدْيِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللّه عنهم تَلَقِّيَ الأُمَراءِ والمُشاوَرةَ مَعهمْ، والاجْتِماعَ بالعُلَماءِ، وتَنْزيلَ النَّاسِ مَنازِلَهم.
- الاجْتِهادُ فِي الحُروبِ، وقَبُولُ خَبَرِ الوَاحِدِ، وَصِحَّةُ القِياسِ، واجْتِنابُ أسْبابِ الهَلاكِ.
- أنَّ مِنْ هَدْيِهِ صلَّى اللّهُ عليه وسلَّم عدَمَ القدومِ على أرضِ الوَباءِ إذا سُمِعَ بهِ فيها، وألَّا يُخرَجَ منها خَوفًا منه.
1792
باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها البلاء فرارًا منه وكراهة القدوم عليه
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي اللّه عَنْهُ عنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلا تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا»
متفقٌ عليهِ
فوائد الحديث
- كراهية الدخول على الوباء وكراهية الفرار منه، وهذا ما هو معروف بالحجر الصحي، وهذا لا ينافي التوكّل على اللّه، لأنّ الأخذ بالأسباب والبعد عن مواطن التهلكة من ثمرات التوكّل على اللّه تعالى.
- ثبوت العدوى وانتشار المرض بإذن اللّه تعالى لا بذاته.
- ما يفعله الإنسان وما يتركه كل ذلك معلوم للّه تعالى، والإنسان مأمور بأن يتقي مواطن الخطر.
- على قادة الأمة والمسؤولين عنها أن يأخذوا بأمتهم لما فيه سلامتهم وعدم التفريط بهم أو دفعهم إلى مواطن الهلاك.
1793
باب تغليظ في تحريم السحر
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ عَنِ النبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رسُولَ اللّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللّهِ، السِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التي حرَّمَ اللّه إلّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ اليتيم، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذفُ المُحْصنَات المُؤمِناتِ الْغَافِلات»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الموبقات: المهلكات.
- التولي يوم الزحف: الهرب من المعركة والحرب.
- قذف المحصنات: رمي العفيفات واتهامهن بالزنى.
- الغافلات: أي الغافلات عن الفاحشة التي اتهمن بها لأنّهن بريئات منها.
فوائد الحديث
- تحريم هذه الأمور لأنّها من المهلكات التي تستوجب العذاب.
- التغليظ في تحريم السحر.
1794
باب النّهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خِيفَ وقوعُه بأيدي العدو
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي اللّه عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أنْ يُسَافَرَ بالقرآن إلَى أرْضِ الْعَدُوّ. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- مَخافةَ أنْ يَنالَهُ العدُوُّ: والعدُوُّ هم الكُفَّارُ، وحُمِلَ النَّهيُ على خَشيةِ أنْ يَنالَهُ الكُفَّارُ، ولا يُكرِموه، فيَنتَهِكوا حُرْمتَه، وهذا مِن بابِ سَدِّ الذَّرائعِ.
فوائد الحديث
- حرمة السفر بالقرآن إلى بلاد الأعداء إذا خيف أو غلب على الظنّ وقوعه في أيديهم، وذلك لئلا يتمكنوا من القرآن فيهينوه، أما إذا أمن من ذلك فيكره السفر به سدًا للذريعة وأخذًا بالأحوط.
1795
باب تحريم إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة وسائر وجوه الاستعمال
عَن أمِّ سَلَمَةَ رضي اللّه عنها أنَّ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَار جَهَنَّمَ» متفقٌ عليه. وفي روايةٍ لمُسْلمٍ: «إنَّ الَّذِي يَأكُلُ أوْ يَشْربُ في آنيةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَب»
مفردات الحديث
- يجرجر: أي جرعه جرعًا متتابعًا يسمع له صوت، والجرجرة كناية عن ذلك الصوت، والمراد يلقي النار في بطنه.
فوائد الحديث
- تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة لأنّ ذلك من الكبر والخيلاء الذي يترفع عنه المسلم، وللوعيد الشديد المذكور في الحديث.
1796
باب تحريم إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة وسائر وجوه الاستعمال
عنْ حُذَيْفَةَ رضي اللّه عَنْهُ قالَ: إنَّ النبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَانَا عَنِ الحَرِيرِ، والدِّيباجِ، وَالشُّرْب في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وقال: «هُنَّ لهُمْ في الدُّنْيَا وَهِيَ لَكُمْ في الآخِرةِ» متفقٌ عليهِ. • وفي روايةٍ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ رضي اللّه عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «لا تَلْبِسُوا الحَرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ، ولا تَشْرَبُوا في آنيَةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ وَلا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا»
مفردات الحديث
- الديباج: نوع من الحرير، وقيل: هو ما غلظ منه، وقيل: ثوب سداه ولحمته من الحرير.
- لهم: أي للكفار.
- صحاف: هي إناء للأكل يشبع خمسة أشخاص.
فوائد الحديث
- تحريم لبس الحرير لأنّه يشبه لباس بعض الكفار.
- حرمة استعمال آنية الذهب والفضّة في طعام أو شرب أو غير ذلك من أنواع الاستعمال، لما في ذلك من الخيلاء والكبر، وكذلك اتخاذها للتزيين أو غيره، لأنّ ما حرم استعماله حرم اتخاذه.
- أنّ استعمالها من الكبائر لورود الوعيد الشديد على ذلك.
- استثنى العلماء من ذلك التزيين بالذهب والفضة للنساء فقط، واستعمال خاتم الفضة للرجال.
1797
باب تحريم إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة وسائر وجوه الاستعمال
عَنْ أنس بن سِيرينَ قال: كنْتُ مَع أنَسِ بن مالك رضي اللّه عنْهُ عِنْد نَفَرٍ مِنَ المجُوسِ، فَجِيءَ بفَالُوذَجٍ عَلى إنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَلَمْ يأكُلْهُ، فَقِيلَ لَهُ حوِّلهُ فحوَّلَه عَلى إنَاءٍ مِنْ خَلَنْج، وجِيءَ بِهِ فأَكَلَهُ.
رواه البيهقي بإسْنادٍ حَسنٍ
مفردات الحديث
- فالوذج: نوع من الحلوى.
- خلنج: إناء مصنوع من شجر.
فوائد الحديث
- الابتعاد عن الترفه والتشبه بالكفار في المأكل والمشرب والملبس.
- المجازاة على الصبر عن الزائل الفاني بالدائم الباقي.
1798
باب تحريم لبس الرّجل ثوبًا مزعفرًا
عَنْ أنسٍ رضي اللّه عَنْهُ قالَ: نَهَى النّبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أنْ يَتَزَعْفَر الرَّجُلُ. متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- يتزعفر: يصبغ ثوبه بالزعفران، أو يطلي جسمه به.
- والزعفران: نبت يصبغ به ذو لون أصفر.
فوائد الحديث
- جاء الإسلام ناهيًا عن كل ما يتشبه الرجل بالمرأة.
- علة النهي إنّما هي كون هذه الثياب مما يتزين بها النساء ولا يجوز التشبه بالنساء،
1799
باب تحريم لبس الرّجل ثوبًا مزعفرًا
عنْ عبدِ اللّه بنِ عَمْرو بن العاص رضي اللّه عَنْهُمَا قالَ: رأَى النّبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرين فَقَال: «أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بهٰذا؟» قلتُ: أغْسِلُهُمَا؟ قال: «بلْ أحْرِقْهُما» وفي روايةٍ، فقال: «إنَّ هذا منْ ثيَابِ الكُفَّار فَلا تَلْبسْهَا»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- معصفرين: مصبوغين بالعصفر، والعصفر نبت أصفر معروف.
فوائد الحديث
- النهي عن لبس الثياب المصبوغة بالزعفران أو العصفر للرجال وهذا النهي حمله بعض العلماء على الحرمة وبعضهم خصه بالكراهة.
- علة النهي إنّما هي كون هذه الثياب مما يتزين بها النساء ولا يجوز التشبه بالنساء، وكونها مما اعتاد لبسه الكفار ولا يجوز التشبه بهم وتقليدهم.
- أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بحرق الثوبين عقوبةً وتغليظًا لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل.
- المحافظة على تميّز المسلم في لباسه الشرعي والابتعاد عن محاكاة الكفار وتقليدهم.
1800
باب النهي عن صمت يوم إلى الليل
عَنْ عليٍّ رضي اللّه عَنْهُ قالَ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ، وَلا صُمَاتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ» رواه أبو داود بإسناد حسن. قالَ الخَطَّابي في تفسيرِ هذا الحديثِ: كَانَ مِنْ نُسُكِ الجاهِلِيَّة الصّمَاتُ، فَنُهُوا في الإسْلامِ عَنْ ذلكَ، وأُمِرُوا بِالذِّكْرِ وَالحَدِيثِ بالخَيْرِ.
مفردات الحديث
- لا يتم: اليتيم: من مات أبوه وهو صغير دون البلوغ.
- الاحتلام: خروج المني من الرجل أو المرأة، ومثله البلوغ بالسن.
- صمات: سكوت وكف عن الكلام.
- نسك الجاهلية: من عبادتهم التي يزعمون أنّها تقربهم إلى الله.
فوائد الحديث
- ارتفاع اسم اليتم بالبلوغ وارتفاع أحكامه.
- النهي عن كل عبادات الجاهلية ومنها السكوت، ويقال صيام عن الكلام.
1801
باب النهي عن صمت يوم إلى الليل
عَنْ قيس بن أبي حازِمٍ قالَ: دَخَلَ أبُو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي اللّه عَنْهُ على امْرَأَةٍ مِنَ أحْمَسَ يُقَالُ لهَا: زَيْنَبُ، فَرَآهَا لا تَتَكَلَّم. فقالَ: مَالهَا لا تَتَكَلَّمُ؟ فقالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً، فقالَ لهَا: تَكَلَّمِي فَإِنَّ هذا لا يَحِلُّ، هذا منْ عَمَلِ الجَاهِلِية، فَتَكَلَّمَت.
رواه البخاري
فوائد الحديث
- من نذر الإمساك عن الكلام مطلقًا لا يلزمه الوفاء به لمخالفته لأوامر الشرع.
- يحل الكلام المباح الذي لا يحتوي على الغيبة والنميمة وهو أفضل من الصمات المنهي عنه في الحديث.
1802
باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه وتوليه إلى غير مواليه
عَنْ سَعْدِ بن أبي وقَّاصٍ رضي اللّه عَنْهُ أنَّ النبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «مَن ادَّعَى إلى غَيْرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ فَالجَنَّةُ عَلَيهِ حَرامٌ»
متفقٌ عليهِ
مفردات الحديث
- ادّعى: انتسب كاذبًا.
فوائد الحديث
- أنّ الانتساب إلى غير الأب كفر إن فعله صاحبه عالمًا بحرمته رغبة عن أبيه إما لفقره أو طلبًا لجاه عند من انتسب إليه مستحلًا له.
- إن فعله غير مستحل له فهو معصية كبيرة تستوجب دخول النار وعدم دخول الجنة ابتداءً.
1803
باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه وتوليه إلى غير مواليه
عن أبي هُريْرَة رضي اللّه عنْهُ عَن النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أبيهِ فَهُوَ كُفْرٌ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا ترغبوا عن آبائكم: أي لا تنتسبوا لغيرهم.
فوائد الحديث
- حرص الإسلام على المحافظة على الأنساب واحترام حقوق الأبوة على الأبناء.
- الوعيد الشديد لمن رغب عن أبيه.
1804
باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه وتوليه إلى غير مواليه
عَنْ يزيدَ شريك بن طارقٍ قالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا رضي اللّه عَنْهُ عَلى المِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتهُ يَقُولُ: لا واللّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كتاب نَقْرؤهُ إلّا كتاب اللّه، وَمَا في هذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإذا فِيهَا أسْنَانُ الإبلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الجِرَاحاتِ، وَفيهَا: قَالَ رَسولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «المدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، فَمَنْ أحْدَثَ فيهَا حَدَثًا، أوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّهِ والمَلائِكَة وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللّه مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة صَرْفًا وَلا عَدْلًا، ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ، فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعلَيْهِ لَعْنَةُ اللّه والمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللّه مِنْهُ يَوْم الْقِيامَةِ صَرفًا ولا عدْلًا، وَمَنِ ادَّعَى إلى غَيْرِ أبيهِ، أو انتَمَى إلى غَيْرِ مَوَاليهِ، فَعلَيْهِ لَعْنَةُ اللّه وَالملائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يقْبَلُ اللّه مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامةِ صَرْفًا وَلا عَدْلًا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أسنان الإبل: بيان أعمار الإبل التي تؤدي دية في القتل.
- وأشياء من الجراحات: أحكام شرعية تتناول مسائل من الصيد في حرم مكة وما فيها من كفارة مقررة.
- عَير: جبل صغير قرب المدينة.
- ثور: جبل صغير وراء جبل أحد.
- أحدث فيها حدثًا: ابتدع فيها بدعة تخالف الدين، أو تسبب لإحداث أذى بالمسلمين.
- لعنة اللّه: طرده من رحمته تعالى.
- الصَّرفُ: التَّوْبَةُ، وَقِيلَ: الحِلَةُ.
- الْعَدْلُ: الفِدَاءُ.
- ذِمَّةُ المُسْلِمِين: أي عَهْدُهُمْ وأمانتُهُم.
- أخْفَر مسلمًا: نَقَضَ عَهْدَه.
- انتمى إلى غير مواليه: ادعى أنه عتيق من أعتقوه.
فوائد الحديث
- تغليظ حرمة انتساب الإنسان لغير أبيه، والعتيق إلى غير معتقيه، لِما في ذلك من كفران النعمة وضياع حقوق الإرث والولاء.
- تكذيب من ادعى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خص سيدنا عليّا رضي اللّه عنه بعلم لم يطلع عليه غيره من الصحابة أو أنّه عهد إليه بالخلافة.
- عظم المعصية في المدينة، وقيل: الصغيرة من الذنب إذا فعلت في المدينة صارت كبيرة.
- جواز لعن أصحاب الكبائر من غير تعيين شخص بعينه.
- من مات على هذه المعاصي من غير توبة منها وكان مستحلًا لها لم يقبل اللّه تعالى منه يوم القيامة فريضةً ولا نافلةً.
1805
باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه وتوليه إلى غير مواليه
عَنْ أبي ذَرٍّ رضي اللّه عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «لَيْسَ منْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْر أبيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إلّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَليَتَبوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أوْ قالَ: عدُوَّ اللّه، وَلَيْسَ كَذلكَ إلّا حَارَ عَلَيْهِ»
متفقٌ عليهِ، وَهَذَا لفْظُ روايةِ مُسْلِمِ
مفردات الحديث
- يتبوأ مقعده: فليأخذ منزله في النار.
- حار عليه: رجع إليه وكان هو أولى بما قاله من غيره.
- دعا رجلًا بالكفر: قال له يا كافر.
فوائد الحديث
- حرمة اتهام المسلمين بالكفر أو رميهم بمعاداة اللّه، وأنّ من فعل مع أخيه ذلك بغير حقّ كان هو أولى من أخيه بما قاله، وفي هذا منتهى الزجر والتنفير من ذلك.
1806
باب التحذير من ارتكاب ما نهى اللّه عزّ وجلّ أو رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم عنه
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ أنَّ النّبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إنَّ اللّه تَعَالى يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللّهِ أنْ يَأْتيَ المَرْءُ مَا حَرَّمَ اللّه عَليهِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يغار: يغضب والغيرة هي الحميّة.
فوائد الحديث
- التحذير من الوقوع في الفواحش وما حرم اللّه تعالى، لأنّ في ذلك غضب اللّه على من فعل ذلك، فاللّه يغضب عندما تنتهك حرماته.
1807
باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهياً عنه
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ عَن النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «مَنْ حَلَف فَقَالَ في حلفِهِ: بِاللّاتِ والْعُزَّى، فَلْيقُلْ: لا إلَهَ إلّا اللّه ومَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ، تَعَالَ أقَامِرْكَ فَليتَصَدَّق»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- اللّات: صنم كان بالطائف لثقيف.
- العزّى: صنم كان بوادي نحلة لقريش وبني كنانة.
- أقامرك: أراهنك.
- القمار: المراهنة.
فوائد الحديث
- حرمة الحلف بالأصنام وكون ذلك ممّا يُخرج الإنسان من الدين فعلى الإنسان أن يجدد إيمانه.
- حرمة الدعوة إلى القمار، وأنّ كفارة ذلك إحداث التوبة منها والإسراع إلى الصدقة، قال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ [سورة هود ١١٤].
- كتاب المنثورات والمُلَح
1808
بابُ المنثورات والمُلَح
عَن النَّواس بنِ سَمْعانَ رضي اللّه عَنْهُ قالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّض فِيهِ، وَرَفَع حَتَّى ظَنَناه في طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إلَيْهِ، عَرَفَ ذلكَ فِينَا فقالَ: «ما شأنكم؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّال الْغَدَاةَ، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّاه في طَائِفةِ النَّخْلِ فقالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أخْوفَني عَلَيْكُمْ، إنْ يخْرجْ وأنا فِيكُمْ، فَأنَا حَجِيجُه دونَكُمْ، وَإنْ يَخْرجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فكلُّ امرئٍ حَجيجُ نَفْسِهِ، واللّه خَليفَتي عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، إنَّه شَابٌ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كأَنِّي أشَبِّهُه بعَبْدِ الْعُزَّى بن قَطَنٍ، فَمَنْ أدْرَكَه مِنْكُمْ، فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورةِ الْكَهْفِ، إنَّه خَارِجٌ خَلَّةً بَينَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يمِينًا وَعاثَ شمالًا، يَا عبَادَ اللّه فَاثْبُتُوا». قُلْنَا يا رسول اللّه ومَا لُبْثُه في الأرْضِ؟ قالَ: «أرْبَعُون يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيوْمٌ كجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أيَّامِهِ كأَيَّامِكُم». قُلْنَا: يا رَسُول اللّه، فَذلكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أتكْفِينَا فِيهِ صلاةُ يَوْمٍ؟ قال: «لا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَا إسْراعُهُ في الأرْضِ؟ قالَ: «كَالْغَيْث استَدبَرَتْه الرِّيحُ، فَيَأْتي على الْقَوْم، فَيَدْعُوهم، فَيؤْمنُونَ بِهِ، ويَسْتجيبون لَهُ فَيَأمُرُ السَّماءَ فَتُمْطِرُ، والأرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهمْ سارِحتُهُم أطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرى، وَأسْبَغَه ضُرُوعًا، وأمَدَّهُ خَواصِرَ، ثُمَّ يَأْتي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهم، فَيَرُدُّون عَلَيهِ قَوْلهُ، فَيَنْصَرف عَنْهُمْ، فَيُصْبحُون مُمْحِلينَ لَيْسَ بأيْدِيهم شَيءٌ منْ أمْوالِهم، وَيَمُرُّ بِالخَربَةِ فَيقول لَهَا: أخْرجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُه كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيب النَّحْلِ، ثُّمَّ يدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبابًا فَيضْربُهُ بالسَّيْفِ، فَيَقْطَعهُ، جِزْلَتَيْن رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ، فَيُقْبِلُ، وَيَتَهلَّلُ وجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَينَما هُو كَذلكَ إذْ بَعَثَ اللّه تَعَالى المسِيحَ ابْنَ مَرْيم صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَيَنْزِلُ عِنْد المَنَارَةِ الْبَيْضـَاءِ شَرْقيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودتَيْنِ، وَاضعًا كَفَّيْهِ عَلى أجْنِحةِ مَلَكَيْنِ، إذا طَأْطَأَ رَأسهُ، قَطَرَ وإذا رَفَعَهُ تَحدَّر مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤلُؤ، فَلا يَحِلُّ لِكَافِر يَجِدُ ريحَ نَفَسِه إلّا مات، ونَفَسُهُ يَنْتَهِي إلى حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُه حَتَّى يُدْرِكَهُ بَباب لُدٍّ فَيَقْتُلُه، ثُمَّ يأتي عِيسَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللّه مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عنْ وُجوهِهِمْ، ويحَدِّثُهُم بِدرَجاتِهم في الجنَّةِ، فَبَينَما هُوَ كَذلِكَ إذْ أوْحَى اللّه تَعَالى إلى عِيسى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أنِّي قَدْ أَخرَجتُ عِبَادًا لي لا يدانِ لأحَدٍ بقِتَالهمْ، فَحَرِّزْ عِبادي إلى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللّه يَأْجُوجَ ومَأجوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسلُون، فيَمُرُّ أوَائلُهُم عَلى بُحَيْرةِ طَبريَّةَ فَيَشْرَبون مَا فيهَا، وَيمُرُّ آخِرُهُمْ فيقولُونَ: لَقَدْ كَانَ بهَذِهِ مرَّةً ماءٌ، وَيُحْصَرُ نبيّ اللّهِ عِيسَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَأصْحَابُهُ حَتَّى يكُونَ رأْسُ الثَّوْرِ لأحدِهمْ خيْرًا منْ مائَةِ دِينَارٍ لأحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيرْغَبُ نبيّ اللّه عِيسَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وأَصْحَابُه، رضي اللّه عَنْهُمْ، إلى اللّهِ تَعَالى، فَيُرْسِلُ اللّه تَعَالى عَلَيْهِمْ النَّغَفَ في رِقَابِهِم، فَيُصبحُون فَرْسى كَموْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يهْبِطُ نبيّ اللّه عيسى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَأصْحابهُ رضي اللّه عَنْهُمْ، إلى الأرْضِ، فَلا يَجِدُون في الأرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إلّا مَلأهُ زَهَمُهُمْ وَنَتَنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نبيّ اللّه عِيسَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَأصْحابُهُ رضي اللّه عَنْهُمْ إلى اللّه تَعَالَى، فَيُرْسِلُ اللَّه تَعَالى طيْرًا كَأعْنَاقِ الْبُخْتِ، فَتحْمِلُهُمْ، فَتَطرَحُهم حَيْتُ شَاءَ اللَّه، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّه عَزَّ وجَلَّ مـطَرًا لا يَكِنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ ، فَيَغْسِلُ الأرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كالزَّلَقَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأرْضِ: أنْبِتي ثَمرَتَكِ، ورُدِّي برَكَتَكِ، فَيَوْمئِذٍ تأكُلُ الْعِصَابَة مِن الرُّمَّانَةِ، وَيسْتظِلون بِقِحْفِهَا، وَيُبارَكُ في الرِّسْلِ حَتَّى إنَّ اللَّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتَكْفي الفئَامَ مِنَ النَّاس، وَاللَّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاس، وَاللَّقْحَةَ مِنَ الْغَنمِ لَتَكْفي الفَخِذَ مِنَ النَّاس، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ بَعَثَ اللّه تَعالَى رِيحًا طَيِّبَةً، فَتأْخُذُهم تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤمِن وكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتهَارجُون فِيهَا تَهَارُج الْحُمُرِ فَعَلَيْهِم تَقُومُ السَّاعَةُ»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- الدجّال: الكذاب.
- خفض ورفع، قيل: معناه حقره وعظمه لخطر فتنته، وقيل: رفع صوته وخفضه بالحديث عنه.
- حتى ظنناه في طائفة النخل: حتى توهمناه أصبح على مقربة منا عند نخيل المدينة.
- حجيجه: مجادله وقاطع حجته.
- قطط: شديد جعودة الشعر.
- طافية: بارزة وناتئة.
- عبد العزى بن قطن: رجل من بني المصطلق من خزاعة مات في الجاهلية.
- خَلَّة بيْنَ الشَّام وَالْعِرَاقِ: أي طَريقًا بَيْنَهُما.
- عاثَ: الْعَيْثُ أشَدُّ الْفَسَادِ.
- وَالذُّرَى: هوَ أعالي الأسْنِمَةِ.
- اليَعاسِيبُ: ذكور النَّحْلِ.
- جزْلتَين: قِطْعتينِ.
- وَالْغَرَضُ: الهَدَفُ الَّذِي يُرْمَى إليْهِ بِالنَّشَّابِ.
- المهْرودة: هِي الثَّوْبُ المَصْبُوغُ.
- لا يَدَان: أي لا طَاقَةَ.
- النَّغَفُ: دُودٌ.
- وفَرْسَى: جَمْعُ فَرِيسٍ، وَهُو الْقَتِيلُ.
- الزَّلَقَةُ: وهي المِرْآةُ.
- العِصَابَة: الجماعةُ.
- وَالرِّسْلُ: اللَّبنُ.
- واللَّقْحَة: اللَّبُونُ.
- وَالْفئَام: الجمَاعَةٌ.
- والْفَخِذُ مِنَ النَّاسِ: دُونَ الْقَبِيلَةِ.
- استدبرته الريح: جاءت بعده فجففته، وهذا كناية عن سرعة إفساده في الأرض.
- فتروح: ترجع.
- سارحتهم: أموالهم السائمة من إبل وبقر وغنم.
- أسبغه ضروعًا: أملؤه وأطوله لكثرة اللبن.
- أمدّه خواصر: لكثرة امتلائها من الشبع وكثرة الأكل.
- طأطأ رأسه قطر: إذا أرخاه قطر الماء منه.
- تحدر منه جمان كاللؤلؤ: نزل منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفاته.
- الجمان: الفضة.
- فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات: أي لا يمكن لكافر عند ذلك إلا الموت.
- باب لدّ: قرية قريبة من بيت المقدس.
- فحرز: ضمهم إليه وجعل الطور لهم حرزًا.
- من كل حدب: من كل ناحية.
- ينسلون: يسرعون.
- طبرية: هي البحيرة المعروفة بهذا الاسم، وهي قرب البحر الميت في فلسطين.
- يرغب: يقبل عيسى وأصحابه على اللّه بالضراعة والدعاء.
- زهمهم: ريحهم المنتنة.
- البخت: الإبل.
- لا يكن: لا يستر.
- مدر: طين صلب.
- قحفها: مقعر قشرها، شبهها بقحف الرأس وهو الذي فوق الدماغ.
- يتهارجون: يجامعون النساء علانية بحضرة الناس كما تفعل الحمير.
فوائد الحديث
- المسيح الدجال من جملة الفتن التي امتحن اللّه بها عباده، يحق الحق، ويبطل الباطل، ثم يفضحه بعدُ، ويظهر عجزه.
- الدجال شخص من بني آدم يخرج في آخر الزمان من أشراط الساعة، يكذب كذبًا كثيرًا، ولهذا قيل له الدجال لكثرة كذبه، يدعي أنّه نبي، ثم يدعي أنه رب العالمين، ويؤيد بأشياء من الخوارق يبتلي اللّه بها الناس، جاء أنّه يتبعه كنوز القرى كيعاسيب النحل، وأنه يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت لمن اتبعه، ومن أبى أمحلت أرضهم، فهذه أشياء يمتحن اللّه بها عباده في آخر الزمان، ويثبت اللّه أهل الإيمان ويزدادون بصيرة به إذا وجدوه وعرفوا هذا.
1809
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ رِبْعيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَال: انْطَلَقْتُ مَعَ أبي مسْعُودٍ الأنْصارِيِّ إلى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي اللّه عنهم فَقَالَ لَهُ أبُو مسعودٍ، حَدِّثْني مَا سمِعْت مِنْ رَسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، في الدَّجَّال قالَ: «إنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ وَإنَّ مَعَهُ ماءً وَنَارًا، فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ ماءً فَنَارٌ تُحْرِقُ، وَأمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا، فَمَاءٌ بَاردٌ عذْبٌ، فَمَنْ أدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقَعْ في الذي يَراهُ نَارًا، فَإنَّهُ ماءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ»
فَقَالَ أبُو مَسْعُودٍ: وَأنَا قَدْ سَمِعْتُهُ. متَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- بيان هذه الفتنة العظيمة التي تقع على الناس آخر الزمان.
- إخبار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن الغيب.
- شفقة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على أمته.
1810
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بن عَمْرو بن العاص رضي اللّه عَنْهُما قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يخْرُجُ الدَّجَّالُ في أمَّتي فَيَمْكُثُ أربَعِينَ، لا أدْري أرْبَعِينَ يَوْمًا، أو أرْبَعِينَ شَهْرًا، أوْ أرْبَعِينَ عَامًا، فَيبْعثُ اللّه تَعالى عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُه، ثُّمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنْينِ عدَاوَةٌ.ثُّمَّ يُرْسِلُ اللّه، عزَّ وجَلَّ، ريحًا بارِدَةً مِنْ قِبلِ الشَّامِ، فَلا يبْقَى على وَجْهِ الأرْضِ أحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أوْ إيمَانٍ إلّا قَبَضَتْهُ، حتَّى لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ دخَلَ في كَبِدِ جَبلٍ، لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ، فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيْرِ، وأحْلامِ السِّباعِ لا يَعْرِفُون مَعْرُوفًا، وَلا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لهُمُ الشَّيْطَانُ، فَيقُولُ: ألا تسْتَجِيبُون؟ فَيَقُولُونَ: فَما تأمُرُنَا؟ فَيَأمرُهُم بِعِبَادةِ الأوْثَانِ، وهُمْ في ذلكَ دارٌّ رِزْقُهُمْ، حسنٌ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّور، فَلا يَسْمعُهُ أحَدٌ إلّا أصْغى لِيتًا ورفع ليتًا، وَأوَّلُ منْ يسْمعُهُ رَجُلٌ يلُوطُ حَوْضَ إبِله، فَيُصْعقُ ويصعق النَّاسُ حوله، ثُمَّ يُرْسِلُ اللّه أوْ قالَ: يُنْزِلُ اللّه مَطَرًا كأَنَّهُ الطَّلُّ أو الظِّلُّ، فَتَنْبُتُ مِنْهُ أجْسَادُ النَّاس ثُمَّ ينفخ فِيهِ أخْرَى فإذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُون. ثمَّ يُقَالُ يا أيهَا النَّاسُ هَلُمَّ إلى رَبِّكُم، وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤولونَ، ثُمَّ يُقَالُ: أخْرجُوا بَعْثَ النَّارِ فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائة وتِسْعةً وتِسْعينَ، فذلكَ يْوم يجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا، وذَلكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عنْ ساقٍ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يمكث الناس سبع سنين: أي بعد عيسى، وإن عيسى عليه السلام سيمكث في الناس أربعين سنة.
- كبد جبل: وسط جبل.
- في خفة الطير وأحلام السباع: أي يكونون في سرعتهم إلى الشر والفساد كطيران الطير وفي العدو خلف بعضهم كالسباع العادية.
- أصغى ليتًا: أمال صفحة عنقه.
- يلوط: يصلح.
- الطل: المطر الخفيف.
- يكشف عن ساق: الساق صفة للّه على ما يليق به سبحانه، وقد جاء عند البخاري: "يكشف ربنا عن ساقه".
فوائد الحديث
- في ذكر الدجّال ثبوت ظهوره، وبيان علاماته، ومدة إفساده، ونزول عيسى عليه السلام وقتله للدجّال، وهذه الأحاديث قد بلغت حدًا يفيد القطع بظهوره ولا يجوز معها الشك بوجوده وقيل: الدجال لقب بذلك لشدة تدجليه وكذبه، ولقدرته الخارقة على تغطية الحق بالباطل، يظهر من جهة المشرق فيدّعي بين الناس الصلاح والاستقامة ثم يدّعي الألوهية، ويتبعه فيما يدعو إليه الناس خلق كثير معظمهم من اليهود، ولقد فاضت بالأحاديث المتعلقة به جميع كتب السنة تحذيرًا وإخبارًا ووصفًا لم تترك مجالًا للشك في ظهوره.
1811
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أنَسٍ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: قَال رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إلّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إلّا مَكَّةَ والمَدينة، ولَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أنْقَابِهما إلا عَلَيْهِ المَلائِكَةُ صَافِّينَ تحْرُسُهُما، فَيَنْزِلُ بالسَّبَخَةِ، فَتَرْجُفُ المدينةُ ثلاثَ رَجَفَاتٍ، يُخْرِجُ اللّه مِنْهَا كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- نقب: خرق وممر.
- السبخة: الأرض الرملية التي لا تنبت لملوحتها.
فوائد الحديث
- بيَّن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الدجّال يدخل كل بلد يدعو الناس والعياذ باللّه لعبادته إلّا مكة والمدينة فإنّه لا يدخلهما لأنّ عليهما الملائكة على كل باب منهما يذودون عنهما.
1812
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أنَسٍ رضي اللّه عنْهُ أنَّ رسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «يَتْبعُ الدَّجَّال مِنْ يهُودِ أصْبهَانَ سَبْعُونَ ألْفًا علَيْهم الطَّيَالِسة»
رواهُ مسِلمٌ
مفردات الحديث
- أصبهان: بلد في فارس.
- الطيالسة: جمع طيلسان وهي أكسية مقورة.
فوائد الحديث
- نّ بداية ظهور الدجّال تكون من أصبهان وهي إحدى مدن إيران الحالية.
1813
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أمِّ شَريكٍ رضي اللّه عَنْهَا أنَّها سمِعتِ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «ليَنْفِرَنّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ في الجِبَالِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- لينفرنّ: أي ليهربنّ في نفور وكراهية.
فوائد الحديث
- أنّ الناس يومئذ يهربون من الدجّال على رؤوس الجبال.
1814
بابُ المنثورات والمُلَح
عَن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي اللّه عنْهُما قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَم إلى قِيامِ السَّاعةِ أمْرٌ أكْبرُ مِنَ الدَّجَّالِ»
رواه مسلم
فوائد الحديث
- المراد أنّه أعظم فتنة وقد حذر منها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
1815
بابُ المنثورات والمُلَح
عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي اللّه عَنْهُ عَنِ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «يخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيتَوَجَّه قِبَلَه رَجُلٌ منَ المُؤمِنين فَيَتَلَقَّاهُ المَسالح: مسالحُ الدَّجَّالِ، فَيقُولُونَ له: إلى أيْنَ تَعمِدُ؟ فيَقُول: أعْمِدُ إلى هذا الَّذي خَرَجَ، فيقولُون له: أو ما تُؤْمِن بِرَبِّنَا؟ فيقول: ما بِرَبنَا خَفَاء، فيقولُون: اقْتُلُوه، فيقُول بعْضهُمْ لبعضٍ: ألَيْس قَدْ نَهاكُمْ رَبُّكُمْ أنْ تقتلوا أحدًا دونَه، فَينْطَلِقُونَ بِهِ إلى الدَّجَّالِ، فَإذا رآه المُوْمِنُ قال: يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّ هذا الدَّجَّالُ الَّذي ذَكَر رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَيأمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشْبَحُ، فَيَقولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ، فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ ضَرْبًا، فيقولُ: أوما تُؤمِنُ بي؟ فَيَقُولُ: أنْتَ المَسِيحُ الْكَذَّابُ، فَيُؤمرُ بهِ، فَيؤْشَرُ بالمِنْشَارِ مِنْ مَفْرقِهِ حتَّى يُفْرقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعتَيْنِ، ثُمَّ يقولُ لَهُ: قُمْ، فَيَسْتَوي قَائمًا، ثُمَّ يقولُ لَهُ: أتُؤمِنُ بي؟ فيقولُ: مَا ازْددتُ فِيكَ إلّا بصِيرةً، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لا يفْعَلُ بعْدِي بأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَيأخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيَجْعَلُ اللَّه مَا بيْنَ رقَبَتِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا، فَلا يَسْتَطِيعُ إلَيْهِ سَبيلًا، فَيَأْخُذُ بيَدَيْهِ ورجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ، فَيحْسَبُ الناسُ أنَّما قَذَفَهُ إلى النَّار، وإنَّما ألْقِيَ في الجنَّةِ» فقالَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «هذا أعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْد رَبِّ الْعالَمِينَ»
رواه مسلم. • وروى البخاريُّ بَعْضَهُ بمعْنَاهُ
مفردات الحديث
- المَسَالح: هُمْ الخُفَرَاءُ وَالطَّلائعُ.
- يشبح: يمد على بطنه بين أوتاد.
- شجوه: الشج الجرح في الرأس والوجه.
- يؤشر بالمنشار: ينشر بالمنشار.
- مفرقه: من وسطه.
- ترقوته: هو العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق من الجانبين.
فوائد الحديث
- أنّ الدجال فتنة خطيرة كبرى للناس كما بين الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وكما أنذر، لما قد مكّنه اللّه من إحداث بعض الخوارق وجعل إليه مقاليد كثير من الخيرات والأرزاق.
- أنّ آخر الزمان سيكون رجال لهم إيمان راسخ ويقين ثابت يحمون بيضة الإسلام ويصدعون بالحق أمام الدجال الأكبر، ومن قوة إيمان هذا الرجل كان الصحابة يظنونه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لقوة إيمانه وجلده على الحق فلما مات قالوا : علمنا أنه غيره.
- أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر أن معه نارا وجنة ولكن ناره جنة وجنته نار.
1816
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبةَ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: ما سَألَ أحَدٌ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَنِ الدَّجَّالِ أكْثَرَ ممَّا سألْتُهُ، وإنَّهُ قالَ لي: «ما يَضُرُّكَ؟» قلتُ: إنَّهُمْ يقُولُونَ: إنَّ معَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهْرَ مَاءٍ، قالَ: «هُوَ أهْوَنُ عَلى اللّهِ مِنْ ذلِكَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- هو أهون على اللّه من ذلك: قيل: المراد أنّ الدجّال أحقر من أن يجعل اللّه ذلك المال الذي معه آية تدل على صدقه، سيما وقد جعل اللّه علامة كذبه ظاهرة في نقصه وقبح منظره.
فوائد الحديث
- قال العلماء: فإن قلت كيف يجري اللّه الآيات الباهرة على يديه من مثل إحياء الموتى وهو من الآيات العظام التي لا تكون إلا للأنبياء فالجواب: أنّه على سبيل الفتنة للعباد، إذ كان عندهم ما يدل على أنّه مبطل غير محقق دعواه وهو أنّه أعور مكتوب على جبهته أنه كافر، فدعواه داحضة مع وسم الكفر ونقص الذات إذ لو كان إلهًا لأزال ذلك النقص عن وجهه، فإذا دعا الناس إلى أنّه ربهم فأسوأ حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنّه لم يكن ليسوي خلق غيره، ولا يدفع النقص عن نفسه.
1817
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أنَسٍ رضي اللّه عنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَا مِنْ نَبِيٍ إلّا وَقَدْ أنْذَرَ أمَّتَهُ الأعْوَرَ الْكَذَّاب، ألا إنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ ربَّكُمْ عَزَّ وجلَّ لَيْسَ بأعْورَ، مكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر»
متفق عليه
فوائد الحديث
- أنَّ اللّهَ ليسَ بأعورَ، لأنَّها صفةُ نقْصٍ ولا تَليقُ به سبحانه، فهو السميع البصير
- تحذير الأنبياء جميعا من فتنة المسيح الدجال، وخوفهم وشفقته على أممهم منه.
1818
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُرَيْرَة رضي اللّه عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «ألا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عنِ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبيٌّ قَوْمَهُ، إنَّهُ أعْوَرُ وَإنَّهُ يجئُ مَعَهُ بِمثَالِ الجَنَّةِ والنًّار، فالتي يَقُولُ إنَّهَا الجنَّةُ هِيَ النَّارُ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- أنَّه لم يُعلمِ اللّه بهذه العلامات إلّا المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذه من خُصوصياته.
- أنّ من دخل جنته استحق نار الآخرة عند اللّه حقيقة، والعكس صحيح.
1819
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي اللّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْنَ ظَهْرَاني النَّاس فَقَالَ: «إنَّ اللَّه لَيْسَ بأَعْوَرَ، ألا إنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ الْعيْنِ الْيُمْنى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبةٌ طَافِيَةٌ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- بين ظهراني الناس: أي بوجودهم.
فوائد الحديث
- أنّ من صفات الدجال الخَلقية أنّه أعور العين اليمنى.
- أمر الدجال لا يزال من الأمور الغيبية، وأنّه ليس للبحث العقلي أي سبيل لتحليل ذلك الإنسان ودراسته من وراء هذا الذي أخبرت به النصوص الصحيحة، إذ أنّ المنفذ العقلي الوحيد إلى فهم أي شيء عنه إنما هو الخبر اليقيني ، ولولا ورود هذا الخبر لما تصورنا وجوده فضلاً عن اعتقاده والإيمان بظهوره .
- الأمور الغيبية التي وردت الأخبار الصحيحة بشأنها يجب الإيمان بها، ولا تخضع للإثبات العقلي، فإن أحكام العقل تبنى على الحس والمشاهدة وهي لا تنفي بالضرورة ما وراءها من عالم الغيب، فإن في علم الغيب ما لا يحده عقل، ولذلك أثنى اللّه تعالى على المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب، قال سبحانه آلم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين . الذين يؤمنون بالغيب... [سورة البقرة]
1820
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عنْهُ أنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «لا تَقُومُ الساعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ الْيَهُودَ حتَّى يَخْتَبِئ الْيَهُوديُّ مِنْ وَراءِ الحَجَر والشَّجَرِ، فَيَقُولُ الحَجَرُ والشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ هذا يَهُودِيٌّ خَلْفي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إلّا الْغَرْقَدَ فَإنَّهُ منْ شَجَرِ الْيَهُودِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الغرقد: نوع من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس.
فوائد الحديث
- ثبوت قتال المسلمين لليهود وانتصارهم عليهم، وهذا من أخبار الغيب الذي يجب الإيمان به، ولا بد أن يقع كما أخبر النبيّ صلّى اللٌه عليه وسلّم، واللّه أعلم بزمانه.
- نطق الشجر والحجر والإخبار عمن يختبئ وراءهما من اليهود، وهذا ليس مستحيلًا على قدرة اللّه تعالى أن يجعل فيهما القدرة على النطق والإخبار.
1821
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ قالَ: قال رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «والذِي نَفْسِي بِيَدِه لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بالْقَبْرِ، فيتمَرَّغَ عَلَيْهِ، ويقولُ: يَا لَيْتَني مَكَانَ صَاحِبِ هذا الْقَبْرِ، وَلَيْس بِهِ الدِّين وما به إلّا الْبَلاءُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يتمرغ: يتقلب.
- وليس به الدِّين: أي لا يتمنى الموت لأمر أصابه من جهة الدِّين وإنّما لما به من المصائب والمحن من جهة الدنيا.
فوائد الحديث
- ازدياد الشرور والآثام وانتشار المصائب والآلام، فيتمنى الرجل أن يكون في عداد الأموات.
- إخبار صَلّى اللّهُ عليه وسلّم عما سيقع في آخر الزمان.
1822
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جبَلٍ منْ ذَهَبٍ يُقْتَتَلُ علَيْهِ، فيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائةٍ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ، فَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِّي أنْ أكُونَ أنَا أنْجُو». • وفي روايةٍ «يوُشِكُ أنْ يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَن كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَن حَضَرَهُ فَلا يأخُذْ منْهُ شَيْئا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- يحسر : ينكشف.
فوائد الحديث
- الإخبار عن أمر مستقبل، وهو أمر غيبي لم تتكشف حقيقته، ويظهر أمره حين وقوعه، ولا يسع المسلم الآن إلّا التسليم به وانتظار الوقوع.
- وجوب البعد عن أخذ شيء من ذلك المال لأنّه لا يصل إليه إلّا بالقتال وفي البعد عنه السلامة.
- البعد عن الفتن والحذر منها، والمال من الفتن التي توقع الشقاق والخلاف بين الناس.
1823
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «يَتْرُكُونَ المَدينَةَ عَلى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لا يَغْشَاهَا إلّا الْعوَافي - يُرِيدُ عَوَافي السِّباعِ وَالطَّيْرِ- وَآخِر مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُريدَانِ المَدينَةَ ينْعِقَانِ بِغَنَمها فَيَجدَانها وُحُوشًا، حتَّى إذا بَلَغَا ثنِيَّةَ الْودَاعِ خَرَّا على وَجوهِهمَا »
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا يغشاها: لا يقصدها.
- ينعقان: يصيحان.
- وحوشًا: خالية ليس بها أحد، أو يجدانها ذات وحوش لخلو الناس منها.
- ثنيّة الوداع: مكان في المدينة يخرج إليه المشيعون للمسافر ليودعوه.
- خرّا على وجوههما: سقطا ميّتين.
فوائد الحديث
- الإخبار عن أمر مستقبل وهو أمر غيبي، وهذا من علم النبوّة وخبر من أخبار الغيب.
- أنّ الناس قرب قيام الساعة سوف يهجرون المدينة ويهاجرون إلى غيرها من البلاد طلبًا لشهواتهم وهي يومئذ خير البلاد وأطيبها.
- هٰذه من معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم، فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت حين نقلت الخلافة إلى الشام والعراق وذلك الوقت أحسن ما كانت المدينة للدين والدنيا.
1824
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي اللّه عَنْهُ أنَّ النَّبي صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «يَكُونُ خَلِيفَةٌ مِنْ خُلَفَائِكُمْ في آخِرِ الزَّمَان يَحْثُو المَالَ وَلا يَعُدُّهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يحثو: يعطي المال بكثرة.
- ولا يعده: أي لا يحصيه ولا يحسبه لكثرته.
فوائد الحديث
- ازدياد المال في آخر الزمان حتى إن الخلفاء سوف يعطون المال بغير عدّ.
- المال يزيد ويكثر بالإنفاق منه.
1825
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي مُوسى الأشْعَرِيِّ رضي اللّه عنْهُ أنَّ النَّبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «ليأتيَنَّ عَلى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَة مِنَ الذَّهَبِ، فَلا يَجِدُ أحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أرْبَعُونَ امْرأةً يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- يلذن به: يعتصمن به، ويَلتجِئْنَ إليه ويَتبَعْنَه مِن زَوجاتٍ وخدَمٍ وقريباتٍ، أو يَعرِضْنَ عليه الزَّواجَ منهنَّ.
فوائد الحديث
- هذا الحديث علم من إعلام نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم، وأنّه لا بد أن يكثر المال بين أيدي الناس حتى لا يرى من يقبل الصدقة.
- قلة الرجال وكثرة النساء، إما لكثرة الحروب المبيدة للرجال، وإما لكثرة ولادة الإناث.
1826
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ عَن النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عقَارًا، فَوَجَد الذي اشْتَرَى الْعَقَارَ في عَقَارِه جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فقالَ لهُ الذي اشْتَرَى الْعَقَارُ: خُذْ ذَهَبَكَ، إنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأرْضَ، وَلَمْ أشْتَرِ الذَّهَبَ، وقالَ الَّذي لَهُ الأرْضُ: إنَّمَا بعْتُكَ الأرضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحاكَما إلى رَجُلٍ، فقالَ الَّذي تَحَاكَمَا إلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أحدُهُمَا: لي غُلامٌ، وقالَ الآخرُ: لي جَارِيةٌ، قالَ أنْكِحَا الْغُلامَ الجَاريَةَ، وَأنْفِقَا عَلى أنْفُسهمَا مِنْهُ وتصَدَّقَا»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- بيان فضل الورع وترك ما فيه شبهة من المال.
- هذا الحديث من أحكام شريعة من قبلنا وهي ليست شرعًا لنا على الأصح، وفي شرعنا: أن الجرة من دفن البائع فلا تدخل عند الإطلاق في البيع لأنّها ليست من جنس المبيع، وإن كانت من دفن الجاهلية فحكمها حكم اللقطة يعرفها ملتقطها سنة ثم يمتلكها فإذا ظهر صاحبها أداها إليه، وإن جهل أمرها فحكمها حكم المال الضائع توضع في بيت مال المسلمين.
1827
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «كانَتِ امْرَأتَان مَعهُمَا ابْناهُما، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بابنِ إحْداهُما، فقالت لصاحِبتهَا: إنَّمَا ذهَبَ بابنِكِ، وقالت الأخْرى: إنَّمَا ذَهَبَ بابنِك، فَتَحَاكما إلى داوُودَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَقَضَى بِهِ للْكُبْرَى، فَخَرَجتَا على سُلَيْمانَ بنِ داودَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فأخبرتَاه، فقالَ: ائْتُوني بِالسِّكينَ أشَقُّهُ بَيْنَهُمَا، فقالت الصُّغْرى: لا تَفْعَلْ، رَحِمكَ اللّه، هُو ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ للصُّغْرَى»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- دلت هذه القصة على أنّ الفطنة والفهم موهبة من اللّه تعالى لا تتعلق بكبر سن ولا صغره.
- عَلِمَ سُليمانُ أنَّ هذا الخوف على الولد لا يَصدُرُ إلَّا من أُمِّه، فحَكَمَ بالوَلَدِ لها.
- جواز حكم الأنبياء بالاجتهاد وإن كان وجود النص ممكنًا لديهم بالوحي، إذ لا يقرون على الباطل.
1828
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ مِرْداسٍ الأسْلَمِيِّ رضي اللّه عَنْهُ قالَ قالَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَذْهَبُ الصَّالحُونَ الأوَّلُ فالأولُ، وتَبْقَى حُثَالَةٌ كحُثَالَةِ الشعِيرِ أوِ التَّمْرِ، لا يُبالِيهمُ اللّه بالَةً»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- حثالة: الحثالة البقية الرديئة من كل شيء.
- لا يباليهم اللّه بالة: لا يرفع لهم وزنًا ولا يقيم لهم قدرًا.
فوائد الحديث
- أنّ موت الصالحين من أشراط الساعة.
- الندب إلى الاقتداء بأهل الخير والتحذير من مخالفتهم حتى لا يصير ممّن لا يعبأ اللّه به.
- انقراض أهل الخير آخر الزمان حتى لا يبقى إلّا أهل الجهل وعليهم تقوم الساعة.
1829
بابُ المنثورات والمُلَح
عنْ رِفَاعَةَ بنِ رافعٍ الزُرقيِّ رضي اللّه عنْهُ قالَ: جاء جِبْريلُ إلى النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: مَا تَعُدُّونَ أهْلَ بَدْرٍ فيكُمْ؟ قالَ: «مِنْ أفْضَلِ المُسْلِمِين» أوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قالَ: «وَكَذَلكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلائِكَةِ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- مَن شَهِد بدرًا مِن الملائكة: أي ونَحْنُ الملائكةَ نَعُدُّ مَن شَهِد بدرًا مِن الملائكةِ مِن أفضلِ الملائكةِ.
فوائد الحديث
- مكانة من شهد بدرًا من الصحابة.
- فضل الملائكة الذين شهدوا بدرًا أيضًا، وقد ثبت في القرآن شهود الملائكة بدرًا.
1830
بابُ المنثورات والمُلَح
عنِ ابنِ عُمَر رضي اللّه عنْهُما قال: قال رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إذا أنْزل اللّه تَعالى بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهمْ، ثُمَّ بُعِثُوا على أعمَالِهمْ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أَصابَ العَذابُ مَن كانَ فيهِم: أي مِمَّن لَيسَ هوَ على مِنهاجِهم ورَأيِهم.
- ثُمَّ بُعِثوا على أَعمالِهِم: أي بُعِثَ كُلُّ واحدٍ مِنهُم بِحَسبِ عَملِه إذا كانَ صالِحًا فَعُقباهُ حَسنةٌ، وإلَّا فَسيِّئةٌ.
فوائد الحديث
- أنّ العذاب إذا نزل فإنّه يعمّ البر والفاجر، ولكن يبعثون يوم القيامة على نياتهم وأعمالهم.
- التحذير من مجالسة أهل المعاصي والسكوت عليهم.
1831
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ جابرٍ رضي اللّه عنْهُ قال: كانَ جِذْعٌ يقُومُ إلَيْهِ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، يعْني في الخُطْبَةِ، فَلَما وُضِعَ المِنْبرُ، سَمِعْنَا لِلْجذْعِ مثْل صوْتِ العِشَارِ حَتَّى نَزَلَ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَوضَع يدَه عليْهٍ فسَكَنَ. • وفي روايةٍ: فَلَمَّا كَانَ يَومُ الجمُعة قَعَدَ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم على المِنْبَرِ، فصاحتِ النَّخْلَةُ التي كَانَ يخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أنْ تَنْشَقَّ. • وفي روايةٍ: فَصَاحَتْ صياح الصَّبيِّ، فَنَزَلَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، حتَّى أخذَهَا فَضَمَّهَا إلَيْهِ، فَجَعلَتْ تَئِنُّ أنِينَ الصَّبيِّ الَّذي يُسكَّتُ حَتَّى اسْتَقرَّتْ، قال: «بكت عَلى ما كَانَتْ تسمعُ مِنَ الذِّكْرِ»
رواه البخاريُّ
مفردات الحديث
- جذع: ساق النخلة.
- وضع المنبر: أي وضع في مسجد النبيّ صَلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: كان ذلك في سنة سبع بعد الهجرة، وقيل: سنة ثمان.
- العشار: جمع عُشراء، وهي الناقة التي انتهت في حملها إلى عشرة أشهر.
- تئنّ: تصوّت.
فوائد الحديث
- أنّ في الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق اللّه لها إدراكًا كالحيوان بل كأشرف الحيوان.
- أنّ هذا الحديث معجزة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- أنّ قصّة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي نقلها الخلف عن السلف .
1832
بابُ المنثورات والمُلَح
عنْ أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنيِّ جَرْثُومِ بنِ نَاشِرٍ رضي اللّه عَنْهُ عنْ رَسُولِ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «إنّ اللّه تعالى فَرَضَ فَرائِضَ فلا تُضَيِّعُوهَا، وحدّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا ، وحَرَّم أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها ، وَسكَتَ عَنْ أشْياءَ رَحْمةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيانٍ فَلا تَبْحثُوا عنها»
حديثٌ حسن، رواه الدَّارقُطْني وَغَيْرهُ
مفردات الحديث
- فلا تضيعوها: أي إمّا بتركها أو الإخلال بها.
- وحد حدودًا: أي كجعل الصبح ركعتين مثلًا، والصوم فيما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، أو عيّن أمورًا نهى عنها وقدّر لها عقوبات.
- فلا تعتدوها: أي فلا تتجاوزوها بالزيادة عليها، وحدود اللّه أحكامه وأوامره ونواهيه.
- فلا تنتهكوها: أي لا تقعوا فيها.
- وسكت عن أشياء: أي لم يحكم فيها بوجوب أو حرمة، فهي شرعًا إذا على الإباحة الأصلية.
فوائد الحديث
- التزام ما شرع اللّه لعباده وعلى الوجه الذي شرعه.
- كراهية التنطع في السؤال عما لم يقع والتشدد في البحث عما تركه الشارع، لأنّ ذلك قد يفضي إلى التكاليف الشاقة وهذا كان في عصر النبوة.
- سكوت الشريعة عن أشياء رحمة بالناس وتوسعًا لهم.
1833
بابُ المنثورات والمُلَح
عنْ عَبدِ اللّهِ بن أبي أوْفى رضي اللّه عَنْهُمَا قال: غَزَوْنَا مع رَسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأكُلُ الجرادَ. • وفي روايةٍ: نَأْكُلُ معهُ الجَراد، متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- الجراد: سمي جرادًا لأنه يجرد الأرض فيأكل ما عليها.
فوائد الحديث
- حِلُّ أكل الجراد كيفما مات.
- يشير الحديث إلى مدى صبر الصحابة على الجهاد ومشقّة العيش في ذلك الوقت.
1834
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنْهُ أنَّ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «لا يُلْدغُ المُؤمِنُ مِنْ جُحْرٍ مرَّتَيْنِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا يلدغ: لا يلسع، والمراد لا يصاب.
- جحر: حفرة في الأرض، والمراد من مكان.
فوائد الحديث
- وجوب الحذر والحيطة واليقظة لمن ناله الضرر من جهة أن يتجنّبها لئلّا يقع فيها ثانية.
- لا ينبغي للمؤمن أن يصاب من مكان مرتين لحذره وفطنته.
1835
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنْهُ قَال: قَال رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللّه يَوْمَ الْقِيَامةِ وَلا ينْظُرُ إلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ ولَهُمْ عذابٌ ألِيمٌ: رجُلٌ علَى فَضْلِ ماءٍ بِالْفَلاةِ يمْنَعُهُ مِن ابْنِ السَّبِيلِ، ورَجُلٌ بَايَع رجُلًا سِلْعَةً بعْد الْعَصرِ، فَحَلَفَ بِاللّهِ لأخَذَهَا بكَذَا وَكَذا، فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلى غيْرِ ذَلِكَ، ورَجُلٌ بَايع إمَامًا لا يُبايِعُهُ إلّا لِدُنيَا، فَإنْ أعْطَاهُ مِنْهَا وفى، وإنْ لَم يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لا يكلمهم اللّه: أي لا يكلمهم كلام برّ وإلطاف بل كلام سخط وغضب.
- لا ينظر إليهم: أي نظر رحمة بل يعرض عنهم.
- لا يزكيهم: لا يطهرهم من الذنوب.
- فضل ماء: أي زائد عن حاجته.
- بالفلاة: بالطريق القفر من الأرض.
- ابن السبيل: المسافر المحتاج للماء.
- بعد العصر: خص بالذكر لشرفه باجتماع ملائكة الليل والنهار فيه.
- بايع إمامًا: عاهده على النصرة والدخول في الطاعة.
فوائد الحديث
- حرمة هذه الأعمال وأنّها من الكبائر، لما فيها من التضييق على الناس والاستخفاف باسم اللّه وأكل المال الحرام والغش لإمام المسلمين.
- إنَّما ذَكرَ النَّبيُّ صلَّى اللّهُ عليه وسلَّم العصرَ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ مِثلَه كان يقعُ في آخِرِ النَّهارِ حيثُ يُريدونَ الفَراغَ عَن مُعاملتِهم.
- مبَايَعة الرجل للإمامِ ومعاهَدَته على الطَّاعةِ والسَّمعِ وكان ذلك ليسَ امتثالًا لِأمرِ اللّهِ ورسولِه؛ وإنَّما لِينالَ مِن عَطائِه ومتاعِ الدُّنيا، فإذا أُعطِيَ ما أرادَ رَضِيَ، وإنْ مُنِعَ سَخِطَ وغضِبَ فاستحق الوعيد.
- يدخل في الوعيد من لا يسقي عابر السبيل ما فضل معه من ماء، لشدة حاجة الناس للماء.
1836
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنْهُ عن النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبعُونَ» قَالُوا يا أبَا هُريْرةَ، أرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أبَيْتُ، قالُوا: أرْبعُونَ سَنَةً؟ قَال: أبَيْتُ، قَالُوا: أرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَال: أبَيْتُ «وَيَبْلَى كُلُّ شَيءٍ مِنَ الإنْسَانِ إلّا عَجْبَ الذَّنَبِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ، ثُمَّ يُنَزِّلُ اللّه مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- النفختين: نفخة الصعق ونفخة البعث.
- أبيت: أي امتنعت أن أجزم بتعيينها.
- عجب الذنب: العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب وهو رأس العصعص، وهو الذي يبقى ليعاد تركيب الإنسان منه.
- البقل: كل نبات أخضر وليس بشجر.
فوائد الحديث
- أنّ الناس يفنون بعد الموت إلّا رأس العصعص فإنّه لا يفنى، وهذا مخصوص في غير الأنبياء والشهداء ومن ورد استثناؤهم فإنّهم لا يفنون.
- بيان كيفية الإعادة وهذا من أمور الغيب، واللّه أعلم كيف تكون حقيقة ذلك.
1837
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: بيْنَمَا النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جاءَهُ أعْرابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُحَدِّثُ، فقَال بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِه ما قَالَ، وقَالَ بَعْضُهمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» قَال: ها أنَا يَا رسُولَ اللّه، قَالَ: «إذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانةُ فانْتَظِرِ السَّاعةَ» قَالَ: كَيْفَ إضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إذَا وُسِّد الأمْرُ إلى غَيْرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعة»
رواهُ البُخاري
مفردات الحديث
- الساعة: القيامة.
- وسّد: أسند إلى غير الأكفاء من الناس.
فوائد الحديث
- أنّ من مظاهر تضييع الأمانة إسناد الأمور والأعمال والوظائف إلى غير الصالحين لها، لما في ذلك من تضييع الحقوق وإثارة الفتن.
- الرِّفقُ بالسَّائل وإنْ جفَا في سؤالِه أو جهِل؛ لأنَّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم لم يوبِّخْه على سؤالِه قبل إكمالِ حديثِه.
- العنايةُ بالسَّائل وطالبِ العلم، والاهتمامُ به، وإجابتُه على سؤالِه؛ كما فعَل النَّبيُّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم.
1838
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنْهُ أنَّ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإنْ أصَابُوا فَلَكُمْ، وإنْ أخْطؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»
رواهُ البُخاريّ
مفردات الحديث
- يصلّون لكم: أي الأئمة.
- فلكم: أي الأجر ولهم أيضًا.
- فلكم وعليهم: أي إن أخطؤوا فلكم الأجر وعليهم الوزر.
فوائد الحديث
- أنّ من أشراط الساعة تولي الأئمة الجهال إمامة المسلمين في الصلاة وقيادتهم في الحياة، فما أصابوا به من أداء العبادة فلهم الأجر ولمن ائتم بهم، وإن اخطؤوا كان عليهم وحدهم إثم ما ارتكبوا من أخطاء.
1839
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنْهُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ يَأْتُونَ بِهِمْ في السَّلاسِل في أعْنَاقِهمْ حَتَّى يَدْخُلُوا في الإسْلامِ.
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أخرجت للناس: أظهرت لهم.
- يأتون بهم في السّلاسل: أي يأتون بهم أسرى مقيدين بالأغلال.
فوائد الحديث
- تأتون بِهم أَسْرَى مُقيَّدين في أعناقِهم، "حتَّى يَدْخُلوا في الإسلام" طوعًا؛ فيكون إسلامُهم سببًا لهم في دخول الجنَّة وتَحصيل السَّعادة في الدُّنيا والآخرة.
- على كل مسلم أن يبلغ الدعوة إلى الناس، وعلى المجاهدين أن يعرضوا الإسلام على الأسرى ومن يقع في أيديهم من الأعداء فعسى أن يدخلوا في الإسلام وهو غاية ما يصبو إليه الإسلام.
1840
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنْهُ، عَن النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «عَجِبَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ في السَّلاسِلِ»
رواه البُخاري
مفردات الحديث
- معناها يؤسرون ويقيدون ثم يسلمون فيدخلون الجنة.
فوائد الحديث
- أنّ من وجوه أفضلية أصحاب الرسول وخيريتهم للناس أنّهم يأسرون الأسرى ويحملونهم ببيان محاسن الإسلام على الدخول فيه فيفضون إلى دخول الجنة، وذلك منتهى النعمة والفضل قال اللّه تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ [سورة آل عمران ١٨٥].
1841
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرةَ رضي اللّه عنْهُ، عَنِ النَّبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلادِ إلى اللّه مَساجِدُهَا، وأبَغضُ الْبِلادِ إلى اللّه أسواقُهَا»
روَاهُ مُسلم
فوائد الحديث
- الحثّ على الجلوس في المساجد لأنّها بيوت يذكر فيها اسم اللّه كثيرًا وتؤدى فيها الصلاة ويقرأ فيها القرآن.
- الحثّ على اجتناب الأسواق لأنّها مكان الغفلة عن اللّه والخداع والغش والأَيْمان الكاذبة وهي قلما تخلو من ذلك.
- ليست كراهية الأسواق لذات المكان بل للتحذير من حصول المكروهات والمحرمات فيها على الغالب، لأنّه قد يدخل السوق لطلب الرزق الحلال.
1842
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسيِّ رضي اللّه عَنْهُ منْ قَولِهِ قَال: لا تَكُونَنَّ إن اسْتَطعْتَ أوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبهَا ينْصُبُ رَايَتَهُ. رواهُ مسلم هكذا. • ورَوَاهُ البرْقَانِي في صحيحه عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا تَكُنْ أوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلا آخِرَ منْ يخْرُجُ مِنْهَا، فِيهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ».
مفردات الحديث
- باض الشيطان وفرّخ: هذا كناية عن أن الأسواق محل المعاصي من الفسق والخداع، والشيطان يأمر بذلك ويوسوس به.
فوائد الحديث
- كراهية الإكثار من طروق الأسواق وارتيادها، لأنّ مرتادها لا يخلو غالبًا من شهود الإثم أو اقترافه.
1843
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ عاصِم الأحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللّه بنِ سَرْجِسَ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: يَا رَسُولَ اللّه غَفَرَ اللّه لكَ، قَالَ: «وَلَكَ» قَالَ عَاصِمٌ: فَقلْتُ لَهُ: اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكَ، ثُمَّ تَلا هَذه الآيةَ: واستغفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤمِنِينَ والمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩] رَواهُ مُسلم.
فوائد الحديث
- مشروعية الدعاء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمغفرة وهي كناية عن تعظيم اللّه لنبيّه وعنايته به فهو معصوم فلا ذنب له.
- بيان كرم خلق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حيث يقابل الحسنة بمثلها.
1844
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي مسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنعْ مَا شِئْتَ»
رواهُ البُخَاريُّ
مفردات الحديث
- إنّ ممّا أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى: إنّ ممّا وصل إليهم من مبادئ الأنبياء قبل سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.
فوائد الحديث
- أنّ من نزع منه خلق الحياء فقد استحل فعل أي شيء من حلال أو حرام إذ لا رادع عندئذ يردعه، وهو أمر بمعنى الخبر.
- قيل: أمر بمعنى التهديد وقيل المعنى: إذا أردت فعل شيء فإن كان ممّا لا يستحيا فيه من اللّه ولا من الناس فافعله وإلّا فلا، فالأمر على هذا للإباحة.
1845
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يوْمَ الْقِيَامةِ في الدِّمَاءِ»
مُتَّفَقٌ علَيْهِ
فوائد الحديث
- تعظيم حرمة النفس وخطر العدوان عليها، فإنّ أول ما يحاسب اللّه العباد يوم القيامة على ما ارتكبوه من إراقة الدماء وقتل النفس بغير حق.
- هذا الحديث لا ينافي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة" لأنّ الأول محمول على حقوق العباد، والثاني يتعلق بحق اللّه تعالى وعبادته.
1846
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ عَائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ منْ نَارٍ، وخُلِق آدمُ ممَّا وُصِفَ لَكُمْ»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- الجانّ: أي الجنس المسمى بهذا الاسم، وإبليس من الجنّ كما ورد في القرآن الكريم.
- مارج: نار لا دخان لها.
- ممّا وصف لكم: أي من طين.
فوائد الحديث
- بيان منشأ كل من عالم الملائكة وعالم الجنّ وعالم الإنس.
- بيان قدرة اللّه تعالى في خلقه، وأنّه يخلق ما يشاء ممّا يشاء فله العظمة والكبرياء، وأنّه قادر على كل شيء فعال لما يريد، فيجب الإيمان بكل ما أخبر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم.
1847
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ عَائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ خُلُقُ نبيِّ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم الْقُرْآنَ»
رواهُ مُسْلِم في جُمْلَةِ حدِيثٍ طويلٍ
مفردات الحديث
- خُلُق نبيِّ اللّه صلَّى اللّهُ عليه وسلَّم كان القُرْآنَ: أي: إنَّه تخلَّق بكلِّ ما في القُرْآنِ، والتزَم به.
فوائد الحديث
- كمال خلق النبيّ صَلّى اللّه عليه وسلّم فإنّه كان في سلوكه نموذجًا حيًا للقرآن الكريم: يحلّ حلاله ويحرّم حرامه، ويتأدّب بأدبه، ولا يجاوز حدوده.
1848
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ عَائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ أحَبَّ لِقاءَ اللّهِ أحبَّ اللّه لِقَاءَهُ، وَمنْ كَرِهَ لِقاءَ اللّه كَرِهَ اللّه لِقَاءَهُ» فَقُلْتُ: يَا رسُولَ اللّه، أكَرَاهِيَةُ الموْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الموْتَ، قَالَ: «لَيْس كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ المُؤمِنَ إذَا بُشِّر بِرَحْمَةِ اللّه وَرِضْوانِهِ وَجنَّتِهِ أحَبَّ لِقَاءَ اللّه، فَأَحَبَّ اللّه لِقَاءَهُ وإنَّ الْكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بعَذابِ اللّه وَسَخَطِهِ، كَرِهَ لِقَاءَ اللّه، وَكَرِهَ اللّه لِقَاءَهُ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- محبَّةُ اللِّقاءِ: هي إيثارُ العبدِ الآخرةَ على الدُّنيا، وعدمُ حُبِّ طولِ القيامِ في الدُّنيا، والاستعدادُ لِلارتحالِ عنها، والمرادُ بِاللِّقاءِ: المصيرُ إلى الدَّارِ الآخرةِ وطلَبُ ما عند اللّهِ وليس الغرضُ به الموتَ.
- كره لقاء اللّه: أن الكافر يرى ما وعدَه ربُّه مِنَ العذابِ والنَّكالِ حقًّا أمامَ عينَيْه، فلا يكونُ شيءٌ أكرَهَ إليه مِن ذلك، فكرِهَ لقاءَ اللّهِ وكرهَ اللّهُ لِقاءَه.
فوائد الحديث
- الحثّ على القيام بالطاعات والدّأب عليها والإخلاص فيها.
- أنّ المؤمن عند النزع يستبشر بما هو قادم عليه من نعيم الآخرة وإكرام اللّه له.
1849
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ بنْتِ حُيَيٍّ رَضِيَ اللّه عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ لأنْقَلِب، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَني، فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ رضي اللّه عَنْهُما، فَلمَّا رَأيَا النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أسْرعَا. فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «عَلَى رِسْلِكُمَا إنَّهَا صَفِيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ» فَقالا: سُبْحَانَ اللّه يَا رسُولَ اللّه، فَقَالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإنِّي خَشِيتُ أنْ يَقذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَرًا أوْ قَالَ: شَيْئًا»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- لأنقلب: لأرجع إلى منزلي.
- ليقلبني: ليرجعني.
- على رسلكما: على تمهل منكما.
- مجرى الدم: كناية عن كثرة إغوائه ووسوسته.
- يقذف: يلقي.
فوائد الحديث
- التحرز من التعرّض لسوء الظنّ والاحتفاظ من كيد الشيطان، والاعتذار.
- على العلماء والدعاة ومن يقتدى بهم التحرز ممّا يوجب ظنّ السوء بهم، وإن كان لهم فيه حقّ، لأنّ فعل ذلك يكون سببًا لسوء الظنّ بهم، ويبطل الانتفاع بعلمهم.
- لم يظنّ الرجلان السوء بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، لما تقرر عنده من قوة إيمانهما ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك لأنّهما غير معصومين فقد يمضي بهما ذلك إلى الهلاك فبادر إلى إعلامهما حسمًا للمادة وتعليمًا لمن بعده إذا وقع له مثل ذلك.
1850
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي الفَضْل العبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِب رضي اللّه عَنْهُ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَوْمَ حُنَين فَلَزمْتُ أنَا وَأبُو سُفْيَانَ بنُ الحارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لَمْ نفَارِقْهُ، ورَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم علَى بغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ فَلَمَّا الْتَقَى المُسْلِمُونَ وَالمُشْركُونَ وَلَّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبل الْكُفَّارِ، وأنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَكُفُّهَا إرادَةَ أنْ لا تُسْرِعَ، وأبو سُفْيانَ آخِذٌ بِركَابِ رَسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أيْ عبَّاسُ نادِ أصْحَابَ السَّمُرةِ» قَالَ العبَّاسُ، وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا: فَقُلْتُ بِأعْلَى صَوْتِي: أيْن أصْحابُ السَّمُرَةِ، فَواللّه لَكَأنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةَ الْبقَرِ عَلَى أوْلادِهَا، فَقَالُوا: يا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ والْكُفَارُ، والدَّعْوةُ في الأنْصَارِ يقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأنْصارِ، يا مَعْشَر الأنْصَار، ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوةُ عَلَى بنِي الْحَارِثِ بن الْخزْرَج، فَنَظَرَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَهُوَ علَى بَغْلَتِهِ كَالمُتَطَاوِل علَيْهَا إلَى قِتَالِهمْ فَقَال: «هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حصياتٍ، فَرَمَى بِهِنَّ وَجُوه الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَال: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ» فَذَهَبْتُ أنْظُرُ فَإذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيما أرَى، فَواللّه ما هُو إلّا أنْ رمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أرَى حدَّهُمْ كَليلًا، وأمْرَهُمْ مُدْبِرًا.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- حنين: اسم مكان بقرب عرفة كانت فيه غزوة حنين بين المسلمين وبين هوازن في شوال سنة ثمان من الهجرة.
- يركض بغلته: يضربها ليستحثها على الإسراع.
- أصحاب السمرة: الصحابة الذين بايعوا رسول اللّه صَلّى اللّه عليه وسلّم في الحديبية سنة ست بعد الهجرة حين صدهم المشركون عن العمرة وتم بعد ذلك صلح الحديبية، وكانت تلك البيعة تحت الشجرة.
- عطفتهم: إقبالهم ورجوعهم.
- صيتًا: أي صاحب صوت عال يسمع من بعيد.
- عطفة البقر: فيه تشبيه سرعتهم في الرجوع واجتماعهم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، بعطفة البقر على أولادها.
- الوَطِيسُ: التَّنُّورُ، ومَعْنَاهُ: اشْتَدَّتِ الْحرْبُ.
- حدَّهُمْ: أي بأسَهُمْ.
- كليلًا: ضعيفًا.
فوائد الحديث
- ثبات رسول اللّه صَلّى اللّه عليه وسلّم، وشجاعته في الجهاد، وإكرام اللّه سبحانه له بالمعجزة بهزيمة الأعداء حين رماهم بكف من الحصباء.
- سرعة استجابة الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حينما سمعوا صوت العباس يناديهم، إنّما كان فرار أكثرهم من مفاجأة أعدائهم لهم بالسهام وعدم توقعهم لهذه المباغتة، وكان تأديبًا من اللّه لهم بسبب اغترار بعضهم يومئذٍ بكثرتهم فقد كانوا اثني عشر ألفًا.
- القوة الحقيقية في الجهاد هو الإيمان باللّه تعالى وطلب النصر والعون من اللّه تعالى.
- على القادة أن يكونوا النموذج الصحيح في البطولة والشجاعة ليستجيب لهم الجنود في القتال والصمود في المعارك.
1851
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللّه طيِّبٌ لا يقْبلُ إلّا طيِّبًا، وَإنَّ اللّه أمَر المُؤمِنِينَ بِمَا أمَر بِهِ المُرْسلِينَ، فَقَال تَعَالى: يَا أيُّها الرُّسْلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعملوا صَالحًا وَقَال تَعالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا كُلُوا مِنَ طَيِّبَات مَا رزَقْنَاكُمْ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَر أشْعَثَ أغْبر يمُدُّ يدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا ربِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُه حرَامٌ، ومَلْبسُهُ حرامٌ، وغُذِيَ بِالْحَرامِ، فَأَنَّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ؟»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- إن اللّه طيّب: أي منزّه عن النقائص.
- لا يقبل إلّا طيبًا: لا يقبل التقرب إليه إلّا بالحلال من الكسب.
- يطيل السفر: أي في العبادة من نحو حجّ وجهاد.
- أشعث: متفرق الشعر.
- أغبر: مغبر الوجه.
- فأنى؟: فكيف.
فوائد الحديث
- اتصاف اللّه تعالى بصفات الكمال وعدم قبوله الصدقات إذا كانت من كسب حرام.
- الأنبياء والمؤمنون سواء في أحكام الدين إلّا ما كان من خصوصياتهم.
- إباحة الطيبات من الرزق ما كان من كسب مشروع حلال.
- من أسباب عدم استجابة الدعاء أكل المال الحرام، ومن أسباب استجابة الدعاء أكل الطيب من الحلال.
1852
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ اللّه يوْمَ الْقِيَامةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلا ينْظُرُ إلَيْهِمْ، ولَهُمْ عذَابٌ أليمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، ومَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِل مُسْتَكْبِرٌ»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- ثلاثة: أي ثلاثة أصناف من الناس.
- لا يزكيهم: لا يطهرهم من الذنوب.
- لا ينظر إليهم: أي نظر رحمة.
فوائد الحديث
- كراهية اللّه سبحانه لهؤلاء الأصناف من الناس.
- خصّ هؤلاء الثلاثة بالوعيد المذكور، لأنّ كلًا منهم ألزم نفسه المعصية مع عدم الضرورة إليها، فأشبه إقدامهم عليها بالمعاندة والاستخفاف بحق اللّه تعالى وقصد معصيته.
1853
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «سيْحَانُ وجَيْحَانُ وَالْفُراتُ والنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أنْهَارِ الْجنَّةِ»
رواهُ مسلم
مفردات الحديث
- سيحان وجيحان: قيل: هما سيحون وجيحون، وهما نهران ببلاد خراسان، وقيل: سيحون في الهند وجيحون في خراسان.
- الفرات: نهر فاصل بين الشام والجزيرة.
- النيل: نهر مصر.
فوائد الحديث
- فضل هذه الأنهار، ولعل مظهر الفضل فيها طيب مائها وانتشار الإسلام حولها، فهي تشبه من هذا الوجه ماء الجنّة.
- قال السيوطي: بل الأمر على حقيقته وأنّ لها مادة الجنّة واللّه أعلم بحقيقة خلقه.
1854
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عنْهُ قَال: أخَذَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِيَدِي فَقَالَ: «خَلَقَ اللّه التُّرْبَةَ يوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأحَد، وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبَعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ، وخَلَقَ آدَمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوم الجُمُعَةِ في آخِرِ الْخَلْقِ في آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إلى الَّليلِ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- التربة: أي الأرض.
- وخلق المكروه: أي الشرّ.
- النور أي الخير.
فوائد الحديث
- الترتيب في خلق بعض المخلوقات كما هو ظاهر في الحديث.
- فَضلُ التؤَدة في الأُمور وعدم العجلَة.
1855
بابُ المنثورات والمُلَح
عنْ أبي سُلَيْمَانَ خَالِدِ بنِ الْولِيدِ رضي اللّه عَنْهُ قالَ: «لَقَدِ انْقَطَعَتْ في يَدِي يوْمَ مُؤتَةَ تِسْعَةُ أسْيافٍ، فَمَا بقِيَ في يدِي إلا صَفِيحةٌ يَمَانِيَّةٌ»
رواهُ البُخاري
مفردات الحديث
- مؤتة: موضع بقرب الشام كانت فيها غزوة مؤتة.
- صفيحة: سيف يماني.
فوائد الحديث
- فضل سيدنا خالد رضي اللّه عنه، وفي ذكر مناقبه حضٌّ للغير لا إظهارٌ للنفس.
- بيان ثبات خالد بن الوليد رضي اللّه عَنْهُ في لجّة الحرب وقوّة بأسه وشجاعته.
1856
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ عمْرو بْنِ الْعَاص رضي اللّه عنْهُ أنَّهُ سَمِع رسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أصاب، فَلَهُ أجْرانِ وإنْ حَكَم وَاجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أجْرٌ»
متفقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- حكم: قضى في حكم.
- فاجتهد: بذل جهده لفهم الحكم.
فوائد الحديث
- جواز الاجتهاد للمجتهد إذا كان من أهل الاجتهاد في الدين وكان الحكم مما يجوز فيه الاجتهاد، وأنّه مثاب على اجتهاده مطلقًا.
- إن أصاب المجتهد كان له أجران أجر الاجتهاد وأجر لصوابه، وإن أخطأ كان له أجر اجتهاده، وخطؤه أو صوابه مقرران عند اللّه تعالى.
1857
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ عائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا أنَّ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «الْحُمَّى مِنْ فيْحِ جَهَنَّم فأبْرِدُوهَا بِالماءِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- فيح جهنم: أي قوة حرها.
فوائد الحديث
- استحباب وضع الماء على وجه المحموم وأطرافه، وهذا من باب الطب النبوي، وقد ثبت أنّ الماء البارد يلطف من حرارة المريض المصاب ببعض أنواع الحميات.
1858
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ عائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا عَنِ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»
متفقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- وَلِيُّهُ: الوَليّ: الْقَرِيبُ وَارِثًا كَانَ أوْ غَيْرَ وَارِثٍ.
فوائد الحديث
- أنّه يجوز للولي فقط أن يصوم عن قريبه إذا مات وفاته صوم واجب كان قد تمكن من قضائه، وإن شاء أخرج من تركته عن كل يوم مدًا من طعام، ولا يصوم الأجنبي إلا بإذنه.
- المُخْتَارُ جَوَازُ الصَّوْمِ عَمَّنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ.
1859
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ عَوْفِ بنِ مَالِكِ بنِ الطُّفَيْلِ أنَّ عَائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا حُدِّثَتْ أنَّ عَبْدَ اللّه ابنَ الزَّبَيْر رضيّ اللّه عَنْهُمَا قَالَ في بيْعٍ أوْ عَطَاءٍ أعْطَتْهُ عَائِشَةُ رضي اللّه تَعالَى عَنْها: وَاللّه لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أوْ لأحْجُرَنَّ علَيْهَا، قَالتْ: أهُوَ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعمْ، قَالَتْ: هُو، للّهِ علَيَ نَذْرٌ أنْ لا أُكَلِّم ابْنَ الزُّبيْرِ أبَدًا، فَاسْتَشْفَع ابْنُ الزُّبيْرِ إليها حِينَ طالَتِ الْهجْرَةُ. فَقَالَتْ: لا وَاللّهِ لا أُشَفِّعُ فِيهِ أبَدًا، ولا أتَحَنَّثُ إلَى نَذْري، فلَمَّا طَال ذَلِكَ علَى ابْنِ الزُّبيْرِ كَلَّم المِسْورَ بنَ مخْرَمَةَ، وعبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ الأسْوَدِ بنِ عبْدِ يغُوثَ وقَال لهُما: أنْشُدُكُما اللّه لمَا أدْخَلْتُمَاني علَى عائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا، فَإنَّهَا لا يَحِلُّ لَهَا أنْ تَنْذِر قَطِيعَتي، فَأَقْبَل بهِ المِسْورُ، وعَبْدُ الرَّحْمن حَتَّى اسْتَأذَنَا علَى عائِشَةَ، فَقَالا: السَّلامُ علَيْكِ ورَحمةُ اللّه وبرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا، قَالُوا: كُلُّنَا؟ قَالَتْ: نَعمْ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، ولا تَعْلَمُ أنَّ معَهُما ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلمَّا دخَلُوا، دخَلَ ابْنُ الزُّبيْرِ الْحِجَابَ، فَاعْتَنَقَ عائِشَةَ رضي اللّه عنْهَا، وطَفِقَ يُنَاشِدُهَا ويبْكِي، وَطَفِقَ المِسْورُ، وعبْدُ الرَّحْمنِ يُنَاشِدَانِهَا إلّا كَلَّمَتْهُ وقبِلَتْ مِنْهُ، ويقُولانِ: إنَّ النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَى عَمَّا قَدْ علِمْتِ مِنَ الْهِجْرةِ، وَلا يَحلُّ لمُسْلِمٍ أنْ يهْجُر أخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، فَلَمَّا أكْثَرُوا علَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرةِ والتَّحْرِيجِ، طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُما وتَبْكِي، وتَقُولُ: إنِّي نَذَرْتُ والنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالا بَهَا حتَّى كَلَّمتِ ابْنَ الزُّبيْرِ، وَأعْتَقَتْ في نَذْرِهَا أرْبعِينَ رقَبةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي حتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمارَهَا.
رواهُ البخاري
مفردات الحديث
- لأحجرن عليها: لأمنعنها من التصرف في مالها.
- لا أشفع : لا أقبل شفاعة أحد.
- لا أتحنث: لا آثم في نذري.
- يناشدها: يسألها الرضا عنه.
- خمارها: غطاء الرأس والصدر.
فوائد الحديث
- جواز الهجر إذا كان للّه تعالى ويحرم إذا كان لأمر دنيوي فوق ثلاث ليال، وعائشة هجرته بما أداها اجتهادها أنه طاعة من مخالفة ابن الزبير حكمًا شرعيًا، وهو استجازته الحجر على عائشة لتساهلها بالتصرف في أموالها بيعًا أو صدقة.
- لا يجوز النذر في معصية، وكفارة النذر إذا لم يوف به كفارة اليمين وهي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو إعتاق رقبة، فإن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام.
1860
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ عُقْبَةَ بنِ عامِر رضي اللّه عنْهُ أنَّ رسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم خَرجَ إلَى قَتْلَى أُحُدٍ فَصلَّى علَيْهِمْ بعْد ثَمان سِنِين كالمودِّع للأحْياءِ والأمْواتِ، ثُمَّ طَلَعَ إلى المِنْبر، فَقَالَ: «إنِّي بيْنَ أيْدِيكُمْ فَرَطٌ وأنَا شهيد علَيْكُم وإنَّ موْعِدَكُمُ الْحوْضُ، وَإنِّي لأنْظُرُ إليه مِنْ مَقامِي هَذَا، وإنِّي لَسْتُ أخْشَى عَلَيْكُم أنْ تُشْركُوا، ولَكِنْ أخْشَى عَلَيْكُم الدُّنيا أنْ تَنَافَسُوهَا» قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إلَى رَسُولِ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، متفقٌ عليه. • وفي روايةٍ: «وَلَكِنِّي أخْشَى علَيْكُم الدُّنيَا أنْ تَنَافَسُوا فِيهَا، وتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَما هَلَكَ منْ كَان قَبْلكُم» قَالَ عُقبةُ: فَكانَ آخِر ما رَأيْتُ رَسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَلَى المِنْبرِ. • وفي روَايةٍ قال: «إنِّي فَرطٌ لَكُمْ وأنَا شَهِيدٌ علَيْكُم، وَإنِّي واللّه لأنْظُرُ إلَى حَوْضِي الآنَ، وإنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِن الأرضِ، أوْ مَفَاتِيحَ الأرْضِ، وَإنَّي واللّهِ مَا أَخَافُ علَيْكُم أنْ تُشْرِكُوا بعْدِي ولَكِنْ أخَافُ علَيْكُم أنْ تَنَافَسُوا فِيهَا».
مفردات الحديث
- الصَّلاة عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ: المُرادُ الدُّعَاءُ لَهُمْ، لا الصَّلاةُ المعْرُوفَةُ.
- فرط: أي سابق لكم عَلَى الْحَوْضِ.
فوائد الحديث
- ثبوت الكشف لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث عاين حوضه في الجنّة من مقامه في الدنيا.
- إثبات الحوض.
- البشارة بدوام الإسلام وثبات المسلمين عليه بجملتهم.
- النهي عن التنافس على الدنيا.
- جواز زيارة القبور والدعاء لأهلها.
- زهد الرسول في الدنيا رغم أنّ اللّه مكّنه من مقاليدها وفتح له أبوابها فآثر الباقية على الفانية.
1861
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي زَيْدٍ عمْرِو بنِ أخْطَبَ الأنْصَارِيِّ رضي اللّه عَنْهُ قَال: صلَّى بنا رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم الْفَجْر، وَصعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَل فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَر فخطب حَتَّى حَضَرتِ العصْرُ، ثُمَّ نَزَل فَصَلَّى، ثُمَّ صعِد المنْبر حتى غَرَبتِ الشَّمْسُ، فَأخْبرنا مَا كان ومَا هُوَ كِائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أحْفَظُنَا.
رواهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- فخَطبَنا ووَعظَنا حتَّى حَضرتِ الظُّهرُ: أي صَلاةُ الظُّهرِ بدُخولِ وَقتِها.
- وَبِما هوَ كائنٌ: أي بما سَيكونُ وسَيحدُثُ.
- فأَعلَمُنا أَحفظُنا: أَعلمُنا هوَ أكثرُنا حفظًا لتلكَ الخُطبةِ.
فوائد الحديث
- حرص الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على تعليم أمّته كل ما هم بحاجة إليه من أمر دينهم ووعظهم بما كان قبلهم وتحذيرهم من شر ما هو قادم عليهم.
- أنّ أعلم الناس أحفظهم للعلم و أوعاهم لكتاب اللّه تعالى وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
1862
بابُ المنثورات والمُلَح
عنْ عائِشَةَ رضي اللّه عَنْهَا قَالَتْ: قال النبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ نَذَرَ أن يُطِيع اللّه فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أنْ يعْصِيَ اللّه، فلا يعْصِهِ»
رواهُ البُخاري
فوائد الحديث
- وجوب الوفاء بالنّذر إذا كان بالتزام طاعة اللّه تعالى وعدم انعقاده إذا كان بمعصية.
1863
بابُ المنثورات والمُلَح
عنْ أُمِّ شَرِيكٍ رضي اللّه عنْهَا أنّ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أمرَهَا بِقَتْلِ الأوزَاغِ، وقَال: «كَانَ ينْفُخُ علَى إبْراهيمَ»
متفقٌ عَلَيْهِ
مفردات الحديث
- الأوزاغ: جمع وزغة: وهي حشرة مؤذية، (أبو بريص)، وسميت بالوزغ لخفّتها وسرعة حركتها.
فوائد الحديث
- قتل الوزغ نسبة لخبثه وأذيته لإبراهيم عليه السلام.
- إنّ قتل الأوزاغ ليس لأجل جريرة واحد منها في عهد غابر، وإنّما لأجل أنّها مؤذية بطبعها تفسد الطعام وتسمّ الإنسان فاقتضى ذلك قتلها.
1864
بابُ المنثورات والمُلَح
عنْ أبي هُريرةَ رضي اللّهُ عنْهُ قَال: قَالَ رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «منْ قَتَلَ وزَغَةً في أوَّلِ ضَرْبةٍ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حسنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا في الضَّرْبَةِ الثَّانِية، فَلَهُ كَذَا وكَذَا حَسنَةً دُونَ الأولَى، وإنَّ قَتَلَهَا في الضَّرْبةِ الثَّالِثَةِ، فَلَهُ كَذاَ وَكَذَا حَسَنَةً». • وفي رِوَايةٍ: «مَنْ قَتَلَ وزَغًا في أوَّلِ ضَرْبةٍ، كُتِبَ لَهُ مائةُ حسَنَةٍ، وَفي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وفي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- الْوَزَغُ: هي الْعِظَامُ مِنْ سامَّ أبْرصَ، وهي الدويبة، (أبو بريص) وسميت بالوزغ لخفّتها وسرعة حركتها.
فوائد الحديث
- استحباب قتل الأوزاغ وضربه بقوة حتى يقضي عليه بضربة واحدة، ويلحق به استحباب قتل جميع الحشرات المؤذية كالعقرب والثعبان.
- نفخ الوزغ النار على إبراهيم قد يكون حقيقة وإن لم يكن لعمله هذا كبير تأثير، وقد يكون كناية عن أذاه لبني آدم.
- ينبغي للإنسان أن يتتبّع الأوزاغ في بيته، في السوق، في المسجد، ويقتلها.
1865
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ أنَّ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «قَال رَجُلٌ لأتَصدقَنَّ بِصَدقَةٍ، فَخَرجَ بِصَدقَته، فَوَضَعَهَا في يَدِ سَارِقٍ، فَأصْبحُوا يتَحدَّثُونَ: تُصُدِّقَ الليلة علَى سارِقٍ!، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ! لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدقَتِهِ، فَوَضَعَهَا في يدِ زانيةٍ، فَأصْبَحُوا يتَحدَّثُونَ تُصُدِّق اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ!، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زانِيَةٍ!، لأتَصَدَّقَنَّ بِصدقة، فَخَرَجَ بِصَدقَتِهِ، فَوَضَعهَا في يد غَنِيّ، فأصْبَحُوا يتَحدَّثونَ: تُصُدِّقَ علَى غَنِيٍّ!، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ علَى سارِقٍ، وعَلَى زَانِيةٍ، وعلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيل لَهُ: أمَّا صدَقَتُكَ علَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعِفَّ عنْ سرِقَتِهِ، وأمَّا الزَّانِيةُ فَلَعلَّهَا أنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وأمّا الْغنِيُّ فَلَعلَّهُ أنْ يعْتَبِر، فَيُنْفِقَ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ»
رَواهُ البخاري بلفظِهِ، وَمُسْلِمٌ بمعنَاهُ
مفردات الحديث
- قال رجل: أي ممّن كان قبل المسلمين.
- فَأُتِيَ: أي في المنام.
فوائد الحديث
- ثبوت الأجر للمتصدق على حسب نيّته ولو وقعت الصدقة في يد من لا يستحقها ما دام يجهل حاله أو يقصد معنى حسنًا.
- أنّ الصدقة على أهل الصلاح من ذوي الأرحام وأصحاب الحاجة أفضل من الصدقة على غيرهم.
1866
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللّه عَنْهُ قال كنّا مع رسول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في دعوة فرُفع إليه الذراع وكانت تُّعجبه فَنَهسَ منها نَهَسةً وقال:« أنا سيِّدُ الناس يوم الْقِيَامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ؟ يَجْمعُ اللّه الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صعِيدٍ وَاحِد، فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الْغَمِّ والْكَرْبِ مَا لا يُطيقُونَ وَلا يحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلا تَرَوْنَ إِلى مَا أَنْتُمْ فِيهِ، إِلَى ما بَلَغَكُمْ؟ أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يشْفَعُ لَكُمْ إِلى رَبَّكُمْ؟ فيَقُولُ بعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أبُوكُمْ آدَمُ، ويأتُونَهُ فَيَقُولُونَ: يَا آدمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشرِ، خَلَقَك اللّه بيَدِهِ، ونَفخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ، أَلا تَشْفعُ لَنَا إِلَى ربِّكَ؟ أَلا تَرى مَا نَحْنُ فِيهِ، ومَا بَلَغْنَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ غضَبًا لَمْ يغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَاني عنِ الشَّجَرةِ، فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُل إِلى أَهْلِ الأرْضِ، وَقَدْ سَمَّاك اللّه عَبْدًا شَكُورًا، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا، أَلا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ ربِّي غَضِبَ الْيوْمَ غَضَبًا لمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قدْ كانَتْ لِي دَعْوةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيْأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ ربِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذْبَاتٍ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيأْتُونَ مُوسَى، فَيقُولُون: يا مُوسَى أَنْت رسُولُ اللّه، فَضَّلَكَ اللّه بِرِسالاتِهِ وبكَلامِهِ على النَّاسِ، اشْفعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقول إِنَّ ربِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ قتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسى فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيقُولُونَ: يا عِيسى أَنْتَ رَسُولُ اللّهِ وَكلمتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَريم ورُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فيَقولُ: إِنَّ ربِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلمْ يَذْكُرْ ذنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحمَّد صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فيأْتون محَمدًا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. • وفي روايةٍ: «فَيَأْتُوني فيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رسُولُ اللّهِ، وَخاتَمُ الأَنْبِياءِ، وقَدْ غَفَرَ اللّه لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّر، اشْفَعْ لَنَا إِلَى ربِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتي تَحْتَ الْعَرْشِ، فأَقَعُ سَاجِدًا لِربِّي» ثُمَّ يَفْتَحُ اللّه عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ، وحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لِمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارفَع رأْسكَ، سَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يا مُحمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتك مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْباب الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وهُمْ شُركَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوىَ ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ» ثُمَّ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ المصراعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْن مَكَّةَ وَهَجَر، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- دعوة: طعام .
- نهس: أخذ منها بأطراف أسنانه.
- صعيد: أرض.
- تدنو: تقرب.
- الغم: الحزن.
- الكرب: الضيق.
- فسجدوا لك: ليس سجود عبادة وإنّما سجود شكر، فالسجود بمعنى العبادة لا يكون إلّا للّه تعالى وحده.
- أول الرسل: لعله أولهم بعد الطوفان.
- لقد كانت لي دعوة : هي قوله: "لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا" .
- كذبت ثلاث كذبات: وهي قوله -إنّي سقيم- وقوله -بل فعله كبيرهم هذا- وقوله في سارة -أختي- والحقّ أنّها ليست معاصي: أي سأسقم، وفعله كبيرهم إن كانت الأصنام تنطق، وأختي: أي في الإسلام ، لكنّها لمّا كانت بصورة الكذب سماها كذبًا وعدها ذنبًا.
- أنت كلمته: أي خلقت بكلمته وهي "كن".
- روح منه: أي من أمره.
- العرش: وَالْعَرْشُ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ وسقفها، الله أعلم به.
- محامده: الثناء عليه بأوصافه الجميلة.
- المصراعين: جانبي الباب.
- هجر: مدينة في البحرين.
- بصرى: مدينة في جنوب دمشق في حوران.
فوائد الحديث
- ثبوت فضل النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ورفعة مكانته عند اللّه سبحانه، وثبوت شفاعته يوم القيامة واشتداد الموقف على العباد في المحشر.
- جواز الاستشفاع بالرسل يوم القيامة.
- ثبوت المعاصي لبعض الرسل ليس على ظاهره بل هو من قبيل "حسنات الأبرار سيئات المقربين" وإلّا فالرسل صلوات اللّه عليهم معصومون من المعاصي وما نسب إليهم إنّما فعلوه متأولين ومجتهدين، وسمي ما فعلوه معصية بالنسبة لرفعة أقدارهم عند اللّه تعالى.
1867
بابُ المنثورات والمُلَح
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُمَا قَالَ: جاءَ إِبْرَاهِيمُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِأُمِّ إِسْمَاعِيل وَبابنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِي تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فوْقَ زَمْزَمَ في أَعْلَى المسْجِدِ، وَلَيْسَ بمكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوضَعَهُمَا هُنَاكَ، وَوضَع عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيه تَمرٌ، وسِقَاء فيه مَاءٌ، ثُمَّ قَفى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فتَبِعتْهُ أُمُّ إِسْماعِيل فَقَالَتْ: يا إِبْراهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنَا بهَذا الْوادِي ليْسَ فِيهِ أَنيسٌ ولا شَيءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلكَ مِرارًا، وجعل لا يلْتَفِتُ إِلَيْهَا، قَالَتْ لَه: آللّهُ أَمركَ بِهذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَت: إِذًا لا يُضَيِّعُنا، ثُمَّ رجعتْ، فَانْطَلقَ إِبْراهِيمُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، حَتَّى إِذا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حيْثُ لا يَروْنَهُ، اسْتَقْبل بِوجْههِ الْبيْتَ، ثُمَّ دعا بهَؤُلاءِ الدَّعواتِ، فَرفَعَ يدَيْه فقَالَ: رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ حتَّى بلَغَ يشْكُرُونَ وجعلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيل تُرْضِعُ إِسْماعِيل، وتَشْربُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حتَّى إِذَا نَفِدَ ما في السِّقَاءِ عطشت وعَطِش ابْنُهَا، وجعلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يتَلوَّى أَوْ قَالَ: يتَلَبَّطُ فَانْطَلَقَتْ كَراهِيةَ أَنْ تَنْظُر إِلَيْهِ، فَوجدتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جبَلٍ في الأرْضِ يلِيهَا، فَقَامتْ علَيْهِ، ثُمَّ استَقبَلَتِ الْوادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرى أَحدًا؟ فَلَمْ تَر أَحدًا، فهَبطَتْ مِنَ الصَّفَا حتَّى إِذَا بلَغَتِ الْوادِيَ، رفَعتْ طَرفَ دِرْعِهِا، ثُمَّ سَعتْ سعْي الإِنْسانِ المجْهُودِ حتَّى جاوزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المرْوةَ، فقامتْ علَيْهَا، فنَظَرتْ هَلْ تَرى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَر أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْع مرَّاتٍ، قَال ابْنُ عبَّاسٍ رَضِي اللّه عنْهُمَا: قَال النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «فَذَلِكَ سعْيُ النَّاسِ بيْنَهُما»، فلَمَّا أَشْرفَتْ علَى المرْوةِ سَمِعـتْ صوتًا، فَقَالَتْ: صهْ تُرِيدُ نَفْسهَا ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسمِعتْ أَيْضًا فَقَالتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدكَ غَواثٌ، فَإِذَا هِي بِالمَلَكِ عِنْد موْضِعِ زمزَم ، فَبحثَ بِعقِبِهِ، -أَوْ قَال بِجنَاحِهِ- حَتَّى ظَهَرَ الماءُ، فَجعلَتْ تُحوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيدِهَا هٰكَذَا، وجعَلَتْ تَغْرِفُ المَاءَ في سِقَائِهَا وهُو يفُورُ بَعْدَ ما تَغْرفُ وفي روايةٍ: بِقَدرِ ما تَغْرِفُ، قَال ابْنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللّه عَنْهُمَا: قالَ النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «رحِم اللّه أُمَّ إِسماعِيل لَوْ تَركْت زَمزَم أَوْ قَالَ: لوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عيْنًا معِينًا» قَال فَشَرِبتْ، وَأَرْضَعَتْ وَلَدهَا، فَقَال لَهَا الملَكُ: لا تَخَافُوا الضَّيْعَة فَإِنَّ هَهُنَا بَيْتًا للّهِ يبنيه هَذَا الْغُلاَمُ وأَبُوهُ، وإِنَّ اللّه لا يُضيِّعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ الْبيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيةِ تأْتِيهِ السُّيُولُ، فتَأْخُذُ عنْ يمِينِهِ وَعَنْ شِمالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حتَّى مرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمٍ، -أو أَهْلُ بيْتٍ مِنْ جُرْهُمٍ- مُقْبِلين مِنْ طَريقِ كَدَاءَ، فَنَزَلُوا في أَسْفَلِ مَكَةَ، فَرَأَوْا طَائرًا عائفًا فَقَالُوا: إِنَّ هَذا الطَّائِر ليَدُورُ عَلى ماء لَعهْدُنَا بِهذا الوادي وَمَا فِيهِ ماءٌ فَأرسَلُوا جِريًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ، فَإِذَا هُمْ بِالماءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهم فَأقْبلُوا، وَأُمُّ إِسْماعِيلَ عند الماءَ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ ننزِلَ عِنْدكَ؟ قَالتْ: نَعَمْ، ولكِنْ لا حَقَّ لَكُم في الماءِ، قَالُوا: نَعَمْ، قَال ابْنُ عبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «فَأَلْفَى ذٰلكَ أُمَّ إِسماعِيلَ، وَهِي تُحِبُّ الأُنْسَ»، فَنزَلُوا، فَأَرْسلُوا إِلى أَهْلِيهِم فنَزَلُوا معهُم، حتَّى إِذا كَانُوا بِهَا أَهْل أَبياتٍ، وشبَّ الغُلامُ، وتَعلَّم العربِيَّةَ مِنهُمْ وأَنْفَسَهُم وأَعجَبهُمْ حِينَ شَبَّ ، فَلَمَّا أَدْركَ، زَوَّجُوهُ امرأَةً منهُمْ، ومَاتَتْ أُمُّ إِسمَاعِيل، فَجَاءَ إبراهِيمُ بعْد ما تَزَوَّجَ إسماعِيلُ يُطالِعُ تَرِكَتَهُ فَلم يجِدْ إِسْماعِيل، فَسأَل امرأَتَهُ عنه فَقَالت: خَرَجَ يبْتَغِي لَنَا -وفي رِوايةٍ: يصِيدُ لَنَا- ثُمَّ سأَلهَا عنْ عيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِم فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ في ضِيقٍ وشِدَّةٍ، وشَكَتْ إِليْهِ، قَال: فإذا جاءَ زَوْجُكِ، اقْرئي عَلَيْهِ السَّلام، ويقول: غَيِّرْ عَتبةَ بابهِ، فَلَمَّا جاءَ إسْماعيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَال: هَلْ جاءَكُمْ منْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جاءَنَا شَيْخٌ كَذا وكَذا، فَسأَلَنَا عنْكَ، فَأخْبَرْتُهُ، فَسألني كَيْف عيْشُنا، فَأخْبرْتُهُ أَنَّا في جَهْدٍ وشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصاكِ بشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعمْ أَمَرني أَقْرَأ علَيْكَ السَّلامَ ويَقُولُ: غَيِّرْ عَتبة بابكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبي، وقَدْ أَمرني أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وتَزَوَّج مِنْهُمْ أُخْرى، فلَبِث عَنْهُمْ إِبْراهيم ما شَاءَ اللّه ثُمَّ أَتَاهُم بَعْدُ، فَلَمْ يجدْهُ، فَدَخَل على امْرَأتِهِ، فَسَأَل عنْهُ، قَالَتْ: خَرَج يبْتَغِي لَنَا، قَال: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وسألهَا عنْ عيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسعةٍ وأَثْنتْ على اللّهِ تَعالى، فَقَال: ما طَعامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ، قَال: فَما شَرابُكُمْ؟ قَالَتِ: الماءُ؟ قَال: اللَّهُمَّ بَارِكْ لهُمْ في اللَّحْم والماءِ، قَال النَّبيُّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «وَلَمْ يكنْ لهُمْ يوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لهُمْ دَعَا لَهُمْ فيهِ» قَال: فَهُما لا يخْلُو علَيْهِما أَحدٌ بغَيْرِ مكَّةَ إِلّا لَمْ يُوافِقاهُ. وفي روايةٍ فَجاءَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْماعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرأتُهُ: ذَهبَ يَصِيدُ ، فَقَالَتِ امْرأَتُهُ: أَلا تَنْزِلُ، فتَطْعَم وتَشْرَبَ؟ قَالَ: وما طعامُكمْ وما شَرابُكُمْ؟ قَالَتْ: طَعَامُنا اللَّحْـمُ، وشَرابُنَا الماءُ، قَال: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ في طَعامِهمْ وشَرَابِهِمْ قَالَ: فَقَالَ أَبُو القَاسِم صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «بركَةُ دعْوةِ إِبراهِيم صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم» قَالَ: فَإِذا جاءَ زَوْجُكِ، فاقْرئي علَيْهِ السَّلامَ وَمُريهِ يُثَبِّتْ عتَبَةَ بابهِ، فَلَمَّا جاءَ إِسْماعِيلُ، قَال: هَلْ أَتَاكُمْ منْ أَحد؟ قَالتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شيْخٌ حَسَن الهَيئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَني عنْكَ، فَأَخْبرتُهُ، فَسأَلَني كيفَ عَيْشُنَا فَأَخبَرْتُهُ أَنَّا بخَيرٍ، قَالَ: فأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويأْمُرُكَ أَنْ تُثَبِّتَ عَتَبَة بابكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبي وأنتِ الْعَتَبةُ أَمرني أَنْ أُمْسِكَكِ، ثُمَّ لَبِثَ عنْهُمْ ما شَاءَ اللّه، ثُمَّ جَاءَ بعْد ذلكَ وإِسْماعِيلُ يبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحةٍ قريبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رآهُ، قَامَ إِلَيْهِ، فَصنعَ كَمَا يصْنَعُ الْوَالِد بِالْولَدُ والولد بالْوالدِ، قَالِ: يا إِسْماعِيلُ إِنَّ اللّه أَمرني بِأَمْرٍ، قَال: فَاصْنَعْ مَا أَمركَ ربُّكَ؟ قَال: وتُعِينُني، قَال: وأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللّه أَمرنِي أَنْ أَبْني بيْتًا ههُنَا، وأَشَار إِلى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعةٍ على ما حَوْلهَا فَعِنْد ذلك رَفَعَ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبيْتِ، فَجَعَلَ إِسْماعِيل يأتي بِالحِجارَةِ، وَإبْراهِيمُ يبْني حتَّى إِذا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذا الحجرِ فَوضَعَهُ لَهُ فقامَ عَلَيْهِ، وَهُو يبْني وإسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَة وَهُما يقُولانِ: ربَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. • وفي روايةٍ: إِنَّ إبْراهِيم خَرَج بِإِسْماعِيل وأُمِّ إسْمَاعِيل، معَهُم شَنَّةٌ فِيهَا ماءٌ فَجَعلَتْ أُم إِسْماعِيلَ تَشْربُ مِنَ الشَّنَّةِ، فَيَدِرُّ لَبنُهَا على صبِيِّهَا حَتَّى قَدِم مكَّةَ فَوَضَعهَا تَحْتَ دَوْحةٍ، ثُمَّ رَجَع إِبْراهيمُ إِلى أَهْلِهِ، فاتَّبعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ حَتَّى لمَّا بلغُوا كَداءَ نادَتْه مِنْ ورائِــه: يَا إِبْرَاهيمُ إِلى منْ تَتْرُكُنَا؟ قَالَ: إِلى اللّهِ، قَالَتْ: رضِيتُ بِاللَّهِ، فَرَجعتْ، وَجعلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، وَيَدرُّ لَبَنُهَا عَلى صَبِيِّهَا حَتَّى لمَّا فَنيَ الماءُ قَالَتْ: لَوْ ذَهبْتُ، فَنَظَرْتُ لعَلِّي أحِسُّ أَحَدًا، قَالَ: فَذَهَبَتْ فصعِدت الصَّفا، فَنَظَرتْ وَنَظَرَتْ هَلْ تُحِسُّ أَحدًا، فَلَمْ تُحِسَّ أحدًا، فَلَمَّا بلَغَتِ الْوادي، سعتْ، وأَتتِ المرْوةَ، وفَعلَتْ ذلكَ أَشْواطًا، ثُمَّ قَالَتْ: لو ذهَبْتُ فنَظرْتُ ما فَعلَ الصَّبيُّ، فَذَهَبتْ ونَظَرَتْ، فإِذَا هُوَ على حَالهِ كأَنَّهُ يَنْشَغُ للمَوْتِ، فَلَمْ تُقِرَّهَا نفْسُهَا، فَقَالَت: لَوْ ذَهَبْتُ، فَنَظَرْتُ لعلي أَحِسُّ أَحدًا، فَذَهَبَتْ فصَعِدتِ الصَّفَا، فَنَظَرتْ ونَظَرتْ، فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا حتَّى أَتمَّتْ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ، فَنَظَرْتُ مَا فَعل، فَإِذا هِيَ بِصوْتٍ فَقَالَتْ: أَغِثْ إِنْ كان عِنْدَكَ خيْرٌ فإِذا جِبْرِيلُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقَال بِعَقِبهِ هَكَذَا، وغمزَ بِعقِبه عَلى الأرْض، فَانْبثَقَ الماءُ فَدَهِشَتْ أُمُّ إسْماعِيلَ فَجعلَتْ تَحْفِنُ وذكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
رواه البخاري بهذِهِ الرواياتِ كلها
مفردات الحديث
- أم إسماعيل: اسمها هاجر، وهي قبطية وهبها ملك مصر لسارة فتزوجها إبراهيم.
- الدَّوْحةُ: الشَّجرةُ الْكَبِيرةُ.
- جرابًا: وعاء من جلد.
- سقاء: إناء يكون للماء واللبن.
- قَفي: أَيْ ولَّى.
- الثنية: الطريق في الجبل وكانت هذه الثنية عند الحجون.
- تهوي : تميل وتسرع .
- يتلبط: يتمرغ ويضرب بنفسه الأرض، وهو بمعنى يتلوى.
- الصفا: صخرة تقع في طرف جبل أبي قبيس.
- استقبلت الوادي : أي مكة.
- طرف درعها: طرف قميصها.
- المجهود: المتعب الذي أصابه الجهد.
- صه: اسكتي.
- قد أسمعت: تخاطب صاحب الصوت.
- غواث: أي أغثني إن كان عندك غيث أي ماء.
- تحوضه : تجعله مثل الحوض.
- يفور: ينبع نبعًا شديدًا.
- عينًا معينًا: أي ظاهرًا جاريًا على الأرض.
- الرابية: المرتفع من الأرض.
- جرهم: قبيلة عربية، وجرهم هو ابن قحطان.
- عائقًا: دائرًا حول الماء.
- جريًّا: الجَرِيُّ الرسول.
- أنفسهم : فاقهم وكثرت رغبتهم فيه.
- فلمّا أدرك: أي بلغ سن البلوغ
- يطالع تركته: يتفقد حال ما تركه.
- يغير عتبة بابه: كناية عن الطلاق، وكني عن المرأة بعتبة الباب لأنّها تحفظ الباب وتصون ما في داخله.
- آنس: أحس.
- يبري نبلًا: يصلح نبلًا وهو السهم قبل أن يركب فيه نصله وريشه.
- أكمة: تل.
- القواعد: الأسس.
- بهذا الحجر: يعني الحجر الذي وقف عليه إبراهيم.
- الشنّة: أي السقاء
- يَنْشَغُ: أَيْ يَشْهقُ.
- غمز: طعن.
- تحفن: تملأ كفيها.
فوائد الحديث
- ثبوت نبوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حيث أخبر بما ليس به علم لولا الوحي.
- مبادرة الأنبياء لطاعة ربهم والتضحية من أجل مرضاته بأولادهم وأزواجهم.
- استحباب استقبال القبلة عند الدعاء، وفضل مكة والبيت الحرام.
- ثبوت بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت الحرام.
- كراهية التضجّر من حال العيش، واستحباب الشكر على كل حال.
- طاعة الوالد والمسارعة إلى تنفيذ رضاه إن لم يكن في معصية اللّه تعالى وإنّما أمر إبراهيم عليه السلام ابنه طلاق زوجته لما رأى من تبرمها من قضاء اللّه وخشيته أن يسري ذلك إلى ابنه.
- بيان حكمة مشروعية السعي بين الصفا والمروة.
- الاقتداء بالصالحين في الطاعات والعبادات، وإيثار رضاء اللّه تعالى على الدنيا وزينتها.
1868
بابُ المنثورات والمُلَح
عنْ سعِيدِ بْنِ زيْدٍ رضِي اللّه عنْهُ قَال: سمِعتُ رسول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «الْكَمأَةُ مِنَ المنِّ، وماؤُهَا شِفَاءٌ للْعَينِ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- المنّ: الطعام الذي أنزله اللّه تعالى على بني إسرائيل.
- الكَمْأَةُ: نوعٌ مِنَ النَّباتِ لا ورقَ له ولا ساق، يَخرج في الأرضِ بِدونِ زرع.
فوائد الحديث
- مشروعية التداوي، وأن ماء الكمأة إذا استعمل بطريق علمي أفاد في شفاء العين من بعض الأمراض بإذن اللّه تعالى، وهذا من باب الطب النبوي.
- كتاب الاستغفار
1869
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عن الأَغَرِّ المُزَنيِّ رضِي اللّه عنْهُ أَنَّ رسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ على قَلْبي، وَإِني لأَسْتغْفِرُ اللّه في الْيوْمِ مِئَةَ مرَّةٍ»
رواهُ مُسلِم
مفردات الحديث
- ليغان: أراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه من أمور الأمة والملة و مصالحهما عدّ ذلك ذنبًا وتقصيرًا فيفزع إلى الاستغفار .
فوائد الحديث
- كثرة استغفار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تعليمًا لأمته، وإلّا فالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم معصوم وقد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
- التأكيد على بشرية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأنّه كان ينتابه فتور عن الذكر الذي يداوم عليه.
1870
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عنْ أَبي هُريْرة رضِي اللّه عنْهُ قَال: سمِعْتُ رسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: «واللّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللّه وأَتُوبُ إِلَيْهِ في الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سبْعِينَ مَرَّةً»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- أَكْثَرَ مِنْ سبْعِينَ مَرَّةً: فالعدد المرادُ مِنه الإشارةُ للكثرةِ وليس المرادُ الحَصرَ فيه.
فوائد الحديث
- الحضّ على الإكثار من الاستغفار أسوة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- لا قيمة للاستغفار إن لم يصاحبه إقلاع عن الذنب.
1871
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عنْ أَبي هُريْرة رضِي اللّه عنْهُ قَال: قَال رسُولُ اللّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «والَّذي نَفْسِي بِيدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَذَهَب اللّه تَعَالى بِكُمْ، ولجاءَ بقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللّه تَعالى فَيغْفِرُ لهمْ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- والذي نفسي بيده: كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يكثر من هذا القسم تعظيمًا للّه وتأكيدًا على عبوديّته للّه تعالى.
فوائد الحديث
- الحثّ على التوبة والإقلاع عن الذنب.
- الاستغفار واللجوء إلى اللّه تعالى من شأن كل مسلم فليبادر إلى ذلك، لأنّ ذلك صلة بين العبد وربه.
1872
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عَنِ ابْنِ عُمر رضِي اللّه عَنْهُما قَال: كُنَّا نَعُدُّ لِرَسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في المجلِس الْواحِدِ مائَةَ مرَّةٍ: «ربِّ اغْفِرْ لي، وتُبْ عليَ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوابُ الرَّحِيمُ»
رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث صحيح
فوائد الحديث
- زيادة خضوع النبيّ صَلّى اللّهُ عليه وسلّم،
- أنّ من أدب الدعاء أن يختم الداعي دعاءه بما يناسبه من أسماء اللّه تعالى فإذا سأل المغفرة والرحمة قال: إنّك انت التواب الرحيم. وإذا سأل جزاء دنيويًا أو أخرويًا قال: إنّك أنت الجواد الكريم.
1873
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضِي اللّه عنْهُما قَال: قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «منْ لَزِم الاسْتِغْفَار، جعل اللّه لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مخْرجًا، ومنْ كُلِّ هَمٍّ فَرجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حيْثُ لا يَحْتَسِبُ»
رواه أبو داود
مفردات الحديث
- لزم الاستغفار: أي أكثر من الاستغفار وداوم عليه.
- من كل ضيق مخرجًا: أي من كل شدة سبيلًا للنجاة، وذلك بأن يلطف به ويحميه.
- ومن كل هم فرجًا: أي ومن كل حزن ما يزيل عنه سببه ويفتح له سببًا للنجاة والسرور.
- من حيث لا يحتسب: يأتيه الفوز من حيث لا يتوقع ولا ينتظر فتكون المفاجأة سارة أكثر.
فوائد الحديث
- الاستغفار والمداومة عليه يعود على المستغفر بالنفع والفائدة في الدنيا والآخرة.
1874
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضِي اللّه عنْهُ قال: قال رسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «منْ قال: أَسْتَغْفِرُ اللّه الذي لا إِلٰهَ إِلّا هُو الحيَّ الْقَيُّومَ وأَتُوبُ إِلَيهِ، غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ»
رواه أبو داود والترمذي والحاكِمُ ، وقال: حدِيثٌ صحيحٌ على شَرْطِ البُخَارِيِّ ومُسلمٍ
مفردات الحديث
- الحيّ: صفة أزلية ذاتية تقتضي صحة اتصاف موصوفها بالصفات.
- القيوم: الدائم القيام بتدبير خلقه وحفظه.
- فر من الزحف: هرب من موطن الحرب.
- ومعنى "غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف" أي غفرت صغائر ذنوبه المتعلقة بحق ربه وإن كان قد اقترف ما هو من الكبائر.
فوائد الحديث
- فضل المداومة على هذا الاستغفار وخاصة بعد الوقوع في المعصية.
- لابد أن يصاحب الاستغفار إقلاع صادق عن الذنب والمعصية.
1875
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي اللّه عنْهُ عن النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «سيِّدُ الاسْتِغْفار أَنْ يقُول الْعبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إِلٰه إِلّا أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَّ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي، فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلّا أَنْتَ، منْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمـاتَ مِنْ يوْمِهِ قَبْل أَنْ يُمْسِيَ، فَهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، ومَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وهُو مُوقِنٌ بها فَمَاتَ قَبل أَنْ يُصْبِح، فهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- من شر ما صنعت: أي من شر ما صنعته من الإثم والعذاب والبلاء المترتب على ذلك.
- أَبُوءُ: أي أَقِرُّ وَأَعترِفُ.
- موقنًا: مخلصًا من قلبه.
فوائد الحديث
- يشترط لقبول الاستغفار صحة النية والتوجه إلى اللّه تعالى والأدب معه.
- يسمى سيد الاستغفار لما فيه من الإقرار للّه وحده بالألوهية والاعتراف بأنّه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه والرجاء بما وعد به، والاستعاذة من شرّ ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبة في المغفرة، واعترافه بأنّه لا يقدر على ذلك إلّا هو.
1876
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عنْ ثوْبانَ رضِي اللّه عنْهُ قَال: كَانَ رسولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذا انْصرفَ مِنْ صلاتِهِ، استَغْفَر اللّه ثَلاثًا وقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، تَباركْتَ ياذَا الجلالِ والإِكْرامِ» قيلَ لِلأوزاعِيِّ وهُوَ أَحدُ رُوَاتِهِ: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قَال: يقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللّه، أَسْتَغْفِرُ اللّه.
رواه مسلم
مفردات الحديث
- انصرف من صلاته: أي سلم وانصرف منها.
- أنت السلام: أنت مصدر السلام والأمان من كل نقص.
- يا ذا الجلال: يا صاحب العظمة المتنزهة عن النقائص.
- والإكرام: أوصاف الجمال من الكرم والعفو.
فوائد الحديث
- استحباب الاستغفار بعد الصلاة بهذه الصيغة الواردة في الحديث.
1877
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عَنْ عَائِشَةَ رَضي اللّه عنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْل موْتِهِ: «سُبْحانَ اللّهِ وبحمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللّه وأَتُوبُ إِلَيْهِ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- استحباب الازدياد من الخير أواخر العمر امتثالًا لقوله تعالى :فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [سورة النصر: ٣] واقتداءً برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- التوبة بعد الاستغفار تأكيد لمضمونه وإشارة إلى اعتبارها في حصول أثره.
1878
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عَنْ أَنسٍ رضِي اللّه عنْهُ قالَ: سمِعْتُ رسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «قالَ اللّه تَعَالى: يا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ ما دَعَوْتَني ورجوْتَني غفرتُ لَكَ على ما كَانَ منْكَ وَلا أُبَالِي، يا ابْنَ آدم لَوْ بلَغَتْ ذُنُوبُك عَنَانَ السَّماءِ ثُم اسْتَغْفَرْتَني غَفرْتُ لَكَ وَلا أُبالي، يا ابْنَ آدم إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَني بِقُرابِ الأَرْضِ خطايَا، ثُمَّ لَقِيتَني لا تُشْرِكُ بي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً»
رواه الترمذي وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
مفردات الحديث
- ما دعوتني: أي مدة دعائك.
- ورجوتني أي أنك تدعوني راجيًا.
- ولا أبالي: لا أكترث بذنوبك ولا أستكثرها وإن كثرت.
- عَنان السَّمَاءِ: قِيل: هُو السَّحَابُ، وقِيل: هُوَ مَا ظَهَرَ لَكَ مِنْها.
- قُرَابُ الأَرْضِ: هُو ما يُقَاربُ مِلْئَهَا.
فوائد الحديث
- سعة رحمة الله تعالى.
- الإيمان باللّه شرط في المغفرة لأنّه الأصل الذي ينبني عليه قبول الطاعة وغفران المعصية.
- الاستغفار الكامل الذي يثمر المغفرة هو ما قارن عدم الإصرار لأنّه حينئذ توبة نصوح أما مع الإصرار فمجرد دعاء.
1879
باب الأمر بالاستغفار وفضله
عنِ ابنِ عُمَرَ رضِي اللّه عنْهُما أَنَّ النَّبيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «يا معْشَرَ النِّساءِ تَصَدَّقْنَ، وأَكْثِرْنَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» قالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: مالَنَا أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتَكْفُرْنَ العشِيرَ مَا رأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عقْلٍ ودِينٍ أَغْلبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ» قَالَتْ: ما نُقْصانُ الْعقْل والدِّينِ ؟ قال: «شَهَادَةُ امرأَتَيْنِ بِشهَادةِ رجُلٍ، وتَمْكُثُ الأَيَّامَ لا تُصَلِّي»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- رأيتكن أكثر أهل النار: المراد أنّ اللّه تعالى أراهن له ليلة الإسراء، وقد روي من حديث ابن عباس: "أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء".
- تكفرن العشير: تجحدن حقّ الزوج.
- لذي لبّ: لصاحب عقل.
- شهادة امرأتين بشهادة رجل: لأنّ المرأة بعيدة عن المعاملات المالية مشغولة بسواها، وهي شديدة التأثر العاطفي، ولا شك أن قلة الخبرة والتجربة والتأثر الانفعالي هو سبب نقصان عقلها الذي أخبر عنه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- تمكث الأيام لا تصلّي: وفي رواية البخاري: "أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟ قلن بلى. قال: فذلك من نقصان دينها". ومن المعلوم في الإسلام أنّ المرأة تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة.
فوائد الحديث
- حضّ النساء على الصدقة والإكثار من الاستغفار، لأنّ الصدقة والاستغفار يدفعان العذاب ويكفران الخطايا.
- عظة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم للنساء يدل على اهتمام الإسلام بالمرأة.
- جحود النعم واستعمال الكلام القبيح كاللّعن والشتم حرام.
- العقل يقبل الزيادة والنقصان وكذلك الدين والإيمان.
1880
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عنْ جَابِرٍ رضِي اللّه عنْهُ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَأْكُلُ أَهْلُ الجنَّةِ فِيهَا ويشْرَبُونَ، ولا يَتَغَوَّطُونَ، ولا يمْتَخِطُونَ، ولا يبُولُونَ، ولكِنْ طَعامُهُمْ ذلكَ جُشَاء كَرشْحِ المِسْكِ يُلهَمُونَ التَّسبِيح وَالتكْبِير، كَما يُلْهَمُونَ النَّفَسَ»
رواه مسلم
مفردات الحديث
- لا يتغوطون: من الأكل.
- لا يمتخطون: لا يسيل شيء من أنوفهم.
- جشاء: أي يخرج منهم بالتجشي وهو تنفس المعدة من غير رائحة كريهة.
- كرشح المسك: أي يرشح من أجسامهم رشحًا طيب الرائحة كريح المسك.
- كما يلهمون النفس: أي يأتون بالذكر من غير تكلّف وذلك كتنفسهم في غير أيّ تكلّف.
فوائد الحديث
- بيان أحوال أهل الجنّة وما أعدّ اللّه لهم فيها من النعيم المقيم والحياة الأبديّة الكاملة.
- طعام أهل الجنّة في غاية اللطافة والاعتدال وليس لها فضلة تستقذر، بل يتولد عنها أطيب ريح وأحسنه.
- تلذذ أهل الجنّة بذكر اللّه تعالى وجريانه على لسانهم كجريان النفس في أبدانهم.
1881
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عَنْ أَبي هُريْرةَ رضِيَ اللّه عنْهُ قَال: قَال رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «قَال اللّه تَعالَى: أَعْددْتُ لعِبادِيَ الصَّالحِينَ مَا لا عيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعتْ ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرؤُوا إِنْ شِئتُمْ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جزَاءً بِما كَانُوا يعْملُونَ.[السجدة: ١٧] متفقٌ عليه.
مفردات الحديث
- أعددت: هيأت.
- ولا خطر: ولا مرّ.
فوائد الحديث
- الإيمانُ بالجنّة والنار، وأنّهما المآل الأبدي للخلق، فالجنّة دار النعيم التي أعدَّها اللّه للمؤمنين المُتقين الذين آمنوا بما أوجَب اللّه عليهم الإيمان به، وقاموا بطاعة اللّه ورسوله، مخلصين للّه، مُتَّبعين لرسوله، فيها من أنواع النعيم ما لا عينٌ رأَت، ولا أُذنٌ سمِعت، ولا خطَر على قلب بشرٍ.
- مِن المبشِّرات ما كان يذكره النَّبي صلَّى اللّه عليه وسلم لأمّته من نعيم الجنّة وما أعدّه اللّه للصالحين منهم، وفي هذا تثبيت لأمته إذا عرفوا ما سيجدونه عند اللّه من الرحمة والكرامة لمن خاف اللّه واتقاه وعمل الصالحات.
1882
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عَنْ أَبي هُريْرةَ رضِيَ اللّه عنْهُ قَالَ: قال رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ يدْخُلُونَ الْجنَّةَ على صُورَةِ الْقَمرِ لَيْلَةَ الْبدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يلُونَهُمْ علَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ إِضَاءَةً: لا يُبولُونَ ولا يتَغَوَّطُونَ، ولا يتْفُلُونَ، ولا يمْتَخِطُون، أمْشاطُهُمُ الذَّهَبُ، ورشْحهُمُ المِسْكُ، ومجامِرُهُمُ الأُلُوَّةُ عُودُ الطِّيبِ أَزْواجُهُم الْحُورُ الْعِينُ، علَى خَلْقِ رجُلٍ واحِد، علَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدم سِتُّونَ ذِراعًا في السَّماءِ» متفقٌ عليه. • وفي روايةٍ للبُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ:« آنيتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، ورشْحُهُمُ المِسْكُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهما مِنْ وراءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، لا اخْتِلافَ بينَهُمْ، ولا تَبَاغُضَ: قُلُوبهُمْ قَلْبُ رَجُلٍ واحِدٍ، يُسَبِّحُونَ اللّه بُكْرةً وَعَشِيًّا». • قَوْلُهُ: «عَلَى خَلْقِ رجُلٍ واحِد»
رواهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الخَاءِ وإِسْكَانِ اللاَّمِ، وبعْضُهُمْ بِضَمِّهِما، وكِلاهُما صَحِيحٌ
مفردات الحديث
- زمرة: جماعة.
- ليلة البدر: أي ليلة الرابع عشر، والمراد تشبيههم بالقمر حين يصير بدرًا في الإضاءة والإشراق.
- كوكب دري: النجم الشديد الإضاءة.
- لا يتفلون: لا يبصقون.
- مجامرهم: هي المبخرة سميت بذلك لوضع الجمر فيها.
- الألوّة: العود الذي يوضع في المجمرة فيتبخر به.
- رشحهم: أي عرق ما يرشح من أبدانهم.
- مخ سوقهما: المخ ما في داخل العظم، والمراد به وصفها بالصفاء البالغ، وسوقهما: جمع ساق وهو من القدم إلى الركبة .
فوائد الحديث
- نفي جميع صفات النقص عن أهل الجنّة.
- نعيم أهل الجنّة من أكل وشرب وكسوة وطيب ليس عن ألمٍ من جوعٍ أو ظمأٍ أو عريٍّ أو نتنٍ وإنّما هي لذات متتالية ونعم متوالية.
- أنّ تنعّم أهل الجنّة على هيئة تنعّم أهل الدنيا إلّا ما بينهما من التفاضل في اللذة، ودلّ الكتاب والسنّة على أنّه نعيم لا انقطاع له.
- لا تحاسد بين أهل الجنّة ولا اختلاف لأنّ قلوبهم طهرت من ذميم الأخلاق.
1883
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَة رَضِي اللّه عَنْهُ عنْ رسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «سأَل مُوسَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ربَّهُ، ما أَدْنَى أَهْلِ الْجنَّةِ مَنْزلَةً؟ قَالَ: هُو رَجُلٌ يجِيءُ بعْدَ ما أُدْخِل أَهْلُ الْجنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجنَّة، فَيقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وقَدْ نَزَل النَّاسُ منَازِلَهُمْ، وأَخَذُوا أَخَذاتِهِم؟ فَيُقَالُ لهُ: أَتَرضى أَنْ يكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيا؟ فَيقُولُ: رضِيتُ ربِّ، فَيقُولُ: لَكَ ذَلِكَ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ، فَيقُولُ في الْخَامِسَةِ: رضِيتُ ربِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وعشَرةُ أَمْثَالِهِ، ولَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، ولَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رضِيتُ ربِّ، قَالَ: ربِّ فَأَعْلاهُمْ منْزِلَةً؟ قال: أُولَئِك الَّذِينَ أَردْتُ، غَرسْتُ كَرامتَهُمْ بِيدِي وخَتَمْتُ علَيْهَا، فَلَمْ تَر عيْنٌ، ولَمْ تَسْمعْ أُذُنٌ، ولَمْ يخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بشَرٍ»
رواهُ مُسْلم
مفردات الحديث
- ما أدنى؟: أي ما أنزل.
- أخذوا أخذاتهم: أي نالوا من النعيم ما أعدّ اللّه لهم.
- غرست كرامتهم بيدي: أي من غير توسّط مَلَكٍ ولا غيره زيادة في كرامتهم.
- ختمت عليها: لئلّا يراها غيرهم زيادة في التكريم.
فوائد الحديث
- بيان كرم اللّه تعالى وسعة رحمته، وبيان منزلة أهل الجنّة حيث أنّ أدناهم منزلة يتنعم بأضعاف أضعاف ما يملكه أي ملك في الدنيا.
1884
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عنِ ابْنِ مسْعُودٍ رضِي اللّه عنْهُ قال: قَال رسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: « إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْل النَّار خُرُوجًا مِنهَا، وَآخِرَ أَهْل الْجنَّةِ دُخُولًا الْجنَّة، رجُلٌ يخْرُجُ مِنَ النَّارِ حبْوًا، فَيقُولُ اللّه عزَّ وجَلَّ لَهُ: اذْهَبْ فَادخُلِ الْجنَّةَ، فَيأْتِيهَا، فيُخيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فيَرْجِعُ فَيقُولُ: يا ربِّ وجدْتُهَا مَلأى، يَقُولُ اللّه عزَّ وجلَّ لهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجنَّةَ، فيأْتِيها، فَيُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهَا ملأى، فَيرْجِعُ، فيَقُولُ: يا ربِّ وجدْتُهَا مَلأى، فَيقُولُ اللّه عزَّ وجلَّ لهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيا وعشرةَ أَمْثَالِها، أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْل عَشرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيا، فَيقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي، أَوَ أَتَضحكُ بِي وأَنْتَ الملِكُ» قَال: فَلَقَدْ رأَيْتُ رَسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ضَحِكَ حَتَّى بدت نَوَاجذُهُ فَكَانَ يقُولُ: «ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ منْزِلَةً»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- حبوًا: زحفًا.
- نواجذه: أنيابه أو آخر الأضراس، والمراد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ضحك غاية الضحك، ومن المعلوم أنّ غالب ضحكه التبسم بحيث لا يبدو منه إلّا المبسم، وإذا اقتضى المقام ضحك حتى تبدو النواجذ.
فوائد الحديث
- أن لأدنى أهل الجنّة عشرة أمثال ما في الدنيا من النعيم.
1885
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عَنْ أَبي مُوسَى رَضِي اللّه عنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِنَّ للْمُؤْمِنِ في الْجَنَّةِ لَخَيْمةً مِنْ لُؤْلُؤةٍ وَاحِدةٍ مُجوَّفَةٍ طُولُهَا في السَّماءِ سِتُّونَ ميلًا للْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ فَلا يَرى بعْضُهُمْ بَعْضًا»
متَّفقٌ علَيْهِ
مفردات الحديث
- الخيمة: أصلها بيت مربع من بيوت الأعراب.
- المِيل: سِتَّة آلافِ ذِرَاعٍ.
- مجوفة: مفرغة من داخلها، أي مثقوبة.
- لا يرى بعضهم بعضًا: أي في تلك الخيمة لمزيد سعتها وكمال تباعد ما بين أهلها.
فوائد الحديث
- بيان عظم خلق اللّه في الجنّة حيث يتمتع المؤمن بمظاهر باهرة من النعيم المقيم.
1886
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضِيَ اللّه عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «إِنَّ في الْجنَّةِ لَشَجرَةً يسِيرُ الرَّاكِبُ الْجوادَ المُضَمَّرَ السَّرِيعَ ماِئَةَ سنَةٍ مَا يَقْطَعُهَا» متفقٌ عليه. وَرَوَياهُ في الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ روَايَةِ أَبِي هُريْرَةَ رَضِي اللّه عنه قالَ: «يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا ماِئَةَ سَنَةٍ مَا يَقْطَعُهَا».
مفردات الحديث
- الجَواد: الفرس.
- المضمر: وصف للفرس إذا قوي على الجري.
فوائد الحديث
- بيان عظم أشجار الجنّة مما يدل على قدرة اللّه تعالى وعظيم فضله على عباده بأن دعاهم إلى عبادته وطاعته في الدنيا ليعيشوا سعداء فيها، ويثيبهم في أخراهم بالجنّة يتنعمون بما فيها من نعيم وأشجار وظل ظليل، فله الحمد والمنّة والفضل.
1887
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضِيَ اللّه عَنْهُ عَن النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إنَّ أَهْلَ الْجنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ في الأُفُقِ مِنَ المشْرِقِ أَوِ المَغْربِ لتَفَاضُلِ ما بَيْنَهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّه، تلْكَ مَنَازلُ الأَنْبِيَاءِ لا يبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: «بلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رجَالٌ آمَنُوا بِاللّهِ وصَدَّقُوا المُرْسلِينَ»
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ليتراءون: ينظرون ويشاهدون.
- الغابر: الذاهب في الأفق أي في السماء.
فوائد الحديث
- أنّ أهل الجنّة متفاوتو المنازل بحسب درجاتهم في الفضل حتى إنّ أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كالنجوم.
- أنّ المؤمنين الصالحين يبلغون منازل الأنبياء بسبب إيمانهم وتصديقهم المرسلين، نسأل اللّه تعالى أن نكون منهم.
1888
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عنْ أَبي هُريْرةَ رضِي اللّه عنْهُ أَنَّ رسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «لَقَابُ قَوْسٍ في الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ علَيْهِ الشمْسُ أَوْ تَغْربُ»
متفقٌ عليهِ
مفردات الحديث
- لقاب قوس: أي قدر ما بين المقبض في الوسط وطرف القوس، ولكل قوس قابان.
فوائد الحديث
- بيان فضل الجنّة وأنّ الموضع الصغير فيها خير ممّا تطلع عليه الشمس أو تغرب في الدنيا، وذلك لأنّ الجنّة باقية خالدة بينما الدنيا فانية زائلة.
1889
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عنْ أَنَسٍ رضِي اللّه عنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِنَّ في الْجنَّةِ سُوقًا يأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعةٍ، فتَهُبُّ رِيحُ الشَّمالِ، فَتحثُو في وُجُوهِهِمْ وثِيَابِهِمْ، فَيزْدادُونَ حُسْنًا وجَمالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ، وقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وجمالًا، فَيقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ حُسْنًا وجمالًا، فَيقُولُونَ: وأَنْتُمْ وَاللّهِ لَقَدِ ازْددْتُمْ بعْدَنَا حُسنًا وَجمالًا»
رواهُ مُسلِمٌ
مفردات الحديث
- ريح الشمال: هي التي تأتي من دبر القبلة، وخص ريح الجنّة بالشمال لأنّها ريح المطر عند العرب.
- سوقا: مكان يجتمع فيه أهل الجنّة كلّ جمعة فيه ما يريدون من غير بيع ولا شراء، يأخذ كل إنسان ما أحب وما اشتهى من السوق.
فوائد الحديث
- نعيم أهل الجنّة وما أعدّ اللّه لهم من الخير، وهم المؤمنون المتقون للّه من الجنّ والإنس، أعدّ اللّه لهم غاية النعيم.
- أنّ أهل الجنّة في غاية من الطيب والحسن، وأنّهم يزدادون طيبًا وكمالًا وحسنًا في بقية مقامهم في هذه الجنّة، وأنّهم أبدًا في زيادة، وفي نعمة دائمة.
1890
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عنْ سَهْلِ بْنِ سعْدٍ رضِي اللّه عنْهُ أَنَّ رسُولَ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ الْغُرفَ في الْجنَّةِ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ في السَّماءِ»
متفقٌ عليه
فوائد الحديث
- أنّ أهل الجنّة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن أهل الدرجات العلا ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم.
- الجنَّة درجات متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء اللّه المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم.
1891
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عنْ سَهْلِ بْنِ سعْدٍ رضِي اللّه عنْهُ قَال: شَهِدْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مجْلِسًا وَصفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حتَّى انْتَهَى، ثُمَّ قَال في آخِرِ حدِيثِهِ: «فِيهَا ما لا عيْنٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَر عَلى قَلْبِ بشَرٍ، ثُمَّ قَرأَ تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضَاجِعِ إِلى قَوْلِهِ تَعالَى: فَلاَ تعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْينٍ.
رواهُ البخاري
فوائد الحديث
- يصف النَّبيُّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم الجنّة، ويذكر ما أعدّه اللّه لأهل الإيمان في الآخرة من النعيم المقيم والثواب العظيم، فيخبر صلَّى اللّه عليه وسلّم عن الجنّة بما يشوّق النفوس إليها ويشحذ الهمم للعمل، وليشمر الطالبون لها.
1892
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عنْ أَبِي سعِيدٍ وأَبي هُريْرةَ رضِي اللّه عنْهُما أَنَّ رسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «إِذَا دخَلَ أَهْلُ الْجنَّةِ الجنَّةَ يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا، فَلا تَمُوتُوا أَبدًا وإِنَّ لكُمْ أَنْ تَصِحُّوا، فَلا تَسْقَمُوا أَبدًا، وإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلا تهْرَمُوا أَبدًا وإِنَّ لَكُمْ أَن تَنْعمُوا، فَلا تبأسوا أَبَدًا»
رواهُ مسلم
فوائد الحديث
- أنّ أهل الجنّة في نعيم دائم وفي مزيد من النعيم والخير، لا حزن ولا هرم ولا موت ولا نوم ولا أسقام ولا كدر، بل في نعيم دائم وخير دائم وراحة دائمة.
1893
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عَنْ أَبي هُريْرَةَ رضِي اللّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِنَّ أَدْنَى مقْعَدِ أَحدِكُمْ مِنَ الْجنَّةِ أَنْ يقولَ لَهُ: تَمنَّ فَيَتَمنَّى ويتَمنَّى، فَيَقُولُ لَهُ: هلْ تَمنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعمْ فَيقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ ما تَمنَّيْتَ ومِثْلَهُ معهُ»
رَواهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- بيان فضل اللّه عزّ وجلّ وما أعده اللّه لأهل الإيمان من نعيم الجنّة وأنّ لهم ما يتمنون فيها ومثله معه.
1894
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عنْ أَبِي سعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضِي اللّه عنْهُ أَنَّ رسُول اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «إِنَّ اللّه عزَّ وجلَّ يقُولُ لأهْل الْجنَّةِ: يا أَهْلَ الْجنَّة، فَيقُولُونَ: لَبَّيْكَ ربَّنَا وسعْديْكَ، والْخيرُ في يديْك فَيقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيقُولُونَ: وما لَنَا لا نَرْضَى يا رَبَّنَا وقَدْ أَعْطَيْتَنَا ما لمْ تُعْطِ أَحدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيقُولُ: أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلَكَ؟ فَيقُولُونَ: وأَيُّ شَيْءٍ أَفْضلُ مِنْ ذلِكَ؟ فيقُولُ: أُحِلُّ عليْكُمْ رضْوانِي، فَلا أَسْخَطُ عليْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا»
متفق عليه
فوائد الحديث
- أنّ اللّه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه.
- أنّ اللّه سبحانه ينعم على أهل الجنّة من شتى أنواع النعيم حتى يرضَوْا بل ويعطيهم أفضل ممّا قد رضوا به وهو رضوان اللّه تبارك وتعالى عليهم.
1895
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عنْ جرِيرِ بْنِ عبْدِ اللّهِ رضي اللّه عنْهُ قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَنَظَرَ إِلَى الْقَمرِ لَيْلَةَ الْبدْرِ، وقَال: «إِنَّكُمْ ستَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيانًا كما تَرَوْنَ هَذَا الْقَمرَ، لاَ تُضامُونَ في رُؤْيتِهِ»
مُتَّفَقٌ علَيْهِ
مفردات الحديث
- لا تضامون: من المضامة وهي المزاحمة.
فوائد الحديث
- أنّ المؤمنين سيرون ربهم في الجنّة حتمًا وذلك ثابت بغير شكّ وارتياب.
- أنّ المؤمنين سيرون ربهم كرؤيتهم للقمر لا يتزاحمون ويتدافعون في رؤيته.
1896
باب بيان ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين في الجنّة
عنْ صُهَيْب رَضِي اللّه عنْهُ أَنَّ رسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «إِذَا دَخَل أَهْلُ الْجنَّةِ الجنَّةَ يقُولُ اللّه تَباركَ وتَعالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيقُولُونَ: أَلَمْ تُبيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيكْشِفُ الْحِجابَ، فَما أُعْطُوا شَيْئًا أَحبَّ إِلَيهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ»
رواهُ مُسْلِمٌ
فوائد الحديث
- أنّ أعظم نعيم في الجنّة هو النظر إلى وجه اللًه الكريم، ورؤية اللّه هي الغاية القصوى في نعيم الآخرة، والدرجة العليا من عطايا اللّه الفاخرة، بلَّغَنا اللّه وإياكم منها ما نرجو، وقد صرح الحق تبارك وتعالى برؤية العباد لربهم في جنات النعيم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٣].
- إذا علمت أنّ أهل الجنّة لا يعطون شيئًا فيها أحبّ إليهم من النظر إلى وجه ربهم جلّ وعلا تبين لك مدى الحرمان، وعظيم الخسران، الذي ينتظر المجرمين الذين توعدهم اللّه بقوله: كلّا إنّهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: ١٥] نسأل الله السلامة والعافية.
اقرأ وارقَ